عامل نظافة في شركة رامكو يتوقف لأخذ صورته خلال نوبة عمل في عزّ جائحة كورونا. ٦ نيسان ٢٠٢٠ (مروان طحطح/ مصدر عام).
العمل في لبنان بين العنصرية واستغلال رأس المال
في اليوم ٢٤٢: الأحد الواقع في ١٤ حزيران ٢٠٢٠
يخرج المسؤولون اللبنانيون من وزراء ورؤساء حكومات متعاقبة، منذ سنوات طوال، بتصريحات عديدة حول فرص العمل وسبل توفيرها. تتراكم الوعود بخلق فرص العمل، ثم لا يلبث أن يطلق نفس المسؤولين مواقف تبريريّة لا تخلو من العنصرية والكراهية تجاه الأجانب، وتضع اليدّ العاملة اللبنانية بوجه اليدّ العاملة المهاجِرة بشكلٍ مباشر، كأنهما نقيضان لا يجتمعان، كوسيلةٍ فعّالة للهروب إلى الأمام وتحويل أنظار اللبنانيين/ات عن مشاكلهم وعن أسباب البطالة الحقيقية. هذه البروباغندا التي تقودنا في نهاية المطاف، إلى القول أن حماية اليد العاملة اللبنانية تبدأ ثم تقتصر على مكافحة اليد العاملة المهاجِرة "غير الشرعية" ١، لا يمكن فصلها عن سياق محاولات كسب الوقت والتغطية على العجز العميق الذي تعاني منه الدولة اللبنانية، وعلى الأخص في بنيتها الاقتصادية-الاجتماعية.
الاقتصاد اللبناني غير منتِج، ومُدَولر، ولا يخلق فرص عملٍ حقيقية ومستدامة، ويعاني من تورّم سرطاني سببه فقّاعتان أساسيتان: المصارف والشركات العقارية، وإلى جانبهما لا تزال الشركات المستوردة للنفط والدواء والغذاء تتحكّم بالسوق على الرغم من الانهيار المتسارع للعملة المحلية. اقتصادٌ يدخل في حالة من الركود كلما تباطأ تدفّق الدولار الأميركي عبر تحويلات اللبنانيين/ات العاملين/ات من الخارج. كما أنه اقتصادٌ غير مشبّع، أي أنه قابلٌ للنمو بسرعة، لكن فقط عن طريق الاستدانة ومراكمة الفوائد ومضاعفة الديون، وذلك بسبب الندرة في الموارد من جهة، وسوء استخدام الموارد المتوفّرة والفساد الإداري والسياسي من جهة أخرى، ما ينعكس في نهاية المطاف عجزًا هائلًا في ميزان المدفوعات. أي أن نموّ الاقتصاد اللبناني بصيغته النيوليبرالية (الحريريّة)، مشروطٌ بنمو الدين الخارجي. إلا أن هذا النمو يبدو اصطناعيًا أكثر فأكثر، كلما اكتشف اللبنانيون/ات أنه مرتبطٌ بارتفاع الاستهلاك حصرًا دون الإنتاج، أي دون عملية خلقٍ مستمرّة لوظائف تسمح بالادّخار وتتضمّن تغطيةً اجتماعية وصحية شاملة، غير وظائف بالحدّ الأدنى للأجور. المسار الطبيعي لهذا النموّ الاصطناعي للاقتصاد النيوليبرالي كما اختبرناه في لبنان هو مسار "التسوّل": مؤتمرات "باريس ١"، و"باريس ٢"، و"باريس ٣"، ومؤتمر "سيدر"، بالإضافة إلى الاعتماد على إصدار سندات الخزينة لتمويل العجز الدائم والمتراكم في الموازنة العامة للدولة. أما التوجه نحو صندوق النقد الدولي، فهو أحد الخيارات الأخيرة المتبقية لدى الأوليغارشية اللبنانية لإبقاء نموذجها الاقتصادي حيًا، وهو النموذج الذي يوفّر الأرباح الطائلة لبضع عائلاتٍ ونُخبٍ مالية وسياسية متحالفة، وهذا الخيار سيتسبّب بطبيعة الحال بكارثة اجتماعية شبه حتمية، وتسارعٍ غير مسبوق في حركة الصراع الطبقي.
