Beirut's grain silos were at the epicenter of the August 4 explosion at the port and had a capacity of 120,000 tons of grain. Beirut, Lebanon. August 6, 2020. (Zein Jaafar/The Public Source)

كانت إهراءات الحبوب في بيروت مركز انفجار ٤ آب في المرفأ، حيث كانت تسع ١٢٠٬٠٠٠ طن من الحبوب. بيروت، لبنان. ٦ آب ٢٠٢٠ (زين جعفر/ مصدر عام).

 

تراشق اتهامات لا ينتهي ولا يرحم في مرفأ بيروت للفساد المؤسساتي

بعد انفجار ٢٧٥٠ طن من نترات الأمونيوم في مرفأ بيروت يوم الرابع من آب، تدمّر نصف المرفأ وصارت أجزاء محاذية له من المدينة غير صالحة للعيش. حصد الانفجار حياة ١٩١ شخصاً. يضم عدد الضحايا، وهو غير نهائي بعد، عناصر إطفاء، وعاملين في المرفأ، وعمالة أجنبية، وسكانًا في الجوار. لا يزال كثيرون في عداد المفقودين. خسر ثلاثمئة ألف شخص منازلهم في مدينة تعاني أصلًا أزمة سكن شديدة أججتها المضاربات العقارية المستمرة لسنوات. صار الآن على سكان هذا البلد، الذي تمارس الطبقة الحاكمة فيه النهب الممنهج وتوزع الثروة لشريحة صغيرة عوضًا عن توزيعها على عامة الشعب، أن يواجهوا مصيبة الدمار العمراني مضافًا إليها انتزاع الملكية الذي تحاك مخططاته السياسية والاقتصادية خلف أبواب مغلقة.

في خضم المصائب المتراكمة، يجب عدم التقليل من شأن ما يمثله تدمير مرفأ بيروت، فثلاثة أرباع صادرات لبنان تمر عبره، مما يعني أنّ معظم السلع التي تضمن استمرار الحياة في لبنان باتت مهدّدة. وقد حذّر مسؤولون في الأمم المتحدة من عدم امتلاك الحكومة اللبنانية مخزونات استراتيجية من الحبوب بعد أن تدمرت إهراءات الحبوب الأكثر أهمية لديها. وبفعل الإهمال الإجرامي، مُحيت المناطق الحرة في البلد تماما، ودُمّرت منشآتها، وسُوّيت مستودعاتها أرضًا.

وفيما يتم تصوير الفساد كالمشتبه به الأول، يُظهر هذا المقال كيف يشكّل سوء الإدارة، والابتزاز، والأنشطة غير المشروعة روتيناً ممأسسًا في مرفأ بيروت. بدل الحديث عن دولة لبنانية "ضعيفة" غير قادرة على ضبط الفساد والسيطرة عليه، يبيّن هذا العرض التاريخي الموجز لسياسات المرفأ كيف عملت الطبقة السياسية في لبنان على خلق واستدامة الظروف المواتية لتعزيز الفساد وسوء الإدارة. لم يكن ما حصل يوم الرابع من آب حادثًا أو مجرّد إهمال، بل جريمة تمتد جذورها في الصراعات السياسية.

الفساد ورفع القيود: ميراث الحرب الأهليّة

   لم يخفَ على أحد لسنوات أن مرفأ بيروت يتّسم بالفساد المؤسسي والتهريب. لم يكن مفاجئًا للغاية، في ظل طبقة حاكمة بفساد الطبقة الحاكمة اللبنانية - والتي تدعمها قوى إقليمية ودولية بشكل ممنهج - أن يحدث إهمال من قبيل الذي حدث، وإن كان مقدار الكارثة يفوق الخيال.

أُدير مرفأ بيروت بين عامي ١٩٦٠ و١٩٩٠ عبر امتياز خاص مُنح لرجل الأعمال الثري هنري فرعون، وفي خضم الحرب الأهلية تدمّرت أجزاء من المرفأ واستولت عليها القوات اللبنانية على الرغم من أن فرعون  كان لا يزال يمتلك الامتياز. عندما انتهت مدّة الامتياز عام ١٩٩١، وبينما كانت الحرب تشارف على الانتهاء، سيطرت الحكومة اللبنانية بشكل رسمي على المرفأ، ساعية إلى استعادة مكانته كأهم مرفأ في لبنان وبوابته الرئيسية نحو الاقتصاد العالمي. عمدت الحكومة، التي كانت سيطرتها مؤقتة في البداية، إلى إنهاء الصفة المؤسسية للمرفأ، حيث طرح بعض السياسيين تمديد الامتياز السابق، فيما نادى آخرون بالخصخصة، وطمحت أقلية بتأسيس نوع من سيطرة القطاع العام على المرفأ. "سوف يُعاد بناؤه من جديد ويجهّز بأحدث المواد والتقنيات بشكل كامل... سوف يصبح الأفضل"، هذا ما قاله وزير الدولة لشؤون النقل شوقي فاخوري عام ١٩٩٢.١ وبعد ستّ سنوات، ثبت أن عائدات الجمارك والمكوس، القادمة بمعظمها من المرفأ، هي المساهم الأكبر في خزينة الدولة، بنسبة بلغت ٤٣٫١ في المئة من مجموع عائدات الحكومة.٢

