قصفت إسرائيل خلال حربها على لبنان عام ٢٠٠٦ سجن الخيام، والذي حوله حزب الله إلى صرح تذكاري. الخيام، النبطية. ٢٠٠٦. (مروان طحطح، مصدر عام)

قصفت إسرائيل خلال حربها على لبنان عام ٢٠٠٦ سجن الخيام، والذي حوله حزب الله إلى صرح تذكاري. الخيام، النبطية. ٢٠٠٦. (مروان طحطح، مصدر عام)

في ذكرى التحرير: استذكار سهى بشارة وعملها المقاوم

عام ١٩٧٨، وفي سن الحادية عشرة، شهدت سهى بشارة حدثًا مصيريًا غيّر حياتها للأبد ودفع بها إلى طريق النضال. ذلك الحدث كان الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان. منذ ذلك الحين، احتلّ الإسرائيليون قريتها دير ميماس، ومضى الكثير من الجنوبيين نازحين هربًا من القنابل والإهانة على أيدي الجيش الصهيوني.

سرعان ما انضمت سهى، المتحدّرة من عائلة يسارية بمعظمها وأب شيوعي أحبّته، إلى اتحاد الشباب الديمقراطي، على الرغم من معارضة البعض لهذا القرار، وأصبحت طالبة ناشطة في فخر الدين، مدرستها المسيّسة بشكل جذري. وفيما حصدت الحرب الأهلية المزيد من الأرواح، تطوعت سهى مغيثة عبر خطوط التماس.

عام ١٩٨٢، ومن منزلها في الشيّاح، مرّت سهى بتجربة محورية أخرى تمثّلت في الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. تساقطت على بيروت الغربية مرة أخرى المنشورات، تلك الأوراق المشؤومة التي يرمي بها سلاح الجو الإسرائيلي "بحسن نيّة" قبل لحظات من القصف. ركبت عائلتها في سيارة بيجو صغيرة، وانطلقت نازحة شرقًا.

"مع بداية الثمانينيات، وبعد خمس سنوات من القتال، اتضح لي أمر معين،" قالت سهى، "كان للبنان عدو حقيقي واحد، وقوة محتلة واحدة: دولة إسرائيل." وبهذا انضمت سهى لجناح المقاومة في الحزب الشيوعي.

عام ١٩٨٨، أطلقت سهى النار على العميل الإسرائيلي أنطوان لحد في بيت احتله في مرجعيون. قضت العقد التالي من حياتها أسيرة في الخيام، وهو معتقل للتعذيب أداره جيش لبنان الجنوبي، المليشيا الموالية لإسرائيل التي كان يترأسها لحد.

عام ١٩٩٨، تحررت سهى وصارت أيقونة المقاومة التي حررت الجنوب بعد ٢٢ عامًا من الاحتلال. في ٢٥ أيّار ٢٠٠٠، يوم التحرير، انسحب آخر جندي إسرائيلي من معظم جنوب لبنان وتم تحرير جميع الأسرى. صار الخيام مكانا للذكرى لآلاف من الذين سُجنوا وعُذبوا في غياهب زنزاناته الصغيرة. قصفت إسرائيل الموقع عام ٢٠٠٦، ضمن محاولة مكشوفة لمحو ذاكرة السجن. بعد تحرير جنوب لبنان، سُمح للعديد من العملاء بالفرار مع المشرفين عليهم عبر الحدود اللبنانية-الفلسطينية، بمن فيهم لحد وعامر الفاخوري، جزّار الخيام.

عام ٢٠٠٠، كتبت سهى بشارة مذكراتها بعنوان "مقاوِمة" (باريس: دار جان كلود لاتيز) وتمت ترجمتها ونشرها باللغة العربية (بيروت، دار الساقي، ٢٠٠٢ )، ثم بالإنجليزية (نيويورك: منشورات سوفت سكال، ٢٠٠٣). تصف المذكرات بالتفصيل مشاهد آسرة من طفولتها في دير ميماس، وتفتح وعيها السياسي، والنشاط، والنضال، والأسر في الخيام.

