متظاهر يدخل  دار الأوبرا المهجور.  بيروت، لبنان  تشرين الأول ٢٠١٩. (ريتا قبلان، مصدر عام)

متظاهر يدخل  دار الأوبرا المهجور.  بيروت، لبنان تشرين الأول ٢٠١٩. (ريتا قبلان، مصدر عام)

أدوات الثورة المضادة: الحرب المعنوية

في اليوم ٨٣: الثلاثاء الواقع في  ٧ يناير ٢٠٢٠

لجأت أحزاب السلطة منذ الأسبوع الأول لثورة ١٧ تشرين إلى حرب من أجل المحافظة على مكتسباتها. إلى جانب القمع وأعمال العنف كان على السلطة أن تشنّ حرباً معنوية موازية لحربها المباشرة على الثورة. قمعٌ رسمي، أعمال عنف حزبية، وحرب معنوية، هكذاتكتمل ثلاثية الثورة المضادة من أجل إحباط الثوار وإخراجهم من الشارع. الحرب المعنوية جزء لا يتجزّأ من محاولات القمع إذ بدونها تعّرض أحزاب السلطة نفسها لخسارة الشارع. 

الوسيلة الأولى لأحزاب السلطة في حربهم المعنوية هي الترغيب. ترغيب السلطة يتميز بمحاولات الأحزاب إقناع الشعب عموماً و مناصريهم المنشقّين عنها خصوصاً، أن الحلول موجودة وستتحقق عبر إعلان بعض الإصلاحات والقرارات الشعبوية كرفع السرّية المصرفية من قبل بعض المسؤولين الحزبيين في التيار الوطني الحر  و حركة أمل مثلاً، أو إعلان تخفيض معاشات المسؤولين والتذرع بورقة الحريري الاصلاحية والأخيرة ليست إلا تكتل حلول، جزء منها شعبوي و الجزء الاخر إما غير واقعي او مؤذ. كل  ذلك بهدف إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل السابع عشر من تشرين. فمن خلال هذه الوسيلة، تقوم السلطة بإرباك منتقديها، لا بل تشعرهم بالذنب، وتحمّلهم مسؤولية تأخّر الإصلاحات. و من خلال هذا التكتيك، تغيّر السلطة سردية الأحداث، فيصبح المواطن هو العائق أمام إصلاح النظام لا السلطة الفاسدة التي ثار عليها.

الوسيلة الثانية لأحزاب السلطة في حربهم المعنوية هي الترهيب والتهويل. ينقسم تهويل السلطة هنا إلى ثلاثة أجزاء: الجزء الأول تهويل اقتصادي عبر إلقاء لوم الانهيار الاقتصادي على الثوار وتحركاتهم.الوسيلة الثانية لأحزاب السلطة في حربهم المعنوية هي الترهيب والتهويل. ينقسم تهويل السلطة هنا إلى ثلاثة أجزاء: الجزء الأول تهويل اقتصادي عبر إلقاء لوم الانهيار الاقتصادي على الثوار وتحركاتهم كتصريح حاكم مصرف لبنان عن انهيار الوضع الاقتصادي جراء المظاهرات – تصريح تراجع عنه فيما بعد او تصريح وزير الصحة إن تحركات الثورة تعيق وصول  الادوية والمعدات الطبية إلى المراكز، في حين ان الثورة هي التي ولدت من رحم الازمة الاقتصادية، و ليس العكس. الجزء الثاني من التهويل سياسي، من خلال إلقاء لوم الفراغ السياسي وأزمة الحكم والانقسام بين أحزاب السلطة على المتظاهرين، في حين أن المسؤولية المباشرة لتأمين تداول السلطة تقع على عاتق أحزاب السلطة الموجودين في مواقع القرار الدستورية، وليس على المتظاهرين الذين يطالبون بحقوقهم الأساسية. نرى ذلك مثلا في خطاب الامين العام لـ"حزب الله" الذي حذر فيه من خطورة الفراغ. أما الجزء الثالث والأهمّ، فهو التهويل الأمني الذي يهدف إلى رفع المسؤولية الامنية عن السلطات وتحميله للثوار. فيصبح المتظاهر إذاً مسؤولا عن تردّي الأوضاع الأمنية في البلاد في ظل غياب دور فّعال للقوى الامنية وغياب محاسبة مرتكبي أعمال الشغب التي تتحمل مسؤوليتها بجزء كبير أحزاب السلطة التي تلجأ إلى الترهيب والعنف منذ الأسبوع الأول للانتفاضة. هكذا، ومن خلال إلقاء المسؤولية الامنية على الثوار، تقوم السلطة أيضا بتحميل الثوار ذنب التدهور الأمني، فيشعر المواطن الذي يطالب بحقوقه البسيطة أن حراكه المطلبي يؤذي البلد سياسياً واقتصادياً وأمنياً. من بين الأمثلة على ذلك  نجد كلمة الاعلامي جورج غانم الذي حذر من الحرب الاهلية  وتصريح وزير الدفاع الياس بوصعب، أحد أرفع المسؤولين الأمنيين في البلاد، عن ان الأزمة خطيرة وتعيد للأذهان بدايات الحرب الأهلية.