 عامل إنقاذ يقف بالقرب من إهراءات الحبوب في مرفأ بيروت خلال عملية بحث وإنقاذ. بيروت، لبنان. ٦ آب ٢٠٢٠ (زين جعفر/ مصدر عام)

عامل إنقاذ يقف بالقرب من إهراءات الحبوب في مرفأ بيروت خلال عملية بحث وإنقاذ. بيروت، لبنان. ٦ آب ٢٠٢٠ (زين جعفر، مصدر عام)

لكن رغم كلّ الأحاديث عن إعادة الهيكلة، جرت المحافظة على العديد من البنى الإدارية والهرمية التي ظلت قائمة منذ فترة الامتياز الخاص السابق، فيما تصارع سياسيو لبنان على مستقبل المرفأ المؤسسي. فعلى سبيل المثال، كان رئيس الوزراء رفيق الحريري يدفع نحو الخصخصة بينما سعى إيلي حبيقة إلى تمديد الامتياز السابق من أجل استعادة السيطرة على المرفأ من سمير جعجع. وفي الوقت نفسه كان ثمة صراع بين وزارة النقل التي كان يتولاها شوقي فاخوري، وهو مستقل كانت تربطه علاقة وثيقة بالرئيس الياس الهراوي من جهة، ووزارة الطاقة التي كان يتولاها محمد يوسف بيضون، القريب من سليم الحص من جهة أخرى، من أجل تحديد الوزارة التي يتبع لها المرفأ.

عيّن الحريري عام ١٩٩٣ "لجنة مؤقتة" لإدارة شؤون المرفأ٣ بهدف كسر الجمود السياسي حول مستقبل إدارته، ومن أجل التوفيق بين المواقف السياسية والمصالح الاقتصادية المختلفة، أعطي لكلّ من الجهات المتنافسة والتحالفات السياسية مقعد في اللجنة. بقي للمرفأ حسابه الخاص لدى البنك المركزي بدل تحويل عائداته لوزارة المالية، وبما أنّه لم يكن مؤسسة عامّة، لم يجر تدقيق لحساباته أو نشر هذه الحسابات للعموم. ولأن المرفأ كان يعمل في ظل تشريعات وزارية متضاربة ويخضع لخصومات سياسية متنافسة، فقد تعذّر تبلور بيروقراطية ممأسسة وإشراف تنظيمي.

أما ماسحات الشاحنات، فكان يتم تجاوزها أو وضعها خارج الخدمة، إضافة للتجاوز الصريح لإجراءات السلامة في ظلّ ضعف الآليات التنظيمية والالتباس القانوني.استشرى كلّ من الفساد والمحسوبيات السياسية على نحو غير مفاجئ، وقد ذكرت تقارير من سنوات التسعينيات الأولى أن المرفأ ظلّ يستخدم كمنفذ للمخدرات التي كانت تنتج وتصنع في لبنان. اعتُبرت أجزاء معينة في المرفأ مناطق محظورة على موظفي الجمارك اللبنانيين، فيما كان مسؤولو المخابرات السوريون يجمعون عائدات الجمارك ويسحبونها إلى دمشق. كان بعض موظفي الجمارك ووكلاء تخليص البضائع يقبضون رشاوى من العملاء لمساعدتهم على التهرب من الضرائب وإبطاء معاملات شحنات منافسيهم في بعض الأحيان.٥أما ماسحات الشاحنات، فكان يتم تجاوزها أو وضعها خارج الخدمة، إضافة للتجاوز الصريح لإجراءات السلامة في ظلّ ضعف الآليات التنظيمية والالتباس القانوني. ففي مثال صارخ على الفساد، منحت وزارة الشؤون الاجتماعية إعفاءً ضريبيًّا مخصصًا لذوي الاحتياجات الخاصة لسيارة فارهة لطفل بعمر الثلاثة شهور.

