غروب بحر الجنوب: ثلاث دبابات إسرائيلية محترقة بنيران المقاومة في أفق البياضة. الجنوب، لبنان. ٢٠٢٦. (حسن فنيش، مصدر عام)

غروب بحر الجنوب: ثلاث دبابات إسرائيلية محترقة بنيران المقاومة في أفق البياضة. الجنوب، لبنان. ٢٠٢٦. (حسن فنيش، مصدر عام)

المائِدَةُ والمُسَيَّرةُ

الحزن القاتل، الحزن المقاتل، لبنان، فلسطين، المقاومة، حسين مروة، مهدي عامل، الاحتلال الإسرائيلي، الإبادة، العدوان، الاجتياح الإسرائيلي

”أنت حزين، لا شكّ، حزين لوطنك وشعبك وقضيتك؛ منذ امتداد الغزو الصهيوني-الإمبريالي في شرايين التراب اللبناني. وذلك الفتى الذي كان الحديث عنه، هو أيضًا حزين للسبب نفسه، لكن، هل حزنك وحزنه يلتقيان؟“
— حسين مروة

يَصعُب تحديد الحزن في لبنان: أن نسمّي بدايته ووسطه ونهايته. كيف يتحوّل في لحظاتٍ فرحة، أين يتوارى في لحظات تقتضي العجلة؛ كيف ينساب كالماء متتبعًا الساحل المشقَّق، والطريقة التي يندفِق بها أحيانًا ويطفو ويدور ليعود متطفِّلًا؛ كيف يتبدّى كشرط مطَّرد، مذّ أطبق المستعمِر راهنَه الدائم من السيطرة. كثيرًا ما نعود إلى أحزانٍ قديمة تحت شرط الهيمنة في لبنان، كأنما النفس لا تملك إلا محاولة تسمية حزن اليوم عبر إحالة إلى قديم. نسمعها بكل”شايفين أسوأ“ أو ”هيدا مش شي جديد“، وأمس انتقل سائق الأجرة في بيروت — بعد شتم المسيّرة الإسرائيلية المحلّقَة فوقنا — إلى قصّة حبّه الضائع في الدنمارك — شابة لم يرَها ثانية بعد عودته إلى لبنان لزيارة ظنّها ستكون وجيزة خلال الحرب الأهلية.

أرتاب من هذه العودات، ليس لأنّني أعِدُّها رغبة في الخروج من حزن الراهن، بل لأنها تمثّل عودةً مضبوطة للغاية، كأن العودة إلى حزنٍ سابق هي رفض الصدفة كنمط للوجود أو الصيرورة. ولا أعتقد أنّه يمكن مقارنة هذه العودات باستعارة ”ملاك التاريخ“ لوالتر بنيامين، حيث الملاك كما يتخيّله بول كليه في لوحته المعنونة ”الملاك الجديد“ (Angelus Novus) يتأمل في التاريخ، فيرى نكبة واحدة مستمرّة، فيما تدفعه قدمًا عاصفة تسمّى ”التقدّم“. في الصورة، جناحا الملاك مفتوحان، جسده مشدود إلى الأمام بينما عينيه ثابتتين على الأنقاض المتراكمة خلفه — هيئة عالقة بين الحركة والشلَل. لا تكمن المفارقة في صورة كْليه بعينها، بل في الآخِرَة لقراءة بنيامين. الملاك الجديد، ذات مرّة كان تمثيلًا للمأزق المزدوج لدى بنيامين، بين التقدّم ومنفاه الشخصي، قد امتصّه التاريخ عينه الذي رثاه. فتح التقدّم باب متحف إسرائيل للملاك الجديد في القدس، حيث يعلّق اليوم العمل الفني. الملاك — الذي كان، في نظر بنيامين، عالقًا بين الماضي والمستقبل — غدا، عبر وضعه في المتحف الإسرائيلي، مُؤَرخنًا ومَملوكًا ومعروضًا، يكشف اليوم أنّ عنفَ التقدّم يكمن فيمن يملك حقّ تجميد النكبة وادّعاء امتلاك صورتها. على النقيض في لبنان، إنّ علاقتنا المعقّدة بهذا التقدّم العنيف تعني أنّ العودة تومئ إلى نمطٍ آخر من الصيرورة السياسية، لأن الحزن في لبنان شرطٌ ممتدّ، يُعكّر علاقتنا بالماضي والمستقبل.

ربما هذه العودات المضبوطة هي رفضنا لأن نكون متلقون للنكبة أو أن نقطع مع التاريخ بوصفه أحداث تحدث علينا. لا يمكنني الجزم، لكن العودات ترجع لنا كأعراض لشيءٍ معلّق، حزن يرفض نسيان ما مات. أين تأخذنا هذه العودات؟ كيف تتبدّى اليوم هذه القوافي؟