الفصل السابع- التحضير                             

لقد حوّل الاحتلال الإسرائيلي الجنوب تحويلاً كبيراً، في خلال سنوات معدودة.

وانقلبت أنماط حياة اللبنانيين وتبدلت تقاليدهم، منذ أن بدأوا يعملون في إسرائيل. ولم يكفهم ذلك، بل إن أيام الأعياد لديهم صارت إلى حال لا ترضيهم على الإطلاق. وما عادت رُتب الإكليل تجري نهار الأحد، كما هو حاصل في الكنيسة، إنما صارت تجري نهار السبت، مجاراة "للشبّات" اليهودي. ذلك أن المال أقدر على خلخلة العلاقات الاجتماعية، من وجود الفرق الإسرائيلية. وصارت النساء الشابات اللواتي يعملن لدى الإسرائيليين، أو يتعاملن مع جنود الإحتلال، ينلن أجوراً أعلى بكثير مما تناله العاملات في بيروت. والحال أن هؤلاء اللبنانيات ما كنّ ليرضين بالتغزل بهن، إلا طمعاً بهذه القدرة الشرائية العالية. فتقلصت الزيجات، وتزايد الطلاق في صفوفهن.       

إذاً، بات الجنوب منطقة معدومة من حيث الحقوق، بل إنه غدا موطناً لعمليات التهريب كافة. حتى إذا جلست الى مائدة أحدهم، لم تجد لديه قنينة عرق واحدة، إنما ترى قناني الويسكي من نوع جوني ووكر. لم تتوان عصابات التهريب فيه عن الاتجار بالمخدرات وإرسالها عبر الحدود، وبيع السيارات المهربة والمسروقة، وكل ما حُرّم التداول به علناً. وكان هذا الوضع، لبعض الأفراد الذين يسوؤهم القانون في بلادهم، ملجأ مثالياً أكثر أمناً في حمى "جيش لبنان الجنوبي"، الذي يقوده أنطوان لحد، بلا حياء.

بدا لي ذلك العالم الذي انكشف لي خلال زيارتي الأولى لقريتي، وبعيد لقائي الأول بـ "مازن" في بيروت، بدا لي شاذاً. وفيه عدت والتقيت بأقاربي، وأصدقائي، وجهدت في أن أذوّب كياني وسطه، لأفهم طواياه جيداً. أما الحديث عن المقاومة فلم يكن في الحسبان، على الإطلاق. فهي ما برحت موضوعاً محرماً نظراً لحضور جهاز المخابرات القوي، سواء أكانوا مرتبطين بـ"جيش لبنان الجنوبي" مباشرة، أم بجهاز "الشين بت"، وهو جهاز مكلف الحفاظ على الأمن الداخلي للدولة العبرية.

