طفلان يعبران من فتحة في سياج حديدي نحو أرض ملعب مجاور لمخيم مار الياس. لا توجد مساحات عامة في المخيم وحتى أرض الملعب التي كانت متنفسا للسكان صارت اليوم بعيدة على قربها بعد أن أحاطها مالكوها بالسياج. مخيم مار الياس، بيروت. ١١ نيسان ٢٠٢١. (محمد شبلاق، مصدر عام)

طفلان يعبران من فتحة في سياج حديدي نحو أرض ملعب مجاور لمخيم مار الياس. لا توجد مساحات عامة في المخيم وحتى أرض الملعب التي كانت متنفسا للسكان صارت اليوم بعيدة على قربها بعد أن أحاطها مالكوها بالسياج. مخيم مار الياس، بيروت. ١١ نيسان ٢٠٢١. (محمد شبلاق، مصدر عام)

الدولة اللبنانية والمخيمات الفلسطينية: أنماط التهميش والعزل والسيطرة على الحيز

كان تفشي ڤيروس كورونا المستجد في لبنان في مراحله الأولى ولم تكن قد سجّلت أيّ إصابة داخل المخيمات أو التجمعات الفلسطينية عندما تحدّث رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في الثالث عشر من آذار عام ٢٠٢٠ من موقع المعارض للحكومة، عن الإجراءات الواجب اتخاذها للحد من هذا التفشي. إحدى اقتراحاته كانت الإغلاق التام للمخيمات،  وتجمعات اللاجئين السوريين أيضا، ومنع الخروج منها أو الدخول إليها لأيّ سبب كان والتفكير بطريقة لتأمين احتياجات سكان المخيمات الأساسية. دعوة رئيس حزب القوات اللبنانية كانت تمييزية وهي لا تنفصل عن تاريخ من الجرائم التي قامت بها ميليشيا القوات بحقّ الفلسطينيين والفلسطينيات أثناء الحرب الأهلية.

الأهمّ أنّ دعوة جعجع تتناغم مع سياسات ممنهجة للسيطرة على حيّز المخيمات الفلسطينية، تفاقمت منذ انتهاء الحرب وتقوم على التهميش والعزل مكانيًّا عبر الإهمال العمراني والاجتماعي والاقتصادي والتعامل الأمني الصرف، وتجعل ساكني هذه المخيمات طول الوقت معرضين لأقسى وأعنف التأثيرات التي تأتي بها الأزمات المختلفة.

هذه السياسات تنطبع بغياب التنظيم العمراني وتدهور البنى التحتية وتقلّص المساحات العامة ومساحات العمل المشترك وتحوّل المخيم أكثر فأكثر إلى مكان طاردٍ لساكنيه أو خانق لمعظمهم إن لم يستطيعوا مغادرته،  مما يؤثر على طبيعة الحياة داخل المخيمات وعلى شكل التفاعل مع الجوار وعلى الأوضاع الاقتصادية والممارسة السياسية. هنا محاولة لفهم ثلاثة من طبائع التهميش المكاني للمخيمات منذ التأسيس، وخاصة بعد الحرب الأهلية، وما كان لهذا التهميش من آثار، وما ستكون له من تبعات في ظلّ تفشي ڤيروس كوڤيد-١٩ وفي ظلّ الانهيار المالي وما ينطوي عليه من زيادة في معدلات الفقر والبطالة.

شئ من التاريخ

عدد المخيمات الفلسطينية المعترف بها رسميًّا اليوم هو ١٢ بينما كان العدد الأساسي بعد النكبة ١٥ مخيمًا. دمّر الإسرائيليون مخيم النبطية عام ١٩٧٤ لقربه من الحدود مع فلسطين المحتلة واتخاذ المقاومة الفلسطينية له مركزاً لانطلاق العمليات الفدائية، فيما دمّرت الميليشيات اليمينية عام ١٩٧٦ مدعومة بالجيش السوري مخيمي تل الزعتر وجسر الباشا الواقعين في مناطق سيطرة هذه المليشيات. جميع المخيمات مبنيّة على أراضٍ استأجرتها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بعد نكبة عام ١٩٤٨ لمدة ٩٩ عاماً والإقامة فيها متاحة للفلسطينيين والفلسطينيات وغيرهم.

