الإحباط مصدره الرأسمالية يقول هذا الشعار على حائط في بيروت بوحي من يافطة ظهرت في احتجاجات التشيلي. بيروت، لبنان. ٤ كانون الأول ٢٠١٩. (لارا بيطار، مصدر عام)

"الإحباط مصدره الرأسمالية" يقول هذا الشعار على حائط في بيروت بوحي من يافطة ظهرت في احتجاجات التشيلي. بيروت، لبنان. ٤ كانون الأول ٢٠١٩. (لارا بيطار، مصدر عام)

هل تشعرون بالإكتئاب؟ لعلّكم تعانون من الاضطهاد: عن الوهن والتغريب والتضامن

 في اليوم ٤٣: الخميس الواقع في ٢٨ تشرين الثاني ٢.١٩

خلال عشاء مع الأصدقاء مؤخرا في بيروت، شرع بعضهم بالحديث عن شعورهم بالحزن والقلق وعدم السعادة بشكل عام، بدون سبب ظاهر محدد غير قلقهم على وضع البلاد. نظرا لكوني مختصّا في مجال الصحّة النفسية في حالات النزاع، سُئلت إذا ما كان هذا يٌعتبر "إكتئاب". ودائما ما تقلقني السهولة التي يصف فيها الناس أي شعور بعدم الارتياح بأنّه إكتئاب، فالإكتئاب هو تشخيص سريري محدّد له مسار طويل ويتضمن مشاكله الخاصّة، وعادة ما يتطلّب مساعدة محترفة. لا يتضمن الاكتئاب ما عبّر عنه كثيرون منذ ١٧ تشرين الأول في الأماكن المختلفة، بما فيها خيم الصحة النفسية التي ظهرت في الساحات والأماكن العامة في بيروت وجل الديب وطرابلس. فتحت هذه الخيم أبوابها لأي كان لمناقشة كيفية تأثير الوضع على صحّتهم النفسية، فرديّا وجماعيا، مع أشخاص محترفون في الصحّة النفسية. وعندما سنح لي حضور هذه المناقشات، اتضح لي أن ما يصفه الكثيرون لم يكن اكتئابا سريريّاً بل شعور عام بالوهن.

تعريف الكلمة (وهن) هو "الإحساس المبهم بالضعف النفسي أو المعنوي". أما بالنسبة للمختصّين بالصحة النفسية، فالوهن هو نتيجة مواجهة مسبّبات التوتر في الحياة اليومية. ويميل الناس الى عدم ملاحظة الوهن الذي يصيبهم، إذ أنّه يختبأ خلف حجاب المنطق السليم، أو الشعور بأن "هكذا هي الحياة". ولكن عندما يؤثّر الوهن على قدرتنا على أداء وظائفنا اليومية وتظهر عوارض أخرى لا نستطيع التعامل معها، يصبح الوهن مرضا سريريّا يتوجّب معالجته.

إن الوضع الاجتماعي يؤثر بشكل كبير على وعي الأفراد لعوارض الوهن، كما أنه يؤثر على مدى تأثير هذه العوارض على الأداء اليومي. فان المجتمعات التي ينتشر فيها الوهن هي تلك التي تقوم فيها مجموعة واحدة، تنتظم على أسس الطبقة أو العرق أو الدين، بقمع المجموعات الأخرى وبالحدّ من قدراتها على الحصول على رأس المال، المادي والاجتماعي. فإن القمع، بمعنى الاستغلال المنهجي والمؤسساتي للقوة من قِبل مجموعة معينة على حساب الآخرين واستعمال العنف للمحافظة على هذه الديناميكية، له تأثيرات واضحة على الصحة النفسية: إن ضحايا التمييز والفقر والعنف والتعصّب يواجهون تدهوراً في صحتهم النفسية ونوعية الحياة بشكل عام.