من الظلم الادعاء بأن معظم اللبنانيين الذين صادفتهم كانوا مؤيدين للإسرائيليين. على العكس من ذلك، فقد ظلوا متعلقين ببلادهم وبعائلاتهم، التي غالباً ما كانت تقيم بين القطاعين، المحتل والمحرر وعلى جانبي خط التماس الأخير.من الظلم الادعاء بأن معظم اللبنانيين الذين صادفتهم كانوا مؤيدين للإسرائيليين. على العكس من ذلك، فقد ظلوا متعلقين ببلادهم وبعائلاتهم، التي غالباً ما كانت تقيم بين القطاعين، المحتل والمحرر وعلى جانبي خط التماس الأخير. بل رأيتهم يجهدون في شراء موطئ قدم لهم في بيروت، كلما أتاحت لهم إمكانياتهم المادية ذلك. بيد أنهم حاولوا، كذلك، أن يكسبوا ما وسعهم من الوضع. إذ أنهم وجدوا أنفسهم في مهب التاريخ وقرقعة السلاح، وداخل مجتمع انعدم فيه التوازن بفعل الحرب الأهلية، فجهدوا في أن يتخلصوا بلباقة مما هم فيه، ويراعوا مصالحهم، من دون أن يطرحوا على أنفسهم أسئلة حول المقدار الذي بلغوه في ذلك الفساد، أو في التعامل مع القوة المحتلة، ما دام (التعامل) تحصيلاً للحاصل. كلهم كانوا مقتنعين بأن هذا الوضع لا يمكنه أن يدوم، إلا أن أحداً منهم لم يبلغ به حد التصور بأن إسرائيل سوف تنسحب يوماً الى ما وراء حدودها. في الواقع، لقد توهم هؤلاء بأن تربع قائد عسكري وسياسي على سدة جيش، واصطناع الأخير ألقاباً مثيرة للسخرية في دويلة مسخ، توهموا بأن ذلك أهلّ للبقاء والحياة. فلم لا يكون لبنان الجنوبي مسلوخاً عن لبنان، ويرقى إلى مرتبة الدولة، صمام الأمان بين إسرائيل وجيرانها العرب إلى الشمال؟ ثم إن لبنان متى استعاد سيادته على هذه المنطقة المحتلة، فإن أفراد الميليشيات الذين كانوا تابعين لـ"جيش لبنان الجنوبي"، وهم عسكريون قدامى في الجيش اللبناني وقد باتوا ملحقين بجيش الاحتلال، جعلوا (أفراد الميليشيات) يتخيلون القدرة الميسرة في الانضواء ثانية تحت لواء العلم اللبناني، وذلك بفضل قانون للعفو يصدر لصالحهم. غير أن شيئاً من هذا القبيل لم يكن أكيداً. 

ولما كنت ابنة مناضل شيوعي ذائع الصيت، ومن قرية أُثر عنها كون أغلب سكانها من الشيوعيين، رأيتني مضطرة إلى بذل الجهود المضاعفة لدفع الأنظار عني. ولم أكن بعد، في مرحلة التزامي الأخيرة، بين عامي ١٩٨٦ و ١٩٨٧ ، مكلفة بمهمة خاصة، إلا ما تعلق بنقل المعلومات إلى بيروت، وبالسعي إلى مضاعفة الاتصالات مع اللبنانيين من المنطقة المحتلة، ومع أعضاء بالمخابرات التابعة لجيش لحد، إن كان ذلك ممكناً. وفي المقابل، رحت أجهد نفسي لأبدو في صورة تلك الفتاة البالغة الأنس، والمرحة، والرياضية، وغير المهتمة بتاتاً بالأمور السياسية والعسكرية، والمتعلقة منها بالمنطقة المحتلة في المقام الأوّل. ورحت أستسهل الحصول على أذونات الدخول إلى المنطقة والخروج منها، والتي كانت تُعد بالتناوب بين بيروت والجنوب، لدى مركز المخابرات التابع لـ"جيش لبنان الجنوبي" حيناً ولدى الإسرائيليين حيناً آخر تضليلاً لمن يتعقّب تحرّكاتي. ورحتُ أتردد على بيروت الشرقية وعلى بيروت الغربية، على حد سواء. وفي آخر المطاف، سعيتُ رسمياً إلى عمل في الجنوب. في العاصمة بيروت، كان الناس على يقين بأن لدي حجة قوية للبقاء في الجنوب، وهي العلاقة الغرامية الملفّقة. بالإضافة إلى أنني رحت أتظاهر بأنني مستفيدة ماليّا في تلك المنطقة.

