متظاهرون يتحلقون حول النار بعد ليلة من تسكير جادة فؤاد شهاب، المعروفة بإسم جسر "الرينغ"، في بيروت، ٢٨ تشرين الثاني ٢٠١٩. (لارا بيطار، مصدر عام)

متظاهرون يتحلقون حول النار بعد ليلة من تسكير جادة فؤاد شهاب، المعروفة بإسم جسر "الرينغ"، في بيروت، ٢٨ تشرين الثاني ٢٠١٩. (لارا بيطار، مصدر عام)

ماذا تخبرنا الخرائط عن التحركات في لبنان

في اليوم ٦٤: الخميس الواقع في ١٩ كانون الأول ٢٠١٩

بعد ثلاثة أشهر على انطلاقها، أصبح بإمكاننا القول إن التحركات الجارية حاليا غير مسبوقة في تاريخ لبنان من حيث طول فترة التحركات، وأعداد المتظاهرين الكبيرة، وانتشارهم في كامل البلد وبين مغتربيه. بالإضافة الى طبيعة الخطاب المطروح والذي يتضمن مطالب اقتصادية واجتماعية؛ محاربة الفساد وإدانة التواطؤ بين النخب السياسية ورجال الأعمال. لكنه من الخطأ اعتبار هذه التحركات أمرا جديدا كليا، او انها نتيجة مباشرة لحدث واحد أو مظالم محدّدة.

إن رسم خرائط التحرّكات الاجتماعية خلال الزمن عنصر أساسيّ في فهم سياق الأحداث الحالية. هكذا خرائط لا  تُساءل فقط القراءات البارزة لدورة الاحتجاجات الحالية، بل أيضا تساهم في خلق أشكال جديدة لممارسة السياسة في لبنان والانخراط في الفضاء السياسي.

أحد المشاريع المماثلة هو  خريطة التحركات الجماعية في لبنان التي طوّرها مركز أبحاث دعم لبنان. تسجّل الخريطة التحرّكات الاجتماعية التي تحصل وتصنّفها حسب الفئات التالية: الفاعلون/المؤسسات المنظِّمة وحلفاؤهم (إن وجدوا)، الشكاوى أو القضايا، الأهداف، أساليب التحرك، الصفات المكانية، واستجابة الدولة. بدأ جمع المعلومات لهذا المشروع عام ٢٠١٧، ولكن المركز يقوم بتوثيق التحركات الجماعية منذ عام ٢٠١٤- دون اعتماد التصنيفات المذكورة سابقاً - كجزء من خريطة النزاعات في لبنان (بناء على مفهوم اجتماعي سياسي للنزاع بكونه  لا يقتصر فقط على العنف أو الاعتداء).

هذه التمارين في رسم الخرائط توضح أن مظاهرات أكتوبر تتبع ازديادا مضطردا في حالات التحركات الجماعية حول المطالب الاقتصادية الاجتماعية مدفوعة بسنوات من الفساد والزبائنية والإهمال المتعمّد للمناطق الطرفية من قبل الدولة ومؤخرا أُضيفت الى الأسباب إجراءات التقشّف الجديدة: سجّل ٣٢٤ تحركا جماعيا عام ٢٠١٥، ٤٦٨ تحركا عام ٢٠١٦، ٤١٩ تحركا عام ٢٠١٧و ١٨٨ تحركا عام ٢٠١٨. شهد عام ٢٠١٨ تراجعا في عدد الاحتجاجات لصالح أشكالا أخرى من العمل السياسي تزامنا مع تأجيل الانتخابات النيابية ذاك العام. أما عام ٢٠١٩ فقد شهد ٢٠٠ تحركا قبل تاريخ ١٧ أكتوبر. ومع نهاية العام وصل الرقم الى ٢١٠٢ تحركا. وكما تُظهر الرسوم البيانية هنا فإن أكثر المطالب التي تكرّرت خلال السنوات الثلاث الماضية كانت حول الوصول الى الحقوق الاجتماعية – الاقتصادية أو احتجاجات على سياسات او إجراءات حكومية (مثل القرارات السياسية والسياسات الحكومية المرتبطة بهموم الناس). كما يوضح الرسم البياني عن التحركات التي حصلت بين حزيران ٢٠١٤ وأيار ٢٠١٥  أن غالبية التحركات خلال هذه الفترة ارتبطت بتطورات اقتصادية واجتماعية وبمطالب متعلقة بالسياسات العامة ما يدحض القراءة القائلة أنها مرتبطة بالطائفية.   