هنا يأتي دور علم النفس التحرّري، الذي تطوّر في أميركا اللاتينية ضمن سياقٍ اجتماعي مشابه للبنان والمنطقة اليوم. وبالتركيز على المستوى البنيوي/ الجماعي لعلم النفس، تؤكّد هذه المقاربة أن بنى القوّة والاضطهاد (بدلا من تجارب الطفولة) هي التي تخلق الضغوط اليومية من الشكوك وعدم الأمان والعنف، التي تؤثر على صحّتنا العقلية.العلاقة بين البيئة الاجتماعية والمشاعر ليست فكرة جديدة على الإطلاق. ففي عام ١٩٧٧ اقترح "النموذج النفسي-الاجتماعي-الحيوي" أن العوامل الاجتماعية يمكنها أن تلعب دور أساسي في تحديد النتائج والتطورات الصحية، مثلها مثل العوامل الطبية أو النفسية. لكن النموذج بذاته يبقى إشكاليّا، إذ لا يحدد أي من العوامل الاجتماعية يجب أخذها في الحسبان أو كيفية التعامل معها. عادة، العوامل التي تُحتسب هي هموم ومشاكل الحياة الشخصية، ولذلك الحلول التي تُقترح هي حلول على المستوى الفردي: يجب علينا أن نفكر بشكل مختلف، أن نفكر أكثر، أن نأخذ استراحة، أن نمارس التأمل، أن نتكلم عن مشاعرنا، وفي آخر المطاف، أن نأخذ حبة دواء. وهذه الاقتراحات قد تكون فعّالة ضد المتلازمات السريرية، ولكنها تؤدي إلى نتائج عكسية في مواجهة الوهن العام، أو بأفضل الحالات إلى نتائج جزئية.

ماذا نفعل عندما يعاني الناس من الوهن، علما انه لا يمكن مقاربته بحلول فردية؟ ماذا لو لم يكن ما نشاهده إكتئابا سريريا جماعيا، بل ردة فعل عقلانية من الناس تجاه خسارتهم لأي شعور بالأمان والمعنى والانتماء في حياتهم؟ كيف يمكننا موازنة الصراع من أجل ترتيب حياة الناس النفسية الداخلية مع الجهود من أجل حاجاتهم اليومية وتأمين مدخراتهم ومستقبلهم؟ ما هو دور اختصاصيو الصحة النفسية في نظامٍ (سمّوه ما شئتم: رأسمالي، نيو ليبرالي...) من صلب طبيعته أن تعيش الناس فيه في خوفٍ مستمر وعدم أمان دائم؟

إن علم النفس التقليدي مرتكز على أساس أوروبي يتبنى نظرة عن الذات مبنية على الفردانية، وكأنها حقيقةً مطلقة.  وإذا كانت أداتنا الأساسية للتشخيص مبنية على الفردانية، فحينها سنعتبر أن سبب معاناة أي شخص من اضطراب القلق يعود الى ظروفه الشخصية. فكما يقول المثل: حامل المطرقة يرى كل ما حوله مسامير. والخطر في اختصار المشاكل الاجتماعية المركّبة الى مشاكل فردية يكمن في تبني الحلول الفردية فقط. فيتمحور النقاش حول كيفية زيادة المعالجة النفسية بين السكان، ان كان من خلال مكافحة الوصم، أو التثقيف حول علم النفس، أو زيادة إمكانية الحصول على الخدمات النفسية، بدلا من التفكير بحاجات المجتمع ككل.

هنا يأتي دور علم النفس التحرّري، الذي تطوّر في أميركا اللاتينية ضمن سياقٍ اجتماعي مشابه للبنان والمنطقة اليوم. وبالتركيز على المستوى البنيوي/ الجماعي لعلم النفس، تؤكّد هذه المقاربة أن بنى القوّة والاضطهاد (بدلا من تجارب الطفولة) هي التي تخلق الضغوط اليومية من الشكوك وعدم الأمان والعنف، التي تؤثر على صحّتنا العقلية. لكن مجرد الوعي للنظام الاستغلالي ليس كافيا للإمساك بزمام الأمور في حياتنا. لا يتحرر الإنسان من خلال الوعي فقط. كما قال كاتب مؤخرا: "شخصيا لا يمكنني الانتظار حتى هزيمة الرأسمالية كي أشعر بالسعادة، وأشكّ أن تكون مختلفا". في هذا السياق يعتبر علم النفس التحرّري أن الحلّ في تغيير هذه البنى، الأمر الذي يمكن تحقيقه من خلال الأفعال الجماعية التي يقوم بها المضطهدون وليس عبر الجهود الفردية.  

