فنان غرافيتي يرسم جدارية لبعض أوليغارشيي لبنان على حائط نُصب قرب ساحة رياض الصلح في وسط بيروت. ٢٤ تشرين الأول ٢٠١٩. (لارا بيطار، مصدر عام)

فنان غرافيتي يرسم جدارية لبعض أوليغارشيي لبنان على حائط نُصب قرب ساحة رياض الصلح في وسط بيروت. ٢٤ تشرين الأول ٢٠١٩. (لارا بيطار، مصدر عام)

ما هي الاوليغارشية؟ (١\٢)

في اليوم ١١١: الثلاثاء الواقع في ٤ فبراير ٢٠٢٠

في زمن النضال الاجتماعي الحاد، يصبح الواقع نفسه محل خلاف، كما الكلمات المستخدمة لوصفه. ماذا نسمي ما تشهد الساحات اللبنانية؟ فكلمة حراك قد تٌشجع المتظاهرين الجزائريين ولكنها تقلل من شأن البعض من نظرائهم اللبنانيين. أما انتفاضة، ربما يعتبرها البعض جريئة بما فيه الكفاية، لكن البعض الآخر يتخطاها إلى كلمة ثورة. وتتحوّل قواعد اللغة نفسها إلى ساحة معركة، فيصر البعض على اسم ثورة، أما الآخرون فيعترفون فقط بوصف الثورية، تاركين الاسم (الثورة) لتغيير لم يأت بعد. وماذا نسمي النظام المنوي إسقاطه؟ نظام ما بعد الطائف؟ الطائفية، حاف؟ النظام الأبوي العنصري؟ النيوليبرالية؟ الرأسمالية؟ الأوليغارشية؟

قد لا يوجد مصطلح يثير الالتباس أكثر من الأوليغارشية. بدأت هذه الكلمة بالظهور بشكل مضطرد في لافتات الاحتجاج، وتتكرر أكثر فأكثر على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث غالبًا ما يتحوّل النقاش إلى مدى وضوح المصطلح، بدل مدى كونه وصفًا مناسبًا للبنان.

"الأوليغارشية مش كلمة عربية." " وكمان الديمقراطية وتكنوقراط مش كلمات عربية فصيحة."
"لو بتشرحوا الأوليغارشية للشعب العادي بكون ممنونكن." "فيك تعمل غوغل يا شعب يا عادي."

كثيرا ما تتعرض مفاهيم مثل الأوليغارشية، وغيرها التي تعبّر عن الظروف المادية واللامساواة الاقتصادية، لاستجواب لا تتعرض له مفاهيم اخرى.أما المدافعين عن استخدام المصطلح يمكن أن يغفر لهم التهكّم، فكثيرا ما تتعرض مفاهيم مثل الأوليغارشية، وغيرها التي تعبّر عن الظروف المادية واللامساواة الاقتصادية، لاستجواب لا تتعرض له مفاهيم اخرى. لكن يمكننا أيضاً التغاضي عن الالتباس في معنى الأوليغارشية، فقد تشوّشت هذه الفكرة التي كانت بديهية عبر القرون. ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير لكيفية استخدامها في الكتابات المتخصصة الحديثة، حيث تُستخدم الكلمة بكثرة في العلوم الاجتماعية دون التعمق النظري، مما يجعلها مصطلحًا عموميًا يفتقد إلى القدرة على التفسير.

تكمن المشكلة أساسًا في أن معظم التفسيرات المعاصرة، في لجوئها إلى أصل الكلمة (ومتأثرة بنظرية النخبوية في الأكاديمية الأمريكية في أوائل القرن العشرين)، لا تركّز سوى على فكرة "حكم الأقلية" المتضمّن في المصطلح. فيورد في الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية أن الكلمة مستمدة من "الكلمة اليونانية 'أوليغارخيا'، من 'أوليغوي' (قليل) و'أرخين' (حكم)،" وبالتالي تصبح الأوليغارشية "شكل من أشكال الحكومة التي تكون فيها السلطة السياسية في أيدي أقلية صغيرة." وكما يكرر العديد من علماء السياسية، فإن الأوليغارشية لها علاقة بنموذج أرسطو للحكم، وغالبًا ما يتم تبسيطها بـ"حكم الأقلية"(على عكس حكم الفرد أو حكم الأكثرية). لكن هل ينفعنا التركيز على عدد الأشخاص في الحكم؟ هل تتضمن الأوليغارشية أي نظام لا يضمن المشاركة الكاملة المُنتظِمة لجميع أعضائه؟ وما الذي يميّز هذا المفهوم للأوليغارشية عن غيره من المفاهيم مثل الطبقة الحاكمة أو الطبقة السياسية أو النخب؟