عام ١٩٦٩، وبينما كانت قوّة منظمة التحرير الفلسطينية تتزايد في لبنان، عقد اتفاق في القاهرة بينها وبين الجيش اللبناني صارت بموجبه إدارة المخيمات في يد المنظمة بعد سنوات من سيطرة المكتب الثاني التابع لاستخبارات الجيش على المخيمات وممارساته القمعية تجاه سكانها. تبعات هذا الاتفاق ما زالت موجودة اليوم رغم مرور حوالي أربعين عامًا على إخراج مقاتلي منظمة التحرير من لبنان وتراجع البرلمان اللبناني عنه عام ١٩٨٧ دون إخطار المنظمة. أحد أهم هذه التبعات هو أنّ إدارة داخل المخيمات لا تزال معهودة شكليًا للفلسطينيين بينما لا تدخلها القوى الأمنية اللبنانية ولا يدخلها الجيش اللبناني. الوضع مختلف في مخيمي نهر البارد الذي صار فيه وجود للقوى الأمنية اللبنانية مع المضي في إعادة إعماره بعد الحرب التي دمرته عام ٢٠٠٧، ومخيم المية ومية الذي جرى نزع السلاح الفلسطيني منه على خلفية اشتباكات عام ٢٠١٩.

يزيد من حدة أزمة المخيمات التمييز الحقوقي تجاه اللاجئين واللاجئات الذي يشمل حرمانهم من تملك العقارات مما يضطر معظمهم للبقاء داخل المخيمات ليؤدي ذلك إلى زيادة العمران فيها دائمًا مع بقاء المساحة في الأغلب على حالها.

يتمسك بهذا الوضع كثير من الفلسطينيين داخل المخيمات بسبب انعدام الثقة بالمحيط الناتج عن تجارب تاريخية أليمة، والمتمثل بالإجرام الذي قامت به المليشيات اليمينية والحصار الذي فرضته حركة أمل أثناء حرب المخيمات (١٩٨٥ -١٩٨٨)، وتتمسك به أكثر الفصائل والقوى الفلسطينية الناشطة داخل المخيمات كونه يعطيها سلطة تتيح لها المشاركة في إدارة الاقتصاد القائم في جزء كبير منه على مساعدات دولية صارت منذ انسحاب منظمة التحرير الفلسطينية وتخليها بشكل كامل عن المخيمات أحد أهمّ روافد الاقتصاد إلى جانب تقديمات الأونروا، والمشاريع التجارية والحرفية الصغيرة، وعمل بعض السكان الذي يكون في الأغلب مؤقتًا، أو موسميًا، أو غير رسمي. من جهة أخرى، يُخلّص الوضع القائم الدولة اللبنانية من المسؤولية عن المخيمات (عمرانيا وخدماتيًّا) وساكنيها (اجتماعيًا وحقوقيًّا) بينما يبقى عليها إدارة الحيز من الخارج عبر الجيش، والتحكم بالإدارة في الداخل عبر استخباراته، وهي تؤدي ذلك عن طريق المحافظة على تحديد مساحة هذا الحيز أوّلًا، بغض النظر عن النمو السكاني، ثم العزل، فالمراقبة. جعل هذا التعامل الأمني البحت المخيمات تتحول مع الوقت إلى عشوائيات مفقرة ذات بنى تحتية متهالكة يسيطر الجيش عليها بطرق مختلفة وتملك الدولة القدرة على محاصرتها والتحكم بشؤونها بالتشارك مع قوى أو أشخاص من داخل المخيمات ليتسبب ذلك في تردّي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وحتى الأمنية. ويزيد من حدة أزمة المخيمات التمييز الحقوقي تجاه اللاجئين واللاجئات الذي يشمل حرمانهم من تملك العقارات مما يضطر معظمهم للبقاء داخل المخيمات ليؤدي ذلك إلى زيادة العمران فيها دائمًا مع بقاء المساحة في الأغلب على حالها منذ التأسيس بعد النكبة، حين كان وجود المخيمات مؤقتًا ومرتبطًا بعودة اللاجئين واللاجئات إلى فلسطين، ثمّ صار اليوم وجودًا شبه دائم.

