تنتشر الشعارات ضد الطائفية بكثرة قرب ساحات الاحتجاج في وسط بيروت. "الطائفية مرض سببه أمراء الحرب ليحكمونا" يقول هذا الشعار في بيروت، لبنان. ٢٣ تشرين الأول ٢٠١٩. (نور مفتي، فورة)

تنتشر الشعارات ضد الطائفية بكثرة قرب ساحات الاحتجاج في وسط بيروت. "الطائفية مرض سببه أمراء الحرب ليحكمونا" يقول هذا الشعار في بيروت، لبنان. ٢٣ تشرين الأول ٢٠١٩. (نور مفتي، فورة)

هل اللوم على الشعب؟ دحض الحجج الثقافوية للثورة المضادة

في اليوم ١٠٢: الأحد الواقع في ٢٦ كانون الثاني، ٢٠٢٠

منذ انطلاق انتفاضة ١٧ تشرين، قوبل المحتجّون بوسائل الثورة المضادة المألوفة ذاتها التي تستخدمها المؤسسة الحاكمة: العنف، والاستيعاب، والقمع، والتخويف، والتطييف. اما إحدى الوسائل التي نادرا ما تذكر تتضمن الآليات الخطابية، والتي تصدر عن داعمي التحركات مثلما تصدر عن منتقديها.

إحدى النقاط التي تضرّ بالاندفاعية الثورية، كما تضرّ بقدرتنا على تخيّل بديلا للوضع في لبنان، تدور حول الإرادة الذاتية للمواطنين (أو غيابها بالأحرى)، تحديدا عندما يتعلق الأمر بصندوق الاقتراع. فيتم ذكر الانتخابات على مواقع التواصل الاجتماعي بطرق عدة، من قبل داعمي الانتفاضة مثلهم مثل منتقديها. 

يحاجج البعض أنه إن كان المواطنون فعلا جاهزون للتخلّص من هذه الطبقة الحاكمة، لكانوا قد انتخبوا ممثلين أفضل عنهم في الانتخابات الأخيرة:

"في لبنان أجريت آخر انتخابات في ايار ٢٠١٨ والشعب جاء بالطاقم الحالي للنواب وممثلي الأحزاب. لو كانت لديه إرادة التغيير لجاء بنواب افضل".

أما آخرون فهم مصرّون أن المطالبة بانتخابات نيابية مبكرة ستقود فقط الى إعادة انتخاب ذات الطبقة السياسية، نظرا للهويات الطائفية المتجذّرة.

"بدك الصراحة و للاسف ايه نحنا غنم بيرجعو بينتخبو نفس الفاسدين..." 

"للأسف مستحيل الطائفية عقيدة راسخة في الشخصية اللبنانية وهي الآفة الحقيقية للشعب اللبناني".

والبعض الآخر يشكّك حتى في قابلية المواطنين اللبنانيين للتغيير السياسي، والحجّة هنا أن تخلّفهم يجعلهم غير جديرين بالثورة أو بنظامٍ سياسي تشاركيّ وديموقراطيّ.

"بعدني لهلق بشوف ناس بترمي الزبالة والاوراق ع الارض، انه هيك شعب خرج يقوم بالإصلاح؟"

عبر إعفاء المؤسسة الحاكمة من اللوم وإلقائه على المواطنين، هذه الحجج التي تشكّك بإرادة وذكاء واستقلالية الشعب اللبناني متجذّرة في مفاهيم خاطئة كما في عقدة الدونية الدفينة، وكلاهما يجب الخلاص منهما من أجل مواجهة أكاذيب الثورة المضادّة.

 لبنان والتسلطيّة الانتخابية

هل من العدل محاسبة اللبنانيون على تكرار انتخابهم لحكامٍ فشلوا مرارا في تأمين حاجاتهم وتحقيق توقّعاتهم؟ أي محاولة للإجابة يجب ألا تبدأ من هجوم لا أساس له من الصحة يركز على الإرادة الذاتية للأفراد وذكائهم، بل من الحقائق السياسية والاقتصادية الاجتماعية. إذا ما فعلنا هذا، نجد أن المسؤول الأساسي عن فشل الانتخابات كوسيلة للتغيير ليست سوى المؤسسة الحاكمة نفسها.

يجب اعتبار النظام الانتخابي اللبناني مثالا على التسلطية الانتخابية، وهو شكل من الأنظمة التي تقدّم مظهراً من المؤسسات الديموقراطية ولكن في الواقع، يتخللها ممارساتٍ تقوّض شرعية الاقتراع وتتقصّد إعادة إنتاج الوضع القائم.

