A pencil, charcoal, and ink drawing of Yahya Sinwar, former chief of Hamas by artist Dania Wahdan.

© ٢٠٢٦ دانيا وحدان. جميع الحقوق محفوظة للفنانة (يُمنع إعادة الإنتاج أو الاستخدام من دون إذن).

إرادة المقاومة: السنوار ومعضلة الفاعلية في غزة

صورةٌ يمكن لقلّةٍ نسيانها: رجلٌ بذراعٍ مبتورة، يرفع الأخرى ويرمي العصا بيده. فوقه، آلةٌ عنيفة، مسيّرة عسكرية، تصوِّر لحظاته الأخيرة. تؤكِّد الصورة من الآلة مكانه للقنّاصين الإسرائيليين الذين سينهون حياته عمّا قريب. لم يكن يحيى السنوار متوسّلًا أو خائفًا — كان حاضرًا، صنديدًا، عازمًا.

يكشف هذا المشهدُ الغريزي السؤالَ المركزي في حياته، وقد يكون في عصرنا أيضًا: ما هي الفاعلية (agency) ذات المعنى تحت شروط صُمّمت لسحقها؟ في عالم من العنف البنيوي والخيارات المقيَّدة، قد يُشعَر بأنّ الفعل مستحيلًا، فرديًا وجماعيًا. السنوار، الشهيد القائد في حماس وكتائب القسّام، يقفُ في قلب هذه المعضلة متمرّدًا على التصوّرات الكلاسيكية للفاعلية.

يميل الباحثون إلى مقاربة الفاعلية من منظورَين مهيمنَين: البنيوية أو ما بعد البنيوية؛ تجذّر الأول في علم الاجتماع وعلم السياسة، بينما تشكّل الثاني إلى حدّ بعيد بالنظرية النسوية وما بعد الاستعمارية. يفترض المنظور الأوّل أنّ الفاعل هو أساسًا نتاج الشروط والسياق، سياق الاستقلالية المقيّدة والقدرة المتفاوتة والبنى الموروثة تاريخيًا. أما الثاني، فيؤكّد أنّ فاعليةٌ ذات معنى لا بدّ أن تكون مرتبطةً بإصلاح سياسي أو بتحوّل بنيوي، كما لو أنّ أي شيء دون ذلك ينزلق إلى مجرّد ردّ فعل.

غير أنّ كِلَا المنظورين أُنتجا من قبل ما يُسمّى المتروبول: المجتمعات (النيو-)ليبرالية التي نادرًا ما تواجه شروط الذات ما بعد الاستعمارية — وهي شروط ليست مقيِّدة فحسب، بل تعمل على إلغاء إمكانية الفاعلية نفسها.

السنوار، نتاجًا لهذه الشروط، لا يندرج بسهولة ضمن هاتين المدرستين الفكريتَين المهيمنتَين.

بطرقٍ عديدة، يندرج ضمن فئة "المحرِّك التاريخي" كما صاغتها آنا كريلوفا. هي شخصية تبدو وكأنّها تحني مسار التاريخ بقوة الإرادة، والتركيز الاستراتيجي، والحضور. ترى كريلوفا أنّ هذه الشخصية لا تدرك بالضرورة هذه الأفعال بأنّها ثورية أو معارضة. كما يجسّد السنوار ما يصفه ويليام سيويل بـ"مهارة" الفاعلية، أي القدرة على إتقان وإزاحة أُطُر العمل التي تنظّم السلطة، ويسمّيها "الترسيمات" (schemas)، التي سعت إلى محوه. في السياق نفسه، يمكننا أن نقيم موازاة مع فكرة صبا محمود عن الفاعلية، ليس كمقاومةٍ فحسب، بل كالتزامٍ أخلاقي بتقليد جماعي، مثل الإسلام، حيث لا يكون الالتزام به خضوعًا له، بل فعلًا واعيًا توليديًّا.