 

صورة سوداء فيها كادر مستطيل تظهر من خلاله شبكة من الأسلاك الكهربائية على مستوى متدن في أحد الشوارع الضيقة بمخيم مار الياس. يعاني مخيم مار الياس مثل جميع المخيمات الفلسطينية في لبنان من تهالك في البنى التحتية. مخيم مار الياس، بيروت. ١١ نيسان ٢٠٢١. (محمد شبلاق، مصدر عام)

صورة سوداء فيها كادر مستطيل تظهر من خلاله شبكة من الأسلاك الكهربائية على مستوى متدن في أحد الشوارع الضيقة بمخيم مار الياس. يعاني مخيم مار الياس مثل جميع المخيمات الفلسطينية في لبنان من تهالك في البنى التحتية. مخيم مار الياس، بيروت. ١١ نيسان ٢٠٢١. (محمد شبلاق، مصدر عام)

تتسبب هذه السياسات العنيفة في إدارة الحيّز في تعميق التباين بين ساكني المخيمات والساكنين في محيطها بشكل مأساوي يضر بالجهتين ويعيق إلى حدّ كبير إمكانيات التضامن والعمل السياسي المشترك بين المنتمين إلى الطبقات العاملة والمسحوقين على الجانبين، مثلما يعيق النشاط الاقتصادي والإنماء. في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى مخيم نهر البارد الذي كان نموذجًا مثاليًّا لما يمكن أن يكونه مخيّم فلسطيني في لبنان، إذ إنّه كان يجمع بين الوضع العمراني الجيد نسبيًّا والمحافظة على شئ من قيم القرية الفلسطينية، وبين ازدهار النشاط الاقتصادي والانفتاح على المحيط الذي أدّى إلى خلق طبقة متوسطة متينة وتحقيق شيء من الاستقرار. أنهت هذه الحالة حرب الجيش اللبناني مع تنظيم فتح الإسلام عام ٢٠٠٧ التي نتج عنها، إلى جانب التدمير، وضع المخيم تحت حصار خانق أدّى إلى ضرب الأسواق التجارية فيه وامتناع كثير من ساكني المناطق المحيطة عن زيارة هذه الأسواق، كون الدخول إلى المخيّم بات مرهونًا بالمرور على حواجز الجيش والخضوع لاستجواب في كلّ مرّة. 

تظهر المخططات التوجيهية التي تصدرها المديرية العامة للتخطيط المدني المخيمات الفلسطينية على أنّها أراض فارغة قيد التنظيم على حسب ما تقول الباحثة عبير سقسوق ساسو التي تشير إلى أنّ هذا ينطبق على المخططات التوجيهية لعام ١٩٩١ و٢٠٠٢ وليس فقط على المخططات التوجيهية الصادرة في سنوات اللجوء الأولى حيث كان من المنطقي اعتبار أنّ المخيمات مؤقتة وأنّ اللاجئين سيعودون إلى بلدهم قريبًا. هذا الوضع مريب ويوحي بأنّ الدولة اللبنانية تتحين فرصة ما لإنهاء وجود المخيمات بطريقة أو بأخرى، مما قد يفسّر التدمير الممنهج الذي تعرّض له مخيّم نهر البارد من قبل الجيش اللبناني في حرب عام ٢٠٠٧ حيث دمّر ٩٥ في المئة من مباني المخيم الأصلي وأجزاء من الامتداد العمراني خارج المخيم الأصلي (المخيم الجديد). لم يكن المخيم ليعود إلى الوجود لولا ضغط من جمعيات ومؤسسات وجهات لبنانية وفلسطينية وتشكيل هيئة محلية لإعادة الإعمار فور انتهاء المعركة ضمت مهندسين/ات ومعماريين/ات وباحثين/ات في التخطيط المدني أدّوا مجهودًا جبّارًا في التوثيق ورسم الخرائط وتقييم حجم الدمار، كما ضغطوا لاحقًا من أجل ضمان إشراك السكان في مرحلة إعادة الإعمار.

تختلف الأساليب التي تمارسها الدولة اللبنانية لتهميش المخيمات والسيطرة عليها، وقد جربت على مدار السنوات عدّة طرق للسيطرة تشترك جميعها في اعتبار المخيمات وساكنيها تهديدًا أمنيًا، لكن يمكن تمييز ثلاثة أنماط مطبقة حاليًا. تظهر المخططات التوجيهية التي تصدرها المديرية العامة للتخطيط المدني المخيمات الفلسطينية على أنّها أراض فارغة قيد التنظيم.