إذن، فإنّ ما يحدّد منظومة علاقات العمل وسياسة تشغيل اليد العاملة سواء أكانت محليةً أم أجنبية، هو الطبيعة التكوينية للاقتصاد اللبناني، بما هو اقتصادٌ رأسمالي ريعي، والدور الوظيفي للدولة "الغنائمية" فيه، بما هي دولةٌ تتحوّل فيها فرصة العمل من حقٍ إنساني ٢ إلى واسطةٍ يقوم بتحقيقها شخصٌ في موقع سلطةٍ ما، ويتحول فيها الأجر من حقٍ مكتسب إلى ممارسة شبه خيرية يقوم بها صاحب العمل، وعلى الأجير أن يقدّر "تضحيات" صاحب العمل مقابل أجره. لذا، فإن حملات وخطط "مكافحة اليد العاملة الأجنبية غير الشرعية" على الأراضي اللبنانية ٣ تتناقض وطريقة الطبقة الحاكمة في إدارة الاقتصاد، ولا يمكن اعتبارها سوى فقاعةً إعلامية هدفها اللعب على وتر "الحسّ الوطني" لدى الطبقة العاملة اللبنانية بوجه كل ما هو "غير لبناني"، أي حَثّ اللبنانيين/ات على خوض معارك وهمية بوجه الفئات الأكثر هشاشةً وتهميشًا ضمن الطبقة العاملة، لأن المعركة الحقيقية هي بوجه الطبقة الاجتماعية التي راكمت الثروات الطائلة على مدى عقود عبر استبدالها اليد العاملة المحلّية باليد العاملة المهاجِرة الأقل كلفةً، وذلك دون أدنى درجات التنظيم والاهتمام ومراعاة ظروف العمل من قبل الدولة.
يمكن تقسيم الاستغلال الذي تتعرض له اليد العاملة الأجنبية في لبنان إلى ثلاثة مستويات، جميعها ترتبط بالقيود التي يفرضها "نظام الكفالة"، بالإضافة إلى عدم التزام أصحاب العمل بتطبيق معايير قانون العمل في علاقتهم مع العمال والعاملات المهاجِرين/ات. المستوى الأول هو مستوى الاتجار بالبشر وإخضاع العامل/ة إلى العمل القسري (الاستعبادي)، المستوى الثاني هو تكثيف ساعات العمل مقابل أجرٍ أقلّ وحرمان العامل/ة من أيّام العطل وأوقات الراحة، والمستوى الثالث هو سوء المعاملة، معنويًا وجسديًا، خلال ساعات العمل، بغض النظر عن مستوى الأجر أو كثافة العمل. الأغلبية الساحقة من العاملات المنزليات تحديدًا تتعرّض لجميع هذه المستويات من الاستغلال في الوقت عينه.
