متظاهرون يلبسون أقنعة تمثّل حاكم مصرف لبنان رياض سلامة خلال اعتصام مطالبين "بقصّة شعر" على الودائع الكبيرة. بيروت، لبنان في ٢٧ كانون الثاني ٢٠١٩. (ريتا قبلان، مصدر عام)

متظاهرون يلبسون أقنعة تمثّل حاكم مصرف لبنان رياض سلامة خلال اعتصام مطالبين "بقصّة شعر" على الودائع الكبيرة. بيروت، لبنان في ٢٧ كانون الثاني ٢٠١٩. (ريتا قبلان، مصدر عام)

الدين العام: كيف نستخدمه؟ (٣/١)

في اليوم ٢٩: الخميس الواقع في ١٤ تشرين الثاني ٢٠١٩

منذ بدء الانتفاضة الشعبية في ١٧ تشرين الثاني، والدين العام اللبناني على لسان الجميع. أصبحنا جميعنا على علم بالرقم الشهير "١٥٠%"، أي نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في لبنان.

كنا قد سمعنا حتى الآن عن حلّين مقترحين لمشكلة الدين. من جهة، يطالب الكثير من اليساريين بتأميم المصارف. وهذا المنطق يقول بما أن الدين العام تحمله المصارف اللبنانية الخاصة، فإن تأميم هذه المصارف يعني حكما الغاء الدين. لم نرى حتى الآن تحليل معمّق او خطط محدّدة حول دعوة التأميم هذه، رغم أن بعض المطالبين بالتأميم يعترفون ان الهدف منها هو تحفيز النقاش الذي بدوره لم يحصل بعد.

ومن جهة أخرى هناك مجموعة من الاقتصاديين والمتخصّصين دعت الى تخفيض الدين كما ورد الاقتراح في بيان صادر في ١٠ تشرين الثاني بعنوان "من اجل خطة انقاذ اقتصادي طارئة للبنان". هنا أيضا لم نجد أي خطّة تفصيلية بل مجرد ثلاثة مبادئ عامة: التخفيض يجب أن يكون عميقا، الخسائر الناتجة يجب أن تتوزع بعدل، المحافظة على قطاع مصرفي قوي. 

لا يحدد البيان نسبة تخفيض الدين العام إلا أنه يذكر ان "الحد الآمن المتعارف عليه عالميا هو ٥٠% من الناتج المحلي الإجمالي".

اننا ننسى ان ما يدفع الدين ليس الناتج المحلي الإجمالي، بل الدولة. ومن المنطقي أن لا نربط بين مداخيل الدولة وبين الناتج الإجمالي.إذن، يبدو من المناسب القول أن كلا الطرحان لا يقدما أكثر من رؤية مبهمة للتعامل مع مشكلة الدين العام. الطرح الأول-التأميم- قادم من التراث البلشفي، والطرح الثاني-التخفيض- يأتي من مقاربة نيوليبرالية. ما نفتقده هو مقاربة متكاملة للتعامل مع الدين العام في لبنان، تستند الى نقاش مفهوم الدين أبعد من حدودنا الجغرافية ومن المفاهيم التقليدية وتعبيراتها.

إذا بدأنا من نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، من الرقم ١٥٠% الشهير، يمكننا القول أنه كباقي المؤشرات في الاقتصاد بإمكانه خلق المزيد من الغموض والحيرة أكثر مما يمكنه التوضيح. فمثلا؛ إذا نظرنا الى هذا الرقم عبر السنين نجد أن نسبة الدين من الناتج المحلي الإجمالي في لبنان ارتفع في التسعينات ليصل الى ١٨٣% عام ٢٠٠٦، ثم هبط الى ١٣١% عام ٢٠١٢ وأخيرا ارتفع الى ١٥١% عام ٢٠١٨. فهل هذا المسار يعني أن الوضع الحالي للدين أفضل من العام ٢٠٠٦؟ ام ان لبنان كان في العام ٢٠١٢ يذهب في الاتجاه الصحيح لجهة تخفيض الدين العام؟ وأكثر من ذلك، إذا نظرنا الى نسبة الدين من الناتج المحلي الإجمالي في عدة بلدان نعرف أن الدول التي تسبق لبنان هي اليابان (حاليا النسبة هي ٢٣٨%) واليونان (حاليا ١٨٣%) بعد الأزمة الاقتصادية. فهل يعني هذا أن وضع الدين في لبنان أفضل من هذين البلدين؟

الجواب على هذه الأسئلة هو لا حتمية. باختصار، التفكير بالدين العام نسبة الى الناتج المحلي الإجمالي أمر مربك. مثلا، استمرت كميّة الدين بالازدياد بشكل مضطرد في لبنان رغم تقلبات نسبة الدين الى الناتج المحلي الإجمالي، كما يظهر الجدول أدناه.

