حائط بحر بيروت في عزّ أيّام "العهد الذهبي" للبنان. ١ أيّار، ١٩٦٥. (أرشيف جامعة إنديانا، مجموعة شارل كوشمان)

حائط بحر بيروت في عزّ أيّام "العهد الذهبي" للبنان. ١ أيّار، ١٩٦٥. (أرشيف جامعة إنديانا، مجموعة شارل كوشمان)

أسطورة عصر لبنان الذهبي: هل حقّا فقدنا الفردوس؟

"لقد تحقق حلم تحويل لبنان إلى سويسرا الشرق الأوسط إلى حدّ بعيد."

هذه كانت خلاصة مقال من عام ١٩٥٨ لكاتب أمريكي "عمل في مؤسسات مالية في لبنان بين عامي ١٩٥٣ و١٩٥٧"، حسبما يظهر في تعريفه. يعني الكاتب بالحلم السويسري هنا الازدهار الاقتصادي في لبنان خلال النصف الأول خمسينيات القرن الماضي، والذي يعزوه بشكل كامل إلى سياسات السوق الحرّ والغياب المتعمّد للتخطيط التنموي الاجتماعي الاقتصادي لدى الحكومات اللبنانية.

في تشرين الأوّل عام ١٩٨٢، أي بعد أشهر فقط من الاجتياح الاسرائيلي للبنان، نشرت مجلّة أرامكو وورلد عددًا بعنوان "الفردوس المفقود: في رثاء لبنان" زخر بمقالات لكتاب غربيين كانت لهم تجارب في لبنان ما قبل الحرب. كانت تلك المقالات تتحدث عن عالم مفقود وتنعي انقضاء زمن قوامه البراءة والرغد والثراء.

تنتشر هذه الأيام استعارات مجازية مشابهة، تبثها الأحزاب الحاكمة في لبنان كما يبثها مواطنون عاديون. فمن منّا تخلو مواقع التواصل الاجتماعي لديه من منشورات يملؤها الحنين وصور من لبنان ما قبل الحرب تصوره ملاذا وادعًا ومفقودًا؟

لكن ليس كل ما يلمع ذهبًا كما هو معروف.

إذا ابتعدنا قليلاً عن الصور البراقة والمنتشرة التي تظهر فيها أنماط الحياة الرغيدة التي كان يعيشها البعض، نجد صورة أكثر قتامة يظهر فيها الأسى العميم الذي جلبه "السوق الحر" للسكان والذي جنت ثماره قلّة قليلة.  

إن استحضار صورة العصر الذهبي المتخيل في لبنان ما قبل الحرب يتجاوز الحنين إلى ماضٍ لم يكن، فهذا الاستحضار يتفاعل في الحاضر والمستقبل ويعمل بشكل ماكر على إدامة الأسطورة القائلة بأنّ لبنان لا يمكن أن ينتعش إلّا ضمن اقتصاد السوق الحرّ مع شبه انعدام تدخّل الدولة.

يتجاوز استحضار صورة ذهبية متخيلة للبنان ما قبل الحرب الحنين إلى ماضٍ لم يكن، فهذا الاستحضار يتفاعل في الحاضر والمستقبل ويعمل بشكل ماكر على إدامة الأسطورة القائلة بأنّ لبنان لا يمكن أن ينتعش إلّا ضمن اقتصاد السوق الحرّ مع انعدام تدخّل الدولة تقريباً.

لبنان الحقيقي في خمسينيات القرن الماضي

في عام ١٩٥٩، كلّف الرئيس فؤاد شهاب الجمعية الفرنسية غير الحكومية IRFED القيام بدراسة معمّقة حول الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية في المدن الرئيسية وفي ثمانين منطقة ريفية. كان شهاب، على عكس من خلفوه ومعظم من عاصروه [في الطبقة الحاكمة]، ذا خلفيّة عسكريّة ممّا أي أنه اطلع على التأخر التنموي والنمو غير المتساوي على اتساع البلد، وقد رأى في دراسة IRFED قفزة نحو التخطيط التنموي.

