عاملة منزلية مهاجرة تصوّر مظاهرة الأول من أيار تمرّ تحت شباك المنزل الذي تعمل فيه. بيروت، لبنان. (مروان طحطح، مصدر عام)

عاملة منزلية مهاجرة تصوّر مظاهرة الأول من أيار تمرّ تحت شباك المنزل الذي تعمل فيه. بيروت، لبنان. (مروان طحطح، مصدر عام)

بين نظام الكفالة والاهمال الحكومي: كيف تُركت العاملات للجوع خلال جائحة عالمية

في اليوم ١٩٤: الاثنين الواقع في ٢٧ نيسان ٢٠٢٠

منذ وصول الجائحة الى لبنان في شباط الفائت شهدت العاملات المنزليات تدهورا حادا في معيشتهن. فبعد أن طردت من العمل أو أجبرت على العمل غير المأجور مع بداية الازمة الاقتصادية، تواجه الآن العاملات تحديات غير مسبوقة مع فيروس كورونا: التجويع والتشرّد. وبما أن لا الحكومة اللبنانية ولا حكوماتهن تريد مساعدتهن، وقعن تحت رحمة نظامٍ مؤذٍ.

بالطبع تسبق هذه المعضلة انتشار فيروس كورونا. كتبت في مقال سابق لمصدر عام عن عذاب لا ينتهي تعاني منه العاملات المنزليات بعد الانهيار الاقتصادي الذي أدّى الى مظاهرات عمّت لبنان منذ السابع عشر من تشرين الأول الفائت. أوضحت فيه لماذا من المستبعد أن تستفيد الفئة الأكثر تهميشا في البلد من أي نتائج محتملة للثورة، وكيف فاقمت الازمة الاقتصادية من وضعهنّ القانوني والمعيشي الهشّ أساسا. أما الآن فقد ازداد الوضع بؤسا مع الجائحة العالمية.

إن السبب الرئيسي لمصيبة العاملات يبقى نظام الكفالة. فهذا النظام يضع الوضع القانوني للعمالة المنزلية حرفيا في أيدي الكفلاء أو أرباب العمل، الذين غالباً ما يعاملون العاملات بالعنف والاستغلال وسلوك لا يمكن التنبّؤ به، في حين يستثني النظام العاملات من الحماية المحدودة التي يوفّرها قانون العمل.

كما أن نظام الكفالة يمنح الكفيل حرية مطلقة بإلحاق كل أنواع الأذيّة بالعاملة، ويعطيه الحق بمصادرة جواز سفرها، والأسوأ من ذلك، يسمح باستعبادنا. لطالما وصفت الكفالة بأنها حكم بالسجن سنتان وثلاثة أشهر، المدة المعتمدة لعقد عمل العاملة المنزلية، دون ارتكاب جريمة. أطلق مسؤولو كبار العديد من الوعود بإصلاح هذا النظام، بما فيهم وزير العمل السابق كميل أبو سليمان، لكنها بقيت وعودا فارغة.

في عام ٢٠١٧ أسست في بيروت مع زميلات اثيوبيات عاملات جمعية "إينيا لينيا بيسيدت" والتي تعني في الامهرية "منا نحن المهاجرات لنا نحن المهاجرات". نعمل من أجل حقوق العاملات المنزليات ومن أجل زيادة الوعي حول مخاطر العمل في لبنان في الخدمة المنزلية. منذ إعلان الحكومة اللبنانية حجرا صحيا كاملا في البلد بعد انتشار فيروس كورونا، أُجبِرَت العاملات المنزليات، الكثير منهنّ لم تقبضنّ أجورهنّ لعدّة أشهر بعد الانهيار الاقتصادي، على تمضية أيامهنّ مع مستخدِمين يشعرون بالتوتر والقلق والملل. وصلت الى جمعيتنا الكثير من الاتصالات والرسائل عبر فايسبوك ترسم صورة قاتمة للحياة في الحجر مع مستخدِميهن.  

