صار قطاع الكهرباء يجسّد تفشي الفساد في لبنان. شركة كهرباء لبنان، مار مخايل، بيروت. ١٠ تشرين الثاني، ٢٠١٩. (هدى كرباج، مصدر عام)

صار قطاع الكهرباء يجسّد تفشي الفساد في لبنان. شركة كهرباء لبنان، مار مخايل، بيروت. ١٠ تشرين الثاني، ٢٠١٩. (هدى كرباج، مصدر عام)

"مكافحة الفساد": حبل نجاة نظام المحاصصة اللبناني

يتزايد المنحدرون والمنحدرات نحو الفقر ويتواصل سقوط هؤلاء الحرّ نحو هاوية حفرتها الطبقة السياسية الحاكمة وأعوانها في القطاع المصرفي والقطاع الخاصّ، بينما تنشغل هذه الطبقة السياسية في تقديم سبب جديد لوجودها: قيادة معركة مكافحة الفساد. نحاول في هذا المقال تبيّن إذا ما كانت استراتيجية لبنان المعدّلة لمكافحة الفساد مجرّد مسرحيّة تهدف إلى تسهيل عودة لبنان إلى أيدي المانحين الدوليين والرأسمالية عابرة الحدود.

عقد مجلس النواب اللبناني يوم ٢١ نيسان من العام المضي جلسةً أقرّ فيها "قانون مكافحة الفساد في القطاع العاّم وإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد". يروّج دعاة الإصلاح السياسي من المجتمع المدني لهذه الهيئة الوطنية على أنّها أنموذجٌ لـ "الحكم الرشيد" وعلاج للفساد، مفترضين أن إنشاءها يمثل الخطوة الأولى الضروريّة لاحتواء الأزمة.

لكن تشكيل الهيئة قد تأجّل بدعوى إجراء تعديلاتٍ مما يدفع إلى التخوّف من أن تخسر "استقلاليتها". حتى لو نجحت الإصلاحات التكنوقراطية عبر هذه الهيئة في إيقاف الأزمة موقتًا، فلن يكون ذلك إلّا مراوغةً لتمرير المزيد من آليات النهب نفسها التي قهرت الأغلبية طويلًا لصالح تمكين الطبقة الأوليغارشية الزبائنية والمؤسسات المالية الدولية الدائنة والشركات العابرة للحدود من تكديس الثروات.

الجذور النيوليبرالية لمكافحة الفساد

في التسعينّيات، عندما أعلن المفكرين المنتمين الى فكر المحافظين الجدد عن "نهاية التاريخ" ورحّبوا بسرورٍ بعصر العولمة والنيوليبرالية، أضحت "مكافحة الفساد" شعارًا لتبرير وتسهيل إعادة الهيكلة النيوليبرالية في الجنوب العالمي. شّدد رئيس البنك الدولي جيمس د. ولفنسون عام ١٩٩٦ في خطاب الاجتماع السنوي المشترك للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، على الحاجة الملحّة لمحاربة "سرطان الفساد" المستشري في "البلدان النامية" الذي يثني "المستثمرين الأجانب"، عبر تنفيذ "برامج وطنية" تُشرك "المجتمع المدني" و"القادة الوطنيين"، بالتوازي مع "دعم الجهود الدولية لمكافحة الفساد" التي تشمل منظمة الشفافية الدولية (أسسها عام ١٩٩٣ موظفون سابقون بالبنك الدولي)، واتفاقية مكافحة الرشوة المُقرّة في عام ١٩٩٧ لمحاسبة الشركات الدولية التي تقدم الرشاوى للمسؤولين الأجانب سعيًا وراء عقودٍ مربحة، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي أُقرّت عام ٢٠٠٣.

في التسعينّيات، عندما أعلن المفكرين المنتمين الى فكر المحافظين الجدد عن "نهاية التاريخ" ورحّبوا بسرورٍ بعصر العولمة والنيوليبرالية، أضحت "مكافحة الفساد" شعارًا لتبرير وتسهيل إعادة الهيكلة النيوليبرالية في الجنوب العالمي.

