تحرّك احتجاجي في جنوة قبيل انطلاق أسطول الصمود العالمي. ٣ أيلول، ٢٠٢٥. جنوة، إيطاليا. (الاتحاد النقابي القاعدي)
إنتفاضة عمال الموانىء ضدّ الإبادة والحرب
من أمام ميناء برشلونة الإسباني بدأ تاريخ جديد لدور البحر في الصراعات، حيث احتشد آلاف المحتجّون امام الميناء، لمشاهدة سفن الاغاثية متجهةَّ إلى غزة، وليكونوا جزءًا من مشهدٍ يتشكّل فيه وعي جديد، الموانئ لم تعد مجرد بوابات للتجارة بل أصبحت ساحات اشتباك أخلاقي في زمن الإبادة، وفي طليعة هذا الاشتباك النقابات العمالية، خاصة نقابات واتحادات عمّال المرافئ والشحن في اسبانيا واليونان وإيطاليا والسويد وبلجيكا.
وقف آلاف المتضامنين من إسبان، وأوروبيون، وقادمون من أقاصي أمريكا اللاتينية، جنباً إلى جنب مع العرب المقيمين في القارة العجوز، لتدشين "أسطول الصمود العالمي" الذي انطلق في الثاني عشر من نيسان للمرة الثانية خلال أقل من عام، في رحلةٍ عنوانها التحدي كأكبر عملية إغاثية تاريخية نحو قطاع غزة المحاصر.
لكن رغم المحاولات الإغاثية، عاود الاحتلال الإسرائيلي انتهاكاته باستهداف 'أسطول الصمود' في المياه الدولية قرب جزيرة 'كريت' اليونانية؛ حيث أخضع الناشطين لاستجوابٍ قسري قبل أن يعتقل اثنين منهم وينقلهما إلى الأراضي المحتلة.
بينما كانت السفن تمخر عباب الماء مكللةً بأعلام فلسطين التي ترفرف كأجنحة الحرية، بدت علامات الظفر والابتسام على وجوه عمال الميناء. هؤلاء العمال لم يكونوا مجرد مشاهدين، بل خاضوا بجهدهم وعرقهم ومواقفهم الصلبة نضالاً شرساً حتى مُنعت هذه السفن من الانطلاق، إذ سجلوا في مناسبات عديدة رفضاً قاطعاً لمرور سفن الموت المحملة بالذخائر والمعدات العسكرية التي كانت تشق طريقها نحو موانئ الاحتلال في أوج حرب الإبادة الجماعية على غزّة.
في إقليم كتالونيا يُنظر إلى التضامن مع فلسطين كجزء لا يتجزأ من نضال الإقليم التاريخي من أجل حقوقه وهويته. رغم حصول الكتالونيين على قدر من حقوقهم، إلا أن بوصلتهم الأخلاقية ظلت موجهة نحو الشعوب المضطهدة في فلسطين ولبنان واليمن. يتحدث جوان سانتي، أحد أبناء برشلونة والعاملين في مينائها، لـ مصدر عام، "أن هذا التضامن واجب مقدس في عقيدتهم القتالية للحفاظ على كينونتهم الإنسانية".
ويستذكر سانتي كيف كان ميناء برشلونة الحصن الأول في جنوب أوروبا الذي رفض استقبال شحنات الأسلحة في السابع من تشرين الاول ٢٠٢٣. ويعد سانتي نموذجاً نادراً للشجاعة في زمن الخوف؛ ففي ظل الهيمنة المطلقة للشركات الكبرى على المرافئ، لم تثنهِ التهديدات الوظيفية ولا الرقابة المؤسسية الصارمة عن الجهر بكلمة الحق، متحدياً نفوذ الشركات التي تسعى لعزل العمال عن قضايا الضمير العالمي، متسلحاً بقوة النقابات العمالية التي يراها الدرع الأخير للعمال.
ويصف سانتي في حديثه مع مصدر عام تلك الصحوة العمالية قائلاً: "إن شعوب البحر تعيد اليوم صياغة ميثاقها القديم؛ ونحن مرتبطين مع سكان فلسطين الأصليين في موانيء البحر المتوسط، فنحن نقف مع بعضنا البعض لا مع القتلة والمحتلين". ويسرد بمرارة خوفه القديم حينما كانت الحمولات المصنفة "مفرقعات" تثير قلقه من الانفجارات العرضية، لكنه اليوم يقف أمام حقيقة أشد رعباً: "كيف لنا أن نصمت أمام سفن تحمل أدوات قتل عيانية تمر من أمامنا لتفتك بأجساد الأطفال والنساء في غزة؟ أوروبا بدأت تصحو، وبدأنا نعرف يقيناً من الذي يقود خيوط الشر في هذا العالم".