لطالما وصفت الكفالة بأنها حكم بالسجن سنتان وثلاثة أشهر، المدة المعتمدة لعقد عمل العاملة المنزلية، دون ارتكاب جريمة.كتبت إحدى النساء "أخاف حتى أن أسعل". "سعلت مرة فنظرت اليّ المدام نظرةً ملؤها الرعب. سأرمى في الشارع إذا ما فكروا أني مصابة بالفيروس، لذلك أركض الى غرفة أخرى عندما أشعر بالحاجة الى العطس أو السعال". أخبرتنا امرأة أخرى أنها شعرت بوجع في حلقها لكنها خافت أن تخبر مستخدميها. كما أخبرتنا العديد من النساء أنه يتم إرهاقهنّ في العمل بسبب وجود مستخدميهنّ في المنزل طوال اليوم. إذا كنّ قادرات في السابق على التقاط أنفاسهنّ خلال وجود المستخدِمين في العمل، فهذا أصبح مستحيلا الآن. وفي حالات أكثر شدّة، تخبر النساء قصصا عن تعرّضهنّ للضرب، وطردهنّ الى الشارع من قِبل مستخدِمين سريعي الغضب، حيث تُركّن لإعالة أنفسهن. كما انتشر نوع جديد من العنصرية إذ يصدّق بعض المستخدِمون أن الأفارقة أكثر قابليةً للإصابة بالفيروس. سمعنا من نساءٍ أن مستخدِميهنّ يجبرنهنّ على ارتداء القفازات والكمّامات طوال الوقت، ورأينا صوراً تثبت هذا الجهل الفظيع.  

إذا كان بإمكان العاملات المنزليات في السابق طلب اطلاقهنّ من العمل او ارسالهنّ الى وكالة التوظيف، فقد خسروا هذا الخيار اليوم. لا يوجد أي ملجأ على الإطلاق، إذ قلّصت الكثير من الجمعيات عملياتها بعد الحجر. وكالات التوظيف ما زالت تعمل لكنها ترفض استقبال العاملات اللواتي جنّدتها، بحجّة الخوف من انتشار المرض. السفارات مغلقة أيضا. لا ملاذ لعدد لا يحصى من النساء اللواتي تعملن بكدّ في خدمة مستخدِميهنّ، حتى ولو نجحّن بالهرب. ترك هذه المنازل الآن أصبح غير وارد، بل خطر، إما بسبب التوقيف لمخالفة الحجر أو بسبب احتمال الإصابة بالفيروس بدون إمكانية الحصول على المساعدة الطبية.

بالفعل لقد أصبحت الآثار العاطفية هائلة. إحدى النساء حاولت الانتحار بعد أن عزلها مستخدمها عن بقية العالم، حيث لم تكن تعرف عن الثورة أو الجائحة حتى. لقد نجت. بينما كانت ترقد في المستشفى سمحت الممرضات لها باستخدام الهاتف، وكانت المرة الأولى منذ ٦ أشهر، وهكذا استطاعت الاتصال بنا. ما تحتاج إليه هو الخروج من ذلك المنزل المريع، لكنه ليس خياراً حالياً. ما زلنا على اتصال معها ويبدو أنها تتحسن.

إذا كان بإمكان العاملات المنزليات في السابق طلب اطلاقهنّ من العمل او ارسالهنّ الى وكالة التوظيف، فقد خسروا هذا الخيار اليوم. لا يوجد أي ملجأ على الإطلاق، إذ قلّصت الكثير من الجمعيات عملياتها بعد الحجر. وكالات التوظيف ما زالت تعمل لكنها ترفض استقبال العاملات اللواتي جنّدتها، بحجّة الخوف من انتشار المرض.على خلاف العاملات اللواتي تعملّن بموجب عقد عمل ويعشن في منازل مستخدميهن، للعاملات الحرّات (فريلانس) مثلي اللواتي هربن من الإساءة أو الاعتداء الجنسي ولم تعد محتجزات ضد ارادتهن، مجرد البقاء أصبح تحدّيا مهولا. لقد اضطررن لإيجاد أماكن للعيش ودفع إيجارها والاختباء حتى لا يتم توقيفهنّ من قبل الأمن. من اللحظة التي تهربن فيها من مستخدميهن تصبح إقاماتهنّ ملغاة بما أن العمل بلا كفيل ممنوع. رغم كونهنّ أحرار تقنيا، معظمهن بل عمل أو دخل منذ بداية الجائحة. بلا عمل يعني أن القدرة على تأمين الأساسيات مثل الإيجار والطعام أصبحت غير مضمونة. كونهنّ بلا وثائق يضعهنّ في خطر مضاعف، وبما أن المطار مغلق فلا يمكنهنّ العودة الى بلادهنّ.

