"لبنان أولًا": نظرة على سياسة الحياد على متن قطار سائر

قبل أسابيع من مئوية "لبنان الكبير" وبعد يومين من جريمة انفجار مرفأ بيروت، وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت ليعلن عن "عهد جديد" في لبنان. كانت زيارته إلى شارع غورو في الجميزة، الحي المدمر الذي لم يتعافَ بعد من الانفجار، والتي نالت تغطية إعلامية واسعة، مشبعة بالغضب الشديد ومؤججة بالعناقات مع الناجين المكلومين الذين توسلوا مساعدته، فيما دوّى هتاف "ڤيڤ لا فرانس" ("تحيا فرنسا") لبعض الوقت في الخلفية. خلال ساعات، حصدت عريضة إلكترونية تطالب بعودة الانتداب الفرنسي أكثر من ٥٠ ألف توقيع.

لم تفت المفارقة التاريخية الساخرة النقاد الذين أشاروا إلى المغزى الكولونيالي لهذا المشهد. استخدم الرئيس الفرنسي حجة العلاقات التاريخية، والتضامن الأخوي، والصداقة بين البلدين ليصور نفسه زاهياً كمنقذ في مهمة أخلاقية قوامها تخليص اللبنانيين من حكامهم الفاسدين، ومكللّا كلامه بجرعة كبيرة من الأبوية. قال ماكرون إن فرنسا ستقف إلى جانبكم، "سنكون هنا ولن نترككم" .

في الأول من أيلول ٢٠٢٠، شهدت المدينة، التي لم تكن قد تعافت بعد من خضة الانفجار، عرضًا عسكريًا في السماء من تقدمة سلاح الجو الفرنسي، لإحياء المئوية الأولى لـ"لبنان الكبير". لبنان هذا أعلنه غورو ذاته الذي أبت سيادته أن تزول عن شارع يحمل اسمه - وتسميات الأماكن دلالات قوة - وحيث غدا سليله ماكرون بطلًا. لاحقًا في ذلك اليوم، قمعت قوى الأمن المتظاهرين في وسط المدينة، وأمطرتهم حتى ما بعد الغروب بخراطيش الصيد والرصاص المطاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع فرنسية الصنع، كعربون صداقة من باريس إلى الشعب.

نجت الأوليغارشية اللبنانية عام ٢٠٢٠ وبسطت سلطتها بدعم من الديمقراطيات الليبرالية الغربية وأعدائها على حد سواء. ومع مرور الأسابيع والشهور، لم يفلح نهج الفرنسيين المعسول، ولا تهديداتهم بفرض العقوبات، في الوصول إلى هذا العهد الجديد المفترض تحت مظلة "المبادرة الفرنسية".

يتجاهل من يحنّون للبنان الانتداب حقيقة أن الشعب غير مشمولٍ في النسخة النهائية من هذه المبادرة. قد يوعد الشعب بإصلاحات، إلا أن طبيعة هذه الإصلاحات ووسائل تطبيقها لا تزال غير واضحة. يوعد الشعب بحكومة من شخصيات مستقلة، إلا أن الأسماء والأجندات السياسية لا تزال ضبابية. الأمر الوحيد مضمون التحقق هو دستور "وحدة وطنية" جديد سوف يعيد حتمًا إنتاج الأوليغارشية نفسها بذريعة التمثيل الطائفي ذاتها.

على نحو مماثل، حصلت البرجوازية التجارية التي تحالفت مع الفرنسيين عام ١٩٢٠ على امتيازات كولونيالية. انتهى الانتداب على لبنان رسميًا عام ١٩٤٣ لكنّ شكلًا آخر من الكولونيالية ظل مستمرًا، يؤدي إلى إبقاء علاقات الزبائنية الإمبريالية، ويحرص على أن تظل دول "ما بعد الاستعمار"، مثل لبنان والعديد من الدول الأخرى في الجنوب العالمي، معتمدة أو حتى خاضعة لأسيادها القدامى، في ظل الصراع العالمي على رأس المال. تتجلى هذه العلاقة في لبنان بأوضح شكل في المنافسة على إعادة إعمار المرفأ والتنقيب عن آبار النفط والغاز في حدود لبنان البحرية.

إن بناء مرفأ جديد و"تطوير" الأحياء المحاذية له – وهذا مصطلح يستبطن تغيير الطبيعة السكانية– مشروط بإصلاحات "تحارب الفساد" وموقف "محايد" ينأى بلبنان عن الاضطرابات الإقليمية، ويدعّم استقلاليته عن ما يسمى محور الممانعة دون الحديث عن الاستقلالية عن الإمبريالية الغربية، وهي من أطول وأعنف الإمبرياليات التي يراد التطبيع معها.

على الرغم من أن الحياد السياسي المزعوم ليس جديدًا كمطلب أو كخطاب، إلا أن اللبنانيين يتبنونه باستمرار بصفته وسيلة للحصول على الأمن والازدهار وسط [انعدام] النظام العالمي السائد. ولكن مع صعود حملة التطهير العرقي العنيفة في فلسطين التاريخية، تمظهر غياب الالتزام السياسي في أقبح أشكاله.