عملت فاعلية السنوار عبر ثلاث طبقات متداخلة، كلٌّ منها تتوافق مع مقياس مختلف من مقاييس السلطة: "الفاعلية كتشكُّل" عند كريلوفا، أي ذلك النوع من الفاعلية التي تتشكّل داخل بنيةٍ ما مع مرور الوقت؛ و"الفاعلية كمهارة" عند سيويل، أي القدرة على "تبديل" قواعد النظام نفسها، وإعادة توجيهها وتوظيفها؛ وما أسمّيه وأصفه أدناه بـ"الفاعلية كصناعة العالم"، متخذةً من تنظير محمود منصة إطلاق.

لكنّه يُجهد هذه التصوّرات ويتجاوزها أيضًا. إن فهمه يقتضي رفض التعريفات الأحادية للفاعلية، هو بنفسه تجسيد لعدم قدرة النظريات على تفسير وقائع الفاعلية تفسيرًا كاملًا.

هو لم يكن الفاعل "غير العارف" في إطار كريلوفا، بل كان استراتيجيًا واعيًا حوّلَ تشكّلَه الذاتي إلى سلاح لمقاومة الحكم الاستعماري في خضم الثورة الفلسطينية المستمرة. ويتعثّر إطار سيويل عند الحدّ الاستعماري. افتراضه أنّ الترسيمات والمهارات تعمل عبر سياقات متقاربة ينهار حين يكون الفاعل شخصًا غير مرغوب فيه، وغير شرعي ضمن النظام الاستعماري. تقدّم محمود في عملها فهمًا حيويًا للتجسّد الأخلاقي لتقليد جماعي، وللإسلام تحديدًا، لكنّها تتوقف عند حدود الفعل الثوري الذي لا يكتفي بتقويض نظام امبريالي قائم، بل يسعى إلى تفكيكه بالكامل.

يتجاوز السنوار الطبقات الثلاث جميعها، كما تُظهر سيرته أدناه. ولا يصبح النطاق الكامل لفاعلية السنوار قابلًا للفهم إلا من خلال تقاطع هذه الطبقات.

كان سياقه مختلفًا بحدّة عن سياق شخصيات مقاوِمة ومقاتلين آخرين، لكونه قائدًا في حركة المقاومة؛ لكنه، بمعنى آخر، كان شبه مطابق لهم: فقد تشكّل بفعل النظام السجني نفسه، وشروط الحصار، والهيمنة الاستعمارية التي لا تزال تشكّل الذوات السياسية والوقائع المادية في فلسطين.

الفاعلية كتشكُّل

في النقاش الدائر حول "معضلة الفاعلية"، تجادل آنا كريلوفا بأنّ الفاعلية ليست قدرةً كونية على "الاختيار"، بل نتيجة لمدى تغلغل تاريخٍ محدّد في شخصٍ ما. السنوار هو المحرّك التاريخي الأقصى، ذاتٌ هويتها هي النتيجة الداخلية المتماسكة لتناقضات أي نظامٍ كان.

وُلد عام ١٩٦٢ في مخيم خانيونس للاجئين، كان السنوار طفلًا من أطفال النكبة المستمرة، نشأ في الظل الفوري لمجزرة خانيونس عام ١٩٥٦. وبحسب المؤرخ يزيد الصايغ، خلال أزمة السويس، اجتاحت قوات الاحتلال الإسرائيلي خانيونس في ٣ تشرين الثاني ١٩٥٦، وأعدمت عشرات المقاتلين الفدائيين ميدانيًا، وقتلت ٢٧٥ مدنيًا فلسطينيًا.

حدّدت هذه الذاكرة الجماعية للإعدامات الجماعية الذاكرةَ الفلسطينية لجيله — لم تكن فاعلية السنوار "اختيارًا" لاستخدام العنف، بل رفضًا لموقع الضحية الموروث.

بعد عام ١٩٦٧، تحوّلت بنية العنف هذه إلى قفصٍ بيروقراطي. فقد خضعت الحياة في غزة، وفي معظم فلسطين، لحكم أكثر من ١٠٠٠ أمر عسكري، تضبط كل شيء، من زراعة أشجار الليمون (الأمر ١٠١٥) إلى تنظيم نوادي القراءة (الأمر ١٠١).