قانون الانتخاب لعام ٢٠١٨ صمّم ليعزز الانقسامات الطائفية عبر التلاعب بالدوائر الانتخابية، وتقويض الانتخاب النسبي عبر الصوت التفضيلي، ومساعدة الأحزاب الحاكمة من خلال طريقة تشكيل اللوائح الانتخابية واحتساب الأصوات.فمثلا، النظام الانتخابي يقوم على دعائم من الاقتصاد السياسي الطائفي الذي يعزّز التبعيات المادية المتجذّرة للزعماء. علينا هنا تبني تعريفا واسعا لـ"شراء الأصوات"، تعريفا يتعدى عملية الشراء بالمال النقدي قبل يوم الاقتراع، من أجل أن نفهم الى أي درجة تؤثر الحاجة المادية على الأداء الانتخابي. فبعد عقود من المحاصصة وإهمال نيوليبرالي لدور الدولة في تقديم الخدمات الأساسية، بالإضافة لتأثيرات ١٥ سنة حرب أهلية، كلها أدّت الى خلق شبكات زبائنية متجذّرة لتأمين كافة الخدمات، من الوظائف الى الخدمات القانونية وصولا الى الرعاية الصحية.  إن العلاقات الشائنة التي يربط بها هذا الاقتصاد السياسي بين المواطنين والسياسيين أكثر ما تُستغلّ خلال المواسم الانتخابية.  رغم أن معظم هذه الخدمات تقدّم بطريقة غير رسمية، إلا أنه باستطاعتنا أيضا ملاحظة تصاعد مفاجئ في التوظيف في القطاع العام خلال الأشهر السابقة للانتخابات ٢٠١٨ النيابية. كما تؤكّد الدراسات المستندة الى استبيانات الناخبين الى انتشار شراء الأصوات.

إن قانون الانتخابات بذاته يحدّ من إمكانية التغيير الحقيقي عن طريق الانتخابات. قانون الانتخاب لعام ٢٠١٨ صمّم ليعزز الانقسامات الطائفية عبر التلاعب بالدوائر الانتخابية، وتقويض الانتخاب النسبي عبر الصوت التفضيلي، ومساعدة الأحزاب الحاكمة من خلال طريقة تشكيل اللوائح الانتخابية واحتساب الأصوات. لذلك، وكما شهدت على ذلك تقارير عديدة، إن شرعية الانتخاب مشكوك فيها أساساً.

بالإضافة لكل هذه المشاكل في النظام، وقع المرشحون والمجموعات المستقلة عام ٢٠١٨ ضحية للترهيب الانتخابي والاعتداءات على مكاتبهم والتلاعب بالنتائج. في الواقع، إن المجموعات التقدمية المناهضة للطائفية التي يمكن أن تكون بديلاً للطبقة الحاكمة قد تعرّضت للاضطهاد ومحاولات السيطرة عليها منذ زمنٍ طويل.

من الأسباب الأخرى لاستمرار المواطنون في انتخاب الأحزاب والمرشحين ذاتهم هو بالضبط لأن البدائل مُنعت من الصعود كقوة انتخابية يمكنها المنافسة. إن محاولات تشكيل بدائل اعتراضية قد فشل باستمرار لأسباب عديدة، إن كان بسبب السيطرة على الاتحادات العمالية في التسعينات أم بسبب قمع الحركة الاحتجاجية التي نشأت مع أزمة النفايات عام ٢٠١٥. فقط مؤخّراً استطاعت المجموعات الناشئة البدء بإعادة بناء الشبكات التي تمكّنها من تهديد سيطرة الحكام ـــ الأمر الذي لا يمكن حصوله بين ليلة وضحاها.   

لماذا كراهية الذات؟

لقد مرّ أكثر من مئة يوم على بداية الحركة اللامركزية المفعمة بلحظات رائعة من التضامن العابر للمناطق والطوائف. من الجدير السؤال لماذا، رغم الأمثلة المتكررة عن الأمل الصمود، يبقى الكثيرون متشائمون تجاه التحركات الشعبية وأصالتها وإذا ما يمكننا تجاوز الطائفية.

لماذا يصرّ الكثير من اللبنانيون على اعتبار "التخلّف" سببا لواقعنا الاجتماعي الاقتصادي؟ لماذا يمرّ مرور الكرام وصف المواطنين بـ"الخراف"؟  لماذا من المقبول الادعاء أن ثورة العرب على أنظمتهم القمعية يجب أن يكون مدفوعا من قوىً أجنبية وليس ممارسةً لإرادتهم الذاتية؟ لماذا يستعجل كثيرون التأكيد على التفوق الثقافي للغرب بمجرد رؤيتهم الناس تقف في صف الانتظار أو ترمي النفايات في المستوعبات؟ هذه الأسئلة مهمة لأنها تقود الى سؤال أساسي: كيف للانتفاضة أن تصل للتغيير الملموس في حين مخيّلتنا محدودة الى هذا الحدّ؟

