ميم من صفحة عصبة العمال العابرين للمجرّات - بوساديين على فايسبوك. ٢٣ شباط ٢٠٢٠.

ميم من صفحة عصبة العمال العابرين للمجرّات - بوساديين على فايسبوك. ٢٣ شباط ٢٠٢٠.

الثقافة والثورة: نحو سياسية تأرجحيّة يسارية (٢\٢)

في اليوم ١٥٤: الأربعاء الواقع في ١٨ آذار ٢٠٢٠

في انتظار المستقبل

"كلنا في انتظار شيء ما"... يبدو شعار متكرر في منتديات الإنترنت التابعة "للبوساديين الجدد"... في انتظار الحرب النووية، الانهيار المناخي، الجائحة الفيروسية، أو العدالة الجذرية القادمة من المستقبل. ربما علينا فقط انتظار الفضائيين الاشتراكيين، كطليعة ثورية من خارج التاريخ تأتينا على متن صحون طائرة لتحرر العمال الأرضيين. فإن ال"بوسادية الجديدة" لدى "يسار-بوك"، أي وفرة الصفحات والمجموعات اليسارية على موقع فيسبوك، هي تشخيص ضروري لهمود السياسة والثقافة المعاصرة، مما أشار إليه فرانكو "بيفو" براردي في تسميته "إلغاء بطيء للمستقبل". نرى ذلك في غياب مشروع تحرري مبدع بالفعل على أيادي ما يسمونه البوساديين الجدد "اليسار الأرضي"، ونراه أيضا في ظل غياب ثقافة شعبية لا تعيد إنتاج خطاب عقد ماضي. فكما أشار الكاتب مارك فيشر في كتابه "أشباح حياتي: كتابات في الاكتئاب، علم التطارد، والمخيلات المستقبلية الضائعة"، اذا اخترت أي موسيقى معاصرة ونقلتها عبر الزمن لتسمعها لشخص في عقد التسعينات، ستصدمهم ألفة الصوت. بينما إذا نقلت "موسيقى الأدغال" الإلكترونية التي انتشرت في التسعينات إلى عقد الثمانينات، سيستغربون المستمعون تماما. 

"كلنا في انتظار شيء ما"... يبدو شعار متكرر في منتديات الإنترنت التابعة "للبوساديين الجدد"... في انتظار الحرب النووية، الانهيار المناخي، الجائحة الفيروسية، أو العدالة الجذرية القادمة من المستقبل. ربما علينا فقط انتظار الفضائيين الاشتراكيين، كطليعة ثورية من خارج التاريخ تأتينا على متن صحون طائرة لتحرر العمال الأرضيين.تبدو الثقافة المعاصرة كأنها جمدت بواسطة التبريد، تطاردها اشواق منهجية تهيمن على مخيلة كلا اليسار واليمين، فالأول يحن إلى ماض مجيد، والأخير فيحن إلى زمن كان يملئ مستقبله بإمكانيات مثالية، ما يسميه فيشر "حنين للمستقبل". إذا، ما علينا بفعله ونحن في انتظار وصول الحدث التاريخي العظيم من المستقبل...هذه الثورة التي ستعيد هيكلة عالمنا المعاصر بشكل جذري؟ الجواب يكمن في تعديل "نيو-بوسادي" لاقتباس ماركس الشهير في ١٨٥٢ من "البرومير الثامن عشر": "يعيد التاريخ نفسه، أول مرة على شكل مأساة، ثاني مرة على شكل مهزلة، والمرة الثالثة على شكل ألعاب تقمص الأدوار الارتجالية ("اللارب"). وهذا التكيف يتلائم تماما مع الاقتباس الأصلي، حيث كان ماركس ينتقد نابوليون الثالث على تقليده المشتت لعمه نابوليون الأول. والبوساديين الجدد ينتقدون اليسار المعاصر على تقليده لاشكال بائدة من العمل الجماعي، فيعتبرونه نوع من "ألعاب تقمص الأدوار الارتجالية"، وهو يلهينا عن ضرورة مشروع تحرري حقيقي، كما أنه يتجاهل التغيير الذي حصل في الظروف المادية. إذا، ما هي ألعاب تقمص الأدوار الارتجالية (المعروفة باللارب)؟ هي ما يحدث حينما نشهد رجال ناضجين، وبالفعل إنهم أغلبهم رجال، يرتدون زي فرسان العصور الوسطى، أو المعاطف الحمراء كالجنود البريطانيين الاستعماريين، أو زي ثوار ١٧٧٦، من أجل إعادة تمثيل معركة تاريخية في حقل فارغ بمكان ما في جنوب إنجلترا أو الوسط الغربي الأميركي، أو في أي مكان آخر يسمح أو يشجع على حدوث هذه المشاهد. وفي بعض الالعاب، نرى ظهور الكوفية / الحطة وهي تعاني أيضا من إعادة إنتاج مخيلة تاريخية، حيث تكافح من أجل بقائها رمز ثوري وهي تقاوم الاستيلاء عليها كأدوات زينة من قبل من نصبوا أنفسهم ثوار.