إنّ نتائج دراسة IRFED، التي حصلت عليها الحكومة في أيّار عام ١٩٦١ والتي استخدمت ١٤٠ مؤشراً تنمويّا، تضع السياسات الاقتصادية للحكومات الأولى في لبنان الاستقلال في قفص الاتهام.

المؤشرات الاقتصادية الاجتماعية في عكّار، وبعلبك، وجبل عامل عام

المؤشرات الاقتصادية الاجتماعية في عكّار، وبعلبك، وجبل عامل عام ١٩٦٠. تتراوح الدرجات بين الصفر (لا تنمية) و٤(مستوى عالٍ من التنمية). المصدر: IRFED, "Le Liban au Tournant," 1963.

أظهرت الدراسة أنّ أعلى مستويات التأخر التنموي كانت في عكّار، وبعلبك، وجبل عامل. وقد عانى سكّان هذه المناطق من ضعف شديد في في البنى التحتية، والتعليم، وخدمات الصحة العامة. يظهر الجدول أعلاه أسوأ الأرقام في التقرير (لكنّ المؤشرات الأخرى ليست أفضل بكثير).

أطفال من عكّار في طريقهم لتعبئة الماء من بئر، تمّوز ١٩٦٧. (حقوق الصّورة لأرشيف لبنان)

أطفال من عكّار في طريقهم لتعبئة الماء من بئر، تمّوز ١٩٦٧. (حقوق الصّورة لأرشيف لبنان)

لم تكن الصورة ناصعة تماماً حتّى في بيروت، درّة تاج "العصر الذهبي" للبنان.

كانت "ضواحي بيروت البائسة"، كما يحلو للبعض تسمية أحياء جنوب العاصمة، لا تزال صغيرة نسبيّاً عند إجراء دراسة IRFED. لكن بعد خمسة عشر عاماً، في عشية الحرب الأهليّة، صارت هذه الضواحي تأوي الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين، والعمّال السوريين، والمهجرين اللبنانيين الفارين من ظروف الحرمان الشديد والتبعية للإقطاع في مناطقهم التي سيطر عليها ملّاك متنفذون أو شركات زراعية صناعية كبرى.

لكنّ الظروف المعيشية كانت مريعة للغاية عام ١٩٦٠.

الظروف المعيشية في أربع أحياء في بيروت،

 الظروف المعيشية في أربع أحياء في بيروت، ١٩٦٠. المصدر:  IRFED, "Besoins et Possibilités de Développement du Liban. Étude Préliminaire: Volume Annexe," 1960-1961; IRFED, "Le Liban au Tournant," 1963.

بلغت درجة التنمية ١ من ٤ في منطقة المدوّر الصناعية، التي تتشكل التركيبة السكانية فيها إلى حد كبير من مجتمعات أرمنية لبنانية، وعمال سوريين، ونازحين من مناطق ريفية. وكانت المساكن عمومًا بيوتًا مؤقتة مكتظة، فيما لم تكن الكهرباء تصل إلى معظم العائلات، ولم يكن من وجود فعلي للبنى التحتية للمياه والصرف الصحي أو للاتصالات. وأشار التقرير لحوالي ٩٠ في المئة من سكان هذه الأحياء بإمّا "misereuse" (بائس) أو "classes populaires" (فقير)، أي أنهم كانوا يجنون سنويا ١٢٠٠ ل.ل أو ٢٥٠٠ ل.ل على التوالي (٣٦٠٠ دولار أو ٧٥٠٠ دولار على نحو تقريبي ومع اعتبار أسعار الصرف في أوائل ستينيات القرن الماضي). وهذا يعني أنّ دخول هؤلاء بالكاد كانت تكفي لإبقائهم على قيد الحياة فقط.

لم يكن الوضع أفضل بكثير في طريق الجديدة، حيث كان ٨٥ في المئة من السكان يجنون أقل من ٢٥٠٠ ل.ل. وكانوا يعيشون في مساكن مكتظة وبدائية البنى التحتية للمياه والصرف الصحي، كما أن المدارس فيها مكتظة وسيئة التجهيز.

