انتشار أمني كثيف في شوارع بيروت إثر الاحتجاجات التي تلت موافقة البرلمان على موازنة ٢٠٢٠. ١١ شباط ٢٠٢٠. (محمد شبلاق، مصدر عام)

انتشار أمني كثيف في شوارع بيروت إثر الاحتجاجات التي تلت موافقة البرلمان على موازنة ٢٠٢٠. ١١ شباط ٢٠٢٠. (محمد شبلاق، مصدر عام)

 

هل الدين العام اللبناني مشكلة بحدّ ذاته (٣ /٣)

في اليوم ٣١: السبت الواقع في ١٦ تشرين الثاني ٢٠١٩

في أعقاب الانهيار الاقتصادي عام ٢٠٠٨  تم الترويج للتقشّف حول العالم على أنه العلاج لديون الدول المتزايدة. لكن التقشّف ليس الا وصفة للكارثة. فالتقشّف مبدئيا هو تخفيض مدفوعات الدولة عبر اقتطاعات للرعاية الاجتماعية والخدمات التي تقدّمها الدولة (ما يعني بكلام أخر التفكيك النهائي لدولة الرعاية الاجتماعية)، وضع سقوف لرواتب القطاع العام، وتخفيض استثمارات الدولة. إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الفاعل والمستثمر الأكبر في الاقتصاد هي الدولة، ستؤدي هذه الإجراءات الى تآكل القدرة الشرائية لجزء كبير من السكان، وبالتالي الى انكماش اقتصادي ما يعني لا محالة تقلّص عائدات الدولة من الضرائب، الأمر الذي سيصعّب على الدول دفع ديونها أساساً. الطريق للخروج من الدين والتردّي الاقتصادي يكون من خلال الاستثمار في الاقتصاد، وليس عبر دفعه للانكماش.

حتى صندوق النقد الدولي اعترف بهذه الحقيقة عام ٢٠١٢. لكن المفارقة أن صندوق النقد الدولي أوصى الدولة اللبنانية بتطبيق إجراءات التقشّف، والسياسيين اللبنانيين كانوا على أكثر من استعداد بالقبول كما هو واضح من مشروع موازنة عام ٢٠١٩.  

كما ناقشنا في الجزء الثاني، فإن الدولة اللبنانية حاليا تدفع أكثر من نصف مداخيلها، بالإضافة الى المزيد من الاستدانة عبر إصدار سندات جديدة وزيادة حجم الدين، من أجل خدمة الدين الموجود حاليا (أي دفع فائدة الدين). تترجم هذه الممارسات عمليا الى المزيد من الأرباح للمصارف الخاصّة اللبنانية. يمكن اعتماد سياسة مختلفة مثل الاستدانة من أجل الاستثمار. والتي يمكن أن تأخذ اشكالا مختلفة؛ الاستثمار المباشر في المشاريع الإنتاجية او تأسيس مصرف استثماري او وضع شروط استثمارية على شراء سندات خزينة خاصة على المصارف اللبنانية.  لقد آن الأوان لتحطيم أسطورة القطاع المصرفي القوي في لبنان. هذا القطاع غير كفوء اطلاقا، قصير النظر بشكل خطير ويجب السيطرة عليه.القطاع المصرفي اللبناني كبير ومتضخّم، إذ تصل الودائع لأكثر من  ٣٠٠% من الناتج المحلي الإجمالي (فقط لوكسمبورغ وسنغافورة لديهما نسب أعلى). وغالبية رأس المال هذا غير مستثمَر الا في شراء سندات الخزينة الحكومية. والمصارف اللبنانية لا تسلّف الكثير من زبائنها أيضا. في عام ٢٠١٥ أكثر من ٤٠% من التسليفات القليلة أساسا ذهبت الى القطاع العقاري (إما تمويل مشاريع بناء أو لتمويل شراء الوحدات السكنية)، ووصلت نسبة انكشاف القروض على القطاع العقاري، مباشرة او غير مباشرة، الى ٩٠% تقريبا من مجمل القروض الممنوحة للقطاع الخاص. المصارف اللبنانية تستثمر حصرا في القطاعات غير المنتجة ذات الربحية الكبيرة والسريعة. مع اقتراب انهيار الفقاعة العقارية عام ٢٠١٢ بدأ المصرف المركزي بتقديم حزم تحفيز اقتصادية سنوية (حوالي مليار دولار سنويا) ذهب اكثر من ثلثيها الى القطاع العقاري (قارن مع عام ٢٠٠٦ بعد حرب تموز حين لم تحصل أكثر من ٢٠٠ شركة صناعية متضرّرة على أي دعم مالي من الحكومة). لقد اختار المصرف المركزي أن ينقذ القطاع العقاري، وبالتالي القطاع المصرفي. أكثر من مجرد تمويل القطاع المصرفي، تقوم الدولة اللبنانية بالتدخل لإنقاذه أيضا حين يفشل.     