الاستعارة السرطانية التي استخدمها ولفنسون لتشخيص حالة الجنوب العالمي ووصفه بجسد مريض يذكّر بخطاب استعماري قديم كان يشخص الشعوب المستعمَرة مرضيًا من خلال وصف الأمراض، مثل السل والهستيريا، بأنها "أعراض جسدية لأمراضٍ اجتماعية". تعتبر هذه الاستعارة أنّ الفساد ينتشر في الجنوب العالميّ مثلما ينهش السرطان الجسد، وأنه أحد أعراض "التخلف" السياسي، ومفتاح الحلّ يكمن في تدخل دول الشمال لإنقاذ الجنوب من نفسه ومساعدته على الوصول إلى  النضج السياسي وفق منطق أبوي.

يعتبر الخطاب السائد أن القطاع العام وحده موطن الفساد، فيما يغض النظر عن القطاع الخاص ويبرئه، ممّا يفسح المجال أمام المؤسسات المالية الدولية والدول المانحة والدول الدائنة أن تأتي لتكافح الفساد عبر أساليبها النيوليبرالية فتقود دول الجنوب العالمي، بحجة التصدّي للفساد، إلى تقليص حجم قطاعاتها العامّة و"تحرير" اقتصاداتها وخصخصة أصول دولها. هكذا تضع المؤسسات المالية الدولية إصلاحات "مكافحة الفساد" المزعومة في سلة واحدة مع "برامج التكيف الهيكلي"(وهذا تعبيرٌ ملطّف لوصف برامج جدولة الديون) ذات الفوائد العالية على الأغلب والمرتبطة بالتقشف واتفاقات الخصخصة.

واجهت العديد من بلدان الجنوب العالمي، وبينها السنغال وتايلاند والأردن، منذ الثمانينيات أزمات مالية منهِكة، كانت في جزء منها على الأقل ناتجة عن الاستعمار، وحصلت على حزم المؤسسات المالية الدولية "الإنقاذية" التي عادةً ما تكون قروضًا بمعدلات فائدةٍ ضخمة، ثم نّفذت شروطها الصارمة. وعلى الرغم من العناوين الرنّانة حول مكافحة الفساد التي تضمنتها هذه الحزم، فقد أدخلت آفّة التقشف إلى بلدان الجنوب المنكوبة اقتصاديًّا، وأدت إلى تقليص الإنفاق الاجتماعي والخصخصة الجماعية لأصول الدولة لصالح كبار رجال الأعمال المرتبطين بالنخبة الحاكمة، وقد أدى كل ذلك إلى عدم مسائلة الفساد، بل ربما إلى استشرائه أكثر. ولم يتحمل عبء هذه السياسات إلّا المُفقَرون الذين خسروا الكثير من أموالهم القليلة أصلًا بسبب سياسات الضرائب التنازلية التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية شرطاً للإقراض. أمّا المقرِضون والشركات، على المستويين المحلي والدولي، فقد جنوا أرباحًا طائلة عبر السوق "المحرَّرة" حديثًا، متواطئين في التهرب من الضرائب والمسؤولية عن ظروف العمل غير المنضبطة والدمار الاجتماعي والبيئي المصاحِب للمشاريع الرأسمالية.

وعلى الرغم من العناوين الرنّانة حول مكافحة الفساد التي [تطلقها المؤسسات المالية العالمية]، فقد أدخلت آفّة التقشف إلى بلدان الجنوب المنكوبة اقتصاديًّا، وأدت إلى تقليص الإنفاق الاجتماعي والخصخصة الجماعية لأصول الدولة لصالح كبار رجال الأعمال المرتبطين بالنخبة الحاكمة، وقد أدى كل ذلك إلى عدم مسائلة الفساد، بل ربما إلى استشرائه أكثر.

