مئات التونسيين يتجمعون في سيدي بوسعيد قرب العاصمة تونس لاستقبال أسطول الصمود العالمي. سيدي بوسعيد، تونس. ٧ أيلول، ٢٠٢٥. (المشاع الإبداعي)

مئات التونسيين يتجمعون في سيدي بوسعيد قرب العاصمة تونس لاستقبال أسطول الصمود العالمي. سيدي بوسعيد، تونس. ٧ أيلول، ٢٠٢٥. (المشاع الإبداعي)

القمع الرسمي على وقع الحرب: تونس نموذجًا

مع بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران دخلت المنطقة مرحلة جديدة يظهر فيها مدى الصراع مع العدو الصهيوني، وحتمية المواجهة المستمرة مع الإمبريالية الأمريكية عبر العالم، خاصة الصراع الذي تعيشه منطقتنا منذ زرع المشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين. منذ عملية طوفان الأقصى، وتمدّد حرب الإبادة من غزة إلى لبنان واليمن وإيران، ظهر بوضوح أنّ العدوان الصهيوني المدعوم أميركيًا لا يقتصر على فلسطين، إنما يستهدف أيّ قوى مقاومة تواجه وترفض سيطرة إسرائيل على شعوب المنطقة ومستقبلها. 

هذا الواقع يربط حركة التضامن مع فلسطين في الجنوب العالمي بمسار التحرر من الهيمنة الأمريكية، لتصبح تعبيرًا عن حركات التحرّر الوطني للشعوب. وهو ما تكشّف في مراحل مختلفة من موجات التضامن مع فلسطين وضحايا المشروع الاستعماري المستمرّ في كل دول المنطقة. تهدّد هذه الحركات بكل أشكالها، استمرارية المشروع الاستعماري الغربي، كما يضع موجات التضامن أمام تحدٍ وجودي يستهدف أي مساعي للتحرّر أو التضامن الشعبي.

يأتي التضييق على حركات التضامن واستهدافها في لحظة تفقد فيها الرواية الإسرائيلية سيطرتها على الرأي العام العالمي بعد تداعيات حرب الإبادة على غزة. أما في دول الجنوب العالمي، فمبررات تجريم واستهداف الحراك التضامني الشعبي ترتبط بالاستبداد السياسي وغياب الحريات، كما ترتبط بالتأثيرات الإقليمية للحرب وانعكاساتها على دول المنطقة. وذلك من أجل الإبقاء على الهيمنة السياسية الداخلية المرتبطة بالهيمنة الإمبريالية، ما يربط بين قضايا التحرر من الاستعمار والمقاومة وقضايا الحرية ورفض الاستبداد.

يربط حركة التضامن مع فلسطين في الجنوب العالمي بمسار التحرر من الهيمنة الأمريكية، لتصبح تعبيرًا عن حركات التحرّر الوطني للشعوب. وهو ما تكشّف في مراحل مختلفة من موجات التضامن مع فلسطين وضحايا المشروع الاستعماري المستمرّ في كل دول المنطقة.

إن القمع السياسي يتداخل فيه العامل الداخلي مع الخارجي لإضعاف قدرة المجتمعات على التصدّي لفرض الهزيمة في أبعادها المختلفة؛ النفسية والاجتماعية والسياسية. فالحرب الدائرة في المنطقة تؤثّر في تموقع الأنظمة التابعة والمطبّعة لتأمين استمراريتها، خاصة أنها لا ترى الشعوب مصدرًا لشرعيتها. وهو ما يكشف عن هشاشة الدول الوطنية في المنطقة في ظلّ غياب أي سياسات تدافع عن مصالح شعوبها.

اعتقالات على وقع الحرب

شهدت تونس عبر تاريخها حراكًا تضامنيا مع القضية الفلسطينية ارتبط بمحطات مهمّة في تاريخ البلد، وأصبح تعبيرا عن حيوية المجتمع والقوى السياسية والشعبية. برزت في السنتين الأخيرتين محطتين أساسيتين، قافلة الصمود البريّة في حزيران ٢٠٢٥، ثم أسطول الصمود البحري في أيلول وتشرين الأول ٢٠٢٥. تميزت تلك التحركات بتعبئة شعبية كبيرة قياسا إلى حركة الشارع، ومثّلت ذروة التضامن الشعبي مع فلسطين، في مرحلة تشهد فيها البلاد نزوعا نحو انغلاق المجال السياسي العام، وسعي السلطة لضرب النشاط السياسي والمدني

يأتي التضييق على حركات التضامن واستهدافها في لحظة تفقد فيها الرواية الإسرائيلية سيطرتها على الرأي العام العالمي بعد تداعيات حرب الإبادة على غزة. أما في دول الجنوب العالمي، فمبررات تجريم واستهداف الحراك التضامني الشعبي ترتبط بالاستبداد السياسي وغياب الحريات.