النمط الأوّل: عشوائية عمرانية وبنى تحتية متهالكة

ينطوي النمط الأول على إهمال المخيمات عمرانيًا وعدم تقديم أيّ خدمات أو بنى تحتيّة لها بحجّة أنّها ليست من مسؤولية الدولة. تقع ضمن هذا التصنيف مخيمات بيروت الثلاثة (مار إلياس وشاتيلا وبرج البراجنة) ومخيّم الجليل في بعلبك ومخيّم البدّاوي في طرابلس ومخيّم المية ومية في صيدا ومخيم الضبيّة شمال بيروت. يمكن بسهولة تمييز الفرق بين شكل الحيز في منطقة الرملة البيضا وشكل الحيز في مخيم مار الياس للاجئين الفلسطينيين المجاور لها. عند العبور من مدخل المخيم، نتحوّل مباشرة من الشارع والطريق إلى الزواريب، أي الشوارع الضيقة، ومن التنظيم العمراني واضح المعالم إلى العمران غير المنظم وتهالك البنى التحتية. لا وجود لمساحات عامة داخل المخيم المكتظ سكانيًا، والذي لم تتغير مساحته (٠،٢ كيلومتر مربع) منذ التأسيس عام ١٩٥٢، فيما ازداد عدد سكانه من بضعة مئات ليصل إلى ١٧٦٧ شخصًا. حتى أنّ مالكي الأرض المجاورة للمخيم والتي كانت ملعبًا لكرة القدم ومتنفسًا للسكان، وخاصة الشبان والشابات، قرّروا وضع أسوار حولها لمنع ساكني المخيم من الدخول إليها. هنا يحدث التهميش بفعل الأمر الواقع. مساحة جغرافية محدّدة تستأجرها الأونروا لا تتذخّل الدولة في تنظيمها عمرانيًا ولا تساهم في تحسين بنيتها التحتية وتزويدها بالخدمات. ينطبق هذا الوضع على جميع المخيمات الواقعة ضمن النمط الأوّل (أعلاه) وإن كان يبلغ أسوأ حالاته في مخيّم شاتيلا الذي يعاني تدهورًا كبيرًا في بنيته التحتية، وخاصة في نظام الصرف الصحي الذي تتسبب رداءته في فيضان المياه الآسنة على شوارع المخيم من وقت لآخر.

النمط الثاني: عزل الحيز والسيطرة على الحركة منه وإليه

ينطبق على النمط الثاني ما ينطبق على النمط الأول، ويضاف إليه تحديد مداخل ومخارج للمخيمات مع وضع حواجز للجيش اللبناني تراقب مرور الداخل إلى المخيمات والخارج منها على مدار الساعة مع تدقيق للهويات من وقت لآخر بالترافق مع وضع أسوار إسمنتية على مدار المخيمات لمنع مرور السيارات والدراجات النارية. يضم هذا النمط على مخيمات صور الثلاثة (الرشيدية والبص وبرج الشمالي)، القريبة من الحدود مع فلسطين المحتلة والتي تهدف السيطرة عليها إلى إيقاف أيّ عمل عسكري تجاه الأراضي المحتلة، كما ينطبق على مخيم نهر البارد منذ ما بعد الحرب مع تنظيم فتح الإسلام عام ٢٠٠٧. 

يمكن الدخول إلى مخيم برج الشمالي في صور، الذي عشت فيه عدّة سنوات، بإحدى طريقتين: العبور بسيارة أو مشيًا أو على دراجة نارية عن طريق حاجز للجيش اللبناني، أو الانسلال مشيًا عبر فتحات ضيقة داخل جدر إسمنيتة تعيق حركة كلّ ما هو أكبر من جسم بشري واحد (مع تطبيق إجراءات الإغلاق الشامل، أقفل الجيش الجدر الإسمنية تمامًا لجعل الممر الوحيد  عبر المدخل الرئيسي الذي يقف عليه عناصر الجيش). نجد هنا نفس الإهمال العمراني وتراجع البنى التحتية وانعدام المساحة العامة الموجود في مخيّمات النمط الأوّل، لكن وجود حاجز الجيش على المدخل والجدر الإسمنتية على المحيط يزيد من حدّة العزل بين داخل المخيّم وخارجه، كما يزيد إمكانية التحكم بحياة السكان من الخارج، وهذا يحدث بشكل يومي عن طريق تفتيش الهويات والمواد الداخلة إلى المخيّم وعن طريق منع دخول مواد البناء تحديدًا من وقت لآخر، عندما تصدر قرارت من الجيش بذلك وتبدو اعتباطية لكنها تصبّ أساسًا في منع زيادة العمران في المخيّم من دون أن يوازي ذلك توفير الأطر القانونية التي تتيح للفلسطينيين والفلسطينيات التملك خارج المخيمات. في أوقات التشدّد ينشط تهريب المواد عبر الجدر الإسمنتية فتزداد أسعارها داخل المخيّم. وحتى هذا التهريب يتوقّف عندما يقف عناصر من الجيش قرب مداخل المشاة.