الحل يكمن في استرجاع العنصر الذي لطالما اعتُبر من أسس الأوليغارشية: التوزيع الطبقي للثروة. وفي هذا السياق يقدّم العالم السياسي "جيفري وينترز" مداخلة مهمة في كتابه "أوليغارشية(٢٠١١)، الذي ينقذ مصطلح الأوليغارشية من الارتباك المفاهيمي الناتج عن التركيز على "حكم الأقلية." فيعود "وينترز" إلى صلب الموضوع، الثروة، ليركز كما فعل أرسطو على الأسس المادية للمفهوم. فيذكّرنا بما قال أرسطو عن عدد الفاعلين المؤثرين على نظام الحكم، بأنه "ببساطة، مجرد صدفة، حيث عدد الأغنياء دائمًا قليل وعدد الفقراء دائمًا كبير." بالنسبة لأرسطو، ليس عدد الحكام هو ما يميّز الأوليغارشية عن الديمقراطية بل موقعهم المادي: "الفرق الحقيقي بين الديمقراطية و الأوليغارشية هو الفقر والثراء... حيث يحكم رجال بناءً على ثروتهم، أكانوا قليلين أم كثيرين، فهذه هي الأوليغارشية، وحيث يكون الحكم للفقراء، فهي ديمقراطية."

وبالعودة إلى الأصول المادية للمفهوم، يقدم "وينترز" نظرية جديدة للأوليغارشية تستند إلى فكرة "الدفاع عن الثروة." وفقًا لهذا الإطار، فإن ما يعرّف الأوليغارشيين ويجعلهم يستحقون الدراسة كمجموعة خاصة من الجهات الفاعلة هو التركّز الشديد لمورد قوة واحد بالتحديد: الثروة. الأوليغارشيون فاعلون يديرون شخصيًا تركّز هائل من الموارد المادية، التي يوظفونها للدفاع عن تلك الثروة من المصادرة. قد يكون صاحب العمل أو الرئيس التنفيذي للشركة أو صاحب رأس المال من الأوليغارشيين إذا كان لديه شخصياً موارد اقتصادية ضخمة (وإلا، يمكننا أن نطلق عليهم ببساطة اسم النخبة الاقتصادية). وقد يكون السياسي من الأوليغارشية إذا كان لديه شخصيًا سلطة مادية واسعة (وإلا، يمكننا الإشارة إليه بوصفه من النخبة السياسية التي تعتمد على أشكال أخرى من السلطة مثل التعبئة أو الإكراه). والأوليغارشي يبقى أوليغارشيًا حتى لو لم يحكم شخصيًا.

أما الأوليغارشية فهي الآلية السياسية التي يدافع بها الأوليغارشيون عن ثرواتهم. هي ليست بنظام أو طريقة حكم، بل هي مشروع مادي متجذر في حالة الدفاع عن الثروة المركّزة. بالنظر إلى الصراع المتأصل في المجتمعات الطبقية، حيث يتم تأمين جميع الممتلكات عن طريق الإكراه العنيف أو التهديد بالإكراه، يعيش جميع الأوليغارشيين في حالة خوف من فقدان ثرواتهم. لكن طريقة الدفاع عن الثروات تختلف عبر السياقات والفترات التاريخية. الأوليغارشيون هم ذاتهم في كل مكان، لكن الأوليغارشية تختلف.