لكي تبقى المستعمرة الاستيطانية في غزة (آنذاك) خاضعة لسيطرة استعمارية محكمة، كان لا بدّ من شبكة واسعة من المخبرين لإدامتها. ضمن ثقافة المخبرين هذه، اتخذت فاعلية السنوار منعطفًا حاسمًا. كان إنشاء المجد، الذراع الأمنية الداخلية لحماس، خلال الانتفاضة الأولى، استجابةً لمجتمعٍ أفسدته المراقبة. كان التخلص من المخبر يعني استعادة إمكانية قيام سيادة فلسطينية موحّدة؛ وصار الفعلُ القاطع استجابتَه للنظام الذي أقامته سلطات الاحتلال، نظام كان يعرّض الوحدة الفلسطينية للخطر باستمرار من خلال الرشى، والإكراه، والابتزاز، والخيانة.

اعتُقِل السنوار من قبل قوات الاحتلال عام ١٩٨٨، وحُكم عليه بأربعة مؤبدات إضافةً إلى ٣٠ عامًا في ١٩٨٩، لدوره في اختطاف جنديين إسرائيليين وقتلهما، ولإعدامه، بحسب إقراره، اثني عشر متعاونًا فلسطينيًا، أثناء قيادته الجناح الأمني المجد. عندما اعتقلَ الكيانُ السنوار عن عمر ٢٦ سنة، لم ينتزع رجلًا من الشوارع فقط، بل نقل البطل التاريخي إلى "بطن الوحش".

كانت سنوات السنوار الاثنتين والعشرين في السجون الإسرائيلية موقعًا حاسمًا في تشكُّل القائد الحاذق سياسيًا الذي سيصبحه. رسّخ نظام السجن ذاتيته وفهمه لآليات القمع الفاعلة.

في السجن، لم يكتفِ السنوار بدراسة عدوّه؛ بل استبطن علاقات القوة التي أفرزها احتلالٌ كان يمارس التطهير العرقي بحق شعبه، ويفعل ذلك منذ عقود.

بدل التوق إلى "الحرية"الليبرالية، جسّد إرادةَ السجين — إرادةَ التحرّر من المحو. لم يُمَركِز الحرية الفردية، والإفراج عنه، وإعادة إدماجه في وجودٍ مقموع، بل جعل البقاء الجماعي والوجود السياسي لشعبٍ سعى الاحتلال إلى محوه، محورًا له. لم تكن رغبته شخصية؛ كانت وجودية، وكانت فلسطينية.

كان "بطلًا تاريخيًا" لأنه عاش منطق السجن إلى أقصى مداه. وبدلًا من الاستسلام للاحتجاز في سياقٍ استعماري صُمّم لكسر الذاتية السياسية وإنتاج الامتثال، والاعترافات، والمخبرين، استخدم المؤسسة ضد نفسها. فعل ذلك من خلال التعامل معها كموقع للدراسة والتنظيم والتشكُّل، لا للعقاب والاستسلام. بقيَ منضبطًا، يقظًا، ورفض السلطة الأخلاقية التي فرضها المحتل.

أثناء اعتقاله، علّم السنوار نفسه اللغة العبرية، وأولى اهتمامًا وثيقًا لوسائل إعلام سجّانيه، وترجم منشورات صهيونية من أجل رسم خريطة لمنطق الخصم. شهدت إضرابات الجوع عام ١٩٩٢، التي قادها السنوار جزئيًا، إضرابَ حوالي عشرة آلاف سجين عن الطعام، مقتصرين على الملح والماء. وكان هؤلاء الأسرى المنتشرون في أنحاء مجمّع سجون الكيان، قد واصلوا إضرابهم لمدة أسبوعين، فيما ساندت الاضطرابات المدنية في مختلف أنحاء فلسطين التاريخية احتجاجهم. ومن خلال "المقاومة بالموت" (necroresistance)، حيث يصبح الجسد نفسه خطّ المواجهة الأمامي، أجبروا الاحتلال على إنهاء الحبس الانفرادي، والركوع الإجباري، وغيرهما من طقوس الإذلال؛ وانتزعوا حق الزيارات العائلية، والرعاية الطبية الأساسية، والأهم من ذلك، إمكانية الحصول على القلم والورق لتوثيق الرواية الفلسطينية. صار إضراب الأسرى مواجهةً مع دولةٍ استيطانية مسلّحة نوويًا، أمام الإرادة المنضبطة لرجالٍ مسجونين لم يعد لديهم ما يخسرونه.