مفهوم مكافحة الفساد السائد يتّجه إلى لبنان

على الرغم مما سبق، فإن التحالف المقلق بين خطاب مكافحة الفساد وإعادة الهيكلة النيوليبرالية لا يجعل الفساد أقلّ واقعيةً. لطالما استخدمت الطبقة السياسية في لبنان الدولة لاكتساب السلطة وحصد الثروات وترسيخ الطائفية والزبائنية. فالفساد جزءٌ لا يتجزّأ من النظام السياسي منذ استقلال لبنان، وقد انتشرت بعد نهاية الحرب الأهلية المحسوبية وتفشى استخدام القطاع العام للحصول على مكاسب خاصة عندما أدرك أمراء الحرب أن هذا "السلام" حديث الولادة يعطيهم الفرصة لمراكمة الثروات بشكل أكبر.

صادق لبنان على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC) في العام ٢٠٠٩، لم تتغيّر حالة الفساد، كما هو مُتوقّع. وفي السنوات الأخيرة، ركبت الطبقة السياسية موجة مكافحة الفساد السائدة على الساحة الدولية منذ تسعينيّات القرن الماضي. وقد تشدّق كلّ حزب شارك في الانتخابات البرلمانية عام ٢٠١٨ تقريبًا بالحديث عن ضرورة محاربة الفساد، وصار المسؤولون الحكوميون يتقاذفون الاتهامات بالفساد بين كلّ فينةٍ وأخرى لتسجيل نقاطٍ سياسية.

إنّ أحد شروط اتفاقية الأمم المتّحدة تُلزم الموقعين إنشاء هيئاتٍ عامة، تُعرف باسم هيئات مكافحة الفساد، مهمتها مراقبة أيّ شكلٍ من أشكال الفساد في القطاع العامّ والتحقيق فيه وردعه، بما في ذلك الرشوة واختلاس المال العامّ وحجب المعلومات العامّة ومنح العقود الحكوميّة بشكل غير قانوني للشبكات الزبائنيّة. تتمتّع عادة هيئات مكافحة الفساد بصلاحيّاتٍ قضائية.

ستكون الهيئة الوطنية اللبنانية لمكافحة الفساد، التي لم تتشكل بعد، حليفة للقطاع الخاص الذي يؤوي رأس المال العابر للحدود ويسعى لاغتنام أي فرصة جديدة لتحقيق الربح السريع وضمان المصالح الشركاتية والمكاسب المالية الواسعة للطبقة السياسية. التدقيق في محتوى قانون مكافحة الفساد الأصلي والتعديلات المقترحة يفضح دون شكّ آليات الاستحواذ التي تحافظ على الطبقة السياسية والمكاسب التي جنتها خلال عقود عديدة على حساب الأغلبية.

قانون الفساد بين الحكومة والبرلمان: رحلةُ ذهابٍ وإياب!

تعطي نظرة متفحصة على قانون مكافحة الفساد فكرة عن هيئة مكافحة الفساد المطروح إنشاؤها. ستكون هذه الهيئة مسؤولة عن منع حالات الفساد في القطاع العامّ، وكشفها والتحقيق فيها وإحالتها عند الضرورة إلى السلطات الإدارية والقضائية المعنيّة، والتأكد من تنفيذ قوانين مكافحة الفساد بشكلٍ صحيح. ويشمل عملها أيضًا التحقيق في عدم الامتثال لقانون حقّ الوصول إلى المعلومات، مع توفير الحماية وتقرير المكافآت والمساعدات للمبّلغين عن حالات الفساد، وفقًا لقانون حماية كاشفي الفساد. تنفّذ كذلك الهيئة، بحسب نصّ القانون، أحكام اتفاقية الأمم المتحدة عبر حماية الوصول إلى المستندات الهامة، بما في ذلك العقود الحكومية المريبة مع الشركات الخاصة. تشرف الهيئة من الناحية النظرية أيضاً على تنفيذ قانون دعم الشفافية في قطاع البترول لمنع سرقة عائدات الأنشطة البترولية وصادراتها، كما تنظر في تصاريح موظفي الخدمة المدنية عن الذمّة المالية، وفقًا لقانون الإثراء غير المشروع الجديد. والجدير بالذكر أنّ هيئة مكافحة الفساد يمكنها أن تطلب مباشرةً مساعدة الضابطة العدلية دون الحاجة إلى المدّعي العامّ، ويمكنها أن تطلب من السلطات القضائية المختصة تجميد أصول المشتبه بهم ومنعهم من السفر.