"لجنة مؤقتة" أبديّة

أسست هذه الصراعات السياسية للسيطرة على المرفأ - إبّان الحرب الأهلية وما تبعها من تشكيل اللجنة المؤقتة - للالتباس المؤسسي والفساد اللذين صارا يلازمان المرفأ. لم يحدث أن حُلّت اللجنة المؤقّتة واستُبدلت بهيئة دائمة. وظلت الطبيعة المؤقتة للجنة، التي كان يرأسها المدير العام للمرفأ حسن قريطم، تُستخدم ذريعة مناسبة للتهرب من المحاسبة المؤسسية. 

بعد بروز اتهامات بالتهريب في المرفأ عام ٢٠١٩، قال رئيس الوزراء سعد الحريري إن "[مكافحة] التهريب ليست مهمّة اللجنة المؤقتة بل مسؤولية الأجهزة الأمنية والجمارك وقوى الجيش". لكن قبل ذلك ببضع سنوات، أخبر حسن قريطم الصحافي جيريمي عربيد ضمن مقابلة عام ٢٠١٥ إنّه لا يعرف كيف يصنّف المرفأ، واصفًا إيّاه بشركة خاصة تملكها الحكومة. وفي إثبات للالتباس المؤسسي، امتنعت سلطة المرفأ، على نحو غير مفاجئ، عن تحويل العائدات للخزينة في أعوام ٢٠٠٤، و٢٠٠٦، و٢٠٠٨، و٢٠١٢.

أسست هذه الصراعات السياسية للسيطرة على المرفأ - إبّان الحرب الأهلية وما تبعها من تشكيل اللجنة المؤقتة - للالتباس المؤسسي والفساد اللذين صارا يلازمان المرفأ.سهّل النموذج المؤقت أيضاً إبرام صفقات دون الكثير من المراقبة والإجماع الديمقراطي، ففي تشرين الأول عام  ١٩٩٨، على سبيل المثال، وقبل أسابيع من من مغادرة رفيق الحريري منصبه، جرى الإعلان أنّ هيئة ميناء دبي (صار اسمها الآن "موانئ دبي العالمية") قد توصّلت إلى اتفاقيّة مع الحكومة اللبنانية لإدارة مرفأ بيروت عبر عقد يمتد ٢٠ عاماً. لكن مع غياب البيروقراطية الدائمة، سرعان ما أصبحت الصفقات قيد المعارك السياسية. عندما تولّى سليم الحصّ منصب رئاسة الوزراء عام ١٩٩٨، صُرف العديد من حلفاء الحريري واستبدلوا بحلفاء الحصّ، ورئيس الجمهورية حينها إيميل لحّود، ورئيس مجلس النواب نبيه برّي، ووزير النقل الجديد نجيب ميقاتي. طالبت اثنتان وثلاثون جهة تشغيل خاصة في المرفأ ذات ارتباطات سياسية بتعويضات مرتفعة جدًّا تعويضًا لخسائرها التجارية، وفي عام ٢٠٠١ انسحبت هيئة ميناء دبيّ من العقد.٥ وجاءت التسوية النهائية على هيئة نوع من الخصخصة الجزئية، حيث تولّى اتحاد أمريكي – بريطاني، إلى جانب مستثمرين لبنانيين ومتعهدين ذوي ارتباطات سياسية،  إدارة محطة الحاويات، وبدأ عمله عام ٢٠٠٥.

في شهر أيلول عام  ٢٠١٩، وفي إطار حزمة واسعة من الإصلاحات الاقتصادية، أعلنت الحكومة نيتها التخلص من اللجنة المؤقتة واستبدالها إمّا بشركة خاصّة أو بشراكة بين القطاعين العام والخاص. أشار سعد الحريري إلى أنّ الفساد كان أحد الأسباب الرئيسية للإصلاح حيث قال: "سوف ننتقل إلى مرحلة جديدة" عبر "تطبيق الإصلاحات، وتبني قوانين متقدمة وإيقاف التهريب". قام وزير المالية علي حسن خليل قبل ذلك بشهر بزيارة تفتيشية مفاجئة للمرفأ ووبّخ قسم الجمارك قائلا أن " لا خيمة فوق رأس أحد في الجمارك بعد اليوم". وبحسب محمد شمس الدين، محلل الأبحاث في الدولية للمعلومات ومركزها في بيروت، فإن الإيرادات الحكومية تخسر سنويًّا ما بين المليار والملياري دولار بسبب التهرب من الرسوم الجمركية في المرفأ.

في ظلّ نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاصّ، تنسب الأطراف المختلفة الفضل لنفسها في أوقات النجاح، لكن بعد الكوارث كهذه، يصبح هذا النموذج وسيلة مناسبة لتوجيه أصابع الاتهام نحو الأطراف الأخرى. تصبح النتيجة لعبة تقاذف اتهامات لا نهاية لها ضمن حدود النخبة السياسية في لبنان.