طفل يقف ضمن فتحة ضيقة بين مكعبات اسمنتية. يحدد الجيش اللبناني مرور السيارات إلى عدد من المخيمات الفلسطينية عبر حواجزه ويغلق المداخل الأخرى بجدر اسمنتية (سواتر) فيها ممرات للمشاة فقط. مخيم برج الشمالي، صور. ٢١ كانون الثاني ٢٠١٧. (ناديا أحمد، مصدر عام)

طفل يقف ضمن فتحة ضيقة بين مكعبات اسمنتية. يحدد الجيش اللبناني مرور السيارات إلى عدد من المخيمات الفلسطينية عبر حواجزه ويغلق المداخل الأخرى بجدر اسمنتية (سواتر) فيها ممرات للمشاة فقط. مخيم برج الشمالي، صور. ٢١ كانون الثاني ٢٠١٧. (ناديا أحمد، مصدر عام)

النمط الثالث: العزل التام والمراقبة من أعلى

ينطبق على النمط الثالث، الأكثر تشدّدا، ما ينطبق على النمطين الثانيين، لكن يضاف إليه الإغلاق التام عبر جدار عازل، مطعّم بأبراج مراقبة، وحواجز للجيش اللبناني تضيّق بشدّة حركة الدخول إلى المخيّم والخروج منه. يقع ضمن هذا النّمط مخيّم عين الحلوة في صيدا، أكبر المخيمات وأكثرها كثافة سكانية. الفصل الماديّ لمساحة المخيم عمّا يحيطها فصل تامّ حيث يكاد ينتهي بناء الجدار العازل الذي ضيّق المساحة المتاحة لسكان المخيم والتي كانت تشمل بساتين زراعية في المحيط أصبحت الآن خلف الجدار. يجعل الجدار أيضا، مع الأبراج، العبور بين المخيم وخارجه ممكنًا فقط عبر حواجز الجيش اللبناني الأربعة حيث تُمارس أكثر درجات التشدّد، وحيث وضع الجيش عام ٢٠١٨ بوابات إلكترونية لفترة وجيزة. لا يمكن التفكير في عين الحلوة وطرق عزله دون التفكير في جدار الفصل العنصري الذي تقيمه اسرائيل في الضفة الغربية والذي يفصل المستعمِر عن المستعمَر والمستوطنين عن السكان الأصليين. تحاول الدولة اللبنانية، ويساعدها بشكل كبير الإعلام السائد، تكريس صورة عين الحلوة على أنّه مصدر للإرهاب والتهديد الأمني ويقول جيشها في بيانه المقتضب إنّه يبني سورًا يهدف إلى "الحفاظ على سلامة المخيم ومنع تسلّل الإرهابيين إليه أو الخروج منه". يزداد بالنتيجة تردي العمران والبنية التحتية ولا ينتهي العنف، ويتحول السكان المحاطون بالجدار إلى سجناء مراقبين طول الوقت من خلال الأبراج ولا يمكنهم العبور من أماكن إقامتهم إلى أماكن عملهم وحياتهم دون إذن. نحن نتحدث عن مخيّم يعيش فيه بين ٢١ ألف و٤٧ ألف شخص على مساحة لا تتجاوز ٣ كيلومترات مربعة،يبلغ التضييق عليهم أعلى مستوياته بحجة أن بينهم إرهابيون ومطلوبون، وينفق عليه مبالغ كبيرة من خزينة دولة منهارة إقتصاديًّا بدل البحث عن حلول أفضل قد يكون الوصول إليها سهلا، أو العودة إلى نماذج مجرّبة مثل نموذج مخيم نهر البارد قبل ٢٠٠٧ الذي كان سيؤدي تعميمه على المخيمات مع بعض التعديلات على قوانين العمل والتملك، في رأيي، إلى تحسين أوضاع المخيمات بشكل كبير وتقليل التوتر الدائم في ظلّ غياب تحمّل الجهة المسببة لوجود هذه المخيمات في الأصل، إسرائيل لأيّ مسؤولية في التعويض الذي لا يلغي حق العودة عندما يحين تحققها.

