الآلاف يتظاهرون ضد الحكومة في شوارع العاصمة بيروت، ضمن الحركة الاحتجاجية التي عمّت البلد. ١٨ تشرين الأول ٢٠١٩. (لارا بيطار، مصدر عام)

الآلاف يتظاهرون ضد الحكومة في شوارع العاصمة بيروت، ضمن الحركة الاحتجاجية التي عمّت البلد. ١٨ تشرين الأول ٢٠١٩. (لارا بيطار، مصدر عام)

 

الشعب يريد … عدالة إجتماعيّة! حركة تشرين ٢٠١٩ وسياسات الإعانة في لبنان

 في اليوم ٩٢: الخميس الواقع في ١٦ يناير ٢٠٢٠

لم تكن الدولة اللبنانية يوماً دولة رعاية اجتماعية، فمنذ الاستقلال بُني الاقتصاد السياسي ، أو ما يعرف ب"الرأسمالية اللبنانية"، حول القطاعين التجاري والمصرفي، ما عنى انسحاب الدولة من مسؤولياتها الاجتماعية تجاه مواطنيها. ولم تأخذ جهود إعادة الإعمار والسياسات العامة التي طبّقت بعد نهاية الحرب الأهلية (١٩٧٥- ١٩٩٠) الحقوق الاجتماعية والاقتصادية في الحسبان، بل كانت الأجندات السياسية والاقتصادية متماشية مع المسلّمات النيوليبرالية، وبقي تطوير دولة رعاية اجتماعية عند مرحلته الجنينيّة. ساهمت هذه الأجندات والسياسات اللاحقة في خلق "اقتصاد سياسي غير عادل إطلاقا" وأحد "أكثر الاقتصادات السياسية افتقاراً للمساواة".

كما كرّست نهاية الحرب الاهلية عام ١٩٩٠ حكم أمراء الحرب وتطبيع الاقتصاد الموازي المرتبط بالخدمات العامة، وعلى سبيل المثال،  خدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي والجمعيات الخيرية. لطالما كانت هذه الأخيرة المصدر الأساسي الذي يوفّر خدمات الرعاية والحماية الاجتماعية للفئات الأكثر فقراً وتهميشاً في البلد. ولا شكّ أن هذه "التدابير" بين هذه المبادرات الخاصة والخيرية والجهات العامّة ساهمت في تعزيز أسطورة "التكيّف" اللبناني من جهة، وفي ديمومة العلاقات الزبائنية والبدئية من جهة أخرى. 

ولا شكّ أن هذه "التدابير" بين هذه المبادرات الخاصة والخيرية والجهات العامّة ساهمت في تعزيز أسطورة "التكيّف" اللبناني من جهة، وفي ديمومة العلاقات الزبائنية والبدئية من جهة أخرى.

السياسات النيوليبرالية التي رافقت النظام التوافقي مهدت لتمكين طبقة  من السياسيين ورجال الأعمال، التي يعتمد وجودها على الهويات البدئية، من التواطؤ والاستحواذ على موارد الدولة. كما أنها ساهمت في  إنتاج لا عدالة بنيوية تمظهرت في ضمور الطبقة الوسطى وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، تحديداً بين الشباب، وتحول طبيعة العمل بحيث أصبحت معظم الوظائف مؤقتة وبلا ضمانات أو حماية. في عام ١٩٧٨، منذ أكثر من ٤٠ سنة، اعتبر عالم الاجتماع اللبناني سليم نصر أنّ "أزمة الرأسمالية اللبنانية" تأتي على "خلفية" الحرب الأهلية اليوم، وبعد أكثر من ثلاثين سنة من اتفاق الطائف الذي أنهى رسميا الحرب الأهلية، يواجه الاقتصاد السياسي اللبناني أزمات متكرّرة تُساهم  بدورها في ظهور صراعات اجتماعية وحركات احتجاجية دورية.

التحركات الحالية ليست في الواقع أمرا جديدا: إذ تقوم العديد من المجموعات بتنظيم الاحتجاجات منذ سنوات، وتحديدا حول القضايا الاجتماعية والاقتصادية. تتركّز المطالب الرئيسية حول الأجور والحق بالسكن وقانون الإيجارات والتضخّم، وغيرها من القضايا التي تُظهر بوضوح الصعوبات الاقتصادية-الاجتماعية التي يواجهها الناس. 

إن الإطار العام الذي ينظر من خلاله المحتجّون إلى التحركات القائمة منذ ١٧ تشرين الأول، بمعنى آخر تشخيصهم ورؤيتهم للأزمة الحالية، يربط مباشرة بين النظام التوافقي الطائفي وبين المشاكل الاقتصادية البنيويّة؛ كما يربط بين تواطؤ المصالح السياسية والمالية مع استيلاء طبقة رجال الأعمال على عائدات الدولة.