يمكننا تصنيف المراحل النفسية التي تقود إلى التحرّر إلى ثلاثة حقول: شخصي، علاقاتيّ، سياسيّ. الحقل الشخصي هو مجال تركيز علم النفس التقليدي: معالجة المرض عبر الجهود الشخصية المرتبطة بالذّات. في سياقنا الحالي، تتضمن هذه المقاربة خيم المساعدة النفسية الأولية ومجموعات النقاش للتوعية حول الصحّة النفسية.

الحقل العلاقاتيّ يرتبط بكيف تضع بنى الاضطهاد المجموعات المختلفة في مواجهة بعضها البعض للتنافس على الموارد. نرى في لبنان هذه الأيام مشاكل يومية في المصارف بين الزبائن والموظفون وهم في المركب الغارق ذاته على الأرجح، أو المواجهات بين الذين يغلقون الطرقات وأولئك الذين يريدون فتحها. الأمر الذي نحتاجه هو التضامن. الأمر الذي يتطلب رفض تجزئة المعاناة (أقوال مثل "المسيحيون مهمشون" و"الشيعة لا يعاملون بعدل")، وخلق شبكات عابرة للمناطق والطوائف لكسر احتكار أولئك الذين يستفيدون من الإبقاء على الصراع بين المجموعات المختلفة. كان يمكن الشعور بهذه الإمكانية خلال الأسابيع الأولى من التظاهرات في الأماكن العامة في وسط بيروت عندما تحولت المنطقة الى مكان حيث يستطيع الناس من خلفيات متنوعة قضاء الوقت والتعرّف على آخرين والنقاش معهم ويمكنهم حتى الاستمتاع بوقتهم، بدون أن يتمّ استغلالهم ماديّا.

العمل الجماعي محوري لتطوير الوعي النقدي إذ يشجّع على الفهم المشترك للمشكلة، وأيضا القدرة الجماعية على تغييرها. في لبنان، أدّت النقاشات المفتوحة في الساحات الى تنظيم الناس لأنفسهم في مجموعات للمزيد من العمل المنتج في الساحات و خارجها.أما بالنسبة للحقل السياسي، يتبنى علم النفس التحرّري رؤية واسعة من النشاطات السياسية، تتضمن أي نشاط من شأنه تحدّي بنية القوة. لكن من أجل الفعالية، على النشاط أن يستند الى الضميريّة، أي "العملية التي يحقق من خلالها الأفراد والمجموعات وعيا متنوّراً للعوامل الاقتصادية-الاجتماعية والسياسية والثقافية والنفسية التي تلعب دورا حاسما في حياتهم وفي قدرتهم على تغيير واقعهم". إن قدرة المضطهَدون على تطوير هذا الوعي الجوهري تعتمد أساسا على درجة التبنّي الذاتي لإطار القمع الذي من خلاله يفسّرون المعاناة وأسبابها، مثل التصديق أن هويتهم دونية، أو الإذعان للمجموعات المسيطرة، أو التفكير كجماعة، أو إضفاء الشرعية على الخرافات. العمل الجماعي محوري لتطوير الوعي النقدي إذ يشجّع على الفهم المشترك للمشكلة، وأيضا القدرة الجماعية على تغييرها. في لبنان، أدّت النقاشات المفتوحة في الساحات الى تنظيم الناس لأنفسهم في مجموعات للمزيد من العمل المنتج في الساحات و خارجها. 

إن التطرّق للمسائل العامة الأساسية ليس أمراً تقوم به مهنة الصحّة النفسية بشكلٍ أريحيّ، إذ أنها مبنية بشكلٍ كبير على المقاربات الفردانية. لكن أي مقاربة للصحة النفسية اليوم يجب أن تعترف أنه لا يكفي أن نغيّر ما بأنفسنا إذا سبب مرضنا هو عالمنا. ومن خلال الجهود الجماعية لمحاربة الانعزال والتغريب، ولتغيير النظام المسؤول عن وهننا، يمكننا أن نشجع التعافي الاجتماعي.  ففي نهاية الأمر، ما هو العمل في مجال الصحة النفسية إن لم يكن مدفوعا برغبة تمكين الناس على المسك بزمام أمورهم ورفاههم؟