بدأ منذ عام ٢٠١٦ بناء جدار اسمنتي حول مخيم عين الحلوة بإشراف الجيش اللبناني ومع وصول البناء إلى مراحلة الأخيرة اليوم صار الدخول والخروج من المخيم يجري حصرا عبر حواجز الجيش. مخيم عين الحلوة، صيدا. ١٩ تشرين الثاني ٢٠١٦. (عن موقع جريدة المدن)

بدأ منذ عام ٢٠١٦ بناء جدار اسمنتي حول مخيم عين الحلوة بإشراف الجيش اللبناني ومع وصول البناء إلى مراحلة الأخيرة اليوم صار الدخول والخروج من المخيم يجري حصرا عبر حواجز الجيش. مخيم عين الحلوة، صيدا. ١٩ تشرين الثاني ٢٠١٦. (عن موقع جريدة المدن)

مسؤولية مشتركة

لا تتحمل الدولة اللبنانية المسؤولية وحدها عن الوضع الذي وصلت إليه المخيمات الفلسطينية اليوم، فإلى جانب إسرائيل المسؤولة أوّلًا وأخيرًا عن أزمة اللجوء الفلسطيني، هناك الأمم المتحدة التي ألقت إسرائيل بحمل مسألة اللاجئين عليها فأنشأت لهم هيئة خاصة هي الأونروا، والتي تتراجع تقديماتها وقدرتها على التوظيف والتشغيل (إحدى مهماتها الأساسية) وتتدنى مستويات خدماتها التعليمية والصحية بشكل كبير في السنوات الأخيرة بفعل سوء الإدارة والفساد وتراجع التمويل. وهناك أيضاً منظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت يومًا الممثل الشرعي والوحيد لجميع الفلسطينيين، وهي تتخلى بشكل كبير عن مسؤوليتها تجاه اللاجئين منذ توقيع اتفاقيات أوسلو عام ١٩٩٣ وتشكيل السلطة الفلسطينية بما ينعكس في تراجع تقديماتها المالية التي باتت مجرّد مبالغ رمزية لا تسدّ شيئًا من حاجات الحاصلين عليها كما يظهر من تردّي خدماتها داخل المخيمات.يجعل تخلّي المسؤولين عن مسؤولياتهم وضع ساكني المخيمات، والفلسطينيين في لبنان عمومًا خطِرًا للغاية، خاصة مع تواصل الانهيار الاقتصادي وفقدان الليرة اللبنانية لقيمتها وفي ظلّ الوباء.محزنة جدّاً، على سبيل المثال، الحال التي وصلت إليها جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني التابعة للمنظمة التي كان يعتمد عليها الفلسطينيون وبعض من اللبنانيين القاطنين في المناطق المجاورة للمخيمات للحصول على أفضل أنواع العلاج طوال فترة وجود المنظمة في لبنان، فقد وصلت معظم مراكزها اليوم إلى مستويات متردية ونقص في المعدات والكوادر تجعلها آخر مكان يذهب إليه ساكنو المخيمات إذا مرضوا أو أصيبوا. يجعل تخلّي المسؤولين عن مسؤولياتهم وضع ساكني المخيمات، والفلسطينيين في لبنان عمومًا خطِرًا للغاية، خاصة مع تواصل الانهيار الاقتصادي وفقدان الليرة اللبنانية لقيمتها وفي ظلّ الوباء الذي ينتشر أكثر في الأماكن ذات الكثافة السكانية العالية والبنى التحتية المنهارة. أثناء الإغلاقات الشاملة التي فرضتها حكومة تصريف الأعمال، توقّفت الحركة بين المخيمات وخارجها بشكل كبير، مع تفعيل أساليب التهميش والعزل. تسبب ذلك في فقدان العاملين في الاقتصاد الموازي لدخولهم، وهم أكثرية السكان. وبشكل عام، وصلت نسبة البطالة والفقر في المخيمات إلى ما يقارب الـ٩٠ في المئة. في ظلّ هذا الوضع، لا يبقى لسكاني المخيمات إلّا الانتفاض مجددًا أو مواصلة الهجرة عن لبنان بعد أن ينفتح العالم من جديد.