استمرّ تشكّله عام ٢٠٠٤، بعد نجاته من ورمٍ دماغي، وخضوعه لعلاجٍ قدّمه النظام الاستعماري نفسه الذي كان قد سعى إلى محوه. استغل فترة تعافيه في كتابة "الشوك والقرنفل" (The Thistle and the Clove). في المقدمة، أصرّ على أنه رغم كون جميع الوقائع حقيقية، لم يكتب قصته الشخصية؛ بل كانت الرواية توثّق تجربةً جماعية تحت الحصار، والسجن، والاستعمار الاستيطاني.

داخل الزنازين، تحدّدت فاعليته بتضامنٍ عملي. أصبح أحد أبرز المفاوضين عن الأسرى، وجسرَ الهوة بين الانقسامات الأيديولوجية من خلال أفعال يومية، مثل إعداد الكنافة وتقاسم الوجبات مع أعضاء في فصائل علمانية وخصمة، مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وفتح. أصرّ على جبهة فلسطينية موحّدة، الجبهة التي صُمّم السجن لتفتيتها.

لم يكن الإفراج عن السنوار في إطار صفقة شاليط عام ٢٠١١ عودةً إلى الحياة المدنية. صلّبَت السنوات الست التالية تشكّلَه. خلال هذه الفترة، عمل كجسرٍ بين الجناح السياسي للحركة وفصيلها العسكري، ضامنًا ترجمة فهمِه لمكامن ضعف العدو ماديًا إلى البنية التحتية العسكرية في غزة.

شكّلت حربا ٢٠٠٨ و٢٠١٤ اختبارَ ضغطٍ دقيقًا، فيهما انكشفت على نحو فعلي التناقضات البنيوية للحصار. في عام ٢٠٠٨، أثبت القصف الجوي عدم كفايته في مواجهة شبكة مقاومة كانت تعمل تحت الأرض. وبحلول عام ٢٠١٤، كانت حرب الأنفاق قد برزت كأكثر أسلحة حماس غير المتكافئة صعوبةً في المواجهة، ولا سيما في معركة الشجاعية، حيث أتاحت شبكات الأنفاق عمليات تسلّل خلف خطوط العدو، وهو أمر لم تتوقعه قوةٌ متفوقة تكنولوجيًا.

رأى السنوار أن "القفص البيروقراطي" في حقبة ما بعد عام ١٩٦٧ تطوّر إلى آلة قتل عالية التقنية، لا يمكن مواجهتها إلا بتكتيكات حرب غير متكافئة متطورة بالقدر نفسه. عند انتخابه قائدًا لغزة عام ٢٠١٧، كان تشكُّل البطل التاريخي قد اكتمل. لم يعد ذاتًا في النظام الاستعماري، بل أصبح "فاعلًا" يستخدم فهمه المصقول لقامعه حتى يتحكّم بالوضع القائم للاستعمار الاستيطاني.

الفاعلية كمهارة

يمكن تحليل فاعلية السنوار بين عامَي ٢٠١٧ و٢٠٢٣ على أنها امتثال تكتيكي عالي المخاطر. وفقًا لإطار سيويل، إنّ الفاعلية هي إزاحة الموارد والترسيمات القائمة. تبنّى السنوار لغة "الدبلوماسية الدولية" و"الاستقرار الاقتصادي" كوسيلة لإدارة توقّعات الخصم. "لا مصلحة لأحد في حرب جديدة"، قال في مقابلة عام ٢٠١٨، مستحضرًا رؤيةً لغزة كسنغافورة المستقبل. وبناء عليه، وظّف بصورة استراتيجية المخطط النيوليبرالي، الذي يفترض أن الحركة الثورية يمكن تهدئتها بالمكافآت المالية والأهمية الإدارية.