الشعار العنصري الفوقي "لبنان أولًا" ورديفه المخفف "لبنان قضيتي" – لم يوضح لنا أحد ماهية هذه القضية – صارا رد الفعل الطبيعي في وجه من يعبرون ولو بشكل رمزي عن دعم الشعب الفلسطيني. برأيي هذا أقبح أشكال الحياد لأنّه يفضي تباعا إلى دعم المشروع الاستيطاني الكولونيالي في فلسطين، وإلى التصالح مع حملات الطرد، والاحتلال العسكري، والاعتداءات الجماعية القذرة (التي تعتبر من صفات أنظمة الفصل العنصري)، كما يفضي تحديدا إلى تهميش الفلسطينيين في لبنان.

الحياد موقف يستحيل اتخاذه على كلّ حال، فكما قال المؤرخ الراحل هاورد زٍن: "لا يمكنك أن تكون محايدًا وأنت على متن قطار سائر... [لأن] الأحداث متجهة أساسًا صوب وجهات قاتلة." الوقوف مكتوف الأيدي يعني أن يكون المرء "عميلًا".

إن الخطاب غير الرسمي الذي تتبناه شريحة واسعة ضمن حدود لبنان الكبير يُغفل حقيقة أن لبنان فعليًا مشروع كولونيالي بُني على سلسلة من الأساطير الوطنية المتغلغلة. قد يرى البعض إساءة عندما نقول إن إنشاء "لبنان الكبير" كان نتيجة خضوع النخب المرتبطة بقوى خارجية لسياسة "فرق تسد" الكولونيالية، إلا أن هذه السياسة قد صنعت، بل ربما عززت، السياسات الطائفية ضمن حدود لبنان والدول التي تجاوره.

تسبب مكر هذه السياسة في قطع علاقاتنا العضوية مع الشعوب في أنحاء سوريا الكبرى، والتي تضم ما أصبح اليوم لبنان وسوريا والأردن وفلسطين بالطبع، ثم مهدت "فرق تسد" الطريق للصهيونية، ذلك المشروع الاستيطاني الكولونيالي الذي أحكم عزل الفلسطينيين عن الجميع على إثر النكبة. خضعنا في ظلّ الصهيونية للمنطق الغربي للقوى الإمبريالية، وخسرنا كشعوب كل فرص السيادة السياسية والاقتصادية.

ليس الآن وقت الحياد ولن يحين وقته أبدًا، فالحياد الذي كثيرًا ما نسمع به هذه الأيام هو سلاح آخر يلوّح به محتلونا القدماء من خلال عمليات نيوكولونيالية قوامها الخضوع السياسي والاقتصادي الذي يفرضونه على ممثليهم الذين يحكمونا، مدمرين مقاومتنا ومصورين الحياد كموقف وطني رفيع ومنطقي.

يتسبب مثل هذا الموقف الحيادي في تهييج ثقافة عزل عنيفة وانسلاخ عن مفاهيم العدالة والتضامن. هذا الموقف يؤدي إلى التسامح مع حرق مخيمات اللاجئين السوريين والاحتفاء به حتى. سياسة "فرق تسد" وشعار الحياد الذي يخدمها خلقا منافسة، بل حتى عداوة، قسّمت الطبقات العاملة في كل مكان عبر الحدود المتخيلة للدول القومية، لصالح الهيمنة ورأس المال. يساعدنا هذا في فهم تقاعس الطبقة العاملة اللبنانية خلال الإضراب العام الذي اشتعل في المخيمات الفلسطينية في تموز ٢٠١٩ ردًا على تجريم الدولة للعمالة الفلسطينية.

إن بوصلة الحياد موجهة صوب الخضوع والتبعية. لا يمكن الحصول على السيادة من خلال التذلل  أمام السفير السعودي، أو الحنين للانتداب الفرنسي أو ما يسمى بالزمن الذهبي لما بعد "الاستقلال".

ولأن السيادة مرتبطة في جوهرها بالتحرير، علينا أن نناضل من أجل التحرر الجماعي، الذي لا سبيل لتحقيقه إلّا عبر الالتزامات المعادية للكولونيالية والتضامن مع الشعوب في المنطقة وما يتعدّاها، ممن أصيبوا بآلام الاستبداد، والفاشية، والرأسمالية، والاستيطانية الكولونيالية، وبالتأكيد الإمبريالية.

لا يحتاج الفلسطينيون اليوم إلى مشاهدين حياديين، بل يحتاجون إلى قوتنا حتى يصلوا ونصل جميعًا إلى الحرية. فقدان الذاكرة المصطنع في لبنان لم يبدأ عام ١٩٧٥، بل هو راسخ في الأساطير التأسيسية لنشأة هذا البلد. حان الوقت لخلع هذا الرداء البالي.