قد تفاجئنا العودات. عودات كثيرة في الآونة الأخيرة، لا سيما في بيروت وجنوب لبنان خلال الأشهر الماضية، تبدو مُنعَقِدة حول سنة محددة: ١٩٨٢. يُجَرُّ حزن الراهن إلى الخلف، مخدوع بالوقوع على لحظة في التاريخ يتعرّف إليها كحزنَه المرافق، تقول له إن هذا الراهن ليس مختلفًا كثيرًا عمّا رأيناه من قبل. مألوفة هي معادلة: المحتلّ القاسي، والكوريغرافيا المتكرّرة للتهجير القسري والعودة. ربما لم تكن أدوات العنف آنذاك بقدر تطورها اليوم، لكن ثقل الأحداث يبدو متشابهًا، أو قابلًا للمقارنة على الأقل — فورية التهديد في كل ثانية، والخوف من استمرار الحرب عندما تتوقّف القنابل أخيرًا. عام ١٩٨٢ هو العام الذي شنّت فيه إسرائيل اجتياحها الشامل لبيروت عقب توغّلها الأول حتى نهر الليطاني في الجنوب سنة ١٩٧٨، والذي مهّد للأحداث خلال وعقب الاجتياح.

في حديث مؤخرًا مع صديق في برج الشمالي، صور، في جنوب لبنان، تكلّمنا تحديدًا عما إذا كانت حالة الحزن التي نعيشها اليوم تبقى نفسها كما إبان الاجتياح الإسرائيلي عام ١٩٨٢. ”نمتلك الكثير من الوقت، بل كل وقت العالم. لسنا نحن من نصارع الوقت، بل هم!“، قال مشيرًا إلى معصمه ثم تابع مشيرًا إلى فلسطين على بعد بضعة كيلومترات من حيث التقينا. اليوم، وجد حزن صديقي راحته في الإحالة، ليتفاوض معه، يعيد تشكيله ويحوّله إلى حالة وجود جديدة؛ حزن في زمنية ترفض أن تُقاس، يتحوّل إلى حزن يقاتل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

لقطة بعين المصوّر الفلسطيني يوسف القطب لمقاتلَين أثناء تصديهما للتقدم الإسرائيلي في جبل عامل. الجنوب، لبنان. ١٩٧٩. (يوسف القطب، مجموعة يوسف القطب في أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي)

لقطة بعين المصوّر الفلسطيني يوسف القطب لمقاتلَين أثناء تصديهما للتقدم الإسرائيلي في جبل عامل. الجنوب، لبنان. ١٩٧٩. (يوسف القطب، مجموعة يوسف القطب في أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي)

اليوم، في جنوب لبنان، يحمل مصطلح ”وقف إطلاق النار“ معنًى مفارقًا. من جهة، يكاد يكون إعلانه مضحكًا، إذ تواصل القنابل والطائرات المسيرة سقوطها، غير مبالية بوضعه. ومن جهة أخرى، يوحي معنى الكلمة بنهاية العنف، وبوضعٍ أكثر من ذلك: نهاية شيء وبداية شيء آخر، لحظة تختفي السيطرة وتعود بصيغة جديدة. تكشّف الصيغة بأنّها الحرب الدائمة للإخضاع تتطور إلى أقصى مراحلها المتقدّمة: الاستهداف المنهجي ليس للأشخاص فحسب، بل للبنى التحتية للحياة نفسها. في ١٦ تشرين الأول، قصفت إسرائيل مجمعًا لتصنيع الإسمنت والآلات الضخمة، موّجهةً رسالة واضحة: لن يكون هناك إعادة إعمار ما دامت المقاومة في لبنان مسلحة. لا تنتهي الحروب هنا بمجرد إعلان الرجل البرتقالي في البيت الأبيض نهايتها؛ يتغيّر شكلها فقط. في الجنوب اليوم، الحرب ووقف إطلاق النار الوهمي ليسا حدثَين. إنّ العنف الملثّم بالهدوء يعبّر عن شروط حرب إخضاع طويلة، منذ أن ”انتشرت الصهيونية في عروق التربة اللبنانية“، بكلمات مروة. عندما تنتهي حرب، تكون أخرى قد بدأت بالفعل.

اليوم، وجد حزن صديقي راحته في الإحالة، ليتفاوض معه، يعيد تشكيله ويحوّله إلى حالة وجود جديدة؛ حزن في زمنية ترفض أن تُقاس، يتحوّل إلى حزن يقاتل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

لا تُخفي إسرائيل نواياها إزاء المرحلة الجديدة لما بعد ”وقف إطلاق النار“. فقد صرّح مايكل فرويند، نائب مدير الاتصالات السابق لدى نتنياهو — بأريحية لا يكترث لها الحاكمون في الدولة اللبنانية، على نحوٍ غير مفهوم — بأنّ ”جنوب لبنان، تاريخيًا، هو في الواقع شمال إسرائيل“، مستشهدًا بسفر يشوع وعددٍ من المقامات المحلية كأدلّة. خلال الأشهر الأخيرة، وتحت وهم وقف إطلاق النار، تحوّلت اللغة نفسها، مُتَبنّية إيقاع الدبلوماسية. وقد شدّد الرئيس جوزاف عون على الموقف القائل أنّ ”لا خيار سوى التفاوض مع إسرائيل باستخدام لغة دبلوماسية“، فيما تحوم السرديات الإعلامية والسياسية  في الوقت نفسه، دون كلل حول هدفٍ واحد: نزع سلاح حزب الله.