ومن خلال أداء دور "الحاكم العقلاني"، أوجد السنوار الوقت والمساحة لإعادة بناء البنية التحتية العسكرية، فيما أدار اقتصادًا معقّدًا ذو استخدام مزدوج. وفق منطق "الإدارة الإنسانية"، أصبح التمويل والإسمنت والوقود الممنوحة لأغراض إعادة الإعمار، المواد الخام نفسها لسيادة تحت الأرض. كان هذا إعادة تعريف جديدة للموارد؛ إذ أصرّ على أن إعادة الإعمار المدني والاستعداد العسكري مكوّنان لا ينفصلان من مشروع واحد للبقاء الوطني.

وبينما رأى العالم المساعدات القطرية وتصاريح العمل أدواتٍ للتهدئة، استخدمها السنوار لبناء مدينة تحت الأرض: شبكةً من الأنفاق المحصّنة تمتد على أكثر من ٥٠٠ كيلومتر، مجهّزة بالكهرباء والتهوية وخطوط الهاتف وأماكن للإقامة. خلقت الأنفاق وهمَ انتظام الحكم في الأعلى، فيما كانت المقاومة تطوّر قدراتها العسكرية في الأسفل، متفاديةً المحتل وجهاز المراقبة التابع له.

ويمكن المحاججة بأنّ تطبيق هذه المهارة امتدّ إلى استراتيجيته في احتجاز الرهائن.

عقب صفقة تبادل شاليط عام ٢٠١١، التي أُطلق فيها سراح جندي صهيوني واحد مقابل ١٠٢٧ فلسطينيًا، صار أمران واضحين. أولًا، أنّ الكيان سيقدّم تنازلات هائلة من أجل إطلاق سراح أفراده؛ وثانيًا، أن الرهائن كانوا "موردًا" يمكن استغلاله ضمن منظومة القيم التي تحكم الاحتلال لتحرير الفلسطينيين من النظام السجني.

أدرك السنوار أنه فيما يُسمّى دولة، حيث يُصاغ المستوطِن بوصفه "مواطنًا-جنديًا" ركيزةً من ركائز الهوية الوطنية، يمكن لأسير واحد أن يؤثّر بشكل ملحوظ في المجلس الوزاري الأمني. وقد مكّنه إتقانه اللغة العبرية وعقودٌ أمضاها في استهلاك وسائل الإعلام الإسرائيلية من تحديد هذا الضعف البنيوي، وتحويل نسيج الاحتلال الاجتماعي إلى ورقة نفوذ سياسية.

في أيار ٢٠٢١، أظهرت معركة سيف القدس رفض السنوار لترسيم استعماري سعى إلى عزل غزة عن النضال الفلسطيني الأوسع. من خلال ربط القدرات العسكرية لغزة بالدفاع عن الشيخ جرّاح والأقصى، نجح السنوار فعليًا في إسقاط الحواجز المصطنعة بين الأراضي المفتّتة. أصبحت فاعليته أداةً نحو إعادة التوحيد؛ لقد استخدم نفوذ المقاومة المسلّحة لإعادة القدس إلى مركز الخريطة السياسية، مثبِتًا أنّ مهارته لم تكن يومًا لبقاء إدارة محلية فقط، بل لتحرير كيان وطني واحد.

يلتقط تعريف سيويل للفاعلية بوصفها استخدامًا ماهرًا للقواعد جزءًا أساسيًا من قصة السنوار، لكن جزءًا منها فقط. إذا ظلّت الفاعلية حبيسة قواعد النظام القائمة، فإنها تنهار حتمًا إلى محض إدارة، وتواصل تعزيز الوضع القائم. يشير تطوّر السنوار إلى أنه رأى هذه المناورة ضرورةً مؤقتة للحفاظ على كرامة الهدف الأكبر وإمكانية تحقيقه.

