متظاهرة تجلس أمام الشرطة اليونانية خلال اعتصام ضد التقشف في أثينا. ١١ أيار ٢٠١١. (واتسونز واندرينغذ، المشاع الإبداعي)

متظاهرة تجلس أمام الشرطة اليونانية خلال اعتصام ضد التقشف في أثينا. ١١ أيار ٢٠١١. (واتسونز واندرينغذ، المشاع الإبداعي)

 

دروس من اليونان (١\٢)

في اليوم ١١٥: السبت الواقع في ٨  شباط ٢٠٢٠ 

كيف انتصر منطق "ليس هناك بديل"

لم أضطر إلى البحث عميقا في الذاكرة للتعليق على ما يحصل في لبنان اليوم من منظور ما حصل في اليونان، فذكريات عقد كامل من جولات التقشّف والتهافت على المصارف والتحديد المنهِك للسحوبات، بالإضافة الى ترقّب الاقتطاعات من الودائع...لا تزال جميعها ذكريات مؤلمة. لحسن الحظ، فإن الانهيار الاقتصادي يشكّل نصف القصة فقط، فاليقظة الشعبية هي النصف الآخر. وبعد أن اختبرتُ عن كثب الاحتجاجات والإضرابات الغاضبة في أثينا (أيار – تشرين الثاني 2011)، شعرت بأنني أعيش الأمر برمّته مجددا عندما انطلقت انتفاضة تشرين في ساحات لبنان الرئيسية.

شعرت كأنني أعود بالزمن الى الوراء عندما راجعت بعضا من كتاباتي خلال المرحلة الأثينية، فوجدت أن الأسئلة متشابهة: من سيدفع الفاتورة؟ وكيف نجعل مطالب الناس مسموعةً؟ وماذا يجب أن نفعل؟ ثمّ ... بالعودة الى المستقبل: ماذا يمكننا التعلّم من بعضنا البعض؟ إن المقارنات بين بلدانٍ وسياقاتٍ مختلفة هي أمرٌ دقيقٌ بطبيعة الحال، لكنها تبدو ضرورية عند مواجهة الإحساس بأن التاريخ يراقبنا. مع هذا التحفّظ في البال، أشارك هنا بعض الدروس من اليونان، لعلّها تترجَم بما يفيد الشارع اللبناني.

سأركز على اللحظة التي استعادت فيها الجموع إيمانها بقوّتها وقدرتها على التحرّر. عادة ما يتوحّد الحكّام عند مواجهة هذا الاحتمال، ويروّجون، بطرق مختلفة، لقول "مارغريت ثاتشر" "ليس هناك بديل" ("لهب") There is no) (Alternative، بمعنى ليس هناك بديل عن العودة الى نموذج السيادة التي لا تتضمن إرادة الشعب. وبالفعل لقد شهدت أزمة الدين في اليونان، والحركة الاحتجاجية التي رافقتها، صراعا متواصلا بين مجتمعٍ مسيّسٍ تزداد ثقته بذاته، ومؤسسة حاكمة تحاول تحطيمه بشكل منهجي. اليوم يبدو أن عقيدة "لهب"، المطبَّقة عبر تكتيكات متنوعة، قد انتصرت. لكن التاريخ ما زال يتكشّف فيما أنا أكتب؛ وهذا النص يلتقط لمحة عابرة فقط.

فخّ التفويض

عندما تتحرك الجموع في الشارع، الكثير منهم يتسيّسون بين ليلة وضحاها. في هكذا أوقات، تصبح السياسة طريقة حياة واختبارا جماعيا للقوة، كما قالت "حنة آرنت".  إن التسّييس الجماعي المفاجئ يحمل الكثير من النواحي الجميلة. تصبح كل الوجبات العائلية والصفوف الجامعية ممتعة، تتحوّل الشوارع إلى حواضن للاحتمالات الراديكالية، وتختفي الجدران القديمة، المادية منها والمجازية. أما أولئك الذين لطالما كانوا مسيّسين، فهم يجدون أخيرا بعض العزاء (يا حسرة، عادة ما تفوتهم هذه الفرصة التي انتظروها طويلا، لأنهم أيضا يقعون تحت وطأة اللحظة).