يمكن قول الكثير عن تبعات الإبادة الجماعية، وثمّة من هم أكثر إلمامًا تولّوا هذه المهمّة. لكن الخلاصة التي توصلت إليها هي أنّ غزّة، اليوم، قد حطّمت الوهم القائل بإمكان قيام استقرار في لبنان والمنطقة والعالم ضمن نظامٍ قائم على تراكم رأس المال. لا إمكانية لحياة حقيقية حيث يعتمد الربح على الاستخراج المتواصل لتلك الحياة وعلى نزع إنسانية أولئك الذين يحوّلون حزنهم إلى نمطٍ من الصيرورة، وأولئك الذين يقاتل حزنهم من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

منذ ما قبل ١٩٨٢ بوقت طويل، تمحور الحزن في لبنان حول القتال من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه. حين أعود إلى ١٩٨٢، لا يكون ذلك مدفوعًا برغبة أو حنين إلى يسارٍ علمانيٍّ مناضل ضائع (دون انتقاص من مرحلة المقاومة الإسلامية خلال العقود الثلاثة الماضية)، ولا بميلٍ يوتوبيٍّ كئيب للتحرّر الذاتي من زمنٍ لا يمكن استعادته. أظنّ أنّ ما يعيدنا إلى ١٩٨٢ هو الطريقة التي أُعيد بها تشكيل الحزن ذلك العام: انشطر، وتكاثر، وبدّل لغتنا. أعود إلى هنا بحذر. لستُ في بحثٍ عن لحظة بدء حزننا — فهذه مهمّة الأشجع. أريد تحديد كيف تصدّع الحزن مرئيًا تحت وطأة الإخضاع خلال هذه المرحلة من تاريخ لبنان، التي يصفها كثيرون بأنّها نقطة التحوّل: حين سُلِّم لبنان إلى إسرائيل، كما لاحظ الفيلسوف الماركسي اللبناني مهدي عامل في كتابه ”مدخل إلى نقض الفكر الطائفي: القضية الفلسطينية في أيديولوجيا البرجوازية اللبنانية“، لتتمكن إسرائيل بدورها بإعادة تلك السلطة كهِبة.

في خضمّ الحرب الأهلية، أطلقت سلسلةٌ من الأحداث، بدأت عام ١٩٧٨، القوى التي ستقود إلى الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام ١٩٨٢. عام ١٩٧٨، شنّت إسرائيل عملية الليطاني بذريعة طرد المقاومة الفلسطينية من جنوب لبنان، وبمساندة جيش لبنان الجنوبي، اقتطعت بالفعل منطقةً عازلة تحت السيطرة الإسرائيلية. وفي العام نفسه، وُقّعت اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، مُدشّنةً مرحلةً جديدة من التطبيع في المنطقة العربية الأوسع، أسفرت عن عزل القضية الفلسطينية في العالم العربي. وبين عامي ١٩٧٨ و١٩٨٢، وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون، بالتحالف مع القوى المسيحية اليمينية بقيادة بشير الجميل، خطةً لصعود الجميل، قائد الميليشيا: تغزو إسرائيل لبنان، ويحلّ الرئيس اللبناني إلياس سركيس البرلمان، ويُعيَّن الجميل رئيسًا للدولة. وفي السادس من حزيران ١٩٨٢، باشرت القوات الإسرائيلية اجتياحًا شاملًا، متقدّمةً نحو بيروت بذريعة طرد منظمة التحرير الفلسطينية.

مؤخرًا، كنتُ أجلس حول مائدة طعام مألوفة على بعد بضعة شوارع من بيتي في بيروت. حول هذه المائدة، تم التخطيط لأول عملية في بيروت ضد الإسرائيليين عام ١٩٨٢ ضمن إطار الحركة الوطنية اللبنانية. في الأشهر المتوتّرة منتصف ذلك العام، بينما كانت القوات الإسرائيلية تتقدم نحو المدينة، اجتمع تسعة مقاتلين في سرية وعجلة: أيديهم مضغوطة بثقل على المائدة،  يخططون لما سيصبح عملية صيدلية بسترس — أول هجوم ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي في بيروت في ٢٠ أيلول، بقيادة عضو الحركة الوطنية اللبنانية مازن عبود، مناضل ومثقف من جنوب لبنان. حين يتبدّى الحزن هنا، يكون في الأماكن العادية والخرائط الحميمة لحياتنا. يعود إلينا عبر موائد الطعام — ومن صيدلية بسترس في شارع الحمرا ببيروت التي ما تزال موقع احتجاج — عبر الصدوع في صخور جبل عامل، والبحر الذي نتشاركه مع غزة. يعود إلينا كمحاولات معلّقة للصمود أمام شروط العالم دون قبولها.