الفاعلية كصناعة للعالم

لعلّ الطبقة الأخيرة من فاعلية يحيى السنوار، وجودية ومجردّة في آنٍ معًا، هي أكثر ما يصعب تحديده كميًا — الفاعلية كمخيال سياسي وبناء سرديات جديدة. أبني هذه الطبقة من تنظير محمود، أي الفاعلية كتجسيدٍ كامل لإطار عمل أخلاقي أو جماعي، وأوسّعه إلى أقصى إمكاناته جذريةً: الحياة والموت كصناعة للعالم.

لا تَفهمُ هذه النظرية الموسَّعة السنوار كذاتٍ فحسب، إنما كدليلٍ على أنّ فاعلية صُنعِ العالم لا يمكن التنظير لها مسبقًا، بل تُعاش فقط.

يمثّل هذا الشكل من الفاعلية، بخلاف الشكلين الأولين، الإصرارَ الغرامشيّ على تفاؤل الإرادة كرفضٍ لأن يحدّد تشاؤم العقل سقف ما يمكن تخيّله، أو احتماله، أو المطالبة به باعتباره كرامة في ظلّ شروط صُمّمت لإخماده. يفسّر التشكّل والمهارة كيف يصير فاعلٌ تاريخي ما ويتحرّك، لكنّهما لا يلحظان إرادة الفعل نحو واقعٍ دون أي ضمانة ماديّة.

في "سياسة التقوى"، تتحدّى صبا محمود الافتراض الليبرالي القائل إنّ الفاعلية تكمن في مقاومة التقاليد، وفي هذا السياق، الإسلام والأبوية. تجادل بأنّه يمكن للفاعلية أيضًا أن تنبثق من التجسيد الفعلي لإطار أخلاقي أو ديني. بالنسبة للسنوار، لم يكن ذلك في شكل الدين كطقس خاص، وإن كان الإيمان محوريًا في حياته، بل بالدين كموقع إقامة الإرادة السياسية.

سجّل السابع من تشرين الأول لحظة تفرّد (singularity) انهارت فيها طبقات الفاعلية الثلاث. فاعلية السنوار، البطل التاريخي الذي صقلته نشأته ليكون مهندس الحدث؛ فاعلية غزّة، مع مهارتها المتراكمة التي جعلتها جبهةً؛ فاعلية فلسطين، أفق التحرير الذي يجعله صنع العالم ممكنًا.

يعكس طوفان الأقصى الفاعلية كتشكّل، من خلال العودة إلى العنف بالنيابة عن شعبٍ أُجبر على العيش في المخيمات والحصار وبيداغوجيا المحو البطيئة. جاء إثر حملة استعمارية طويلة أفرغت الحياة الفلسطينية وحاولت جعلها ملتبسة سياسيًا طيلة عقود من الأوامر العسكرية العقابية والتجريد، وحملة المحتل لإنتاج شعبٍ يتوقف أخيرًا عن المطالبة بالوجود. وبذلك، فإن السابع من تشرين الأول هو النتيجة المنطقية الوحيدة لهذه الشروط.

كانت العملية أيضًا مناورةً فاعليَّة (agentic)، ومحصَّلة الأنفاق والأسلحة والبنية التحتية العسكرية الأوسع التي بناها السنوار والمقاومة في غزة تحت غطاء الأداء الدبلوماسي. حُوّلَت الإمكانات المحدودة إلى ترسانة طُوّرَت تحت ذريعة إقامة غزة قابلة للحكم والاحتواء والإخضاع. عزّزت هذه المهارة قدرات الحرب غير المتكافئة في مواجهة كيانٍ مسلّح نوويًا يخلط بين التفوق التكنولوجي والديمومة.

إنها أيضًا تجسيدٌ للفاعلية كصناعةٍ للعالم، وقطيعةٌ مع الوهم القائل إن غزة وفلسطين يمكن إخضاعهما وتحييدهما إلى أجلٍ غير مسمّى دون عاقبة. أعني بصناعة العالم فرضَ واقعٍ سياسي جديد على الوجود، لا يمكن للوضع القائم إنكاره. إن تكريس حق مقاومة الاحتلال في القانون الدولي لا يتعلق بالتبرير الأخلاقي. بل هو إقرارٌ بأن الواقع المادي للهيمنة المستدامة لا يُفني الحياة السياسية. فالمقاومة نفسها تعيد تنظيم تلك الحياة في أشكالٍ لا تستطيع القوة المهيمنة السيطرة عليها، في واقعٍ جديدٍ.