أمّا كرم الزيتون فقد أتم القليل من قاطنيه المرحلة الابتدائية أو الثانوية في المدرسة، فيما انتشر هناك الكوكايين والهروين وفق ما جاء في التقرير.

إنّ نتائج دراسة IRFED، التي حصلت عليها الحكومة في أيّار عام ١٩٦١ والتي استخدمت ١٤٠ مؤشراً تنمويّا، تضع السياسات الاقتصادية للحكومات الأولى في لبنان الاستقلال في قفص الاتهام.

وفي منطقة السراي وسط بيروت، لم تكن هناك أيّ مدارس، وعاش السكان في مساكن شبيهة بالعشوائيات، في شوارع ملأتها النفايات، مع ما لذلك من آثار ضارة على الصحة العامة للسكان.

ترافق انعدام المساواة جغرافيًا مع انعدام المساواة في الدخل بين الأسر، ووفقًا لدراسة IRFED، عاشت نصف الأسر في لبنان حالة فقر أو بؤس عام ١٩٦٠.

من غنم إذن بمكارم عصر لبنان الذهبي؟

توزع الدخل على الأسر اللبنانية بين عامي ١٩٦٠ و١٩٦١ 
توزع الدخل على الأسر اللبنانية بين عامي ١٩٦٠ و١٩٦١ 

كان دخل الأسر المصنفة في خانة البؤس أقل من ١٢٠٠ ل.ل سنويّاً، وكان دخل الأسر الفقيرة بين ١٢٠١ ل.ل و٢٥٠٠ ل.ل سنويا، ودخل الأسر من الطبقة الوسطى بين ٢٥٠١ ل.ل و٥٠٠٠ ل.ل سنويا، ودخل الأسر الميسورة بين ٢٥٠١ ل.ل و١٥٠٠٠ ل.ل سنويا، ودخل الأسر الثرية يتجاوز ١٥٠٠٠ ل.ل سنويا. في عام ١٩٦٤ كانت الليرة اللبنانية تساوي ٣.١ دولار أمريكي وفق البنك المركزي. المصدر: IRFED, "Besoins et Possibilités de Développement du Liban. Étude Préliminaire: Tome 1," 1960-1961.

لمن هذا العصر الذهبي؟

جرت شرعنة أيديولوجية السوق الحرّ في عهد الاستقلال، ويعود ذلك جزئياً إلى الفينيقيين الجدد، وهم مجموعة من المصرفيين المرتبطين بالطبقة السياسية وذوي الأفكار المتشابهة، تمكنوا من تحويل أفكار السوق الحرة إلى سياسات حكومية رسمية.

تصور الفينيقيون الجدد لبناناً قائماً على القطاعيان الخدماتي والمالي وتكون فيه الزراعة والصناعة ثانوية، ومهّدوا الطريق لجعل الدولة اللبنانية تفتقد إلى مخططات اقتصادية اجتماعية متعلقة بهذه القطاعات الإنتاجية التي بقيت مستمرة بفعل وجود عمّال يكدحون ضمن ظروف قاسية واستغلالية.

فندق السان جورج الشهير الذي افتتح عام ١٩٣٤ وكان يملكه مستثمرون فرنسيون حتى أواخر خمسينيات القرن الماضي، والذي يقول عنه جورج قرم: "إذا كنت منتميًا إلى طبقة الأثرياء فذلك كان المكان الذي تذهب إليه لشرب الكاس". ٢ أيّار، ١٩٦٥ (أرشيف جامعة إنديانا، مجموعة شارل كوشمان)

فندق السان جورج الشهير الذي افتتح عام ١٩٣٤ وكان يملكه مستثمرون فرنسيون حتى أواخر خمسينيات القرن الماضي، والذي يقول عنه جورج قرم: "إذا كنت منتميًا إلى طبقة الأثرياء فذلك كان المكان الذي تذهب إليه لشرب الكاس". ٢ أيّار، ١٩٦٥ (أرشيف جامعة إنديانا، مجموعة شارل كوشمان).