ليست العمارة النفسية التي تذكّرنا بأشخاص عرفناهم عاشوا في واقع دون أن يستسلموا له هي وحدها ما يظلّ معلّقًا في لبنان، بل الاستيقاظ وسماع الطيور تردد صدى المسيّرات أيضًا؛ القنابل التي تضرب الجنوب بلا توقف، تشعل الحرائق البرية المندلعة حاليًا في الوديان، تحول بساتين الزيتون إلى محارق؛ المخيمات الفلسطينية؛ سعر الخبز المرتفع؛ والدولة البرجوازية المتآمرة لإنتاج الجمود من خلال الحزن نفسه. هنا، لا ينفصل الحزن عن ظروف الإخضاع، بل يتشكل بها، وبهذا المعنى، يتناغم العنف الخارجي مع الحزن الداخلي، ولكنّ تمثيل هذا التناغم غالبًا ما يتشعّب إلى حالات متناقضة. يفهم فرويد الحداد باعتباره استجابة للواقع، بينما يجادل دوغلاس كريمب، في قراءته لـ”الحداد والكآبة لفرويد ضمن مقالته ”الحداد والنضال“، بأنّ النضال في الحداد يعني تعلّم العيش ضمن الواقع دون الاستسلام له. في هذه الحالة من الصيرورة حيث لا يذوب الحزن ولا يُحَل، بل يعيد تنظيم شروط العيش. مثل حزن كريمب المناضل، إنّ الذي يطفو عبر هذه المواقع المألوفة في لبنان ليس عملية مكتملة، بل إعادة تشكيل مستمرة، تسائل على الدوام البنى الداخلية والخارجية التي تسند الفقد.

ذُيّلت هذه الصورة بعدسة المصوّر القطب بجملة: "مقاتلونا يحمون البحر من العدو والغدر". أربعة مقاومين عند الشاطئ يتصدون للاجتياح الإسرائيلي عام ١٩٨٢. الجنوب، لبنان. ١٩٨٢. (يوسف القطب، مجموعة يوسف القطب في أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي)

ذُيّلت هذه الصورة بعدسة المصوّر القطب بجملة: "مقاتلونا يحمون البحر من العدو والغدر". أربعة مقاومين عند الشاطئ يتصدون للاجتياح الإسرائيلي عام ١٩٨٢. الجنوب، لبنان. ١٩٨٢. (يوسف القطب، مجموعة يوسف القطب في أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي)

في تأمل رقيق حول العام الذي شهد لبنان فيه انشقاق حزنه، قبل ثلاثة أشهر من عملية بسترس عام ١٩٨٢، يصف الماركسي اللبناني حسين مروّة إعادة تشكيل الحزن هذه من خلال التمييز بين الحزن القاتل والحزن المقاتل. يبدأ بمشهد بصري، سائلاً: ”على الشاطئ لحظة المغيب، نرى الشمس والبحر يلتقيان عند الخطّ الوهمي الذي يرسم نهاية أفق الرؤية — هل هما يلتقيان؟“ من خلال هذه الصورة، يضع مروة الصدع الفكري مماثلًا لتضليل ذلك الوهم: العلاقة التقاربية بين نوع من الحزن وآخر، مشاعر توحي بالالتقاء دون أن يتحقق ذلك فعليًا. مثل الشمس والبحر، يشتركان في سطح التأثير، لكن يختلفان تمامًا في عوداتهما.

الأول، الحزن القاتل، يعود إلى الداخل ويتحجر، غير قادر على الانفصال عما فقد. بمصطلحات فرويدية، يشبه ذلك الكآبة: حزن على فقدان (السيادة والكرامة) يصبح تثبيتًا غير مفهوم يشلّ الذات داخل الهزيمة، خيبة الأمل، وفقدان التوازن. الثاني، الحزن المقاتل، يرى ألمه في الخارج ويحوّل الحزن إلى نمط من الصيرورة: يصبح الفقدان تظلّمًا، والحزن منطلقًا للمقاومة. والأهم، في نص منفصل بعنوان ”كلمات حياة، يجادل مروّة بأن الحزن يصبح مقاتلًا عندما يستند إلى أساس فكري يسهّل تجنيده في النضال ضد الاستعمار.

أن نفكّر بتشبيه مروّة في لبنان اليوم يعني أن نستهلّ بالحزن القاتل الذي قطع مسافات طويلة. بكلمات مروّة، هذا الحزن هو ”قاتل من القتلة في صف العدو“: يبحث عن الأكثر قلقًا، مدركًا أن القلق سيتعثّر بوجه الفوضى أولًا. الحزن مغروس هنا، مطرّزٌ بالمعدن على أرضٍ لا تعرفه. عندما تستقبل الذاتُ القلقةُ الحزنَ، تؤيّد فانون حين يحاجج أنّ الاستعمارَ لا يكتفي بإقناعك أنّك عبد، بل يقنعك أنّك لست أهلًا لأن تكون حرًا، كما يلخّص مروان عبد العال. ترى الذات الظلم بوضوح وتعلم أن القنابل لم تتوقف، وتعلمن أن تعبير ”وقف إطلاق النار“ ما هو إلا بداية لشيء آخر. تعرف أنّ كثرًا استشهدوا في الجنوب وهم يحمون أرضهم، إلا أنّ الوعي نفسه يصبح عبئًا ثقيلاً جدًا. تفهم الذوات الحزينة بعمقٍ شروطَ وطرائقَ هذه الأحزان وتصريفاتها ضمن مستقبل محرَّر، لكن كلّ منها يفهم طرقًا نفسية وسياسية مغايرة وغالبًا متناقضة يمكن من خلالها للحرية أن تتحقَّق. يبدأ الحزن عمله البطيء تحت الجلد، يعلّم الذات القلقة توجيه التناقض إلى الداخل.