في بعض المجتمعات تستثمر الأوليغارشية في السيطرة المباشرة على وسائل الإكراه. أما في حالات أخرى، لا يحتاجون الأوليغارشيون إلى تسليح أنفسهم أو الاحتفاظ بالسلطة السياسية لأنهم يثقون بالقوة القمعية للدولة لحماية ثرواتهم. وفي بعض الأوليغارشيات، يهيمن فرد واحد، أما في أخرى يتعدد اللاعبون ويعملون بتناسق.

يأخذنا هذا الإطار إلى أربعة أنواع مثالية من الأوليغارشية. اولا، تتضمّن "الأوليغارشيات المتحاربة" أوليغارشيين يشاركون شخصياً في الدفاع عن ثرواتهم من خلال العنف، لكن دون التنسيق مع بعضهم البعض. أحد الأمثلة الأكثر إلحاحًا هو العنف المتصاعد بين الأوليغارشيين المتنافسين الذين حكموا الجمهورية الرومانية. 

نجد "الأوليغارشيات الحاكمة" التي تضم أيضًا أوليغارشيين منخرطين في الإكراه المباشر، لكن بشكل جماعي من خلال التعهّد بالامتناع عن استعمال سلاحهم ضد بعضهم البعض.ثانيا، نجد "الأوليغارشيات الحاكمة" التي تضم أيضًا أوليغارشيين منخرطين في الإكراه المباشر، لكن بشكل جماعي من خلال التعهّد بالامتناع عن استعمال سلاحهم ضد بعضهم البعض. هذه الترتيبات المسلحة لم تفلح بالاستقرار تاريخيًا، ولعل أبرز الأمثلة هي المافيا في الولايات المتحدة وإيطاليا. ومع ذلك، كانت بعض الترتيبات أكثر ديمومة، في الحالات التي لعب الأوليغارشيون دورًا أقل مباشرة في العنف. الأمثلة الكلاسيكية هي المستشاريات ومجالس الشيوخ اليونانية الرومانية في العصور القديمة، وكذلك الماغناتي في إيطاليا (الأسر النبيلة التي سيطرت على الدول ـ المدن في العصور الوسطى). واليوم، يقترب لبنان من نوع الأوليغارشيات الحاكمة، سيتم تفصيله في الجزء الثاني من هذه السلسلة.

 أما في النوع الثالث، "الأوليغارشيات السلطانية،" فيحتكر فرد واحد الإكراه ليلعب دور الحكم بين مجموعة من الأوليغارشيين العزّل. وأبرز الأمثلة على ذلك إندونيسيا في عهد "سوهارتو"، والفلبين تحت حكم "ماركوس". والنوع الأخير، "الأوليغارشية المدنية"، فهي نظام يعتمد فيه الأوليغارشيون على جهاز مؤسساتي للدفاع عن ممتلكاتهم ودخلهم. ويمكن اعتبار سنغافورة والولايات المتحدة مثالين مميزين على الأوليغارشية المدنية المعاصرة، فقد بنى أوليغارشيو الولايات المتحدة ما أسماه وينترز "صناعة الدفاع عن الثروة"، وتضم محامون وخبراء وتقنيون يعملون بجهد على تشريعات وقوانين ضريبية تضمن عدم إعادة توزيع الثروة. كما قاموا ببناء مشهد إعلامي تهيمن عليه دعاية الشركات التي تشيطن إعادة التوزيع الإجباري للثروة وتمجد حق المليارديرات في اختيار عملهم الخيري.

مثل كل التصنيفات التي تطمح إلى الاتساع المفاهيمي، قد يكون هذا التصنيف للأوليغارشية كاريكاتوريًا إلى حد ما. وهو بطبيعة الحال لا يسعى إلى توضيح كل التفاصيل والفروق الدقيقة، سواء في لبنان أو في أي مكان آخر. كما أنه لا يفسّر سلوكيات الأوليغارشيين العديدة واليومية حين لا يجدون أنفسهم يدافعون عن ثروتهم. ومع أخذ هذه المحاذير في الاعتبار، فإن النظر إلى لبنان من خلال سياسة التقسيم الطبقي الاقتصادي المتطرف هو وسيلة مهمة لتأطير كيفية استخدام السلطة اليوم وما سنحتاج إليه لإطاحتها، وهو ما سيتم مناقشته في الجزء التالي من هذه السلسلة.

.