مهاجرون لبنانيون في نيويورك يعبّرون عن دعمهم للجرحى والقتلى من المحتجّين ضد النظام في لبنان. ١٩ تشرين الثاني ٢٠١٩. (احمد جابر، مصدر عام)

مهاجرون لبنانيون في نيويورك يعبّرون عن دعمهم للجرحى والقتلى من المحتجّين ضد النظام في لبنان. ١٩ تشرين الثاني ٢٠١٩. (احمد جابر، مصدر عام)

 

الانتماء إلى بلد لا يريد أولاده

 في اليوم ٤٢: الخميس الواقع في ٢٨ تشرين الثاني ٢٠١٩

"المواهب ضيعتوها وللأجانب عطيتوها"، هكذا كتب على يافطة في وسط بيروت في أول يوم من الانتفاضة. تحمّل هذه الكلمات الحكومة المسؤولية عن هجرة الأدمغة المتواصلة وبطريقة غير مباشرة تقول ان الهجرة مشكلة يمكن تداركها لولا سوء إدارة الاقتصاد من قِبل النخبة السياسية والاقتصادية الحاكمة.

لاحظت باهتمام بروز الحديث عن قضية الهجرة في خطاب الانتفاضة اللبنانية، بطريقة متأسّفة أولا "انظروا ماذا تجبرونا أن نفعل"، وعلى اعتبارها مشكلة "كل شبابنا يهاجر"، وعلى أنّها علامة على سوء الأداء الحكومي "مش مضطرين نهاجر". 

كانت الهجرة تلعب أحياناً دورا في الانتفاضة بدون أن يكون الناس واعين لها بالضرورة. لنأخذ طرابلس، عاصمة لبنان الشمالي، وكيف صعد نجمها وأصبحت مركز ثقل المظاهرات. طرابلس التي اعتبرها البيروتيون لوقت طويل جزءا فقيرا غير متطور من البلد، ينتشر فيها التخلّف والفقر والتطرّف الإسلامي، طرابلس هذه انتفضت بطريقة لم يكن أحد يتخيّل أنها قادرة عليها. نزل الآلاف من أهلها إلى الساحة الرئيسية في المدينة لرفض السياسات الطائفية التقليدية، بقدر ما فعلوا في بيروت إن لم يكن أكثر. ليس هذا فحسب، بل تظاهروا بأسلوب ممتع أدهش البيروتيين أنفسهم: مغنّي راب من المدينة أمتع الآلاف في ساحتها وانسجموا معه. كانت مشاهدة هذا أمرا رائعا.

القصة التي نادرا ما تروى هي أن مظاهر "الحداثة" في طرابلس لا يمكن فصلها عن كون المدينة أحد مراكز الهجرة الأساسية الى أستراليا، وأنّ الكثير من اللبنانيين الأستراليين يعودون إليها باستمرار. يوجد في طرابلس فريق للروغبي، وهي رياضة لا يمكن القول إنها محلية، ومن المستحيل أن تمشي في طرابلس دون سماع أشخاص يتحدّثون الإنكليزية بلهجة أسترالية. رغم أن البحث لم يكتمل بعد، يمكنني القول إن الانتفاضة في طرابلس هي ظاهرة اغترابيه بامتياز، كما هو الأمر في بيروت. لطالما شاركت في اجتماعات في شوارع بيروت حيث يدور الحوار بالإنجليزية، لأن لغة المشاركين العربية ليست جيدة بما فيه الكفاية. 

اليافطة التي أثّرت فيّ أكثر من غيرها كانت تلك التي حملتها امرأة وكتب عليها "كرمال كل دمعة نزلت بالمطار". هذه اليافطة لا تدلّ على مشكلة اجتماعية مجرّدة بل على جرح عميق داخل ثقافة المهاجرين اللبنانيين.لكن رغم ذلك، الرجل في الصورة الداكنة أسفل المقال كان يصرخ "لا أريد أن أصل إلى وضع يتّصل فيه أقربائي بي قائلين ’ أبوك ليس بصحة جيدة‘ وأنا بعيد جدا لدرجة لا أستطيع القيام بأي شيء". 