 الحزن المقاتل، يرى ألمه في الخارج ويحوّل الحزن إلى نمط من الصيرورة: يصبح الفقدان تظلّمًا، والحزن منطلقًا للمقاومة. والأهم، في نص منفصل بعنوان ”كلمات حياة“، يجادل مروّة بأن الحزن يصبح مقاتلًا عندما يستند إلى أساس فكري يسهّل تجنيده في النضال ضد الاستعمار.

لستُ غافلة عن هذه المفارقة. بينما يمكن لكل من الحزن القاتل والحزن المقاتل أن يتوقا إلى مستقبل محرَّر، يلتفت الأوّل إلى الداخل ويلاحظ الصَّدع. على أحد طرفيه، يدرك الحزن أنّ التحرير هو الطريق لوقف إعادة إنتاج إخضاعنا في لبنان، بينما يرى الطرف الآخر نفسه بعين الواجهة لما يمكن أن تقدّمه الإمبريالية (المموّهة بالأمن النيوليبرالي). تتفاوض الذات مع صدعها في الحزن حتى تقبل الحاضر كشرًّ أدنى، حتى تستبطن الحزن فيصبح الفرد متواطئًا في محوه البطيء. يتحسّس الحزن من التغيير ويسعى إلى معيارية سلسة — الشرط عينه المناقض لنمط الحزن المقاتِل.

مقاومون يقصفون مواقع العدو في جنوب لبنان إبّان الاجتياح الإسرائيلي عام ١٩٨٢. خلدة، لبنان. ١٥ حزيران، ١٩٨٢. (يوسف القطب، مجموعة يوسف القطب في أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي)

مقاومون يقصفون مواقع العدو في جنوب لبنان إبّان الاجتياح الإسرائيلي عام ١٩٨٢. خلدة، لبنان. ١٥ حزيران، ١٩٨٢. (يوسف القطب، مجموعة يوسف القطب في أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي)

إنّ التناقض بين الحزن الذي يقتل ومن ينتهي به الأمر مقتولًا هو السبب في أنني لا أقبل تمييز مروّة بين الحياة والموت. بينما انهار كلاهما تحت وطأة الحالة الاستعمارية، فإنّ الحزن الذي يقتل غالبًا ما ينجو من الموت الجسدي للذات التي تحمله. اليوم، من يُقتَل هُم آباء يقودون سياراتهم لاصطحاب أطفالهم من المدرسة، أو المقاتل الوحيد الذي يتنفس بصمت بين ثنايا جبل عامل.

منذ نشأة الصهيونية، أعاد الحزن المقاتل تشكيل حزن الناس وبثّه خارجيًا نحو البنى التي تُخضعنا ضمن اقتصاد الاحتواء. إنّ اقتصاد الاحتواء الذي أحسنت إسلام الخطيب تلخيصه في ندوة حديثًا، متجذّرٌ في الخوف من العدوى السياسية، يؤطّر الرابط غير المنفصم بين التحرّر الفلسطيني والعربي، لا كقضية عادلة، بل كتهديد للنظام الإقليمي والعالمي. لم ينجح تحويل ”العدوى السياسية“ إلى خطاب أمني في مهمّة تأطير مقاومة الاحتلال كتهديد في لبنان، إلا من خلال تقديم إسرائيل ككيان عقلاني. عبر هذا المنظور العقلاني، يصبح عنف إسرائيل التوسّعي قابلًا للفهم والتفاوض ضمن خطاب العدوى إيّاه: يمكن دائمًا محاججة فاعلٍ عقلاني، ولكن فقط إذا قابله فاعلون عقلانيون آخرون. إن التلميح إلى العدوى ذكي لأنه يفترض أن عقلانية إسرائيل ليست نقيض الفوضى (كما أبرز المبعوث الأمريكي توم باراك حين وبّخ الصحفيين اللبنانيين قائلًا: ”تصرفوا بطريقة متحضرة، تصرفوا بلطف، تصرفوا بتسامح“ لأن السلوك المخالف ”هو المشكلة فيما يحدث في المنطقة“)، ثم يحوّل تنظيم الفوضى ذاته في أرضية وفي البنية التحتية لمنطقتنا من خلال القنوات الاقتصادية والدبلوماسية والإعلامية والأمنية. عندما يقبل الحزن بهذه العقلانية، تصبح كل فظاعة محسوبة ومبرّرة ومحصورة ضمن إطار ”المعقول“ بدل الاستجابة السليمة — وهي المقاومة. في انهيار صلاحية المقاومة نفسها، تُجرَّد القدرة على المقاومة من أي هيكلية أوسع للردّ الاستراتيجي أو المناورة، وتغدو العقلانية القناعَ الذي يُطبًّع خيالَ إسرائيل الإبادي، مُعقِّمًا وحشيّتها بوصفها سياسة.