لقد آن الأوان لتحطيم أسطورة القطاع المصرفي القوي في لبنان. هذا القطاع غير كفوء اطلاقا، قصير النظر بشكل خطير ويجب السيطرة عليه. في الواقع هو تحت السيطرة بعض الشيء، اذ ان من الأسباب الرئيسية لنجاة لبنان من الانهيار الاقتصادي العالمي عام ٢٠٠٨ كان منع المصرف المركزي للمصارف اللبنانية من الاستثمار في المشتقّات المالية (أي شراء ديون عالية الخطورة بفوائد عالية). لكننا اليوم بحاجة لنوع أخر من التحكّم، حيث تُفرض الأولويات والسياسات الاقتصادية آخذة في الحسبان مصلحة من يجب هذه السياسات ان تخدم. وهذا الأمر يتطلّب تغييراً جذريا.المطلوب اليوم بالحدّ الأدنى هو نظام اقتصادي "كينزيّ"، يتمثّل بتدخّل صارم للدولة في تحديد الحاجات الاقتصادية والاجتماعية، بما يشبه ما مرّت به أوروبا في عقود ما بعد الحرب العالمية الثانية.في مداخلته التلفزيونية الأخيرة حاول حاكم مصرف لبنان طمأنة المواطنين حول توفّر الدولار في السوق اللبنانية مصرّحا "يمكنهم استثمار هذه الدولارات في القطاع العقاري او غيره". هذه الرؤية الاقتصادية هي بالضبط ما نحن بحاجة لتغييره، رؤية متجذّرة في سياسات اقتصادية فاشلة مستمرّة في السعي خلف الربح السريع من خلال قطاعات غير منتجة. بيان الاقتصاديين المذكور سابقا طالب محقّاً بإعادة تشكيل الاقتصاد اللبناني. لكن البيان فشل في تحديد الإجراءات الضرورية، وحصرها بإجراءات حكومية ناعمة مثل الاستثمار في البنية التحتية او من خلال شعارات مبهمة مثل الحقّ بالسكن والرعاية الصحيّة.

المطلوب اليوم بالحدّ الأدنى هو نظام اقتصادي "كينزيّ"، يتمثّل بتدخّل صارم للدولة في تحديد الحاجات الاقتصادية والاجتماعية، بما يشبه ما مرّت به أوروبا في عقود ما بعد الحرب العالمية الثانية. المطلوب التخلّص الكامل من المقاربة النيوليبرالية بدءاً بإزاحة الوسطاء غير الضروريين، وتحديد القطاعات التي تعتبر مصلحةً عامّة ومن ثمّ حمايتها من منطق وآليات السوق. مثالاً على ذلك يمكن تأسيس قطاع صحي وطني مشابه لذلك في بريطانيا، حيث يقدّم العناية الصحيّة لجميع سكّان لبنان. هكذا اقتراح لا يعتبر أصلح أخلاقيا فقط، لكنه أيضا ممكن اقتصاديا.نحن حاليا نعيش في وضع يوضع فيه المجتمع في خدمة نظام اقتصادي يعتمد على التجارة والمصارف، في حين تكون المقاربة المنطقية بوضع الاقتصاد في خدمة المجتمع.   عبر تطبيق مبدأ الرعاية الصحيّة المتكاملة من الدولة تصبح شركات التأمين غير ضرورية، ويمكن استخدام الأموال التي تجنيها عادة تلك الشركات في بناء وإدارة هذا النظام الصحي المتكامل. وإذا تطلّب هكذا اجراء أن تستدين الدولة وتقع في الدين، فليكن. لأن اجراء مثل هذا يؤدّي الى خلق مجتمع صحيّ وأكثر انتاجيّة ما سيمكّنه بالتالي من دفع هذا الدين وحماية النظام الذي يستفيد منه الجميع.

إن أفكاراً كهذه بالتأكيد سيعارضها أولئك الذين يتربّحون من النظام القائم، في هذه الحالة شركات التأمين. لكن إجراءات كهذه أساسية لتغيير البنية الاقتصادية الحالية وتحويل الموارد الى قطاعات أخرى (غير المالية) وفي المحصّلة خلق نظام اقتصادي جديد غير مبنيّ على الربح السريع بل يعتني بالحاجات الاجتماعية، او البيئيّة التي تعتبر ضرورة لبقائنا، أو حتى، ولما لا، بالأمور البسيطة في الحياة مثل السعادة والرفاهية. نحن حاليا نعيش في وضع يوضع فيه المجتمع في خدمة نظام اقتصادي يعتمد على التجارة والمصارف، في حين تكون المقاربة المنطقية بوضع الاقتصاد في خدمة المجتمع. في النهاية، يمكن القول أن كل شيء يعتمد على سؤال واحد: في أي مجتمع نريد أن نعيش؟