يبقى من غير الواضح حتى الآن إذا قد حدث تقدّم ملحوظ عند التخلص من اللجنة المؤقتة، فقبل خمسة أشهر فقط من إعلان سعد الحريري كان وزير الأشغال العامة والنقل السابق يوسف فنيانوس قد عبّر عن "الثقة الكاملة باللجنة المؤقتة التي تدير المرفأ". بين عامي ٢٠٠٥ و٢٠١٥، تركت الحكومة الوضع على ما هو عليه، فيما ظل المرفأ يدرّ باستمرار الأرباح الطائلة والإيرادات المتزايدة سنويًّا، لكن فقط في أعقاب الأزمة الاقتصادية الطاحنة في نهاية عام ٢٠١٩، وبعد انخفاض ملحوظ في الإيرادات، بدأت الحكومة تبدي اعتراضًا على اللجنة المؤقتة وتتحدث عن الإصلاح في هذا القطاع. إلا أن الواضح هنا أن هذه حملات لمكافحة الفساد تقودها نفس الطبقة الحاكمة التي سمحت للفساد والإهمال بالاستشراء.

إهمال إجرامي وتشتيت للمسؤوليات

بعد الانفجار وبدء تحقيق الحكومة، يشعر كثيرون بالغضب حيال الأسباب التي جعلت ٢٧٥٠ طنّ من نترات الأمونيوم تخزّن في المرفأ منذ وصولها في تشرين الثاني عام ٢٠١٣. قال موظفو الجمارك إنّ قسمهم أرسل ستّ رسائل للقضاء تطالب بإيجاد حلّ لمشكلة التخزين والإزالة، وقال مصدر مقرّب من أحد العاملين في المرفأ إنّ فريقًا قام بفحص المواد قبل ستّة أشهر وحذّر من أنّها يمكن أن "تدمّر كل بيروت" إذا لم يتم نقلها.

بالنظر إلى الإطار المؤسسي للمرفأ، وتضارب التشريعات الوزارية، والخصومات السياسية المتنافسة على إدارته، لا يمكن ببساطة تحجيم الإهمال الإجرامي في خانة القضية الفردية. تقع المسؤولية على كامل النظام الذي أنشأته الطبقة الحاكمة منذ نهاية الحرب الأهلية.يبقى تحديد المسؤولين المباشرين محل تساؤل، لكنّ الالتباس المؤسسي أطلق لعبة تراشق الاتهامات، ففي مناقضة لادعاءات مسؤولي الجمارك، طلب وزير الداخلية محمد فهمي من المواطنين أن يسألوا الجمارك لماذا بقيت نترات الأمونيوم محفوظة بالقرب من المناطق السكنية، فيما قال قريطم إنّها كانت موضوعة في مستودع تنفيذًا لقرار قضائي وإنّه كان يعلم أنّها خطيرة لكن "ليس إلى هذه الدرجة". في ظلّ نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاصّ، تنسب الأطراف المختلفة الفضل لنفسها في أوقات النجاح، لكن بعد الكوارث كهذه، يصبح هذا النموذج وسيلة مناسبة لتوجيه أصابع الاتهام نحو الأطراف الأخرى. تصبح النتيجة لعبة تقاذف اتهامات لا نهاية لها ضمن حدود النخبة السياسية في لبنان، حيث لا مسؤولية ولا مساءلة، ناهيك عن العدالة.

بالنظر إلى الإطار المؤسسي للمرفأ، وتضارب التشريعات الوزارية، والخصومات السياسية المتنافسة على إدارته، لا يمكن ببساطة تحجيم الإهمال الإجرامي في خانة القضية الفردية. تقع المسؤولية على كامل النظام الذي أنشأته الطبقة الحاكمة منذ نهاية الحرب الأهلية. ليس الفساد وخروق معايير السلامة، وحتى عدم الكفاءة مجرّد انحرافات بسيطة، بل النتيجة المتوقعة لهذه الصراعات على التحكم بالبنى التحتيّة لمَواطن النفوذ.

بينما تضع الحكومة العديد من مسؤولي المرفأ تحت الإقامة الجبرية، يدرك سكان لبنان إنّ الذين يديرون البلد منذ عقود مسؤولون بنفس الدرجة عن أكبر كارثة تحلّ بلبنان في تاريخه الحديث. 

  • ١. Pike, David. “MEED Special Report on Shipping - Beirut Bounces Back from the Abyss.” Middle East Economic Digest, 27 Mar. 1992.
  • ٢. Hannes Baumann, Citizen Hariri: Lebanon's Neoliberal Reconstruction. Oxford University Press, 2016.
  • ٣. Reinoud Leenders, Spoils of Truce: Corruption and State-Building in Postwar Lebanon. Cornell University Press, 2012, 189.
  • ٥. a. b. Ibid, 41.