وفيما انقطعت صلتي بـ "مازن" انقطاعاً مؤقتاً، طرحتُ على نفسي سؤالاً عمّا إذا كنت مستعدة لإقامة علاقة مع جندي إسرائيلي، محاولة إيقاعه في الفخ. حتى أني أكرهتُ نفسي على محاولة لإغراء شاب لبناني، لأكون على بينة من الحدود التي يسعني أن أبلغها في علاقة مصطنعة. فكانت النتيجة أن فشلتُ فشلاً ذريعاً، إذ بدوتُ عاجزة عن تخطي الحدود الدنيا مما قصدته، وكنتُ مستعدة للقيام بكل شيء، غير أني، حالما وجدتني في ألفة غرفته، أدركتُ أنّي تجاوزتُ حدودي بكثير، فما كان من صديقي البائس إلا أن سألني عما جرى لي هذا اليوم، لا سيما وأن صيتي كشيوعية يجعلني في نظر الآخرين امرأة متحررة، ويرفعني في نظر أصدقائي إلى خير مكانة تؤهلني إقامة العلاقات الغرامية من دون أي تحفّظ، وبلا أي قلق.

إلى جانب أحمد تعلمتُ أصول البحث عن المعلومات. كيف أتبين تحركات الفرق، وكيف أقيّم عديد القوات المسلحة، وتسجيل أرقام الوحدات، ورسم مواقعها. كما علّمني الوقاية من المخاطر، بأن أشار إلي بضرورة الحذر كلما اقتضتني الحاجة الاتصال بالمقاومة أو العمل في السرية التامة. وكنتُ، قبل ذلك، أظن أنه يكفي المقاتل إعداد سريع حتى يسعه أن يمضي وبندقيته في يده، فاكتشفت أن الأمر يتطلب صبراً فائقاً ومضاعفةً للزيارات إلى الجنوب، لأدرك، تماماً، الآليات التي يتحرك وفقها "جيش لبنان الجنوبي".

إلا أن خلافاً حصل بيني وبين مرشدي، ولحين. ومفاده أن مكتباً إسرائيلياً كان أُقيم، سراً، في الأشرفية، من بيروت الشرقية، فتمنى علي أن أهتم لأمره. وكنت أخمن غايته من ذلك وهي إعداد عملية تفجير ضده. فأبديت له عدم استعدادي للقيام بأي عملية في بيروت. فرضخ للأمر مقتنعاً بحجتي.

بالنسبة لي، كان ينبغي لحربنا أن تدور رحاها في المنطقة المحتلة، دون كل المناطق.

كنتُ، قبل ذلك، أظن أنه يكفي المقاتل إعداد سريع حتى يسعه أن يمضي وبندقيته في يده، فاكتشفت أن الأمر يتطلب صبراً فائقاً ومضاعفةً للزيارات إلى الجنوب، لأدرك، تماماً، الآليات التي يتحرك وفقها "جيش لبنان الجنوبي".ومنذ شهر تموز/يوليو من العام ١٩٨٧، باتت نصب عيني خطة محددة للغاية. وهي تتمثل في أهداف ثلاثة: رجال الأمن في "جيش لبنان الجنوبي"، والإسرائيليين، وأنطوان لحد شخصياً. كانت فكرة انفصال المنطقة الجنوبية المحتلة عن سائر لبنان قد قطعت شوطا بعيدا نحو التنفيذ، وكان القضاء على القائد المزعوم لذلك "الجيش" من شأنه أن يكون خير الوسائل لتدمير جهود الإسرائيليين الذين دفعوا بسلفه سعد حداد الى إعلانه دولة "لبنان الحر"، في المنطقة التي كانت لا تزال في قبضته. وكنت مكلفة بأن أعاين، مكانياً، أي الأهداف هي الأقرب إلى التحقيق. ورحت، في هذا الشأن، أباشر كل أنواع الاتصالات، وأقبل الدعوات، واحدة تلو الأخرى، لأعياد أو احتفالات مهما كان نوعها. حتى أمكنني التقرب شيئاً فشيئاً، من مركز المخابرات التابع لمدينة حاصبيا، قريباً من مرجعيون. ومما لا شك فيه، أن أحداً من محدثيّ لم يكن ليخدعه تصرفي خداعاً تاماً. فكنتُ أُصنف في خانة الوصولية، أو في خانة غير محددة. وتحت المظاهر الخادعة وصيغ اللياقة التي ما برح الناس يرمونني بها، كنت موضع رقابة شديدة منهم، ومجالاً للتقدير أو التعيير. ومرّت الأسابيع دون أن ترتسم أمامي فرصة تتيح لي التقدم خطوات. وتوزعت إقامتي بين دير ميماس، إلى جانب عمتي، التي أسكنتني لديها، منذ أن نزل جداي للإقامة لدى أبنائهما في بيروت، لتقدمهما في السّن، وبين مرجعيون، لدى ابن عمّتي عصام.