أفضل مثال على هذه الرؤية هو كتابات ميشيل شيحا، وهو أحد أعضاء العصبة التي شاركت في صياغة دستور عام ١٩٢٦ إلى جانب كونه صهر الرئيس اللبناني الأوّل بعد الاستقلال بشارة الخوري. حاجج شيحا بأنّ لبنان ولد من أجل الاقتصاد الحرّ، فالموقع الجغرافي للبلد، والأعراف الريادية المنتشرة بين أبنائه منذ الأزمنة السحيقة، وتنوعه طائفياً تطلّب تبنّي سياسات السوق الحر، بدءًا بتحرير التجارة وانتقال رأس المال.

جرى تقليص القيود على تبادل العملات الأجنبية في تشرين الثاني عام ١٩٤٨ لتلغى نهائيّاً عام ١٩٥٢، ممّا أتاح لرؤوس الأموال اللبنانية أن "تتحرك بحرّية حول العالم".

عاشت نصف الأسر في لبنان إمّا حالة فقر أو بؤس عام ١٩٦٠ وفق دراسة IRFED

جرى الترحيب برأس المال العالمي في لبنان، وهذا كان يمرّ عبر فئة مختارة. قام الزعماء الإقطاعيون المتصارعون، ورجال الأعمال والتجار الناشطون في القطاعين الخدماتي والمالي بتحويل لبنان إلى معبر لاستيراد رؤوس الأموال الغربية والبضائع، كما احتكروا كبرى الصناعات الأساسية.

في عام ١٩٧٤، استحوذت ١٣ عائلة على ٤٧ في المئة من إجمالي رؤوس المال الصناعية، وعلى ٣٠ في المئة من إجمالي الأصول البنكية، و٢٤ في المئة من إجمالي رؤوس المال في التجارة والزراعة والشركات الخدماتية، وكانت أربع شركات فقط ذات صلات بسياسيين تتكفل استيراد ثلثي السلع القادمة من الغرب.

ساهم الازدياد الملحوظ في عدد الموظفين الحكوميين في عهد بشارة الخوري (كان عددهم أقل من ٦٠٠٠ عام ١٩٤٧ وصار ١٤٨٠٠ عام ١٩٥٣) في أن صارت الإدارة العامة في لبنان تعجّ بأزلام استغلوا مناصبهم لتعزيز أعمال فئة قليلة عبر عقود أشغال عامًة مربحة.

تشكل فضيحة الفساد في هيئة الاتصالات في أوائل الخمسينيات مثالا جليّاً على نوع الاستزلام الذي كان متفشيًا بشدّة أثناء تولي الخوري رئاسة الجمهورية. فوفقاً لتقرير برلماني نشرته النّهار في ١٩٥٣، تحولت تلك المؤسسة بين عامي ١٩٤٧ و١٩٥١ من شركة عامة فعّالة ومدرّة للأرباح يعمل فيها ٣٨٠ موظفاً حكوميّاً إلى شركة يعمل فيها ٢٢٠٠ موظفًا حكوميًا وتتسم بالعجز المالي وتناقص الأرباح. ويذكر التقرير أن الموظفين الجدد قد عيّنوا تحت ضغط من وزراء وبرلمانيين وزعماء إقطاعيين، لكنّ لم تذكر أسماء هؤلاء. لم يؤدّ الموظفون الجدد أيّ عمل يذكر سوى استلام المعاش في آخر الشّهر، ممّا اضطر الهيئة أن تأخذ قرضاً من بنك محليّ لتغطية العجز.

في ٣٠ أيّار عام ١٩٥٣ نشرت جريدة النّهار تقريراً برلمانيّاً حول فضيحة فساد في هيئة الاتصالات.

في ٣٠ أيّار عام ١٩٥٣ نشرت جريدة النّهار تقريراً برلمانيّاً حول فضيحة فساد في هيئة الاتصالات.