صورة من مجموعة المصور يوسف القطب، متاحة على أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي، تظهر أربعة مقاتلين مرابطين بين الصخور عند قلعة الشقيف، ويُقرَأ في هامشها: "بعدسة: شهيد". الجنوب، لبنان. ١٩٨٢. (يوسف القطب، مجموعة يوسف القطب في أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي)

صورة من مجموعة المصور يوسف القطب، متاحة على أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي، تظهر أربعة مقاتلين مرابطين بين الصخور عند قلعة الشقيف، ويُقرَأ في هامشها: "بعدسة: شهيد". الجنوب، لبنان. ١٩٨٢. (يوسف القطب، مجموعة يوسف القطب في أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي) 

إنَّ هذا التنظيم للجنون ضمن نسق هو ما قام بتشخيصه مهدي عامل إثر اجتياح عام ١٩٨٢. بعد الخسارة العميقة للنكسة عام ١٩٦٧، حين سقطت الجيوش العربية وعشر مدن أمام إسرائيل في ستة أيام، تحوّلت استراتيجية مكافحة التمرّد لكبح المقاومة المسلحة العربية من استراتيجية احتواء إلى استراتيجية اجتثاث كامل. رفض عامل قراءة الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام ١٩٨٢ كدليل على هذه الهزيمة في ١٩٦٧، بل اعتبره نتيجة تحوّل أعمق. أُعيد تكوين هوية لبنان برمّتها، لا بوصفها جزءًا من حركة التحرّر العربي، بل كخصم لها، حيث تبنّت الطبقة الحاكمة اللبنانية، — حفاظًا على نظامها الطائفي ومصالحها المالية — تأطير إسرائيل ككيان عقلاني باعتباره وسيلة لحماية نفسها وبقائها. وفي العام التالي، تشكّل هذا التحالف رسميًا في اتفاق ١٧ أيار بين لبنان وإسرائيل — وهو عقد سياسي يعكس شعور عامل المذكور سابقًا بأن الغرب ”سلم لبنان لإسرائيل حتى تتمكن إسرائيل بدورها من منح لبنان السلطة كهبة“. وصل المنطق التهويلي للعدوى السياسية إلى مرحلة جديدة من الهيمنة، وأعيد تشكيل نوعي الحزن المتنافسين في المقابل: أحدهما استسلم لحرب الإخضاع، أما الآخر الذي يعيش ضمن الواقع، فقد رفض الاستسلام.

من خلال منطق التوريط، تُقنِع العدوى المستعمَرَ اليوم في لبنان بأنّ السلامة في الاستقرار الذي تجلبه إسرائيل، وأن التحرّر بذاته حالة مَرضية. والمفارقة الحقيقية — وإن كانت متوقّعة بالآليات عينها التي يقوم عليها هذا المنطق— والتي تكشّفت بدقّة لا ترحم عام ١٩٨٢ واليوم: أصبحت مقاومةُ الفاشية ذريعةً للحرب الأهلية، تمامًا كما أصبحت مقاومة الاحتلال مبررًا للاحتلال ذاته. أتمّ جنون العدوى السياسية مهمته: انتشر عبر قنوات الاحتواء، مقنعًا إيانا بوجوب حمل المرض  رفيقًا لنا للحفاظ على وهم النظام الهش.

بظلّ هذه الشروط، ليس الانشطار المتقابل للحزن إنكارًا لخسائرنا المشتركة — فالحزن القاتل قادر على رؤية العنف — بل قلقًا. لقد أتقنَت الذات كبحَ خيالها، لكنها تعجز عن تخيّلَ ما يمكن للمنطقة أن تفعله أو لا تفعله ضمن شروط الإخضاع. بدل ذلك، تقرأ الأرض كمتلقية سلبية للمأساة، أرضٌ تذكّرت أن تنسى الموتى. منذ أن قبِل لبنان إسرائيل ككيان عقلاني، أصبح مفهوم المقاومة أعلى كلفةً. وهذا يعني أن أي شخص حزنه يقاتل، فإن حزنه يعيد تشكيل نفسه باستمرار نحو الزمن والتاريخ وفي صيرورة دائمة. رأينا ذلك في الطريقة التي عاد بها أهل الجنوب إلى بيوتهم بعد ”وقف إطلاق النار“، حتى في القرى الحدودية وتحت التهديد الوشيك من الجنود الإسرائيليين وخرائطهم الخرافية. في كانون الثاني وشباط ٢٠٢٥، تحدّى آلاف اللبنانيين الأوامر الإسرائيلية بعدم العودة إلى قراهم. رجعوا ودخلوا قراهم، وسُجّلت إصابات في الأيام التالية لوقف إطلاق النار. لا يعود أهل الجنوب إلى الاستقرار (وليس هذا الصمود للرَمْنَسَة)، بل ورغم مواجهتهم العنف الأشدّ فتكًا، لا ينفذ الوقت منهم، بتعبير صديقي. ومن دون اعتبار شروط الجنوب مؤاتية بأي شكل، فإنّ الناس مع ذلك يقيمون في زمنية ترفض الامتثال لمنطق القياس.

