بائع متجوّل يمرّ بالقرب من تظاهرة ضدّ حملة وزارة العمل على العمالة الأجنبية في بيروت. ٣٠ تمّوز ٢٠١٩. (حسين بيضون، مصدر عام)

بائع متجوّل يمرّ بالقرب من تظاهرة ضدّ حملة وزارة العمل على العمالة الأجنبية في بيروت. ٣٠ تمّوز ٢٠١٩. (حسين بيضون، مصدر عام)

 

العمال والنضال الاجتماعي والاحتجاج الجماعي (١ /٢)

في اليوم ٤٧: الاثنين الواقع في ٢ كانون الأول ٢٠١٩

عبّر المتظاهرون والمتظاهرات في لبنان منذ اليوم الاوّل عن المطالب الاقتصادية الاجتماعية، وانتشرت في التظاهرات شعارات مثل "هذا ليس فساداً، إنها النيوليبرالية". سؤال يطرح نفسه وسط هذه الاحتجاجات وهو أين هي المنظمات العمالية في لبنان ولماذا بقيت الاتحادات العمالية صامتة حتى الآن؟ لم يدعو الاتحاد العمالي العام حتى اللحظة الى إضراب عام أو مظاهرات، ولم يصدر عنه أي بيان إلا بعد مرور ١٩ يومًا على بداية التظاهرات. الغياب الفاضح للحركة العمالية في لبنان أمر خطير في هذه اللحظة المفصلية، رغم لعب هذه الحركات دورًا أساسيًا في ثورتي مصر وتونس عام ٢٠١١، وهي تلعب حاليًا دورًا مهما في الثورة السودانية. من أجل فهم تخلّف العمال والعاملات عن اللحظة الثورية اللبنانية، يجب الانتباه الى ثلاثة عوامل: التدمير الذي لحق بالحركة العمالية بعد انتهاء الحرب الأهلية نتيجة للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية، البيئة القانونية المعادية للتنظيم العمالي، والمشاكل التنظيمية الداخلية للحركة العمالية ذاتها.

نجحت السياسات الاقتصادية النيوليبرالية المتّبعة منذ نهاية الحرب الأهلية بتفريغ الحركة العمالية بعد أن كانت قد نجحت الحركة في عقود الستينات والسبعينات بتحسين مستوى الدخل والمعيشة للعمال. وزاد تحرير التجارة المتوحش، بالإضافة الى الاتكال على رأس المال الأجنبي والتحويلات، من تشويه الاقتصاد وسوق العمل. كما عجّلت خدمة الدين المرتفعة من تطبيق سياسات مالية وضريبية ضربت القطاعات المنتجة التي تضم عادة أعدادًا أكبر من العمال والعاملات. بقي معدّل الانخراط في العمل - نسبة السكان فوق عمر ١٥ سنة الذين يعملون أو يبحثون عن عمل - منخفضًا وراكدًا على نسبة ٥٠ %. والغالبية العظمى من المؤسسات هي صغيرة الحجم، إذ توظّف أقل من ٥ عمال، ما كان له الأثر السلبي على التنظيم النقابي، بما أن القدرة على التنظيم العمالي محدودة جدًا في المؤسسات الصغيرة. بالإضافة لما سبق، لا بد من التذكير بأن العمالة الأجنبية وغير الشرعية والرسمية (العمالة الموسمية مثلًا) ليس لديها الحق في الانتماء إلى النقابات.

بالإضافة الى قيود سوق العمل، تعاني الحركة العمالية من قيود قانونية تكبّلها. لم يوقع لبنان على معاهدة منظمة العمل الدولية رقم ٨٧لعام ١٩٤٨ حول حرية الاجتماع وحماية الحقّ بالتنظيم النقابي، التي تلغي شرط الترخيص المسبق للتنظيم النقابي العمالي. علاوة على ذلك، يقيّد قانون العمل اللبناني الصادر عام ١٩٤٦المادة ٨٦، الحريات النقابية بشكل كبير، إذ يمنع تأسيس الاتحادات العمالية من دون ترخيص مسبق من وزارة العمل، وحسب المادة ٥٠ من القانون، فإن أعضاء الاتحادات الوحيدين المحميين من الصرف هم المنتخبون كأعضاء في مجالس إدارة الاتحادات.   