إحباط الإصلاحات

اندلعت في عام ١٩٥٨ حرب أهلية قصيرة حرّكها عداء طبقي، حيث برزت مجموعات مسلحة غير نظامية ذات توجهات يسارية، ومؤيدة للرئيس المصري جمال عبد الناصر والجمهورية العربية المتحدة حديثة الولادة حينها، وقادت نزاعًا مسلّحاً ضدّ الرئيس الأوليغارشي كميل شمعون وحكومته. وفي أيلول من ذلك العام وصل قائد الجيش فؤاد شهاب إلى الرئاسة في أعقاب سريان حالة جمود على الصعيد العسكري مع وصول المارينز الأمريكي بدعوة من شمعون.

كان شهاب واعياً تماماً بالفروقات الطبقية، وهذا ما جعل عهده يتسم بإحداث إصلاحات أساسية في الإدارة العامة، وببعض المحاولات المتواضعة لتقليص الشروخات الاجتماعية الاقتصادية بما في ذلك إنشاء الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

في عام ١٩٧٤، استحوذت ١٣ عائلة على ٤٧ في المئة من إجمالي رؤوس المال الصناعية، وعلى ٣٠ في المئة من إجمالي الأصول البنكية، و٢٤ في المئة من إجمالي رؤوس المال في التجارة والزراعة والشركات الخدماتية، وكانت أربع شركات فقط ذات صلات بسياسيين تتكفل استيراد ثلثي السلع القادمة من الغرب.

لكنّ الشهابيين ذوي النزعة الإصلاحية تحوّلوا مع الوقت إلى القمعية، خاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها الحزب السوري القومي الاجتماعي في كانون الثاني عام ١٩٦١، ثمّ تراجعت الإصلاحات بشكل كبير مع نهاية ولاية شهاب عام ١٩٦٤.

ومع احتدام التوترات الجيوسياسية، تمكّن الزعماء الإقطاعيون، أو "آكلو الجبنة" كما كان شهاب يسميهم، في إشارة إلى ابتلاعهم للقطاع العام، من إزاحة الشهابيين عن الحكم عام ١٩٧٠.

اضطر رئيس الجمهورية الجديد سليمان فرنجية ورئيس حكومته صائب سلام، وكلاهما إقطاعيان، أن يشكلا حكومة يفترض أن تستجيب للضغط من الأسفل، فكانت النتيجة "حكومة الشباب" المنحرفة التي تكوّنت من تكنوقراطيين شباب غير معروفين تعهّدوا بتنفيذ الإصلاحات الشاملة المنتظرة.

أحبط البرلمان وطبقة التجار جهود هؤلاء قبل أن يبدأوا حتّى.

حدث ذلك في حالة المرسوم ١٩٤٣ لعام ١٩٧١ الذي حاول من خلاله وزير المال حينها إلياس سابا زيادة الرسوم الجمركية على أكثر من ٥٠٠ سلعة، بما في ذلك رفاهيات من قبيل السيارات والسلع باهضة الثمن التي لها بدائل محليّة، وذلك من أجل حماية الصناعة المحليّة وتوظيف عائدات حكومية إضافية في تعزيز التنمية الاجتماعية الاقتصادية.

أحبط هذا المرسوم إضراب لمدة عشرة أيّام قام به التجار وأصحاب المحلات في بيروت، ودعمته ضمنيّاً الأوليغارشية، بحجة واهية هي أنّ المرسوم سيؤذي السياحة والطبقة الوسطى.

وبطريقة مشابهة خسر وزير الصحة الدكتور إيميل بيطار الصراع المرير مع مستوردي المستحضرات الصيدلانية من أجل جعل الرعاية الصحية أوفر ومتاحة أكثر.

قامت حفنة من الصيدليات ومستوردي المواد الصيدلانية، جميعها مرتبطة بالأوليغارشية، بالسيطرة على السوق عبر استيراد أغلى الأدوية فقط وبيعها بأسعار خيالية. تمكّن هذا الكارتيل من تحجيم أيّ نمو في صناعة المواد الصيدلانية عبر الضغط من أجل فرض ضرائب عالية على الآلات التي يتطلبها تصنيع هذه المواد محليّاً.