الأمهات العازبات اللواتي تعملن على حسابهن هنّ الأكثر عرضةً للخطر. العديد منهن تعرضن للاغتصاب وحملن، في حين أخريات خُدعن بتصديق أنهن وجدن شريك لكن هُجرن لاحقا. تحمل تلك النساء همّ تربية أطفال لم تخططن لإنجابهم في بلد يجعلهن يشعرن بالعار. أصبح إطعام أطفالهن قلقهم اليومي. هناك أمهات تفكرن بعرض أطفالهن للتبني. في حين تبحث أخريات عن القليل هنا وهناك من أجل البقاء يوما آخر. أطلقت جمعية "منا ولنا" حملة لجمع التبرعات أونلاين وقمنا بتوزيع الطعام مع إعطاء الأولوية للأمهات العازبات والعاملات اللواتي بحاجة لرعاية طبية عاجلة. لكن مواردنا محدودة والدعم الحكومي غائب حتى في حين يتدهور الوضع بسرعة. إحدى الأمهات اللواتي أوقفن عن العمل خلال الأيام الأولى للثورة أخبرتنا أنها استعملت آخر مدخراتها لدفع الإيجار وأساسيات الطعام لطفلتها. لكن الآن بعد نفاذ المال لا تستطيع شراء الحليب والطعام، وقد جفّ حليب صدرها فلا تستطيع إرضاع ابنتها. بعدما أصبحت بلا حيلة، لجأت الى غلي الارزّ واستعمال مائه بديلاً عن حليب الأطفال. هذه واحدة من القصص الكثيرة التي تبقينا بلا نوم ليلا من القلق.

أداء القنصلية الإثيوبية كان مخيبا للآمال. لقد أغلقت أبوابها ولم تطلق أي برنامج استجابة طارئ، حتى للعاملات بلا عقد عمل اللواتي بحاجة للدعم للطعام ودفع الايجار في مواجهة أصحاب المنازل الذين يعاملونهم بلا رحمة ويريدون طردهن. العاملات عالقات بين سندان الجوع ومطرقة الطرد من المنازل. هناك عدة منظمات ومجموعات مجتمعية اثيوبية مثل "منا ولنا"، يستعملون المصادر القليلة لديهم لتوزيع الطعام. الجهد الجماعي مؤثّر جدا ولكن أبعد ما يكون عن كافٍ. في أوقات مثل هذه يجب على الحكومة الاثيوبية أن تقوم بدورها. المواطنون الاثيوبيون يطالبون بإلحاح بإعادتهم الى بلدهم من لبنان خلال الأشهر السابقة، لكن مجرد تخصيص بعض الموارد من أجل تأمين الطعام لأولئك الذين على حافة الجوع يعتبر نقطة بداية أساسية. في حين تقوم القنصلية الاثيوبية بالدعاية لعمل منظمات مثل منظمتنا، لكنها لم تقدّم، حتى اللحظة، أي قرش لدعم مواطنيها في لبنان.

أداء القنصلية الإثيوبية كان مخيبا للآمال. لقد أغلقت أبوابها ولم تطلق أي برنامج استجابة طارئ، حتى للعاملات بلا عقد عمل اللواتي بحاجة للدعم للطعام ودفع الايجار في مواجهة أصحاب المنازل الذين يعاملونهم بلا رحمة ويريدون طردهن. العاملات عالقات بين سندان الجوع ومطرقة الطرد من المنازل. أمكن لي مشاهدة هذا النظام الفاشل شخصيا. في اثيوبيا يفترض أن مكتب المدير العام للشرق الأوسط في وزارة الخارجية، الذي يرأسه "شاميبو فيتامو"، يشرف على الوضع المعيشي للأثيوبيين في لبنان. عندما سألت وكالة الأنباء العالمية "رويترز" المدير "فيتامو" عن استجابة الحكومة الاثيوبية لمعضلة مواطنيها في لبنان، ادعى أن السفارة تعمل مع الجالية الاثيوبية لتوزيع الطعام ثم أضاف "إذا كان هناك حاجة لإعادة التوطين، فنحن نجهّز لذلك أيضا". بالطبع ليس هناك ذرّة من الحقيقة في هذا الكلام، ولم تستلم أي جمعية أو مجموعة مجتمعية موادا غذائية أو دعما ماليا من القنصلية إطلاقا. خلال تواصلنا المعتاد مع القنصلية الحجة التي كثيرا ما نسمعها هي "قدراتنا المالية محدودة جدا". لا نجد أي دعم من أموال الضرائب الإثيوبية. أننا بلا معين إلا أنفسنا. الاخلاء ضروري الآن، هذا أمر لا يمكن التشكيك فيه، لكن الحكومة الاثيوبية تقلل قصداً من شأن الكارثة التي نواجهها. نحن بحاجة لعملية إخلاء منذ بداية الأزمة الاقتصادية السنة الماضية.