لطالما كان يدور الحديث عن الهجرة في لبنان على اعتبارها أمرا سيئا يحصل لنا، لكن كانت تطغى على هذه المقاربة مقاربة أخرى تحتفي بالهجرة على اعتبارها دليلاً على الشخصية اللبنانية الطموحة المغامرة، كأنها تسري في دماء اللبنانيين ورثوها من الفينيقيون التجّار المغامرين الطموحين. لقد وضعت الانتفاضة اللبنانية موضوع الهجرة في الواجهة بوصفه مرضا اجتماعيا، ويمكننا سماع النقاش الدائر حولها في كل مكان: "لقد تخرجت حديثا فلماذا عليّ البحث عن وظيفة خارج لبنان؟" أو "لقد تعبنا ومللنا من ضرورة الهجرة". أحد المتظاهرين حمل يافطة عليها أسماء كل رفاقه الذين هاجروا وكتب تحتها "لأننا نريدكم أن تعودوا". 

لكن اليافطة التي أثّرت فيّ أكثر من غيرها كانت تلك التي حملتها امرأة وكتب عليها "كرمال كل دمعة نزلت بالمطار". هذه اليافطة لا تدلّ على مشكلة اجتماعية مجرّدة بل على جرح عميق داخل ثقافة المهاجرين اللبنانيين. لقد أمضيت معظم حياتي الأكاديمية أبحث في هذا الجرح، الذي أكثر ما يظهر في المطار تحديدا، حيث يمكن رؤية الأهل يودّعون أبناءهم وبناتهم. لقد قمت بتحليل تأثير هذا الجرح كما قمت بتحليل تصرّف اللبنانيين وكأن الهجرة لا تسبب جراحا على الإطلاق، وهذا يكاد يكون فنّاً تشكّل بحدّ ذاته ليكون دليلا على عمق الجرح الذي تسببه الهجرة.

لطالما تساءلت عن السبب الذي يدفع المهاجرين اللبنانيين، رغم ميلهم لتعظيم أنفسهم وإنجازاتهم، إلى شعورٍ بالدونية تجاه سكان الدول التي يهاجرون إليها. في السابق، كنت أعتقد أنه نوع من الإحساس الداخلي بالعنصرية التنموية، يجعل معظمهم يعتبر أن الغربيين متفوقين. لكن ظهر لي مرارا أن هذا الامر ليس صحيحا. إذ لا تشرح هذه المقاربة وجود هذا الشعور تجاه أناس ينظر إليهم اللبنانيون بعنصرية ويعتبرونهم أدنى منهم حضاريّا. شيئا فشيئا اتّضح لي مصدر هذا الشعور بالدونية شيئاً فشيئاً. قد ينجح المهاجرون في حياتهم اجتماعيا واقتصاديا مقارنةً بأبناء البلد الذي هاجروا إليه، لكن لا شيء سيغيّر الحقيقة البسيطة أنهم، بعكس أبناء البلد، ينتمون إلى بلد لم يستطع الاهتمام بهم. أو كما قال لي مرةً فنزويلي من أصل لبناني: "نحن الذين لم يستطع بلدهم الاحتفاظ بهم".

إنّ طرح موضوع هذا الجرح في العلن هو جزء رائع من "الثورة على الذات "التي تحصل في شوارع بيروت منذ السابع عشر من أكتوبر، ليس فقط من الناحية الاجتماعية السياسية بل من الناحية السيكولوجية أيضا.

يشكّل سماح رئيس الجمهورية لنفسه بالقول للمتظاهرين "إن كان لا يعجبكم الوضع هنا، ارحلوا"، إشارة إلى درجة انفصال هذا النظام بأكمله عن الواقع.