عصام متزوج ويعنى بتربية ولديه، جاهداً في أن يجنبهما العالم الشاذ الذي يمد خيوطه من حولهما. وكنت له صلات جيدة مع معظم عناصر المخابرات المولجين الاهتمام بالأمن، شأن الإسرائيليين. غير أن تصرفه بدا لي أعقد مما تُنبئ به ظواهر الأمور. كان يسعى، بالأحرى، إلى نيل ثقة الإسرائيليين حفاظاً على مصالحه، غير أنّه الشيوعي في دوافعه الأولى وأصوله، ظل في قرارة نفسه معارضاً للاحتلال. حتى أن امرأته، جانيت، كادت تشارك، ذات يوم، في نشاط للمقاومة. وما أن وطأت قدماي منزلهما حتى أخذ يستقصي نواياي وقناعاتي، وهو يعرف، حق المعرفة، صيت عائلتي، ولا سيما والدي وعمي.

وذات يوم، وبينما كان يقلني في سيارته، مررنا بمكان صار معروفاً، حيث نفذ المقاومون عملية صاعقة، بادرني بالسؤال، وعلى نحو غير متوقع، عما أفكر به حيال هذا التصرف. فلبثت متحفظة، بالطبع، ولم أبد له ما يجول في صميم فكري، إنما أظهرت له عدم تفهمي لهذا النوع من الأعمال ورفضي العنف بعامة، وأرفقت ردي هذا بدعوة إلى تلاقي الإرادات الخيرة في البلاد. راقت هذه الإجابة كثيراً لابن عمّتي.

ومنذئذ، راح ينظر إليّ على أني فتاة بسيطة وبعيدة كل البعد عن الحقائق السياسية.

ابتداءً من مطلع حزيران / يونيو من العام ١٩٨٨، أقمتُ في منطقة الجنوب هذه، إقامة دائمة. وعليه، فقد صار الاتصال ببيروت صعباً للغاية. ففي العام ١٩٨٧، أمكنني معرفة خطة كان أعدّها الإسرائيليون للهجوم على كفرتبنيت، قبل ١٥ يوم من حدوثها، إلا أني كنت عاجزة عن إبلاغ الرسالة الى المعنيين.