الدين العام الذي يُنظر إليه على أنه غير شرعي، والتضخّم، وفشل الخدمات العامة (الإسكان والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية) وغياب احترام الحريات المدنية وحقوق المرأة وعدم وجود قضاء مستقلّ بالإضافة الى ضرورة إصلاح سوق العمل والضرائب؛ هذه جميعها أصبحت شكاوى أساسية، ومجتمعةً تتحوّل إلى مطلب عام جامع بضرورة إنشاء عقد اجتماعي جديد يعتمد أساسا على استعادة دور دولة الرعاية الاجتماعية (يوضّح على سبيل المثال هذا الرسم البياني كيف ساهم الدور التراكمي لمجموعات من المجتمع المدني والتجمّعات والناشطين في تأطير خطاب ومطالب اقتصادية-اجتماعية).  

وفي سياق  الإفقار ، حيث تم تهميش السياسات الاجتماعية تاريخياً وهيكلياً ، فإن المناقشات حول تدخل محتمل من قبل مؤسسات بريتون وودز (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) ك "حل" للأزمة مقلقة من ناحيتين.

أولا، يتعامى هذا الخيار عن الكلفة العالية اجتماعيا التي تسببها السياسات وبرامج التعديلات الهيكلية التي تطبقها هذه المؤسسات، مثل زيادة الفقر واللامساواة الاجتماعية. ثانيا، تُظهر هذه المقاربة فهما محدودا للعوامل البنيوية والداخلية التي ساهمت في استمرار الاتّكال على أشكالٍ من الأعمال الخيرية من أجل الحصول على الخدمات. بدلا من الحق العام بالحصول على الخدمات، يجد جزء كبير من السكان أنفسهم عالقين في وضع هش حيث يعتمدون على شبكات خيرية ترتبط بالزعماء والطوائف. وقد أنتج هذا الوضع قبولا للزعماء التقليديين على مر السنين.

باختصار، اجتمعت السياسات النيوليبرالية والنظام التوافقي وخصخصة التقديمات الاجتماعية عبر الجمعيات الخيرية الطائفية والزبائنية، من أجل الحفاظ على الوضع القائم والسيطرة على المواطنين واحتواء أي إمكانية للاعتراض أو المواجهة. أظهرت الحركة الاحتجاجية الحالية، مع امتدادها إلى "الأطراف"، إلى حدٍّ ما، محدودية الآليات غير الرسمية والخاصة لإعادة توزيع الثروة. بهذا المعنى، يصبح الاعتراض على الطائفية عبر شعار "الشعب يريد إسقاط النظام الطائفي" إدانة للنموذج الاقتصادي ومطالبة بالمحاسبة: محاسبة أمراء الحرب على السياسات الفاشلة التي اتّبعوها بعد نهاية الحرب.

تدخل صندوق النقد الدولي قد يخفف من تأثير المؤشرات الاقتصادية العامة (ماكرو) ويحتوي الأزمة المالية الراهنة، غير أن هذه العملية الإنقاذيّة ستصبّ في مصلحة النظام السياسي الفاسد في وازدياد هشاشة وضع شريحة واسعة من السكان التي تعاني من حرمان متزايد.

في هذه الحركة الاحتجاجية المستمرّة، من الضروري العودة الى مطالب المتظاهرين منذ ١٧ تشرين الأول، الذين صاغوا حركتهم حول المطالبة بعقد اجتماعي جديد مبني على العدالة الاجتماعية. في حين أن تدخل صندوق النقد الدولي قد يخفف من تأثير المؤشرات الاقتصادية العامة (ماكرو) ويحتوي الأزمة المالية الراهنة، غير أن هذه العملية الإنقاذيّة ستصبّ في مصلحة النظام السياسي الفاسد في وازدياد هشاشة وضع شريحة واسعة من السكان التي تعاني من حرمان متزايد. حدّة الأزمة تتطلّب قرارات ملحّة وسريعة، لكنّ الإستمرار في اتباع مقاربة مبنيّة على المساعدات، سواء كانت على شكل مساعدات رسمية للتنمية أم قروضاً من صندوق النقد الدولي أم مساهمات خيرية خدماتية، لن تساهم إلاّ في المحافظة على النظام الذي أوصل الآلاف إلى الشارع خلال الأشهر السابقة، والسماح لهذا النظام بإعادة إنتاج نفسه.

من هذا المنظار، يمكن القول إن الحراك القائم حاليا يفتح طريقا جديدا بعيدا عن إطار "التنمية" نحو نموذج (راديكالي؟) يستند إلى العدالة الاجتماعية والتضامن.