الحركة العمالية اللبنانية تعاني من مشاكل تنظيمية بنيوية، اذ إنها ممثلة بالاتحاد العمالي العام، وهو اتحاد جامع يضم أكثر من ٦٠ تنظيم واتحاد نقابي عمالي بدون أي اعتبار مهني أو جغرافي. ومن أكبر نقاط الضعف في هكذا بنية تنظيمية هي ضعف الصفة التمثيلية للقوى العاملة. إذ إن ٤٠٠ نقابة عمالية تعتبر فاعلة (أي تعقد انتخابات دورية) تمثّل مجرّد ٦% من مجمل القوى العاملة في البلد. وطبعًا، لا توجد ديمقراطية داخل الاتحاد العمالي العام نفسه، فمثلًا ينتخب ممثلو الاتحادات رئيس الاتحاد العمالي العام، لكن يتم تعيينهم من قبل رئيس الاتحاد نفسه. باءت المحاولات المتعددة لتعديل نظام الاتحاد وجعله أكثر ديموقراطية بالفشل، ما أفسح المجال للتدخلات السياسية والتلاعب به.

منذ أواخر التسعينات، كان الاتحاد العمالي العام قد أصبح امتدادًا للطبقة الحاكمة، وأصبحت مواقفه متناقضة تمامًا مع مصالح ومطالب القوى العاملة التي يفترض به تمثيلها.

ولم تتردد الطغمة الحاكمة في استغلال نقاط الضعف هذه، وقد تضمنت تكتيكاتها حرمان الاتحاد من ميزانيته المتوجبة من وزارة العمل، وتسهيل تفريخ اتحادات عمالية مرتبطة بالأحزاب الحاكمة، والتدخل المباشر بانتخابات الاتحاد على كافة مستوياتها النقابية والاتحادية والكونفدرالية. منذ أواخر التسعينات، كان الاتحاد العمالي العام قد أصبح امتدادًا للطبقة الحاكمة، وأصبحت مواقفه متناقضة تمامًا مع مصالح ومطالب القوى العاملة التي يفترض به تمثيلها. مثال على هذا التناقض، هو رفض الاتحاد العمالي في عام ٢٠١١ دعم اقتراح وزير العمل آنذاك شربل نحاس برفع الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص من ٣٣٣$ الى ٥٨٠$ كجزء من صفقة إصلاحية متكاملة. اصطفّ الاتحاد مع ممثلي أصحاب العمل لدعم اقتراح رئيس الوزراء آنذاك نجيب ميقاتي بتحديد الأجور عند ٤٥٠$ شهريًا.

لم يقتصر التدخل بالتنظيمات النقابية على الاتحاد العمالي العام والقطاع الخاص فقط. فقد تمت السيطرة أيضًا على لجنة التنسيق النقابية التي تمثّل موظّفي القطاع العام، نتيجة النجاحات التي حقّقتها في السنوات السابقة. نجحت لجنة التنسيق النقابية، بسبب بنيتها المركزية وديمقراطيتها، ومدعومة بأكثر من ١٣ ألف منتسب ومنتسبة من موظفي وموظفات القطاع العام، في قيادة حملة لرفع الأجور (المعروفة بسلسلة الرتب والرواتب) في القطاع العام بين عامي ٢٠١٢ و٢٠١٧. أتى نجاحها على الرغم من أن القطاع العام يعاني مثل القطاع الخاص من قيود قانونية على حق التنظيم النقابي. إذ يُمنع على موظفي وموظفات القطاع العام التعاطي الصريح في السياسة، أو الانضمام الى أحزاب، أو الإضراب حتى. إذ حسب المادة ٦٥ من المرسوم الاشتراعي رقم ١١٢، تُعتبر مشاركة موظفي الدولة في أي إضراب بمثابة استقالة من الوظيفة. ونتيجة للتحركات النقابية التي أفضت بنهاية الأمر إلى تعديل سلسلة الرتب والرواتب لمصلحة الموظفين والموظفات، تحالف مرشحو عشرة أحزاب من السلطة في انتخابات لجنة التنسيق وأخرجوا ممثليها من قيادتها.

في هذا المناخ العمالي تحديدًا، بدأت مجموعة من المهنيين والمهنيات بتنظيم أنفسهم/ن تحت مظلة جديدة اسمها "مهنيات ومهنيين" وتضم أساتذة جامعات وصحفيين وصحفيات ومهندسين ومهندسات وأطباء وطبيبات وغيرهم. استلهمت هذه المجموعة تجربة مهنيين ومهنيات السودانية، واعتمدت على حركية ثورة تشرين للدعوة الى تنظيمات نقابية بديلة كما نظّمت مظاهرة ضد الاتحاد العمالي العام أمام مقرّه الرئيسي. 

الجزء الثاني من هذه المقالة سيستكشف ظهور هذه التنظيمات الوليدة والتعبيرات الجديدة للاحتجاجات العمالية التي أصبحت عاملا بارزا في ثورة تشرين.