ولدى عودتي إلى بيروت، نُصحت بأن أكون على صلة مع مناوبين للمقاومة، يكونون في الجنوب. رفضتُ ذلك، لأني كنت على يقين بأني موضع مراقبة عن كثب. فاقترح القيمون عليّ حلاً بديلاً أثبت فعاليته: رسائل مرمّزة عبر الهاتف. وفيما بعد، أمكنني أن أبعث بمعلومة على هذا النحو، ومفادها أنه سوف ينظم احتفال تؤدي خلاله مطربة لبنانية شهيرة وصلات غنائية، وكان يفترض أن يحضر الحفل أنطوان لحد ومسؤولون إسرائيليون. لقد كانت خير مناسبة لعملية عسكرية. غير أن شيئاً من هذا القبيل لم يكن ظاهراً في المكان. فرأيت من غير المجدي للتخطيط لأي عملية من هذا النوع. وللحال، قصدتُ مركز الهاتف واتصلتُ ببيروت، متكلمة مع صديق داعية إياه لأن "يحفظ لي معه كتابي الفيزياء والكيمياء، مع دفتري المادتين". فأدرك محدثي للتو ما يجري. وفي خلال لقاءاتنا الأخيرة نصحني أحمد بأمر واحد: أن أباعد بيني وبين مخابرات حاصبيا التي يرتاب بها. ولكني لم أوافقه ريبته. فحتى لو كنت أركز جهودي على مرجعيون، حيث يقع منزل أنطوان لحد، فإني اعتبرت من الواجب أن أتردد على معارفي في حاصبيا للسلام عليهم، أقله لتضليل الأثر. وقررت أن أبحث عن عمل، في منطقة استراتيجية. وبدت لي فكرة أن أعمل في مركز الهاتف جذابة للغاية. وسرعان ما أبلغت عصام برغبتي في هذا العمل ليتوسط لي مع المسؤول. ثم، أوَ لم يقترح علي هذا المسؤول، وفي حضرة عصام، العمل المذكور؟ ولم أكد أتلفظ بطلبي، حتى صاح بي عصام. يمكن القول إن للعاملات في الهاتف، بالنسبة له، صيتاً غير حسن. فهن، إلى كونهن مرتبطات مباشرة بجهاز المخابرات، يحيين حياةً أخلاقية فاسدة، على ذمة عصام. وقد راح يصيح وكأنما مُس بالصميم، وقال: "مستحيل! هل تدركين ما تفعلين؟ إنك لساذجة حقاً!". فأجبته بأنه ينبغي لي أن أجد عملاً، أن أؤدي خدماتي للمركز الثقافي والرياضي في مرجعيون، مثلاً، وهي فكرة منطقية تنسجم مع ميلي إلى هذا النمط من النشاطات. فكان أن هدأت هذه الفكرة من روعه، للحال. حتى أنه خلص إلى اعتبارها ممتازة وأكد لي أنه سوف يقوم باللازم لتدبير اللقاء بالمسؤول عن ذاك النادي.

أمكنني معرفة خطة كان أعدّها الإسرائيليون للهجوم على كفرتبنيت، قبل ١٥ يوم من حدوثها، إلا أني كنت عاجزة عن إبلاغ الرسالة الى المعنيين.حُدد الموعد مع هذا الأخير. ومضيتُ مع عصام إلى المركز. وسار اللقاء على خير ما يرام. فقد كان محدثي ودوداً، ولم أجد كبير صعوبة في إقناعه بأن الرياضة هي شغفي. واقترحتُ عليه أن أقدم دروساً في كرة الطاولة، أو في التمارين الرياضية البدنية. فتنته الفكرة الأخيرة، فاندفع يستبق آمالي الخرقاء، إذ أكد لي، بلا تكلّف، أن امرأة قائد "جيش لبنان الجنوبي" تبحث عن أستاذ للتمارين الرياضية الحيوية (Aerobic). فاندفعت بحمية ظاهرة، وأكدتُ له بحزم لا شك فيه، وخالطة بعض العبارات الفرنسية بكلامي، بأنني ألفتُ هذا النوع من الرياضات.

امرأة قائد الميليشيا في المنطقة المحتلة! بيد أن موقعاً بهذه الأهمية ليس بالأمر اليسير. مينرڤا لحد، الآتية من حي الأشرفية الأنيق، وهي المرأة الشابة والجميلة وذات الحيوية اللافتة، غالباً ما استشعرت الملل في عالم مصطنع، تدعمه النعمة الإسرائيلية، حيث كل الناس يعرفون كل الناس ويراقبون بعضهم بعضاً، وغالباً ما يتنافسون في رواية حكايات مبالغ فيها، ويجيبون بعضهم بعضاً إجابات فظة لا توفر أحداً. وكنت فكرت، للحظة، في أن أضاعف لقاءاتي لدى مزين للسيدات في مرجعيون، أملاً في لقائها، ما دامت تتردد إلى ذلك المحل باستمرار. غير أن هذا المشروع لم يكن لينسجم مع شخصيتي، ثم إن تصرفي قد يثير الشبهات. وحتى لو كنت بذلتُ جهوداً في ما خص الثياب، منذ أن ألفتُ العيش في الجنوب، أنا التي اعتدت لباس الجينز والتي- شرت في عز شبابي وزهو حياتي في بيروت، فلقد بقيت آنف من التطرية بالمساحيق، ومن العناية المفرطة بزينة الشعر. وبالمقابل، وجدتُ مشروع الرياضة آنف يلائمني كل الملاءمة.