يستسغ "فيتامو" الذي ناقضته في المقال ذاته المذكور من "رويترز". فقد استعجل الردّ من حسابه على تويتر أني "أعيش في كندا واضلل الناس" ويجب عليّ "ترك الأمور للحكومة التي تعرف ماذا تفعل". لكني لا أضلّل أحد. ضمن عملي أقوم بتنسيق توزيع الغذاء في لبنان بينما أقوم أيضا بالرد على الخط الساخن عبر وسائل التواصل الاجتماعي وأستمع لأكثر الناس هشاشةً وانكسارا يطلبون المساعدة الملحّة. أحيانا أشعر كأنني ما زلت في لبنان. اني أدرك جيداً أسوأ ما يمكن أن يقدمه هذا البلد الذي عشت فيه ما يقارب العقد من الزمن وأنا أعمل في الخدمة المنزلية، سنتان منهم دون يوم عطلة، معنّفة جسديا، ودون طعام كافي. أعرف الكثير عن الجوع واليأس الذي تختبره بنات بلدي. الحقيقة هي أننا لا نتمتع بقيمتنا الكاملة كمواطنات. في تغريدة أخرى فيتامو قال أن إخلاء العاملات المنزليات الإثيوبيات من لبنان غير وارد لأنه من الممكن أن يحملوا الفيروس معهم الى اثيوبيا ويضعون مواطنيها البالغ عددهم ١١٠ ملايين في خطر. نحن مواطنات درجة ثانية، مجرد فكرة غير مهمة.

أحيانا أشعر كأنني ما زلت في لبنان. اني أدرك جيداً أسوأ ما يمكن أن يقدمه هذا البلد الذي عشت فيه ما يقارب العقد من الزمن وأنا أعمل في الخدمة المنزلية، سنتان منهم دون يوم عطلة، معنّفة جسديا، ودون طعام كافي. أعرف الكثير عن الجوع واليأس الذي تختبره بنات بلدي.مرةً أخرى تترك العاملات المنزليات، بغض النظر عن جنسيتهنّ، لمصيرهنّ. لكن ينبغي ألا يكون هكذا الوضع. هؤلاء النساء كنّ ترسلّن التحويلات الى بلادهنّ وتساهم في الدخل القومي. رغم ذلك، لم تحصل الغالبية على المساعدة من حكوماتهنّ في وقت الضرورة. سأستمرّ في دعوة كل البلدان التي تعمل مواطناتها في الخدمة المنزلية في لبنان الى تحمّل مسؤولياتها. إن إغلاق أبواب السفارات في أوقات كهذه أمر غير أخلاقي. افتحوا أبوابكم، وحولوا الأموال من المشاريع الأخرى العقيمة واستثمروها في الغذاء والمواد الطبية التي تحتاجها العاملات بطريقة ملحّة. كما أدعو الحكومة اللبنانية للسماح للعاملات غير الموثّقات بالرحيل عن لبنان إذا ما رغبوا بذلك، بدون دفع غرامات باهظة. العديد منهن أمضوا الأشهر الأخيرة بلا عمل. بعضهنّ لم يكن أمامهنّ الخيار إلا الاستجداء في الشارع من أجل البقاء على قيد الحياة. لم يعد هناك ما يمكن ابتزازه من تلك النساء. مثل الجميع في لبنان، نأمل أننا نشهد أسوأ ما ستؤول إليه الأمور.