أثبت تفويض القوة الى التكنوقراط في اليونان بأنه الطريق الأسرع للعودة إلى الوضع القائم سابقا، مع فارق جوهري: لا يمكن محاسبة هؤلاء الخبراء، فقوتهم بلا قيود، بعدما قُدّموا على أنهم مخلّصون محايدون لا يمكن إفسادهم. 

لكن عادة ما يعاني التسيّس الجماعي من عائق أساسي وهو الرغبة الشديدة في تحقيق نتائج فورية. فبعد استفاقتهم من غفلة طويلة، يبحث الواقعون في سحر الثورة عن حلول سريعة، وإن كانوا، بشكل واعٍ، يعكّرون على النخبة هناء استمتاعها الدائم بالقوة. على علمٍ، وخوفٍ، أن النخبة نفسها منقطعة النفَس مؤقتا، يصرخ الناس في هذه الحالة بأعلى صوتهم: "فليسقط الباستيل!" "اقتحموا القصر الشتوي!" أو بدلا من ذلك، "استدعوا الجيش!" "اجلبوا التكنوقراط!" وهذه الرغبات الأخيرة، إذ تستبدل الفعل المباشر بتفويض القوة الى آخرين، هي مسببات التدمير الذاتي لأي مشروع شعبي للتحرّر السياسي.

إن الهتاف للتكنوقراط في اليونان كان بمثابة فتح الأبواب أمام سياسة التفويض التي تهدف الى التأثير على العقول القلقة (فيما الأجساد الثائرة تستمر في تلقي الكدمات والغاز المسيل للدموع في الشوارع). دعا النظام مصرفيي البلد لتشكيل حكومة تكنوقراطية، ودعا صندوق النقد الدولي لتطبيق برنامج إعادة هيكلة بنيوية، الأمر الذي أدى عمليا الى تدمير بقايا دولة الرعاية ونظام ضمان الشيخوخة وقوانين حماية العمال.

سوّق صندوق النقد الدولي لعملية خصخصة ضخمة لممتلكات الدولة مثل المطارات والطاقة والأراضي والخدمات العامة. تحوّل سوق العمل الى أدغال يتحكم فيها أصحاب العمل. انهار الحد الأدنى للأجور الى الحضيض وارتفعت البطالة المقنّعة بشكل صاروخيّ. بالمحصّلة، أثبت تفويض القوة الى التكنوقراط في اليونان بأنه الطريق الأسرع للعودة إلى الوضع القائم سابقا، مع فارق جوهري: لا يمكن محاسبة هؤلاء الخبراء، فقوتهم بلا قيود، بعدما قُدّموا على أنهم مخلّصون محايدون لا يمكن إفسادهم. 

إن الأمل في التكنوقراطيين مبني على الاعتقاد الخاطئ أن ولائهم هو حصريا لحرفتهم، الاقتصاد، والذي يتنكر بمظهر العلوم الطبيعية في المصطلحات النيوليبرالية. هذا التأثير هو نتيجة للحملة المنهجية التي أدّت الى نزع الصفة الاجتماعية عن الاقتصاد الحديث، بمعنى إبعاده عن العلوم الاجتماعية والمجتمع، وتحويله إلى علم الرياضيات المجرّد.

في هذه الأيام يميل الاقتصاديون التكنوقراط الى قولبة الواقع الاجتماعي حسب افتراضاتهم، وليس العكس. وإذا ما تعارض الواقع مع النموذج، فالمسؤولية تقع على الواقع. والاقتصاد المجرّد من الشقّ الاجتماعي يؤدي إلى الارتباك السياسي، الذي بدوره يؤدي الى تسليم القوة الشعبية إلى اقتصاديين يتجاهلون الشق الاجتماعي للاقتصاد. أظهرت الأزمة اليونانية أن لحظات التسيّس الجماعي تقدم فرص نادرة من الوعي الشعبي، أهميتها أكبر من أن تُترك للتكنوقراط.