في ٦ آذار ٢٠٢٥ بعد أسبوع من اندلاع الحرب على إيران، بدأت حملة اعتقالات في تونس شملت سبعة أعضاء من الهيئة التسييرية لأسطول الصمود بعد أن منعت السلطات بالقوة. وقامت بتفريق المشاركين في نشاط تكريمي للمشاركين في تنظيم الأسطول، على هامش اجتماع الهيئة التسييريّة العالمية للأسطول في ميناء سيدي بوسعيد، أحد الموانئ التي انطلق منها الأسطول في أيلول ٢٠٢٥. المعتقلون السبعة، وهم أمين بالنور، سناء المحيدلي المساهلي، جواهر شنة، نبيل الشنوفي، وائل نوّار، غسان الهنشيري، غسان البوغديري، يقبعون في السجن بانتظار استكمال إجراءات الاستماع والتحقيق ثم المحاكمة. وتراوحت التهم الموجهة إليهم بدايةً من "جمع تبرعات دون ترخيص واستعمالها لمصالح شخصية" ثم أضيفت تهم "التدليس، والتحيل، والخيانة الموصوفة، وتكوين وفاق إجرامي بهدف تبييض الأموال". كان المعتقلون قد شاركوا في تنظيم قافلة الصمود البرية وأسطول الصمود البحري، وسبق أن أبحر اثنين منهم، وائل نوار وغسان الهنشيري، في الأسطول الأول الذي انطلق من تونس واعتقلتهم قوات الاحتلال عندما اعترضت السفن التي حاولت كسر الحصار عن غزة. وبتاريخ ١٧ نيسان ٢٠٢٥ أطلق سراح سناء المحيدلي المساهلي على أن تبقى على ذمة التحقيق القضائي مع المنع من السفر، وتحديد مكان الإقامة، ومنع الظهور في الأماكن العامة. 

أما في الأردن اعتقِل في ٩ آذار أعضاء الحزب الشيوعي الأردني عمر عواد، أسامة زين الدين وبهاء هشام على خلفية نشاطهم السياسي. وقد شهد الأردن حملة تضييق واسعة شملت حركة التضامن مع فلسطين خلال العام المنصرم، واعتقل أيضًا عدد من أعضاء جبهة العمل الإسلامي وحزب الوحدة الشعبية. توسعت الاعتقالات لتشمل المشاركين في المظاهرات، أو على خلفية منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن القاسم المشترك بينها أنها أتت على خلفية دعم الاحتجاجات ضد الحرب الإسرائيلية على غزة؛ مما أدّى إلى انحسار الحراك الشعبي وضرب الحركة التضامنية. استغلّ النظام الأردني الوضع السياسي في السنة الثانية لحرب الإبادة لمحاصرة الأنشطة التضامنية الداعمة لفلسطين ولشنّ حملات اعتقالات على خلفية أمنية وتهم تتعلق بالتحضير بتنظيم عمليات ضد الاحتلال الصهيوني ما يكشف نظرة النظام إلى الحراك الشعبي كتهديد لاستقراره. 