ردٌ على غطرسة "بن غفير"
كانت رحلة أسطول الصمود هذه المرة كصرخة مدوية في وجه وزير الأمن القومي للاحتلال، "إيتمار بن غفير"، الذي حاول التشكيك في أهداف الرحلة الأولى عندما نشر مقاطع ترويجية للتقليل من قيمتها. وجاء الرد بزيادة مضاعفة في أعداد المشاركين كما يوضح سيف أبو كشك، الناطق باسم أسطول الصمود، لمصدر عام. في تصريحاتٍ قبيل اعتقاله؛ وزميله البرازيلي 'تياغو أفيلا' إذ يواجهان الآن ظروف احتجازٍ قاسية بتهمة 'الإرهاب'؛ وهي التهمة الجاهزة التي دأب الاحتلال على إلصاقها بكل الناشطين الساعين لكسر الحصار، بينما يرسف الاثنان حالياً في قيود الاعتقال."
– جوان سانتي، عامل في ميناء برشلونة
يذكر أبو كشك أن برشلونة هي الحاضنة الكبرى لهذا التحدي بفضل عمالها ومنظماتها العمالية التي ناضلت طوال سنوات حرب الإبادة للاعتراض على السفن الإسرائيلية والتجارية المتجهة إلى الاحتلال. ويأتي اختيار برشلونة كنقطة انطلاق رداً اعتبارياً على استخدام الموانئ الإسبانية قبل عامين لإرسال مواد "ذات استخدام مزدوج" للجيش الإسرائيلي. ويضيف أبو كشك لمصدر عام أنه كان من بين الناشطين الذين رفعوا دعوى قضائية في المحكمة الوطنية الإسبانية عام ٢٠٢٤، بعد أن حصلوا على معلومات تؤكد حمل السفن أسلحة متجهة للاحتلال واتخاذ الميناء منصة رسو لها، طالبت فيها الجالية الفلسطينية في كتالونيا بفسخ التعاقدات الرسمية، وانتقلوا لملاحقة الشركات الإسبانية التي تزود الاحتلال بمواد تستخدم في التصنيع العسكري والذخائر. ويؤكد أبو كشك لمصدر عام: "إن الموانئ الأوروبية في إسبانيا وإيطاليا واليونان التي كانت مرتعاً للسلاح، تحولت اليوم بفعل الإرادة العمالية إلى ساحات نضال فلسطينية بامتياز".
إيطاليا في مواجهة رياح اليمين من كلِ الجهات
في إيطاليا، تغيرت المعادلة السياسية منذ وصول تحالف اليمين بقيادة "جورجيا ميلوني" عام ٢٠٢٢. يوضح الناشط المتضامن مع القضية الفلسطينية لوكا باولي لمصدر عام أن الموقف الرسمي الإيطالي بات يتماهى مع الشرطة والقضاء في قمع التضامن والتراجع عن دعم الحقوق، مما خلق صداماً حاداً مع القوى العمالية وأثر على تراجع دعم قضايا شعوب الشرق الأوسط وعلى رأسها القضية الفلسطينية. ومن جهته، يرى إيرين دي ستيفانو، عضو "اللجنة الكاتانية للتضامن مع الشعب الفلسطيني"، في حديثه لمصدر عام، أن الموقف الشعبي لم يمت، بل إن قوة العمال الإيطالية ظلت "مستيقظة" وترجمت ذلك بالرفض القاطع لمرور السفن الإسرائيلية والأمريكية في الجنوب.
يؤكد دي ستيفانو لـ (مصدر عام): "لقد نجحنا بالضغط على العمال في الجنوب بفضل الروابط العائلية والصداقة؛ فالموقف الشعبي الإيطالي واضح: لا للاحتلال، ولا للاستعمار الجديد، ولا خضوع للإدارات التي تصدّر الموت".