سياسة توزيع الملامة

يمارس الاقتصاديون التكنوقراط سيطرتهم من خلال طرح أرقام مبهمة وجداول معقّدة. ولكن حتى الكلمات تقع ضحية لأساليب سيطرة مشابهة. فعندما يتحرك الناس ضد النظام الذي يحكمهم، يميلون في البداية إلى تحليل مأزقهم من خلال مفاهيم مألوفة، تعود إلى فترة ما قبل حراكهم. بهذه الطريقة، فلا يمكن للتعابير المستخدمة إلا أن تعكس لغويّا علاقات القوة المسيطرة. لذلك، خلال الانتفاضات، ورغم أن الشعارات الجديدة والفكاهة الشعبية تملأ الشوارع وشبكات التواصل الاجتماعي، إلا أن المفاهيم التحليلية القديمة تحتفظ بقوّتها كأدوات للتعبير عن الخطاب والغضب.

في اليونان، في الوقت الذي كان صندوق النقد الدولي يطبق فيه خصخصة شرسة للمكاسب الاجتماعية، كان السياسيون من حلفاء النظام، بالإضافة الى الإعلام الوطني والعالمي، يحاولون توزيع الملامة بشكل "متساوي" على المجتمع.

في اليونان، في الوقت الذي كان صندوق النقد الدولي يطبق فيه خصخصة شرسة للمكاسب الاجتماعية، كان السياسيون من حلفاء النظام، بالإضافة الى الإعلام الوطني والعالمي، يحاولون توزيع الملامة بشكل "متساوي" على المجتمع. بهذه الطريقة، استطاع من أمضى عمره وزيرا أن يحتال على صرخة غضب الشارع، التي عبّر عنها بتسمية النخب "باللصوص"، والى تحويلها الى الشعار الأخلاقي "لقد أكلنا معا". الهدف كان توزيع اللّوم نزولا، توزيع الذنب حول الأموال المهدورة بالتساوي بين الذين أعطوا وأخذوا والذين لم يأخذوا بتاتا.

و في قلقه من أجل تثبيت الدعم الشعبي لإجراءات التقشّف القاسية في جنوب أوروبا، إنضم إعلام شمال أوروبا الى لعبة توزيع اللوم، وأصبح ينشر تصريحات متخيّلة وعنصرية عن اليونانيين "الكسالى". كما أدت الاصطلاحات الثقافوية المشغولة في مختبرات الخبراء الغربيين الى استشراقٍ ذاتيّ مارسه الشعب اليوناني على نفسه، مثل إغفال الجانب التاريخي للفساد وربطه بالجانب الأخلاقي. لذلك، ركّز الكثيرون على الفساد المحلّي بدلا من رؤية الخطر الفعلي المتمثل بالرأسمالية العالمية الكارثية وهي توزع الخسائر المتراكمة على "المحيط الخارجي" للاتحاد الأوروبي.

النتيجة كانت أن الطبقة العاملة في أوروبا والعالم خُدعت للتشجيع على الدرس الذي سيلقَّن لليونانيين عبر إجبارهم على دفع ثمن "العيش بأكثر من قدراتهم". السردية العقابية هذه وضعت اللوم خطأً إما على مجمل السكان (اللوم الثقافوي) وإما على "بضعة" فاسدين في الحكم (اللوم الأخلاقوي). في هذه الحالة، كان "مهد الحضارة الأوروبية" يتذوّق بعضا من السمّ الذي طبخه، بعدما أمضت اليونان عقدين تقمع العمّال الألبانيين وتعاملهم بعنصرية. الحذر من تأثير قوة التحليلات الأخلاقوية المشغولة في مختبرات مختصّة، هو درس آخر تقدّمه اليونان، وهو ما يوصلني الى فكرتي الأخيرة.