في طوره الأخير، لم تعد فاعلية السنوار تكتيكيةً في المقام الأول. أصبحت وجوديةً. ظلّ في الخطوط الأمامية، منخرطًا في المعركة. في هذا السياق، لا تقع المقاومة المسلحة خارج إطار عمل الفاعلية المقترح — فهي التعبير المادي والتجسيد لإرادة جماعية مصمّمة على صوغ واقعٍ جديد.

في مجالٍ سياسي تنتظمه المسافة، حيث يحكم القادة من برجهم العاجي، لم يغادر غزة، لم يحكم من الأنفاق، لم يطلب من الآخرين أن يتحمّلوا ما لم يكن مستعدًا لتحمّله بنفسه. لم يكن يقاوم عدوًا فحسب؛ كان يقاوم شكلًا سياسيًا من أشكال الاختفاء، حيث تنجو القيادة بنزع نفسها من مشهد العنف.

لذلك، كان رفضه للاختباء بحدّ ذاته شكلًا من الفاعلية، لا يمكن اختزاله في التشكّل أو المناورة أو صناعة العالم. هذا الرفض للاختفاء هو الدليل القاطع على أنّ الفاعلية لا يمكن احتواؤها ضمن أطر عمل بُنيت لدراستها. لا يمكن أن تعرَّف بالكامل من قبل المنظّرين، إلا من قبل أولئك الذين يخاطرون بكل شيء من خلال اختيارٍ واعٍ. لم يكن مميزًا لأنه استثنائي. كان مميزًا لأنه آمن بالقدرة الإنسانية إيمانًا كاملًا إلى حدّ أنه جسّدها بلا تحفّظ، وبذلك ذكّرنا جميعًا بأننا نحمل جميعًا الإمكانية نفسها.

لم يكن السنوار ساذجًا قطّ إزاء عدم تكافؤ القوة؛ فقد أدرك الاختلال التكنولوجي والعسكري الذي يشكّل بنية ساحة المعركة. لكنه تحرّك انطلاقًا من فرضية مفادها أن الموت البطيء تحت الاحتلال هو بذاته شكلٌ من الإفناء. وتتمثّل فاعليته في العمل على أساس هذه الفرضية نفسها، ورفض السماح للتشاؤم البنيوي باستنفاد أفق الكرامة. حتى تحت شروط صُمّمت للقضاء على الإمكانية، تحتفظ إرادة المقاومة دائمًا بالقدرة على إظهار عنف الاحتلال الكامن للعيان.

حطّم السنوار الهيكلية الأمنية الإقليمية التي تُبقي شعبنا تحت الاضطهاد من خلال التطبيع واتفاقيات أبراهام والنظام الإقليمي المدعوم من الولايات المتحدة والقائم على احتواء الفلسطينيين. كما حطّم الهيكلية الأخلاقية التي تُغذّي هذا النظام. سواء كان ذلك مقصودًا أم غيره، كشف وهم الاستجابة العسكرية المتناسبة، والتطبيق الانتقائي للقانون الدولي، ووهم الاستثنائية الإسرائيلية.

رفضت أفعاله فكرة أن قوةً احتلالية مسلّحة نوويًا يمكنها أن تجرّد شعبًا من أرضه، وتحاصره، وتقتله إلى ما لا نهاية دون عواقب.

إن تسمية "الوهم المتبدّد"، العملية التي نفّذتها المقاومة الفلسطينية في غزة عام ٢٠٠٦، إلى جانب خطاب مماثل تبلور خلال طوفان الأقصى، تقدّم تعبيرًا ملموسًا عن هذا الرفض.

"إن زمن بيع الوهم للعالم حول أكذوبة الجيش الذي لا يُقهر، والميركافا الخارقة، والاستخبارات المتفوقة، كل هذا انتهى زمنه بعون الله، وقد كسرناه وحطمناه أمام العالم، في "غلاف غزة" وفي كل فلسطين"، قال الراحل أبو عبيدة في خطاب متلفز يوم ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٣.