التحوّل في الموقف الرسمي 

تزامنت الحملة الأمنية في تونس مع تنظيم الأسطول الثاني وهو ما أدى إلى منعه من الانطلاق في رحلته. هذا التضييق أتى في سياق تتقاطع فيه الظروف الدولية والإقليمية مع العوامل الداخلية. إذ تغيّر الموقف الرسمي التونسي، وسارعت وزارة الخارجية لإصدار بيان يدين "الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية" كما أعلنت عن "تضامنها الكامل مع كلّ من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت ودولة قطر ومملكة البحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة الأردنية الهاشمية ودولة العراق"، دون إشارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني اللذين بدءا الحرب على إيران. وهو عكس ما حصل خلال حرب الاثني عشر يوما عندما أدانت وزارة الخارجية الاعتداء على إيران وقصف منشآتها النووية من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية، كما عبرت حينها عن تضامنها مع قطر ورفضها لأي اعتداء يطال سيادتها. في المقابل، لم يصرّح رئيس الجمهورية قيس سعيد في أي مناسبة بموقف حول الحرب على إيران على خلاف ما كان يفعل طيلة الحرب على قطاع غزة. بل إن السقف كان حينها عاليا مع بيان رئاسة الجمهورية صباح السابع من أكتوبر الذي كان واضحًا في دعم طوفان الأقصى، وحمل لهجةً سياسية عالية أشار فيها لتحرير فلسطين، وأن "ما تصفه بعض وسائل الإعلام بغلاف غزة هو أرض فلسطينية ترزح تحت الاحتلال الصهيوني منذ عقود، ومن حق الشعب الفلسطيني أن يستعيدها، وأن يستعيد كل أرض فلسطين"، واستمرّ هذا الموقف طيلة فترة الحرب. كما شارك الرئيس قيس سعيد في أداء واجب التعزية بوفاة الرئيس الإيراني الأسبق إبراهيم رئيسي، والتقى المرشد الإيراني الأسبق علي خامنئي في حزيران ٢٠٢٤. بالإضافة إلى زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في أيلول من العام الماضي، حين طرحت هذه الزيارة أسئلة عن الموقف التونسي وهل تمثل تحولا في السياسة التونسية وعلاقاتها الخارجية. وترافقت الزيارة مع موقف أوروبي صريح أبدى تحفظًا على ما اعتبره آنذاك ممثل السياسية الخارجية للاتحاد الأوروبي تحولا يثير القلق في التموضع التونسي وتقاربًا مع الصين وروسيا وإيران.

لذلك، يصبح السؤال عن تأثير الحرب الحالية على تغيّر الموقف الرسمي تجاه القضايا الإقليمية سؤالًا مشروعًا. التصريحات العلنية لرئيس الجمهورية والتحركات الدبلوماسية طيلة السنتين الماضيتين تعبّران عن تغيّر واضح. لكن السلطة وجدت نفسها هنا أمام تناقض إشكالي. فمنذ قافلة الصمود برزت قدرة التضامن الشعبي على الضغط على الأنظمة العربية، تحديدا في ليبيا ومصر، لكن دون أن يحمّل النظام التونسي تكلفة هذا التضامن الجماهيري. مثّلت القافلة تحدّيا حقيقيا نقل التضامن إلى مساحة جديدة غير متوقعة، وشكّلت الحشود الزاحفة برّا عبر الحدود من الجزائر وتونس وليبيا نموذجًا أخاف دوائر الحكم في تونس. في الوقت ذاته، لم يكن بإمكان السلطة مواجهته أو منعه أو حتى دعمه علنيا. هنا بدأ يتشكّل المأزق الرسمي، لكن السلطة نأت بنفسها عن دعم القافلة، واكتفت بالصمت رغم التسهيلات وعدم عرقلة خروج القافلة من تونس. توجه الضغط الشعبي أساسا لحكومة خليفة حفتر في شرق ليبيا، ومن ورائها النظام المصري، عندما أوقِفت القافلة في سرت بوسط ليبيا. فيما بعد مثّل أسطول الصمود البحري المرحلة الثانية من التحركات التضامنية مع فلسطين، وأصبحت البلاد محطة للتضامن العالمي مع غزة ورفض حرب الإبادة والحصار الصهيوني. كان الأسطول خطوة ناجحة في النضال لدعم فلسطين، حظِيَ بدعم شعبي لافت كشف عن إمكانيات التضامن والمبادرات الدولية لكسر الحصار عن غزة، ولم تكن هذه اللحظة لتتبلور لولا تجربة القافلة البرية. أعطت التحركات زخما سياسيا للقضية الفلسطينية في النقاش العام، وعزّزت التضامن العالمي خاصة في دول الجنوب، لتصبح تونس واحدة من البلدان التي ساهمت في مبادرات كسر حصار غزة رفضًا لحرب الإبادة الصهيونية.

تونسيون يستقبلون أسطول الصمود العالمي، رافعين أعلام فلسطين وتونس وحركات المقاومة الإسلامية. سيدي بوسعيد، تونس. ٧ أيلول ٢٠٢٥. (المشاع الإبداعي)

تونسيون يستقبلون أسطول الصمود العالمي، رافعين أعلام فلسطين وتونس وفصائل المقاومة الإسلامية. سيدي بوسعيد، تونس. ٧ أيلول ٢٠٢٥. (المشاع الإبداعي)