على الرغم من ذلك، فإنّ ما نعرفه عن تشكيل الهيئة يطرح شكوكاً مُبَرّرة حول استقلاليتها عن الطبقة السياسية. ففي ٢٧ حزيران ٢٠١٩، قبيل الانهيار الاقتصادي والمالي في لبنان وعندما كانت الطبقة السياسية تتجه نحو الحصول على القروض والمنح المشروطة بالإصلاح التي تعهد بها المانحون في مؤتمر سيدر ٢٠١٨، أقرّ البرلمان النسخة الأوّليّة من القانون. ثم أعادها الرئيس إلى البرلمان في تمّوز ٢٠١٩ بموجب المرسوم رقم ٥٢٧٢ بهدف التعديل. نصّ القانون الأصلي على أنّ أعضاء الهيئة يجب ألا يكونوا أبدًا جزءًا من أيّ حزب أو مجموعة سياسية، لكنّ التعديل الذي اقترحه الرئيس تضمن اعتراضًا على هذا الشرط، ممّا دفع البرلمان إلى إعادة صياغة القانون بحيث ينصّ على أنّ الأعضاء يجب ألّا يكونوا، عند التعيين وخلال السنوات الخمس السابقة أعضاءً في أيّ جمعيةٍ تمارس العمل السياسي أو أعضاءً في أحد الأحزاب.

اعترضت على الصياغة الأصلية لقانون مكافحة الفساد الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية (LTA)، الفرع اللبناني لمنظمة الشفافية الدولية، التي "تدعو إلى الإصلاح عبر التركيز على التطوير المنهجي، وعبر الدخول في ائتلافات مع سواها من أصحاب المصلحة المعنيين بمكافحة الفساد مثل الحكومة والنواب والقطاع الخاص والمؤسسات الإعلامية والمجتمع الدولي".  فشل القانون المقترح، بحسب الجمعية، في معالجة مسألة تعيين الأفراد المقربين من الأحزاب السياسية دون أن يكونوا أعضاء في هذه الأحزاب بشكل رسميّ. لم تؤخذ هذه التحفظات بعين الاعتبار وجرى تعديل القانون تبعاً لرغبة الرئيس ثمّ أقرّ بعد سنة في نيسان ٢٠٢٠. يضاف إذن إلى الصراع الواضح على التمويل أنّ بإمكان المحسوبين على الطبقة السياسية أن يصيروا أعضاء في هيئة مكافحة الفساد  وفقا للرأي القانوني.  

يبدو للوهلة الأولى أن القانون لا يتيح المجال للتبعية السياسية والتمثيل السياسي عندما يتعلق الأمر بالتعيينات في هيئة مكافحة الفساد، إذ سيكون على رأس الهيئة اثنان من القضاة المتقاعدين يختارهم قضاة البلد لمنصبَي الرئيس ونائب الرئيس، بينما تضم الهيئة أيضاً محاميًا يجري اختياره من بين المنتسبين لنقابة المحامين في بيروت ومرشحين تقدمهما نقابة المحامين في طرابلس، وخبيرًا في المحاسبة، وخبيرًا ماليًا أو خبيراً مصرفيًا، وخبيرًا في الإدارة في القطاع العام. هذا يعني أنّ من سيتولون مكافحة الفساد مجموعة خبراء يعملون باستقلالية عن الطبقة السياسية، أو هذا ما يبدو عليه الأمر. لكنّ التمحيص في كيفية التعيين تطرح كثيرًا من الشكوك.