لماذا يصرّ الكثير من اللبنانيون على اعتبار "التخلّف" سببا لواقعنا الاجتماعي الاقتصادي؟ لماذا يمرّ مرور الكرام وصف المواطنين بـ"الخراف"؟  لماذا من المقبول الادعاء أن ثورة العرب على أنظمتهم القمعية يجب أن يكون مدفوعا من قوىً أجنبية وليس ممارسةً لإرادتهم الذاتية؟في حين تلعب عقود من السياسات الفاشلة والمحاولات المبتورة دورا مهما، نجد جزءا مهما من الإجابة في غياب الدوافع المؤثرة. هذا الجزء من الشرح ينطبق ليس فقط على اللبنانيين بل على الكثير من مواطنين العالم المستعمَر. العديد من الباحثين تطرّقوا لما يسمّى "العقلية الاستعمارية"، عقدة من الدونية ذاتيّة الشعور ناتجة عن الاعتقاد المكتسب أن القيم الثقافية للغرب متفوقة أخلاقيا على مبادئ الشخص ذاته. في حالة لبنان، هذه العقلية الاستعمارية تتشابك مع الصدمة الناتجة عن الحرب الاهلية وغياب العدالة الانتقائية والمصالحة الحقيقية. ولّد هذا الوضع صدمةً لم يتم التعامل معها، ما يرجّح حصول قمع ذاتيّ وحالة متقدّمة من خيبة الأمل بالتغيير، الأمر الذي عادة ما ينتقل الى الأجيال التالية.   

حتى الآن، قادت انتفاضة ١٧ تشرين الى إعادة بناء مؤسسات وعلاقات فُقدت سابقا، وأعادت بعض الحماسة. لكنها يجب أيضا أن تصبح وسيلةً للتصالح مع ماضينا وتقبّل ثقافتنا وهويّاتنا الحيوية. في مقاله الجميل كتابةً والممتع بفطنته كتب عالم الاجتماع غسان الحاج عن "الفرحة المُدنية"، حيث يحتفل بالثقافة "الخارجة عن القانون" الموجودة في المساحات المجّانية في بيروت، ويشجعنا على إعادة النظر في إعجابهم المحتمل بالثقافة الغربية. في أحد المقاطع المفضّلة لديّ يقول أحد الذين حاورهم:

"لا يمكنني تحمّل فكرة الوقوف في الصف منتظرا دوري بغباء لشراء سندويشا عقيما بلا طعم، مثله مثل الذين ينتظرون في الصف لشرائه. أعرف كيفية الانتظار في الصف، كما أعرف إن قولي هذا يُعتبَر غير "متحضّرا". لا أريد أن أكون متحضّرا. أنا أحب المزاحمة بين الآخرين لأصل الى الشباك وأشتري منقوشة. أشتريها ومذاقها رائع كأني استحقّيتها. لم اسمع يوما أن أحدا عاد الى منزله دون أن يشتري حاجته لمجرد أن الناس يتدافعون قليلا بدلا من الانتظار بالصف. الانتظار في الصف هو للحقراء الذين يريدون أن يشعروا أنهم "متطورين" ولبقين لأصغر سبب".  

 بدلا من الرجوع الى الاستعارات المعادية للثورة المعهودة، والتي تنمّ عن الاستسلام الذاتي، من أجل إضفاء الصدقية على مخاوفنا وقلقنا، دعونا بدلا من ذلك نتذكر الدفء والتضامن اللذين شعرنا بهما في الشوارع، فيما نحن نلتقي لنتشارك ونشفى معا لتخطّي لحظات الشكّ التي تصيبنا.لا أسرد هذه الطرفة دفاعا عن مختلف حالات غياب النظام في لبنان، بل للهروب من ازدواجية "متحضّرون وغير متحضرين" المشحونة استعماريا، من أجل تشجيعنا على التفكير بطريقة جماعية أوسع حول شكل لبنان البديل. حيث لا نحتقر، بل نتقبّل ما يسمّيه غسان الحاج "شطارة" اي "التحرّك بذكاء وحرفة ضمن البنى والقوانين الموجودة"، التي تتمظهر في ممارساتٍ يومية مثل قيادة السيارة، والتحايل على البيروقراطية، كما تظهر في الإحساس بالخوّة أيضا.  بدلا من الرجوع الى الاستعارات المعادية للثورة المعهودة، والتي تنمّ عن الاستسلام الذاتي، من أجل إضفاء الصدقية على مخاوفنا وقلقنا، دعونا بدلا من ذلك نتذكر الدفء والتضامن اللذين شعرنا بهما في الشوارع، فيما نحن نلتقي لنتشارك ونشفى معا لتخطّي لحظات الشكّ التي تصيبنا.