جدول يظهر الاجمالي في لبنان

بالإضافة لكل ما سبق، يمكن التلاعب بمؤشر الناتج المحلي الإجمالي بسهولة. فالحكومة الإسبانية مثلًا، وبهدف إظهار اقتصادها بشكل متعافٍ، ضمّت الى ناتجها المحلي الإجمالي عام ٢٠١٤ نشاطات اقتصادية غير شرعية، مثل تجارة المخدرات والدعارة. إذا ما ضُمّت هكذا نشاطات الى الناتج المحلي اللبناني، فضلًا عن تبييض الأموال، لعلّنا نصل الى ذاك الرقم/الهدف السحري للدين البالغ ٥٠% من الناتج المحلي الإجمالي!

لكن الأهم من ذلك، هو اننا ننسى ان ما يدفع الدين ليس الناتج المحلي الإجمالي، بل الدولة. ومن المنطقي أن لا نربط بين مداخيل الدولة وبين الناتج الإجمالي. مداخيل الدولة مرتبطة بطبيعة ودرجة الضرائب المفروضة. إن أي نمو في الناتج المحلي الإجمالي لا يترافق مع سياسة ضريبية تستهدف الأرباح الناجمة عن هكذا نمو، لا تأثير حقيقي له على مداخيل الدولة، وبالتالي على الدين العام. باختصار، إن نسبة الدين العام من الناتج المحلي الإجمالي لا يمكن الاستنتاج منها أكثر من التالي: أن الدين العام كبير جدًا.

وأيضا، إن التركيز على حجم الدين يخلق فهما خاطئًا بأن الدين بحدّ ذاته سيئ حكمًا لأي اقتصاد. ولكن، حين حصلت الثورة الاقتصادية المعروفة باسم الرأسمالية، كان الدين على رأس سلسلة من المسبّبات. ببساطة، أولًا كان الاقتراض، ثم الاستثمار، وأخيرا الأرباح ومراكمة رأس المال. وفي العقود الأربعة الأخيرة، تضخّم الدين الحكومي حول العالم بشكل كبير مدفوعًا بشكل أساسي بانتشار النيوليبرالية وسياسات التخفيضات الضريبية على الشركات العملاقة والأفحش ثراءً، سياسات ما هي إلا تعاويذ اقتصادية اعتبرت أنه حين يجمع الأغنياء المال سيتساقط بعضها نزولًا إلى باقي الناس. هذا الأمر ترك القليل من المداخيل للدول لتموّل مشاريع الرعاية الاجتماعية او ذات المنفعة العامة.

من المفيد أن نسأل، بدل أن نعتبر أن الدين هو المشكلة بحدّ ذاته، كيف يدفع بلد ما دينه؟ وكيف استُعمل المال المقترَض؟ أتى تراكم الدين العام في لبنان نتيجة لسياسات مثل تلك المذكورة، خاصة في التسعينات، مع أنه جدير بالذكر أن مشاريع الرعاية الاجتماعية تكاد تكون معدومة في لبنان.

لذلك من المفيد أن نسأل، بدل أن نعتبر أن الدين هو المشكلة بحدّ ذاته، كيف يدفع بلد ما دينه؟ وكيف استُعمل المال المقترَض؟ سنتطرق الى هذه الأسئلة بالتفصيل في الأجزاء اللاحقة من سلسلة المقالات هذه. ولكن، فلنقل الآن، أنه بالنسبة للسؤال الأول، من المهم جدًا الاشارة الى أن الفائدة التي كان يدفعها لبنان عام ٢٠١٦، تشكّل ٥٠،٨٤ بالمئة من مجمل إيرادات الدولة، وهي النسبة الأعلى عالميًا. وهذا الأمر يحتمل الشرح؛ أكثر نصف مجمل إيرادات الدولة اللبنانية ذهبت لخدمة الدين العام، أي دُفعت فوائد للدين. أما بالنسبة للسؤال الثاني، في ٢٧ تشرين الثاني من هذا العام، أصدر لبنان سندات خزينة بقيمة ٣ مليار دولار لدفع سندات مستحَقّة بقيمة ١،٥ مليار دولار خلال الشهر ذاته. باختصار، كانت السياسة الرسمية طوال عقود المزيد من الاقتراض من أجل دفع الدين، بالإضافة إلى تحويل جزء كبير من الإيرادات للغاية ذاتها.