القيود الجيوسياسية

اليونان ولبنان تشكلان زاويتان صغيرتان بعيدتان من التكتلات الإقليمية الكبرى: الاتحاد الأوروبي والشرق الأوسط. في اليونان، خلال مرحلة "الازمة والمقاومة"، استطاع الحضور الأوروبي المسيطر أن يصوغ تقريبا جميع الاقتراحات التي ناقشها الشارع حول ما يجب وما يمكن فعله. مجددا، قام الاعلام والشخصيات المحسوبة على المؤسسة الحاكمة بإثارة المخاوف الوجودية، ما فرض على المجتمع خيارا من إثنين: إما الخروج من الاتحاد الأوروبي (Grexit)، أو البقاء (Gremain) الذي معناه الفعلي هو التنازل (Grelinquish).

وعمل الطيف القومي، معطوفا على مخيلة محكومة بحالة الطوارئ، على خنق أي حلول إبداعية وتحررية، كتلك التي اقترحت إنشاء جبهة اجتماعية دولية ضد التقشّف وضد فرض خيارات النخب على المجتمع، والتي شملت أيضاً تحالفاً تضامنياً واسعا لبناء بنى موازية تدعم الفقراء واللاجئين، وتدعم المشاركين في الحركة الشعبية.

وعمل الطيف القومي، معطوفا على مخيلة محكومة بحالة الطوارئ، على خنق أي حلول إبداعية وتحررية، كتلك التي اقترحت إنشاء جبهة اجتماعية دولية ضد التقشّف وضد فرض خيارات النخب على المجتمع، والتي شملت أيضاً تحالفاً تضامنياً واسعا لبناء بنى موازية تدعم الفقراء واللاجئين، وتدعم المشاركين في الحركة الشعبية.مما زاد الطين بلّة أن هذه الحلقة من مسلسل "لهب" (ليس هناك بديل) انتهت مع صعود حزب "سيريزا" الاشتراكي الاجتماعي، الذي لعب دوراً في تنفيس الغضب الشعبي بدايةً، ثم لاحقا لعب الدور الذي وافق عليه النظام: كممثّل للقوّة السياسية التي انتدبها الشارع. ومع مرور الوقت، تبيّن أن  حزب "سيريزا" شكّل أفضل تطبيق لمبدأ "ليس هناك بديل"، فطبق المبدأ بكامله عبر إجراءات التقشّف، ولكن مع ذرف دموع التماسيح. كما اتخذ "سيريزا" قرارات تعبر عن كره النفس، مثل تمتين العلاقات الاستراتيجية مع إسرائيل والنواح على تعاسة الفلسطينيين في آن واحد. وأخيرا، أعلن الحزب، مع أصدقائه الجدد في صندوق النقد الدولي، أن حالة اليونان يجب أن تُعتبر مثالا على النجاح...بالرغم من أن معظم الشباب في البلاد معطّل عن العمل، يقبضون رواتب غير كافية، أو يجدون أنفسهم في منفى اقتصادي...وبالرغم من أن معاشات التقاعد والخدمات الاجتماعية ضئيلة أو غير موجودة بتاتاً. فاليوم، يبدو أن منطق "ليس هناك بديل" ربح الجولة الأولى.

لكن هذا لا يعني أن الحركات المحليّة قد توقفت عن طرح وتنفيذ تصوّرات سياسية تحرّرية، إما في الواقع أو من الناحية النظرية. فتستمر المبادرات الشعبية في الدفاع عن مبدأ القرار للشعب، وفي توسيع مبدأ التضامن، وفي مقاومة منطق "ليس هناك بديل" والأشكال الأخرى من سياسات الانتداب الاستسلامية. هذا الجزء من القصة لم ينتهي بعد، ومن المهم روايته، وهو ما سأفعله في الجزء الثاني من هذا المقال.