دُبر لي لقاء مع مينرڤا لحد. وافيتها إلى المنزل، برفقة عصام الذي أتاح لي وجوده تجاوز حواجز الأمن بسرعة لافتة، وحال دون تعرضي لتفتيش طفيف. كان المنزل التابع لأنطوان لحد، قائد الميليشيا، واسعاً، ومريحاً، علماً أن لحد يعود بأصله الى البقاع. ولما كانت مينرڤا جميلة للغاية وأكثر شباباً من زوجها بكثير، أثارت في نفسي انطباعاً جيداً. إنها امرأة ذكية ومثقفة، ويبدو أنها حظيت بتربية ممتازة، فجهدت في أن تكون على مستوى المصير الباعث على السخرية قليلاً، والذي يحتفظ لها التاريخ به؛ أن تكون السيدة الأولى في لبنان الجنوبي.

ولم تكن تتحدث مع أبنائها إلا الفرنسية. ولكنها، كانت تشعر، في قرارة نفسها، أن قبولها في مجتمع مرجعيون لا يزال دونه عقبات.

كانت قد وجدت نفسها، تلك الأيام، في قبضة أستاذة للرقص لا تتوانى عن الإفادة من الوضع، فراحت تبتز تلاميذها مالاً، كلما أتيح لها ذلك. لذا كلّفتني مينرڤا سريعاً بتدريب ثلاثين تلميذاً، حالما قدح ذهنها عن تمارين الرياضة الحيوية هذه، بعد أن امتحنتني مع امرأة فرنسية، وهي زوجة طبيب لبناني، فأبديت سروري البالغ بطرحها، وأبلغتها استعدادي للمباشرة بالدروس حالما تتيح لي دروسي في الجامعة ببيروت، ذلك. وبالطبع تركت لي الخيار في توقيت العمل. في الواقع، كنت أتشوق لأعلم رؤسائي بما يحدث معي، وفضلتُ العودة إلى بيروت لمناقشة الأمر، اتقاءً من المخاطر.

الحق يقال، أن ضربة الحظ هذه غمرتني بالرضى العارم. وأخيراً، ها هي الفرصة سانحة حقاً. وأراني على قيد أنملة من الإقامة، بهدوء، في قلب "جيش لبنان الجنوبي"، وهو كناية عن مركز مراقبة يكاد يكون فريداً، لتخزين أكبر قدر ممكن من المعلومات عن عادات قائد الميليشيا وتحركاته. ومنذ بدء النقاشات، جعلنا، أنا وأحمد، نرتئي فرضية العملية المنظمة ضد أنطوان لحد، وها أن ما تصورناه أشرف على التجسد.

وفيما بعد، حين التقيت بأحمد، خلتني فخورةً حقاً بالنتائج، وبدا رئيسي متحمساً للغاية، مع ذلك، فقد كنا نجهل، إلى حينه، ما يمكن أن يحصل، ولا مَنْ سوف يؤدي المهمة. ولدى مروري ببيروت، أشرت لأحد أصدقائي ممن يعتبرون متعصبين للرقص، بأن يسجل لي دروساً في التمارين الرياضية الحيوية كانت "جين فوندا" أعدتها. وفي نوع من البراءة، رحتُ أسأل أختي بعض المفاهيم، وهي معلمة للرياضة، ومن ثم قفلتُ عائدة إلى مرجعيون لأهيئ النفس للاختبار المشهود .. فانتهزت فرصة غياب عصام وزوجته، ورحت أردد التمارين على شريط مسجل، إذ ينبغي أن يكون الإيهام كاملاً. ووضعتُ في المسجلة شريطاً لحفلة باليه، ووقعتُ عليها حركات ذات موسيقى إيقاعية للغاية.