مكمن الشك الأول هو أن العملية الانتخابية التي تحدد المرشحين، سواء كانوا قضاةً أم محامين، يلتّفها الغموض الكثيف. لا يزال من غير الواضح ما إذا كان سيتمّ اختيارهم من قبل رؤساء النقابات أو مجالس إدارتها أو أعضائها العاديين. ثانيًا، سيتمّ انتقاء الخبير في الإدارة العامة من بين ثلاثة مرشحين يختارهم وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية، مما يعطي السلطة التنفيذية دورًا مباشرًا في تشكيل الهيئة. ثالثًا، هيئة الرقابة على المصارف هي التي تقترح ثلاثة مرشحين لتعيين الخبير في الأمور المصرفية والمالية، وهو ما يمثل إشكالية محوريّة بسبب مصالح هيئة الرقابة على المصارف المشتركة مع البنك المركزي (مصرف لبنان) ووزارة المالية وجمعية المصارف، وهذه آخر جهات يمكن ائتمانها على محاربة الفساد. رفض البنك المركزي، على سبيل المثال، تقديم معلومات للمدقّق المالي الجنائي في تشرين الأول ٢٠٢٠ بحجّة "السرية المصرفية". أمّا وزارة المالية فتعكس درجات لبنان المنخفضة للغاية في مسح الموازنة المفتوحة للعام ٢٠١٩ مدى التعتيم حول الإنفاق العامّ ومخصصات الموازنة العامّة فيها. العمل مع جمعية المصارف من جهته أشبه بدعوة الطبقة السياسية لترأّس اللجنة كون "المساهمين الرئيسيّين في ١٨ بنكًا من أصل البنوك العشرين الكبرى مرتبطون بالنخب السياسية".

طريقة تعيين أعضاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد تعني] أنّ من سيتولون مكافحة الفساد مجموعة خبراء يعملون باستقلالية عن الطبقة السياسية، أو هذا ما يبدو عليه الأمر. لكنّ التمحيص في كيفية التعيين تطرح كثيرًا من الشكوك.

أخيرًا، يجري مجلس الوزراء التعيينات النهائية للهيئة من بين الأسماء المقترحة، وبالنظر إلى تكرار تحول الحكومات إلى حكومات "تصريف الأعمال بصلاحياتٍ محدودة" في السنوات الأخيرة، فإن إعطاء التعيينات طابعًا رسميًا سوف يستغرق وقتًا حتى بعد تسمية الأعضاء. وحتى عندما تتشكل حكومة "الوحدة الوطنية" مرة أخرى، سوف تتنافس الأحزاب مختلفةً للحصول على نفوذ أكبر في لجنة الهيئة. ضغطت الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية (LTA) بهدف تغيير عملية التعيين وتحصين الهيئة من هذا التدخل السياسي ما أمكن، لكن توصياتها رُفضت.

عاود قانون إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد الظهور في أواخر كانون الثاني ٢٠٢١ مع تعديلين مقترحين أُدرجا في أغرب الأماكن: ضمن مشروع قانون الموازنة العامة لعام ٢٠٢١ التي أحضرته وزارة المالية وأقّدمته إلى مجلس الوزراء. المقتَرح التعديليّ الأوّل يستبدل شرط الحصول على شهادة ماجستير يصاحبها ما لا يقلّ عن ١٠ سنوات خبرة الذي كان موجودًا في القانون الأصلي، بشرط ينص على وجوب الحصول على بكالوريوس بالإضافة إلى خبرة لا تقلّ عن ٢٠ سنة. أمّا التعديل الثاني فلم يقم بإدراج موازنة الهيئة ضمن باب خاصّ كما ينصّ القانون الأصلي، بل بتضمنيها عبر مكتب رئاسة مجلس الوزراء بشكل يقطع أي شك باستقلالية الهيئة. يوحي ضم التعديلين المقترحين إلى نص مشروع قانون الموازنة، رغم هامشية تأثيرهما على الموازنة العامة، بأنّ هناك أشخاصًا محددين تريد الطبقة السياسية تعيينهم في هذه المناصب.    