تبدو الثقافة المعاصرة كأنها جمدت بواسطة التبريد، تطاردها اشواق منهجية تهيمن على مخيلة كلا اليسار واليمين، فالأول يحن إلى ماض مجيد، والأخير فيحن إلى زمن كان يملئ مستقبله بإمكانيات مثالية، ما يسميه فيشر "حنين للمستقبل".
التسارعية، "سياسات شعبية"، والطليعة الغير بشرية

في كتابهم "اختراع المستقبل: ما بعد الرأسمالية وعالم بدون عمل" (٢٠١٥) نيك سرنتشك وأليكس ويليام، "يساريي-التسارعية" (لكنهم قد تخلوا الآن عن عنوان التسارعية حيث  لم يكن مقصودا للتسمية الذاتية من الأساس)، أطلقا اسم "السياسات الشعبية" على التقصير عند اليسار المعاصر. وعرفا المصطلح بالتالي: "على إثر التفكير الشعبي-السياسي، فإن الدورة الأخيرة من الصراعات قد تضمنت تصنيم المساحات المحلية والفعاليات المباشرة والتلويح العابر وجميع انواع الخصوصيات. بدلا من تولي الجهد المتعب في توسيع وترسيخ المكتسبات، فإن هذا الشكل من السياسة قد ركز على بناء مستودعات من أجل مقاومة النيوليبرالية العالمية. وفي فعلها ذلك، قد أصبحت سياسة دفاع، عاجزة في التعبير عن عالم جديد أو بنائه." وهذا التحليل قد يعتبر نقد مثير ولكن محدود بالنسبة لمأزقنا المعاصر. أما يشير الكاتب مارك فيشر إلى مشكلة شبيهة، يسميها "الاناركية المستجدة"، ولكنه يبرر ادعائه هذا بفارق مهم، تجنبا الاستنكار التام: "عند إشارتي للأناركية المستجدة فإنني لا أعني اناركيين أو نقابيين منخرطون في تنظيم عمالي بالفعل [...] إنما اقصد بالأحرى هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم أناركيين ولكن لا تتعدى مشاركتهم السياسية تظاهرات الطلاب، وبعض الاعتصامات، والتعليق على تويتر". اعتبر هذا التوضيح في غاية الأهمية، واضيف أن مصطلحات  ال" نيو-اناركية" أو "سياسات الشعب" لا تضم نشاطات المجتمعات الأصلية أو التنظيم الجماعي لدى الأقليات الاثنية والجنسية. يزيد فيشر التوضيح ويختم فقرته كالتالي: "يأتي الاناركيين الجدد من خلفية برجوازية صغيرة، إن لم يأتوا من وضع أكثر امتيازا حتى عن ذلك."

إلا أن ما أراه أكثر إثارة هو تشديد كلا المجموعتان على فاعل غير بشري للتاريخ، سواء في شكل قوى غير أرضية أو تكنولوجيا مبنية على مثالية / يوتوبيا تحرر القوى العاملة حول العالم من خلال التشغيل الآلي. ألم نقوم أحيانا بنسب هذا الدور إلى عنوان التغير المناخي، أو مؤخرا فايروس الكورونا؟ ترفض الناقدة والفنانة آريا دين هذه الثورية الغير بشرية، حيث تجادل أنه ليس إلا دور "الأجساد السوداء" (بمعنى الإفريقية، خاصة في معجم أميركي و مخيلته) التي قد حرمت من إنسانيتها لأغلبية عصر الحداثة.