وبعد يومين من عودتي إلى الجنوب، سرني أن أجتاز التجربة الأهم في حياتي.

وأعانتني بدايات الدروس الأولى. إذ كان علي أن أعاود المجيء إلى منزل أنطوان لحد لقياس بعض التفاصيل الدقيقة. وسرعان ما اتفقنا على راتبي. وقد صغتُ مطلبي الذي بدا لي قابلاً للتصديق والقبول، وما دمتُ أتيتُ إلى الجنوب، فلا بد لي من العمل، بصورة رسمية. ولم يكن الأجر مرتفعاً للغاية، ولا منخفضاً للغاية. خمسة دولارات عن الشخص الواحد، هذا إذا بلغ المسجلين ثلاثين شخصاً. كانت مينرڤا في لقائنا الأوّل قد طمأنتني أننا لن نحتاج إلى دعاية، نظراً لندرة وسائل الترفيه في المنطقة المحتلة. وهي لم تسع إلى أستاذ للرياضة إلا بتحريض وطلب من صديقاتها، لكن ها هي خائبة ومضطرة لتغيير لهجتها: لمّا رأت أن الفتيات الأخيرات حنثن بوعودهن، انتابها غضب شديد، واعتبرت أنهن يهزأن بها، ويجهدن في استبعادها على الدوام.

وبعد يومين من عودتي إلى الجنوب، سرني أن أجتاز التجربة الأهم في حياتي.لم يثنها الأمر، فالتزمت كلياً في هذا المشروع الذي اكتسب في نظرها أهمية غير متوقعة. وراحت تجعل منه موضوعها الأثير. حتى إذا استشارت زوجها، أنطوان لحد، أكد لها دعمه المطلق. وكان ينبغي أن تباشر الدروس مع جمهور محدد، لا يتعدى الخمسة تلاميذ.  وبدأت الدروس فعلاً. بقيت مسألة المال. إذ لم أكن أمني نفسي بالكثير بهذا العدد القليل من التلاميذ. ولأجل أن تجد مينرڤا حلاً لهذه المسألة الدقيقة استعانت بزوجها، فكانت لي أولى المناسبات التي ألتقي فيها أنطوان لحد.

كان أحمد أراني، في ما مضى، صورةً له كملازم في الجيش اللبناني، غير أنّ قسماته تبدلت كثيراً عما كانت عليه في سنوات معدودة. رأيت حيالي شخصاً مختلفاً كثيراً عن الصورة التي طالما حفظتها عنه. لم يكن الرجل ذا طباع منفرة. وكان يجهد نفسه في سبيل إرضاء زوجته. اقترح علي أن يعوّض عن النقص في مردودي من نقوده الخاصة. قبلتُ اقتراحه مبديةً له تعلقي الشديد بهذا المشروع.

وحين أخذت إجازة، تبدى لي أن ثمة قراراً يسلك سبيله الى النضوح في ذهني، شيئاً فشيئاً. فها أنا أخيراً، في الساحة، قريبة جداً من الهدف الذي وضعناه نصب أعيننا. وعليه، فإنه يعود لي وحدي أن أقوم بالمهمة الأعظم طموحاً مما كنا نتخيله حتّى ذلك الحين.

أن أقتل أنطوان لحد.

هل هذه القصة قيّمة برأيكم؟ ساعدونا في الاستمرار لإنتاج القصص التي تهمكم من خلال التبرع اليوم! تضمن مساهمتكم استمرارنا كمصدر مُجدٍ ومستقل وجدير بالثقة للصحافة المعنية بالمصلحة العامة.