– إيرين دي ستيفانو، اللجنة الكاتانية للتضامن مع الشعب الفلسطيني
برز ميناء "ساليرنو" كأيقونة للاحتجاجات؛ حيث أعلن الاتحاد النقابي القاعدي الإيطالي1 في حزيران ٢٠٢٥ تعبئة شاملة ضد السفينة ¨كونتشييب إرا"، وتزامن ذلك مع إجبار السفينة "أم أس سي ألتير" على تغيير مسارها بعد رفض عمال اليونان وإيطاليا التعامل معها. واستمر الزخم حتى أيلول ٢٠٢٥ باحتجاجات ميناء "فيا ليجيا" لمنع رسو سفن متجهة إلى ميناء حيفا، بمشاركة لجان شعبية طالبت بقطع العلاقات التجارية مع إسرائيل، وصولاً إلى الإضراب التاريخي في شباط ٢٠٢٦ احتجاجاً على نقل الإمدادات العسكرية مما أدى لشل حركة شركات "ZIM" و"MSC" رفضاً لـ "التواطؤ في الإبادة".
اليونان من وطأة الديون إلى شجاعة رفض الإبادة
في الموانئ اليونانية، كان للصوت المعارض وقعٌ مختلف. يشرح يورغوس ميخاليديس، عضو جبهة جميع العمال المناضلين2، لمصدر عام، أن اليونان التي رزحت تحت أزمة الديون منذ عام ٢٠١٠ والتي امتدت آثارها لما بعد جائحة كوفيد-١٩، حاولت حكومتها تعزيز العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي كحليف استراتيجي في الطاقة والأمن، عبر خصخصة موانئ حيوية مثل "بيرايوس".
إلا أن ميخاليديس يؤكد أن الشجاعة انتقلت من عمال الجنوب الأوروبي إلى اليونان؛ فبعد أن بدأ الأمر بجهود فردية لعمال يرفضون بيانات شحن "العناصر الثقيلة" التي تدخل في التصنيع العسكري، تعالت الأصوات الجماعية حين تعالت الأصوات الجماعية عقب تداول صور أطفال غزة في أوساط العمال. يشدد ميخاليديس لمصدر عام على أن التاريخ اليوناني الذي يحبه لا يتسع لـ "تاريخ الموت"، وأن البحر المتوسط الذي أصبح مقبرة للمهاجرين، لا يجب أن يكون ممراً لسفن القتل.
انتقد ميخاليديس خوف الحكومة اليونانية وبعض النقابات العمالية من الخسائر الاقتصادية، مندداً بتقديم الحسابات التجارية والشراكات مع الاحتلال على المبادئ الإنسانية. إلا أن هذا التخاذل الرسمي لم يزد ميخاليديس إلا إصراراً على الحشد والتصعيد في الموانئ، مدفوعاً بمشهدٍ تراجيدي حفر في ذاكرته؛ فبينما كان يشاهد 'إسرائيليين ممن فروا من دولة الاحتلال وتملّصوا من التجنيد الإجباري وهم ينعمون برخاء شواطئ الجزر اليونانية وسكينتها، كانت فيديوهات وكالات عالمية تضج بصور أطفال فلسطين وهم يصارعون الموت في الطوابير للحصول على الطعام، وآخرون يحملون على ظهورهم 'جالونات' مياهٍ فاق حجمها أحجام أجسادهم الصغيرة.
ويعلق "أمام هذا التناقض بين رفاهية الغرباء المحتلين وعذاب أصحاب الأرض، لم أجد بدّاً من مواجهتهم بالحقيقة العارية، صائحًا في وجوه الكثيرين منهم: "ارحلوا.. واتركوا فلسطين لأهلها وسكانها الأصليين."
شهدت اليونان عدد من المواقف لمنع السفن التجارية والسياحية الاسرائيلي، في تشرين الأول ٢٠٢٤ نجح المحتجون بمنع تحميل ٢١ طناً من الذخيرة المتجهة لحيفا قادمة من شمال مقدونيا وعبروا خلالها عن غضبهم بكتابة شعارات مناهضة للحرب على الحاويات، وفي حزيران ٢٠٢٤، نجحت الضغوط العمالية في إجبار سفينة الحاويات "إم إس سي ألتاير" على تغيير مسارها نحو إيطاليا بعد منعها من الرسو في ميناء "بيرايوس"، تلاها في تموز ٢٠٢٥ منع تفريغ شحنة "فولاذ عسكري" من السفينة "إفِر جولدن". وتوجت الضغوط في شباط ٢٠٢٦ بإضراب شامل استمر ٢٤ ساعة، مع رسائل تضامنية منعت حتى السفن السياحية مثل "كراون آيريس" من الرسو في آب ٢٠٢٥ إذ تصدى المتظاهرون لوصول السفينة السياحية ومنعوا ركابها من النزول في ميناء بيرايوس وعدة جزر أخرى، في رسالة تضامنية ترفض استمرار حرب الإبادة على غزّة.