"يعيش في لبنان ما يزيد عن ٢٥٠,٠٠٠ من عمال المنازل المهاجرين القادمين من بلدان أفريقيا وآسيا، الذين يعملون في المنازل الخاصة، وتشكِّل النساء أغلبيتهم العظمى. إن عاملات المنازل المهاجرات في لبنان عالقات في خيوط شبكة نسَجها نظام الكفالة، وهو نظام رعاية لعاملات المنازل المهاجرات ينطوي على إساءة المعاملة بطبيعته، الأمر الذي يزيد من خطورة تعرضهن للاستغلال والعمل القسري والاتجار بالبشر، ولا يتيح لهن آفاقاً تُذكر للحصول على الإنصاف." ٤
يجب معالجة موضوع "نظام الكفالة" العبودي، كما الاستغلال المفرط لليد العاملة الأجنبية، وخاصة السورية منها في قطاعي البناء والزراعة، والآسيوية والأفريقية منها في قطاع المطاعم والفنادق، من منظورٍ سياسي واجتماعي، وليس حقوقي فحسب. يجب ربط عملية إنتاج فائض القيمة التي يقوم بها العمال والعاملات المهاجِرين/ات بالاقتصاد السياسي اللبناني، ودراسة كيفية تفاعل العناصر الأساسية فيه بعضها مع بعض، وتلك العناصر هي الدولة اللبنانية، والمؤسسات الخاصة، والأفراد الذين ينتفعون من استقدام و/أو استخدام اليد العاملة الأجنبية، بالإضافة إلى العصابات المستفيدة في حالات الاتجار بالبشر، وأخرى تستفيد عبر استغلال وضع العمال والعاملات الهاربين/ات من كفلائهم/نّ. كما يجب إيلاء اهتمامٍ أكبر باليد العاملة الفلسطينية التي هي عرضة للاستغلال البشع في القطاع غير النظامي كونها محرومة من الحقّ في العمل بالرغم من إمكانية الفلسطينيين/ات الحصول على التعليم المتقدّم في البلد نفسه ومساهمتهم الكلّية في تحفيز الدورة الاقتصادية، وهذا الأمر لا ينفصل أيضًا عن البنية الاجتماعية والمنظومة السياسية التي تضع مصلحة المستثمِرين قبل أي شيء وتشجّعهم على استغلال هذه الموارد والمهارات المتخصّصة وتسمحُ لهم بزيادة الإنتاجية في مشاريعهم بأدنى تكلفةٍ ممكنة.
لقد بدأت بوادر جدّية لتحرّك هذه الشريحة الضخمة من الطبقة العاملة في لبنان بالظهور، ففي بدايات شهر نيسان المنصرم قام عمال شركة "رامكو" بالإضراب الأكبر والأول من نوعه، إذ لم تتجرّأ أي من أقسام هذه الشريحة العمالية على الإضراب عن العمل من قبل للمطالِبةً بحقوقٍ اقتصادية واجتماعية وإنسانية.
"رغم أن عقود العمال الأجانب في رامكو بالدولار الأمريكي، لكنهم يقولون إن الشركة منذ نوفمبر/تشرين الثاني تدفع لهم بالليرة اللبنانية وفق سعر الصرف الرسمي البالغ ١,٥٠٠ ليرة لبنانية للدولار، وهو سعر لم يَعُد صالحا الآن. في الأشهر القليلة الماضية، فقدت الليرة أكثر من ٦٠ بالمئة من قيمتها، ما يعني أن عائلاتهم في أوطانهم لم تعُد قادرة على شراء الحاجيات الأساسية". ٥
لا يمكن للتركيز على المنظور الحقوقي أحادي الجانب في مسألة اليدّ العاملة المهاجِرة أن ينتج تغييرًا في سياسات الدولة اللبنانية ومنظومة العمل والقيَم والثقافة المجتمعية، بل يجب دفع التنظيمات والمجموعات السياسية المناهضة للحكم الرأسمالي والنموذج النيوليبرالي إلى تبنّي قضايا العمال والعاملات المهاجرين/ات، وإدماجهم/نّ بشكلٍ تدريجي في العملية السياسية، ضمن هياكل تنظيمية تحميهم/نّ من التعرض للقمع والإستغلال المباشر من قبل أجهزة الدولة اللبنانية وأصحاب العمل وحملات التمييز العنصري، وتدعمهم/نّ من أجل المشاركة الفاعلة في الحياة الاجتماعية والسياسية، إذ أنهم يشكّلون نصف الطبقة العاملة في لبنان. فلا يمكن لنصف الطبقة العاملة أن تكون في حالة اغترابٍ اجتماعي وسياسي تام، وتلك من مظاهر العبودية، في الوقت الذي تعمل فيه جهاتٌ قانونيةٌ وحقوقية وخيرية وحدها على قضاياهم/نّ، بشكلٍ شبه منفصلٍ عنهم/نّ، دون أن تُفلِح في إحداث تغييرٍ حقيقي. كيف يمكنها أن تفعل ذلك بالنيابة عن أصحاب وصاحبات الحقّ؟ وعبر ضغطٍ حقوقي وقانوني يستجدي عاطفة أصحاب القرار السياسي، أو يعتمد على تأثير المنظمات الدولية، دون اختراق البنية الاجتماعية؟
Share this page