الوسيلة الثالثة لأحزاب السلطة في حربهم المعنوية هي التهذيب وكسر حرية التعبير. في ١٧ تشرين، أسقط جزء كبير من اللبنانيين حاجز الخوف، و قاموا بانتقاد لا بل شتم زعمائهم ليس فقط في ساحات حيادية كساحة رياض الصلح وساحة الشهداء، بل في صلب مناطق نفوذ الأحزاب. ومن خلال كسرهم حاجز الخوف، اكتسب اللبنانيون، بالامر الواقع، حرية تعبير مطلقة وذلك بعد سنوات من القمع الممنهج والملاحقات القانونية والحزبية. هذه الحرية المكتسبة تميّزت أيضاً بإسقاط هالة الزعيم وألوهيته. من هنا، كان على السلطة إعادة بناء ألوهيتها التي دمّرها نشيد "الهيلاهيلاهو"، لكي تتمكن من إعادة تدوير نفسها.  فقام ساسة البلاد منذ اليوم الاول بانتقاد كل شعارات الحراك على اختلافها، لدرجة أن بعضاً منهم بدأ بإلقاء مسؤولية بعض أعمال العنف التي ارتكبها مناصرو أحزاب السلطة، على الاهانات والانتقادات التي وُجّهت إلى الأحزاب كما ورد في الخطاب الثالث للأمين العام لـ"حزب الله". تربط السلطة إذاً الاستقرار بتهذيب الثوار، وتقوم  بإعادة صياغة قمع غير مباشر لمنتقديها. 

من وسائل السلطة أيضاً لإحباط الثورة نجد إعادة فبركة التموضعات التقليدية من أجل كسر ذكرى سنوات المحاصصة الماضية. من هذا المنطلق تحاول أحزاب السلطة اعادة المواجهات السياسية المصطنعة (٨/١٤) وركوب موجة التظاهرات والتحركات. شعار "كلن يعني كلن" يقوم بإفشال كل هذه المحاولات لخطف الثورة، وذلك عبر اعادتها إلى الثابت الأساسي، أي الطغيان الشامل للأحزاب الحاكمة. من هنا اذاً نفهم أهمية وإصرار بعض أحزاب السلطة على خطف هذا المصطلح، كوزير الخارجية "السابق" جبران باسيل الذي استعمل هذا المصطلح في عيد الاستقلال أو حتى رئيس الجمهورية الذي استعمله في احدى اطلالاته.