حاول بيطار وضع سقف للأرباح، وتنويع أصناف الأدوية المستوردة، ودعم صناعة المواد الصيدلانية المحليّة. لكنّ الصيدليات والمستوردين اتّهموه بتدمير اقتصاد السوق الحر والتسبب في نقص الأدوية.

وفي النهاية استقال بيطار معترضًا في كانون الثاني ١٩٧١على إثر قلة دعمه من قبل البرلمان وزملائه في مجلس الوزراء.

حين اندلعت الحرب الأهلية كانت جميع محاولات كسر الهيمنة الأوليغارشية من أعلى إلى أسفل قد أحبطت.

"رسوم كاريكاتورية نُشرت في الصحف المحلية في أوائل السبعينات من القرن الماضي تصوّر وزير الصحة الدكتور إميل بيطار وهو يحارب كارتيل الأدوية، المرموز إليها بالثعبان والأخطبوط. (بإذن من كريم إميل بيطار ومكتبة فاريس زغبي ومحفوظاته، قرنة شهوان)".

"رسوم كاريكاتورية نُشرت في الصحف المحلية في أوائل السبعينات من القرن الماضي تصوّر وزير الصحة الدكتور إميل بيطار وهو يحارب كارتيل الأدوية، المرموز إليها بالثعبان والأخطبوط. (بإذن من كريم إميل بيطار ومكتبة فاريس زغبي ومحفوظاته، قرنة شهوان)".

محو الصراع الاقتصادي الاجتماعي

لا تتجاهل السرديات المتخيّلة لازدهار لبنان ما قبل الحرب أشكال عدم المساواة الاجتماعية الاقتصادية الشديدة فحسب، بل تتجاوز ذلك نحو تجاهل حالة عدم الرضى المنتشرة والصراع الطبقي في تلك الحقبة.

يندر جدّا الإتيان على حوادث عدم الاستقرار الناتج عن مطالبة العمّال بأجور الكفاف، والحمايات الاجتماعية الأساسية، وقانون عمل عادل، وإنهاء استغلال العمّال، من قبيل إضراب عام ١٩٤٦ في إدارة حصر التبغ التي تملكها الدولة أو إضراب عام ١٩٧٢ في معمل غندور.

عندما تذكر الثورات الطلابية المنتشرة في الستينيات وبداية السبعينيات في وجه التضخم وأشكال عدم المساواة الاقتصادية الاجتماعية، والتي كانت معروفة بالتضامن مع القضية الفلسطينية، يجري تصويرها إمّا على أنّها مجرد إزعاج أو طوباوية ساذجة بشكل خطير.

لا مكان للعمّال والطّلاب الذين أصيبوا أو قتلوا على يد أجهزة الدّولة الأمنيّة في سرديّة العصر الذّهبي.

في نيسان عام ١٩٧٦، أي بعد عامٍ على اندلاع الحرب الأهليّة، قال زعيم الحرب والرئيس السابق كميل شمعون ببجاحة لأحد المراسلين: "[لبنان] بلد اقتصاده حرّ وهو قد أقيم وصار [...] مزدهرًا بفضل المبادرات الخاصة". ثم أضاف: "للأسف هناك نوعان من النّاس في لبنان: أولئك الذين يريدون العمل وجني الأموال، وأولئك الذين يريدون جني الأموال دون أن يعملوا". 

ليس مستغرباً أن تأتي هكذا تصريحات على لسان أحد أعضاء الأوليغارشية في لبنان، لكنّها أبعد ما تكون عن الحقيقة.

image/svg+xml

هل هذه القصة قيّمة برأيكم؟ ساعدونا في الاستمرار لإنتاج القصص التي تهمكم من خلال التبرع اليوم! تضمن مساهمتكم استمرارنا كمصدر مُجدٍ ومستقل وجدير بالثقة للصحافة المعنية بالمصلحة العامة.