بعد أربعة أيام من عملية صيدلية بسترس في ١٩٨٢، سمع خالد علوان، شاب مناضل من الحزب السوري القومي الاجتماعي، واثنين من رفاقه، مجموعةً من الجنود الإسرائيليين المحتلين يتجادلون حول ما إذا كان بإمكانهم دفع ثمن قهوتهم بالشيكل. عندها أطلق علوان النار على الجنود الذين كانوا في مقهى في قلب الحمرا في بيروت؛ لاحقًا، عُرفَت الحادثة في ٢٤ أيلول ١٩٨٢، باسم ”عملية الويمبي“. إنّ الدعاية التي تحصّننا ضد هذه العدوى السياسية تغذي الحزن القاتل. تخبرنا أنّ سماع ”شالوم“ بدلًا من ”سلام“ داخل مقهى في الحمرا عام ١٩٨٢ ليس بالأمر السيء إلى هذا الحدّ، إذا ما دخلت عملة الاحتلال — بوصفها عملة تحمل أمانًا ماليًا — إلى المساحات العادية من حياتنا اليومية. وتستمر في إقناع الحزن بأن ما مضى قد مضى، وقد حان الوقت للتوقف عن العودة إلى أحزان الماضي؛ فالحياة ستكون أبسط بهذه الطريقة.

لا يعود أهل الجنوب إلى الاستقرار (وليس هذا الصمود للرَمْنَسَة)، بل ورغم مواجهتهم العنف الأشدّ فتكًا، لا ينفذ الوقت منهم، بتعبير صديقي. ومن دون اعتبار شروط الجنوب مؤاتية بأي شكل، فإنّ الناس مع ذلك يقيمون في زمنية ترفض الامتثال لمنطق القياس.

يرفض الحزن المقاتل تطبيع هذه اللحظة الواقعية. في ”أفعال الكآبةالهزيمة والنقد الثقافي في العالم العربي، تصف نورية غانا إعادة التشكيل هذه بـ”فعل الكآبة“، حيث يرفض الحزن الكتمان، كما يرفض تطبيع الحاضر، فيصبّ نفسه في الفعل. بخلاف أنماط التفكير الأوروبي التي تفصل الكآبة عن الفعل، لا ينفصلان في الحالة الاستعمارية: يصبح الحزن نفسه فعل صمود، حيث تصبح الحياة الوجدانية للهزيمة أرضيةَ الصراع. إذا كانت قوة قلق العدوى اليوم في لبنان تكمن في تحويل الجنون إلى فعل عقلاني، فإن الذات التي تحافظ على الحزن المقاتل تعلم أنّ محاولةَ إعادة تشكيل الانفعال إلى نضال مسلّح — محاولةً لتشويه الخيال الاستعماري في الزمن الفعلي، كما لخّصها عبد الجواد عمر — هي دون رجعة. تدرك أيضًا أنّه، كما عام ١٩٨٢، عندما لم تمنع الدولة اللبنانية جرافة إسرائيلية من تدمير منزلِ لبناني، لن تقف اليوم بين طائرة مسيرة وسيارته. يصبح نضاله متناقضًا. يكافح لإيقاف ضرورة الكفاح نفسه: الإرهاب، مكافحة الإرهاب، العنف، مكافحة العنف. وتظل ملاحظات فانون صالحة: عنف أصحاب الأرض يوحّد الشعب، حتى مع تقوية الاستعمار للانقسامات بنيويًا. يتحدّى هذا العنف الفواصل المفروضة ويمهّد الأرضية لتوحيد الشعب.

صورة ملوّنة بعدسة يوسف القطب لدبّابة محترقة أثناء الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. بيروت، لبنان. ١٩٨٢. (يوسف القطب، مجموعة يوسف القطب في أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي)

صورة ملوّنة بعدسة يوسف القطب لدبّابة محترقة أثناء الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. بيروت، لبنان. ١٩٨٢. (يوسف القطب، مجموعة يوسف القطب في أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي) 

اليوم، نجحت آلية التحصينات ذاتها ضد العدوى السياسية في إقناعنا في لبنان بأنّ مقاومتها هي القضية الأكثر حسمًا في البلاد. ببساطة، تزدهر هذه العدوى عبر البندقية، مستغلة إياها ذريعة لها، إذ تُعتبر البندقية، بنظر هذه الأسطورة القمعية، خطيئة البلاد وشقائها. أنا لا أؤمن بذلك، وكذلك الحزن المقاتل. تكمن مشكلات لبنان الحقيقية في إخفاقاته كدولة طائفية نيوليبرالية تعتمد بنيويًا واقتصاديًا على المصالح الاستعمارية الغربية: نظام مصرفي منهار مع ٤٤٪ من السكان يعيشون في الفقر، وفقدان الليرة اللبنانية ٩٨٪ من قيمتها ما قبل ٢٠١٩.