تبدو مقاومة الرأسمالية بحد ذاتها في نوع من التجميد في براد حسب رؤية البوساديين الجدد و "يساريي-التسريعية"، حيث أنها "عاجزة في التعبير عن عالم جديد أو بنائه،"، فهي تستطيع أن تبرز نفسها فقط كسياسة دفاع. إلا أن ما أراه أكثر إثارة هو تشديد كلا المجموعتان على فاعل غير بشري للتاريخ، سواء في شكل قوى غير أرضية أو تكنولوجيا مبنية على مثالية / يوتوبيا تحرر القوى العاملة حول العالم من خلال التشغيل الآلي. ألم نقوم أحيانا بنسب هذا الدور إلى عنوان التغير المناخي، أو مؤخرا فايروس الكورونا؟ ترفض الناقدة والفنانة آريا دين هذه الثورية الغير بشرية، حيث تجادل أنه ليس إلا دور "الأجساد السوداء" (بمعنى الإفريقية، خاصة في معجم أميركي و مخيلته) التي قد حرمت من إنسانيتها لأغلبية عصر الحداثة.

عودة لسياسة (ما)... من التقلب

في تصور نقاد التطبيق المعاصر من "يساريي-التسارعية" والبوساديين الجدد، إن أعضاء الجيل الذي نضج فيما بعد ما يسمى ب"نهاية التاريخ"، أي بعد نهاية الحرب الباردة، يقومون بتمثيل أدوار الراديكاليين التاريخيين. لقد قاموا بتبني اشكال ثورية من الماضي مع إنتاجهم ثقافة ثورية تتراوح ما بين المشاركة في النظام أو التفاعل معه من خلال الاحتجاج فقط، بدلا من المحاولة في إعادة هيكلته بشكل جذري. يزعمون هؤلاء النقاد أن ليس الغرض الانسحاب من اللعب، بل اختيار لعبة اخرى: لعبة تتطلب العودة إلى التاريخ، وترفض فشل المشترك في تخيل مشروع تحرري جديد بالفعل، وتتطلب الصبر، وتوظف الإمكانية المثالية لدى ال"ميم" بدون الحاجة الدائمة للاشباع النفسي و الفوري الذي يرافقها.

الثغرات. لذا فإنني أزعم أنه قد أصبح هناك حاجة لنوع من الترجح ما بين النمطين السياسيين: اولهم يتضمن تخطيط عمودي على المدى الطويل لا يخجل من تخيل مستقبل أكثر راديكالية، والثاني يتضمن تنظيم أفقي أكثر محلية. قد يستطيع الأول تناول أحداث كارثية، مثل النكبة المناخية والتهج الجماهيري، مع الحفاظ على بقاء شبكات الأمان. وفي الوقت نفسه، يحافظ الأخير على محاسبة الطاغوت، مانعا ابتلاعه المجتمع بأكمله.
إن كل من التعمير الدنيوي العمودي والمقاومة المحلية قد عانوا من الثغرات. لذا فإنني أزعم أنه قد أصبح هناك حاجة لنوع من الترجح ما بين النمطين السياسيين: اولهم يتضمن تخطيط عمودي على المدى الطويل لا يخجل من تخيل مستقبل أكثر راديكالية، والثاني يتضمن تنظيم أفقي أكثر محلية. قد يستطيع الأول تناول أحداث كارثية، مثل النكبة المناخية والتهج الجماهيري، مع الحفاظ على بقاء شبكات الأمان. وفي الوقت نفسه، يحافظ الأخير على محاسبة الطاغوت، مانعا ابتلاعه المجتمع بأكمله. يوجد ردا غريبا على هذا المأزق في حركة فنية غامضة، أو غامضة نسبيا بعد أن قام شيا لابوف، الممثل و"فنان الميم"، بتوظيفها في عروضه شبه العامة، بداية بتلك التي اشتهرت تحت وسم #IAMSORRY. يساعدنا مانيفستو الحركة ال"ميتا-حداثوي"، حسب تسميتهم، في تصور دمج ما بين الشكلين المتعارضين للسياسة اليسارية. يقول الباب الثالث من المانيفستو: "سوف تتمكن الحركة من الآن فصاعدا من خلال التأرجح بين المواقف، بتفاعل أفكار على طرفي النقيض مثل أقطاب نابضة بداخل مكنة إلكترونية هائلة، دافعين العالم إلى التحرك." ولكن هذا موضوع لوقت آخر.