وأكثر من ذلك، فإن المطالب التي رُفعت خلال احتجاجات أكتوبر تحاكي المطالب المرفوعة خلال الاحتجاجات السابقة وتراكم عليها، مثل مظاهرات عام ٢٠١٥ خلال أزمة النفايات، أو مظاهرات حملة اسقاط النظام الطائفي عام ٢٠١١. هذا النمط يُظهر أن التحركات الاجتماعية هي أيضا تراكمية وتبني على التجارب السابقة والمطالب العامة، بدل أن تكون مرتبطة بقضايا محدّدة.   

بالإضافة الى مساعدتنا في فهم القضايا التي تحرّك التظاهرات، تسلّط البيانات الضوء أيضا على الأساليب المتّبعة في الاحتجاج. مثلا، وبالعودة الى الرسم البياني هذا،  نرى أن اغلاق الطرقات كان الأسلوب المفضّل المعتمد من قِبل المتظاهرون عامي ٢٠١٤-٢٠١٥. وبالفعل إن أسلوب الاحتجاج هذا أصبح المفضّل عند المتظاهرين في لبنان؛ إذ يأتي تصنيفه ضمن أكثر ثلاثة أساليب استخداما بين ٢٠١٧ وأكتوبر ٢٠١٩، وبين ١٧ أكتوبر و١٨ نوفمبر ٢٠١٩. كانت هذه الحقيقة غائبة كليا عن النقاش الدائر مؤخرا حول إغلاق المحتجون للطرقات.

لقد ظهرت عدة مشاريع للأرشفة والتوثيق منذ بداية ثورة أكتوبر مثل هذه الخريطة مفتوحة المصدر التي خلقها مارك فرّا ومجد الشهابي التي توثّق مواقع الاحتجاجات حول العالم. والمهم فيها، كونها مفتوحة المصدر، انها تسمح بمشاركة واسعة في خلق سجلّ رقمي مباشر للأحداث حيث يمكن لأي كان المساهمة عبر ارسال بيانات عن الأحداث، والتي يتم التحقّق منها لاحقا. مثل هذه المبادرات التشاركية لرسم الخرائط والمتاحة للجميع تملأ فراغا مهما في عملية جمع وتقديم البيانات، تحديدا في ظل غياب أي سياسة خاصة بالبيانات في لبنان إن من ناحية الوصول اليها او حتى مجرد وجودها.
تعتبر هذه الأنشطة نوعا من النضال الأرشيفي، حيث تُستخدم الأرشفة في المعارك السياسية التقدميّة من أجل مقارعة الخطاب السائد وتسليط الضوء على نضالات وخطابات المجتمعات.
إن البيانات التي يتم جمعها وتقديمها يمكن استخدامها كأدلّة في حملات المطالبة بسياسات تقدّمية. تعتبر هذه الأنشطة نوعا من النضال الأرشيفي، حيث تُستخدم الأرشفة في المعارك السياسية التقدميّة من أجل مقارعة الخطاب السائد وتسليط الضوء على نضالات وخطابات المجتمعات. بإمكان البيانات المساهمة في إيصال صوت كل الذين ينظّمون ويشاركون في التحركات، ما يسمح بتعويض النقص في تغطية وسائل الإعلام السائدة وفي التوثيق، وتساهم أيضا في "إعادة امتلاك السيطرة على كيفية كتابة قصّتنا‘ نحن كجزء من عملية تحرّر ثقافي أوسع" (ستيوارت هال، ٢٠٠٤). يمكن لمبادرات التوثيق مواجهة الخطاب السائد غير المستند الى معلومات عبر المساهمة في بناء ونشر خطاب بديل يستند الى أدلّة ووقائع، خصوصا ضمن سياق تشويش اعلامي ينتشر بسرعة عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي.

لكن هناك قصور لهكذا بيانات يجب ذكرها خصوصا وسط الحماسة الشديدة لكل ما يتعلّق بالبيانات: العلاقة الترابطية لا تعني بالضرورة علاقة سببيّة، ومن المهم دمج القراءة التحليليّة المعتمدة على بيانات كميّة مع تحليل للسياق والعمل الميداني من أجل تجنّب استنتاجات ترابطية زائفة.  

في خضمّ الصراع من أجل أشكال جديدة من العمل والانخراط السياسي في لبنان أصبح من الضروري الاعتماد على بيانات موثوقة بالإضافة الى الأبحاث والتحليل الموثّقان، لمصلحة الخطاب البديل والحملات والمناصرة والتحركات العامّة وفي نهاية الأمر لمصلحة خلق سياسات جديدة.