لذلك، يصبح السؤال عن تأثير الحرب الحالية على تغيّر الموقف الرسمي تجاه القضايا الإقليمية سؤالًا مشروعًا. التصريحات العلنية لرئيس الجمهورية والتحركات الدبلوماسية طيلة السنتين الماضيتين تعبّران عن تغيّر واضح. لكن السلطة وجدت نفسها هنا أمام تناقض إشكالي. فمنذ قافلة الصمود برزت قدرة التضامن الشعبي على الضغط على الأنظمة العربية، تحديدا في ليبيا ومصر، لكن دون أن يحمّل النظام التونسي تكلفة هذا التضامن الجماهيري. مثّلت القافلة تحدّيا حقيقيا نقل التضامن إلى مساحة جديدة غير متوقعة، وشكّلت الحشود الزاحفة برّا عبر الحدود من الجزائر وتونس وليبيا نموذجًا أخاف دوائر الحكم في تونس. في الوقت ذاته، لم يكن بإمكان السلطة مواجهته أو منعه أو حتى دعمه علنيا. هنا بدأ يتشكّل المأزق الرسمي، لكن السلطة نأت بنفسها عن دعم القافلة، واكتفت بالصمت رغم التسهيلات وعدم عرقلة خروج القافلة من تونس. توجه الضغط الشعبي أساسا لحكومة خليفة حفتر في شرق ليبيا، ومن ورائها النظام المصري، عندما أوقِفت القافلة في سرت بوسط ليبيا. فيما بعد مثّل أسطول الصمود البحري المرحلة الثانية من التحركات التضامنية مع فلسطين، وأصبحت البلاد محطة للتضامن العالمي مع غزة ورفض حرب الإبادة والحصار الصهيوني. كان الأسطول خطوة ناجحة في النضال لدعم فلسطين، حظِيَ بدعم شعبي لافت كشف عن إمكانيات التضامن والمبادرات الدولية لكسر الحصار عن غزة، ولم تكن هذه اللحظة لتتبلور لولا تجربة القافلة البرية. أعطت التحركات زخما سياسيا للقضية الفلسطينية في النقاش العام، وعزّزت التضامن العالمي خاصة في دول الجنوب، لتصبح تونس واحدة من البلدان التي ساهمت في مبادرات كسر حصار غزة رفضًا لحرب الإبادة الصهيونية.

هشاشة الدولة وتبعية الاقتصاد والقمع 

تقدمت الحركة التضامنية في تونس على الشعارات الرسمية، ومثّلت تحدِّيا للسلطة التي انخفض سقف خطابها، خاصة رئيس الجمهورية. تجاوز هذين التحركين التضامن الخطابي إلى الفعل الشعبي، وهو ما لم تعترض الدولة عليه بدايةً لأنها اعتمدت خطابًا سياسيّا عالي السقف، لكن دون أي مبادرة رسمية أو تكلفة سياسية. لكن الوضع اختلف مع تنظيم القافلة البرية والأسطول البحري، إذ مثّلا العمق المجتمعي للنضال ضد الاحتلال ودعم فلسطين، بما يتجاوز الخطاب الرسمي العقيم المعتاد من الأنظمة العربية. 

إن التضامن مع فلسطين هو جزء من النضال ضد الهيمنة الأمريكية والسياسات التوسعية للكيان الصهيوني في المنطقة. وقد فضحت حركة التضامن التناقض بين خطاب النظام وموقعه وتحالفاته الأمنية والسياسية، إذ يواصل التعاون الأمني والعسكري الأمريكي من خلال صفقات التسليح والمشاركة في المناورات العسكرية الأمريكية أسد افريقيا سنة 2025، التي تحتضن تونس جزءً منها للمرة التاسعة على التوالي في نيسان، ٢٠٢٦ بالتعاون مع القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (آفريكوم)، استمرارًا بالتحالفات الأمنية التاريخية لتونس، والتي تعمقت منذ إعلانها حليفا رئيسيا من خارج الناتو في ٢٠١٥.

إن التضامن مع فلسطين هو جزء من النضال ضد الهيمنة الأمريكية والسياسات التوسعية للكيان الصهيوني في المنطقة. 

إنّ الشعارات التي رفعها رئيس الجمهورية طيلة السنتين الأخيرتين عن "ضرورة مراجعة عدد من الاتفاقيات التي لم تستفد منها تونس" لم تترافق مع تغيير حقيقي في السياسات الخارجية والعلاقات الوطيدة بين الدولة التونسية والدول الغربية. إذ يظل الاتحاد الأوربي الشريك الاقتصادي الرئيسي، وتظل الولايات المتحدة المزود الرئيسي للمعدات العسكرية للجيش التونسي. لم تتمكن السلطة في تونس من تغيير تموضعها الإقليمي وتبعيتها الاقتصادية والأمنية والعسكرية للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لتجد نفسها غداة الحرب الحالية تعاني من هشاشة بنية الدولة الوطنية، ويغدو خطاب استقلالية القرار الوطني شعارًا فارغًا. 