الإصلاح وهم مربح 

لبنان على حافّة الانهيار الشامل، والطبقة السياسية ما زالت تعوّل على المزيد من القروض المكدّسة ونماذج الخصخصة المستقاة من دول الشمال. خلف الأبواب المغلقة، تتواصل محاولات هذه الطبقة لإحياء مفاعيل مؤتمر "سيدر" ٢٠١٨ واستئناف المحادثات مع صندوق النقد الدولي المتوقفة منذ منتصف العام ٢٠٢٠، وتفعيل المبادرة الفرنسية التي تلت انفجار مرفأ بيروت. وبما أنّ أيًّا من هذه الاحتمالات لا يعتمد فقط على الجيوسياسة ولكن أيضًا على إصلاحات "الحوكمة الرشيدة" و"مكافحة الفساد"، يبدو أنّ قيامة مشروع هيئة مكافحة الفساد من تحت الردمِ في هذا الوقت تحديدًا لها دلالاتها. تحولت الطبقة السياسية مع مؤتمرات باريس ١ و٢ و٣ في العقد الأول من القرن الحالي إلى أداة لبيع السيادة الاقتصادية لقاء أوهام الإصلاح والقروض المنهِكة. فمن يتحّمل عبء الدين العام غير الأكثر فقرًا الرازحين تحت وطأة نظامٍ ضريبيِّ تنازليّ وضريبة القيمة المضافة، من دون أيّة مكاسب في المقابل؟ إنّ هذه الوعود بالتغيير المثقلة بالديون، التي تشكل اليوم هيئة مكافحة الفساد واسطتها الجديدة، حيلة قديمة بهُت سحرها وفقدت قدرتها على تلميع صورة الدولة في أعين الأطياف المحلية والمقرضين الأجانب.

الصراع الحقيقي ضدّ الفساد واجب، لكن لا يمكن أن يكون هذا الصراع مموّل. الفساد لا تنهيه سلسلةٌ من الإصلاحات التكنوقراطية اللاسياسيّة الهادفة لتحقيق "الحكم الرشيد"، ولا يكون بإبقاء اقتصادنا رهينة الاقتصاد السياسي المهيمن، أو إعادة إحياء النظام السياسي الإجرامي الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة.

الصراع الحقيقي ضدّ الفساد واجب، لكن لا يمكن أن يكون هذا الصراع مموّل. الفساد لا تنهيه سلسلةٌ من الإصلاحات التكنوقراطية اللاسياسيّة الهادفة لتحقيق "الحكم الرشيد"، ولا يكون بإبقاء اقتصادنا رهينة الاقتصاد السياسي المهيمن، أو إعادة إحياء النظام السياسي الإجرامي الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة. على العكس من هذا، يجب على خطاب مكافحة الفساد أن يتوجه نحو الحشد لصراع متعدد الجبهات يضع الفساد في سياق الصراعات المحلية والدولية. وهذه تشمل القضاءٍ المُستضعف، والقوانين الانتخابية المصمّمة لصالح القوى السياسية، ونموذج الحوكمة العشوائيّ، وتغليب المصالح الخاصة على القطاع العام والحصانةٍ المشكوك فيها دستوريًا التي يحتمي خلفها المحتالون والمجرمون. من المهمّ أيضًا أن نتيقظ إلى أنّ لبلدان الشمال مصالح نيوكولنيالية في بلادنا تقوم على المديونية والتبعية والهيمنة من خلال مراكمة الثروات المتولدة من القروض ذات الفائدة المرتفعة واقتصاديات التنقيب عن النفط ومشاريع الخصخصة حتى بعد الكوارث. مكافحة الفساد بشكل زائف من قبل "حكومة قادرة وملتزمة بتنفيذ الإصلاحات" أكثر جاذبية وإرباحاً لدول الشمال، وها نحن نشهد حاليًّا تهافت العروضات الدولية لإعادة اعمار مرفأ بيروت، أو بالأحرى الاستيلاء عليه.