تبنّت واشنطن، عبر خطاب توم باراك في ٢٠ تشرين الأول، استراتيجيةً أكثر حزمًا لتقديم نزع سلاح حزب الله كقضية لبنان الفاصلة، مبتعدة عن الأطر متعددة الأطراف، مع الإصرار على أن ”يقبل لبنان ويتكيّف“ مع واقع ما بعد وقف إطلاق النار. تواجه القوى المحلية التي تدير العدوى الآن معضلتَها الجديدة مع هذا الكيان العقلاني. يمكنهم فرض مطالب واشنطن بنزع سلاح حزب الله وحظر الوجود العسكري في منطقة جنوب نهر الأوّلي، أو يمكنهم مواجهة الحقيقة الثابتة: ما يدوم في الحزن المقاتل يعود باستمرار إلى موائد الطعام وصيدلية بسترس حاملاً حقيقة واحدة: سيعيد تأويل نفسه دومًا، لكنه لن يعترف أبدًا بإسرائيل كفاعل شرعي أو عقلاني.

فأي حزن يشلّ أكثر؟ الحزن الذي يُحيّد وينهار تحت منطق الإيحاء، أم الحزن الذي يعيد تشكيل نفسه في العلاقة مع بُنى الهيمنة الصهيونية المنتشرة في عروق الأرض اللبنانية؟

دبابات الاحتلال مشتعلة بفعل ضربات المقاومة. الجنوب، لبنان. ٢٠٢٦. (حسن فنيش، مصدر عام)

دبابات الاحتلال مشتعلة بفعل ضربات المقاومة. الجنوب، لبنان. ٢٠٢٦. (حسن فنيش، مصدر عام)

مثل عام ١٩٨٢، يقف الحزن في لبنان اليوم مرة أخرى عند طريق مسدود، قد يهدد بتفتيت البلاد تحت وطأة  تقدم حرب الإخضاع أو حرب المقاومة التي تعيد تكويننا ولبنان على الدوام. وبينما يمكن أن يلتقيا، مثل الشمس والأفق في وهمٍ فقط، فإن نقطة التقائهما المحتملة، تهلوس بها عيون العدو التي ستواصل تدمير كليهما بالطريقة الوحيدة التي يعرفها. ربما، مع ذلك، يحمل وهم الأفق خداعًا آخر يتجاوز مكان التقاء الشمس والبحر. إذا كانت صورة مروّة تفرّق بين هذه الأحزان، فقد لا يكون الأفق هو الخط الذي يقسمها، بل المكان المستحيل الذي يعيش فيه كلاهما، وربما قد يتوقان إلى منطقة محرَّرة — كل عين ترى حزنًا مختلفًا، وكلاهما يحتويهما فعل الشهود. عن بعد، يبدو أنهما يلتقيان، لكن كلما أمعنت النظر، تَراجَع الالتقاء داخليًا، إلى الجسد الذي يراه. إنّ رؤية الأفق هي خوض فعل الشهود خارج الحدود المكانية والزمنية المفروضة بالهيمنة. وربما يعني تفكيك وهم الأفق رؤيته ليس كفاصِل بين البحر والسماء، أو الحياة والموت، أو لبنان وفلسطين، بل كشيء ينهار فينا — حيث الحزن ليس ما يرقد، بل ما يعود، وسيظلّ يعود في هذه الحالة المستمرة من اللاحل.

فأي حزن يشلّ أكثر؟ الحزن الذي يُحيّد وينهار تحت منطق الإيحاء، أم الحزن الذي يعيد تشكيل نفسه في العلاقة مع بُنى الهيمنة الصهيونية المنتشرة في عروق الأرض اللبنانية؟

الأمر متروك لنا اليوم لنجد طريقة لتوجيه حزننا وإعادته. لو جلست مع مهدي عامل حول نفس مائدة الطعام التي دُبرت حولها العملية الأولى، فأنا متأكّدة أن الحديث مع خالي سيتمحور حول الحزن. سينطلق الحديث من السؤال: هل استعدّينا لهذا الحزن؟ كيف يمكننا الدفاع عن أنفسنا مما هو آتٍ؟ مهما بقيَ من شظايا هذا البلد، ومهما اقترب في الأيام القادمة، لا يستطيع أي مستعمِر أن يبطل الحقيقة المستمرة لعوداتنا التاريخية إلى أحزان الماضي — ١٩٤٨، ١٩٨٢، ٢٠٠٠، ٢٠٠٦، ٢٠٢٥، [٢٠٢٦]. العودة تعني إعادة التشكيل. الدأب على الموائد التي تعود إلينا، تذكّرنا بأنه وحتى تحرير فلسطين، مثل البحر والأفق، سيظل حاضرنا بلا حل. مثل البحر والأفق، لا يلتقي حزن المقاومة بحزن الهزيمة. وكما كان يقول حبيبنا زياد الرحباني، إذا كان ثمّة خيرٌ خرج من لبنان، أي إنجاز حقيقي في تاريخه، وأي تجربة جماعية يمكن البناء عليها لهوية وطنية، فهو تاريخنا الطويل من المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني.

نشر هذا النص بالإنجليزية في مجلة Parapraxis، في تشرين الأول ٢٠٢٥. 

هل هذه القصة قيّمة برأيكم؟ ساعدونا في الاستمرار لإنتاج القصص التي تهمكم من خلال التبرع اليوم! تضمن مساهمتكم استمرارنا كمصدر مُجدٍ ومستقل وجدير بالثقة للصحافة المعنية بالمصلحة العامة.