تجمّع مئات التونسيين لاستقبال أسطول الصمود العالمي في سيدي بوسعيد، تونس، وبينهم امرأة تحمل يافطة كُتب عليها: "لن تتحرر الشعوب حتى تتحرر فلسطين. المسؤولية بيدك، فانهض!". ٧ أيلول، ٢٠٢٥. (المشاع الإبداعي)

تجمّع مئات التونسيين لاستقبال أسطول الصمود العالمي في سيدي بوسعيد، تونس، وبينهم امرأة تحمل يافطة كُتب عليها: "لن تتحرر الشعوب حتى تتحرر فلسطين. المسؤولية بيدك، فانهض!". ٧ أيلول، ٢٠٢٥. (المشاع الإبداعي)

إن حالة التبعية العميقة للاقتصاد التونسي وانعكاساتها السياسية ليست وليدة اليوم، والنضال من أجل القضية الفلسطينية ينسجم تمامًا مع مطالب التحرر من الهيمنة الأمريكية والغربية، التي تتقاطع مع مطالب حركات التضامن في الجنوب العالمي. وهذا ما بات واضحًا في الخطاب السياسي لحركة التضامن مع فلسطين في تونس، وتبلور خاصة منذ طوفان الأقصى. مع اعتقال أعضاء أسطول الصمود اعتبرت تنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين في تونس أن ما جرى هو رضوخ السلطة للضغوط الأمريكية تماشيا مع السياسات الإمبريالية التي تخضع لها المنطقة.

إن حالة التبعية العميقة للاقتصاد التونسي وانعكاساتها السياسية ليست وليدة اليوم، والنضال من أجل القضية الفلسطينية ينسجم تمامًا مع مطالب التحرر من الهيمنة الأمريكية والغربية، التي تتقاطع مع مطالب حركات التضامن في الجنوب العالمي. 

عملية الاعتقال التي استهدفت أعضاء أسطول الصمود تزامنًا مع التحضيرات للموجة الثانية من أسطول الصمود العالمي مكّنت السلطة من منع أن تكون موانئ تونس ضمن المرافئ التي تبحر منها السفن نحو غزة. وهو ما يمثل ضربةً للأسطول، إذ يصبح المشاركين جميعهم مجبرين على الحصول على تأشيرات أوروبية وهو ما يهدّد حضور المشاركين من دول الجنوب العالمي. الانطلاق من تونس سابقًا مكّن المشاركين من دول عربية ودول الجنوب العالمي من المشاركة في الأسطول الأول وهو ما تعذّر هذه المرّة، بما يعني استهداف الجهود التضامنية عبر العالم وخاصة الدول غير الأوروبية.

يأتي اعتقال أعضاء أسطول الصمود في في ظلّ قمع سياسي تُغلق فيه السلطة المجال العام، وتستخدم المحاكمات الجائرة والملاحقة القضائية ضد الجمعيات والأحزاب والفاعلين في المجال العام من أجل محاصرة الحركة النضالية المناصرة لفلسطين التي ارتقت بدور تونس كساحة نضال وتضامن إقليمي وعالمي. 

يستمر الصراع في فلسطين ولبنان، وتتوسع الحرب نحو دول المنطقة، ولم تحسم القوى الإمبريالية والكيان الصهيوني الحرب لصالحهم رغم العدوان المستمرّ. المقاومة ما زالت تواجه المشروع الصهيوني في مرحلة مفصلية، كذلك يستمرّ النضال من أجل فلسطين والتضامن معها في الجنوب العالمي. تمثل الملاحقات القضائية والمحاكمات إحدى أدوات القمع التي تؤثر في النضال والتضامن مع فلسطين مثلما حدث في الأردن وما يحدث في تونس حاليا. تظهر تأثيرات الحرب الحالية على إيران على هذا النضال، وتتقاطع اليوم قضايا التحرر من الاستعمار ومسألة الحرية في مواجهة الاستبداد والقمع المتزايد، خاصة أمام هشاشة الدول الوطنية وتبعيتها، وارتباط مصالحها وبقائها بالهيمنة الإمبريالية على المنطقة.

هل هذه القصة قيّمة برأيكم؟ ساعدونا في الاستمرار لإنتاج القصص التي تهمكم من خلال التبرع اليوم! تضمن مساهمتكم استمرارنا كمصدر مُجدٍ ومستقل وجدير بالثقة للصحافة المعنية بالمصلحة العامة.