بينما سجلت التحركات النقابية في عدد من الدول الاوروبية الاخرى اعتراضات لعدد من الموانئ والعاملين فيها على شحنات متجهة للاحتلال الاسرائيلي؛ ففي أواخر ٢٠٢٣، أصدرت نقابات "آي سي ڤي ترانسكوم3" التي أصدرت تعليمات صارمة في مينائي أنتويرب وزيبروج بوقف التعامل مع أي شحنات أسلحة جوية أو بحرية. وفي حزيران ٢٠٢٤، التحق عمال ميناء فوس-مارسيليا بفرنسا بركب الاحتجاجات برفضهم تحميل مكونات عسكرية، وهو الحراك الذي استمرت مفاعيله حتى ٢٠٢٦ بتعطيل سفن شركة (ZIM). أما في السويد، فقد سجل عام ٢٠٢٥ مقاطعةً شاملة استمرت ٦ أيام في مينائي غوتنبرغ وهلسينغبورغ، حيث منع اتحاد عمال الموانئ السويدي مرور كافة الشحنات العسكرية المتجهة للاحتلال، مؤكدين أن الموانئ الأوروبية لم تعد ممراتٍ آمنة لآلات القتل."
حملة "لا مرافئ للإبادة"
ومع كل الأصوات المعارضة لتحويل الموانئ إلى شريك في حرب الابادة، تشكلت شبكة "لا مرافئ للإبادة الجماعية" التي تضم ناشطين وباحثين من حركات المقاطعة. توضح فيرونكا ألونسو بيريز الناشطة في حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات-فالنسيا، لمصدر عام، أن عملهم يعتمد على الرصد المتواصل لحركة السفن في موانئ الجنوب التي تمثل الملاذ الأخير للإمداد الإسرائيلي. وتصف بيريز تعقيدات العملية بسبب محاولات الشركات إخفاء بيانات الحمولات، لكنها تؤكد أن التنسيق العابر للقارة مكنهم من الكشف عن محتويات تلك السفن وإصدار بيانات لاعتراضها للموانئ.
وتستذكر بيريز لمصدر عام انتصارهم في عام ٢٠٢٥ حين غيرت سفن شركة "ميرسك" مسارها من "الجزيرة الخضراء" إلى طنجة هرباً من الضغط، وكيف ألغت السفينة "إم إس سي دانيت" توقفها في فالنسيا وتوجهت للبرتغال. وتكشف بيريز لمصدر عام عن تحقيق جارٍ مع شركة الصلب "سيدنور" لتزويدها الجيش الإسرائيلي بالصلب، مشيرة إلى أن القانون الدولي يوجب منع الإبادة، وأن أي اتفاقية تجارية تخدم آلة القتل هي تواطؤ جنائي.
توضح بيريز لمصدر عام أن لعمال الموانئ الذين يمارسون الاعتراض الضميري دور كبير، معتبرة أن معركة الموانئ هي معركة دفاع عن الإنسانية برمتها، لكن تعمد الشركات الكبرى إلى إعادة صياغة 'استراتيجيات التوظيف' كأداةٍ للترهيب عبر فرض قيودٍ حديدية على حرية التعبير واستئصال أي صوتٍ تضامني داخل المرافئ. هذا التضييق الممنهج لم يُضعف عملهم مع وجود بعض الأصوات الحيّة المستمرة منهم، كذلك دفعهم نحو ابتكار أدواتٍ أكثر تعقيداً في البحث والتقصي.
لقد أصبحت اسرائيل دولة مارقة بكل معنى الكلمة، ورغم أن المستوى الشعبي يتفوّق على المستوى السياسي غالبًا في الاعتراض على الجرائم الاسرائيلية والتصدّي لها، لكن الأكيد أن الطبقة العاملة في تضامنها العالمي تلعب الدور الأكبر في تعزيز هذا التضامن وتفعيله بشكل عمليّ يعيق الدعم العسكري لدولة الاحتلال. ما زالت الطبقة العاملة المنظّمة في نقاباتها واتحاداتها العمالية قادرةً، رغم المعوقات والقمع، أن تلعب دورًا بارزًا في التضامن بين الشعوب، وفي مواجهة الاحتلال والاستعمار بكل السبل الممكنة. تكشف هذه الاحتجاجات والأعمال التضامنية في أوروبا وكل أنحاء العالم، عن قوّة الطبقة العاملة متى تنظّمت وتسلّحت بالحقّ، والشجاعة على مواجهة الظلم.
Share this page