المقاومة نتيجةٌ.

تكثّف اللقطات المصوّرة بالمسيّرة للحظاته الأخيرة نظريات الفاعلية وتتجاوزها في مشهدٍ واحد. في تلك اللحظة، أصبح جسده موقعًا للمعنى، رابطًا الفاعلية الشخصية بحقلٍ سردي أوسع حيث لا تُنهي الهزيمةُ الجسدية الحضورَ السياسي.

الموتُ إغلاقٌ للنظرية.

يُظهر لنا المشهد اللحظة الدقيقة التي يعجز فيها أي إطار عمل عن الاستيعاب الكامل لمعنى أن يختار المرء الموت واعيًا، حرًا، غير مدبرٍ. إن اللقطات التي نشرها الإسرائيليون للسخرية منه، وطّدت بدلًا من ذلك أهميته وتأثيره في الحق الفلسطيني في المقاومة، وفي الذاكرة السياسية العالمية والنضال الشعبي. تذكّرنا فاعليته في الموت وعقبه، بأنّ الشهيد أبدًا لا يموت.

في التقاليد الكفاحية والمناهضة للاستعمار، لا يكون الاستعداد للموت مجرّد فعل فردي، بل جزءًا من سردية سياسية جماعية، كما في معركة كربلاء (٦١ هـ، ٦٨٠ م).

دخلت تضحية الحسين بن علي واستشهاده في الذاكرة السياسية لحركات المقاومة. استحضر السنوار هذه الذاكرة، ونُقل عنه أنه قال: "علينا أن نمضي قدمًا في الطريق نفسه الذي بدأناه، وإلا فلتكن كربلاء جديدة".

لم يستسلم السنوار للـ"هزيمة". بل فهم أن الاستشهاد — أي الموت الاختياري في ظلّ ظلمٍ وحشي — يمكن أن يعيد تنظيم موازين القوة، لأن الموت قوة سياسية باقية. تصبح هذه النهاية موقعًا آخر تتقاطع فيه المبادرة الفردية والتشكّل التاريخي. يبدو استثنائيًا في كثافته، لكنه ليس خارج المنطق الذي يجعل مثل هذه الأفعال قابلةً للفهم ورنّانة سياسيًا.

الأشدّ إثارةً للقلق هو أنّ حتى فعل الاستشهاد الاختياري هذا ليس في جوهره استثنائيًا. السنوار هو نتيجةُ الأنظمة السجنية والهيكليات الاستعمارية نفسها التي تشكّل الملايين عبر الأجيال: مخيّم اللاجئين بوصفه الموقع الأول للتشكّل، وسجن الكيان بوصفه الثاني، وغزة بوصفها الشرط الدائم الذي تتقاطع فيه جميع هذه العوامل. ما يميّزه كحالةٍ متفرّدةٍ ليس منشأ هذه الشروط، بل قدرته ومهارته في دراسة العدو وإدارة عدم تكافؤ القوّة من خلال الاستراتيجية السياسية، بالتوازي مع تعزيز القدرات العسكرية.

لا يقدّم إرثه أي خاتمة، لكنه يوضّح أن السلطة لا تفسِد فقط — في بعض الأحيان تتماسك، وتتصلّب، وتتطرّف حين تُصاغ عبر مواجهةٍ مستدامة مع الظلم. كانت فاعليته فلسطينية عازمة: أن يبقى المرء مخلصًا لتشكّله، وأن يتعامل مع التحرير كمُستحقٍ لبذل النفس.

إنّه الحجر في مواجهة الدبابة... والعصا في مواجهة المسيّرة.

— ساهم ساري شريتح  في النقاشات الأولية والبحث الخلفي حول السنوار وإطار الفاعلية.

هل هذه القصة قيّمة برأيكم؟ ساعدونا في الاستمرار لإنتاج القصص التي تهمكم من خلال التبرع اليوم! تضمن مساهمتكم استمرارنا كمصدر مُجدٍ ومستقل وجدير بالثقة للصحافة المعنية بالمصلحة العامة.