تقوم السلطة بإشعار المواطن بأنه ليس مستقلّاً كما يظن، بل  يتمّ تحريكه واستعماله من قبل تنظيمات ودول اجنداتها غامضة أو سوداء، فيرتبك الفرد ويهرب من غموض الاستقلالية ليعود إلى وضوح عبودية أحزاب السلطة.الوسيلة الرابعة لأحزاب السلطة في حربهم المعنوية هي كسر الاستقلالية الفردية. فعندما ينتفض الفرد على زعيمه، يكتسب فعلياً استقلالية ذاتية ويصبح حرّاً في قراراته وتحركاته المناهضة للسلطة. من هنا تصبح هذه الاستقلالية خطيرة جداً على الأحزاب التي بنت سلطتها وقوتها من خلال عقود من الزبائنية وشراء الولاءات المطلقة. لذلك قامت الأحزاب منذ الأسبوع الأول من الثورة بشن عدة حملات، إن عبر الاعلام الموالي لها أو من خلال خطابات السياسيين أنفسهم. تلك الحملات اتهمت  الثوار بخدمة أجندات خارجية كما قال الأمين العام لـ "حزب الله" في بعض خطاباته أو اتهام الولايات المتحدة بأنها موّلت "باص الثورة". فمن خلال هذه البروباغاندا التي تهدف إلى ربط تحركات الثوار بتمويل مخابراتي وتحريك السفارات، تقوم السلطة بإشعار المواطن بأنه ليس مستقلّاً كما يظن، بل  يتمّ تحريكه واستعماله من قبل تنظيمات ودول اجنداتها غامضة أو سوداء، فيرتبك الفرد ويهرب من غموض الاستقلالية ليعود إلى وضوح عبودية أحزاب السلطة. من ذات المنطلق، تصوير الثورة من بعض أحزاب السلطة بأنها مدعومة  ومشكّلة فقط من بعض أحزاب السلطة الاخرى المخاصمة لها ( والبعض منها يحاول أن يركب موجة الثورة كـ "الحزب التقدمي الاشتراكي" و " القوات" و" الكتائب")، يهدف أيضا إلى كسر هذه الاستقلالية وإشعار المواطن بأنه يتظاهر من أجل مصالح حزب يكرهه، فيهرول عائداً إلى أمان حزبه الأساسي الذي انتفض عليه في 17 تشرين. المثل الأساسي هنا هو اتهام "التيار الوطني الحر" لـ "القوات" بانها وراء التحركات وأنها مستفيدة منها. نظرية المؤامرة التي تتبّناها بعض أحزاب السلطة، تستخدم مصطلحات مخيفة لوصف الثورة وأهدافها في حين أن المؤامرة الكبرى كانت وستبقى وجود أحزاب الحرب الأهلية في السلطة ونجاحهم بإعادة تدوير وجودهم بالرغم من مشاركتهم في عقود من الفساد والهدر والسرقة والسياسات الاقتصادية - المالية الفاشلة.

الوسيلة الخامسة لأحزاب السلطة في حربهم المعنوية هي إضعاف نقاط القوة للثورة. إذ تقوم السلطة ووسائلها الاعلامية بتفكيك الثورة و ضرب أجمل ما فيها ضربة تلو الاخرى. لامركزية الثورة مثلا، تستعملها السلطة لتصوّر التحركات وكأنها حكراً على مناطق معيّنة في أوقات معيّنة  من خلال التعتيم الإعلامي ليلة ٣٠ تشرين الأول على سبيل المثال ما يقضي على الشعور بالوحدة التي تتخطى المناطقية. أما ميزة العفوية، فتحاول السلطة القضاء عليها من خلال سردية ان السفارات هي من تحرك الشارع. أخيرا، تقوم أحزاب السلطة بانتقاد ممنهج  لغياب أي قيادة للثورة وتصوير ذلك كأنه محرّم عبر المماطلة بتلبية الطلبات بحجة غياب القيادة – ونرى ذلك في تصريحات وخطابات رئيس الجمهورية. نفهم اذاً أن الخطر الأكبر على السلطة ليس الثورة فقط بل غياب القيادة. فإذا نجحت الثورة من دون "زعيم"، ما فائدة الزعامات الموجودة حالياً في السلطة إذاً؟ من هنا تصبح الحرب المعنوية مسألة وجودية للزعامات الحاكمة.

يجب الانتباه للحرب المعنوية وفهم أهدافها من خلال العودة إلى الوقائع والوضوح والهدوء الثوري، وهذا أمر أساسي في محاربة محاولات السلطة لإحباط الانتفاضة.

للسلطة وأحزابها وإعلامها الإمكانيات المادية والأمنية الكافية للمماطلة في إيجاد الحلول، لكنه يصعب عليها اعادة كسب الرأي العام بسهولة، من هنا يجب الانتباه للحرب المعنوية وفهم أهدافها من خلال العودة إلى الوقائع والوضوح والهدوء الثوري، وهذا أمر أساسي في محاربة محاولات السلطة لإحباط الانتفاضة. فالثورة ليست سباق عدو سريع، بل هي "ماراتون"، والتنبّه لجميع الأفخاخ التي تنصبها السلطة سيكون إلزامياً على المدى الطويل.