تنويه من التحرير: كتبت الباحثة زهراء لقّيس هذا النص بعد تهجيرها من منزلها في جنوب لبنان، وقد حافظنا على صيغة المضارع التي استخدمتها الكاتبة.
من على شاحنة النقل، تُراقب العيون الصغيرة الجنوب يختفي وراء التلال. صيدا، لبنان. ٢ آذار، ٢٠٢٦. (زهراء لقّيس، مصدر عام)
الفجر العاشر جنوب الليطاني
تقول أمي أنّ أقسى ما في الحرب ليلُها. اختبرت هذه الحقيقة في حرب تشرين السابقة، في الليلة التي نزل بها صاروخان على المنزل المُلاصق لنا، واعتقدت أنّني تحت الأنقاض. "كابوس صوتي، سلو موشن" هكذا عنونتُ تلك الليلة في مذكّرةٍ كتبتُها في طريقي إلى بيروت في الصباح الثاني والأربعين من حرب ٢٠٢٤، حتى لا أنسى المعنى وراء أيّ خبرٍ جنوبيّ يبدأ بـ "غارة على". كان البيت ليلتها قد غفى تعِبًا من البكاء، لأنّ أختي الصغرى أرادت أن تذهب لمركز الإسعاف وتطلب منهم أن يبحثوا عن أبي الشهيد تحت أنقاض البلدة المجاورة. كان نومًا خفيفًا بعيونٍ مُثقلة، فتحتُها بقوةٍ فجأةً وجلست. الصاروخ يقترب. و"يقترب" تعني؛ ثانيتين وقد يصبح في قلبي. طار كل شيء، وقع كل شيء، تكسّر كل شيء، سمعتُ صخورًا بأحجامٍ مختلفة تتساقط من أعلى لأسفل، ومن جهاتٍ بدَت أكثر من أربعة، حاولَت جدران الغرفة اعتراضها. عتمةٌ خالصة، رافقها استنشاقُ كثافة الدخان وغبارُ الأشياء التي تختفي من حولي. قلتُ إسمَيْ أُختَيّْ، فلم ألقَ جوابًا. رفعتُ كفّي أمام وجهي لأُجرّب بصري، فلم أرَها. تجربةٌ سمعيّة وحسيّة قاسية، ثمّ أمي تصرخُ من الغرفة الخلفية "بناتي راحوا" بصوتٍ مكلومٍ أبكاني. أنا بخير-حاولتُ أن أخبرها، أن أصرخ، فدخل المزيد من الدخان والغبار إلى جوفي. شعرتُ بلهيبٍ في حنجرتي وأردتُ أن أتنفّس، فرفعتُ يداي لأعرف إذا ما كنتُ تحت الأنقاض. ذُهلتُ لاحقًا عندما علمتُ أن كلّ ذلك كان في دقائق قليلة، ثم عندما رأيتُ باب الغرفة الثقيل الذي رفعتهُ أمي لتبحث عنّا في فراشنا. دخل لحظتها خيطٌ من ضوءٍ أزرق، فرأيتُ الغبار عبره يلفّنا، ورأيتُ "سيلويت" أمي أمام الضوء تشدّ أختاي نحوها، ثمّ توجَّهت نحوي، ففهمتُ موقعنا من الغارة. وعندما ركضتُ متجاوزةً أمّي نحو الفراغ، صارخةً باكية "في حدا؟ حدا سامعني"، قالت أمي أنّ جارَينا المؤقتَيْن، جميلَيْ الوجه، أصبحا جارَينا إلى الأبد.
هذا الأسبوع، قضيتُ الليلة العاشرة من الحرب الجارية أفكّر في طرق الموت بصاروخ، وفي وجه أبي، وفي كلّ المرات التي رأيته فيها نائمًا مُغلقَ العينين، علّ عينيَّ تنامان مثله. كنتُ أحاول أن أتذكّر شكل نومه، وكيف كنتُ أقترب منه طفلةً لأراقب ارتفاع صدره ببطءٍ وانخفاضه، وكيف يصمتُ الكون حوله احترامًا لقيلولته. فكّرت في صفير الهواء في الخارج يُنافس أصوات الصواريخ، يُحاول اقتحام غرفة الجلوس من شقّ الباب، واقتحام وحشة اللّيل كقوةٍ عسكريةٍ راجلة. قلتُ في نفسي، حتى الهواء "تعسكَر" في الجنوب، فهل يُحارب مع المُلتحفين السماء فُجور إسرائيل؟
غطّيت أذنيّ بذراعٍ ووسادة، فصرت أسمع ضخ الدّم في جسدي وقرّرت أنّه صوتُ الماء يجري في روحي لأنّني في الضيعة. وتذكّرت مشهد النزوح الكبير قبل أيّام، حين وافقنا مُكرهين على الخروج من الجنوب راضخين لدموع أختي الكبرى، إذ رفضت أن تتركنا خلفها وتنجو بطفلتها. يومها، تأمّلت الطريق "السريع" نحو شمال النهر: جسدٌ ممدودٌ تحت الشمس، يتولّى الناس تدبير الدم في عروقه بأيديهم، يفتحون ممرًّا لسيارة، فيلتئم الفراغ سريعًا خلفها. على ظهر شاحنات النقل، يجلس أطفالٌ مكشوفون للسماء، يُحيط بهم حديد الهيكل الساخن مثل صفيح الظهيرة. كانوا يُشبهون بذورًا صغيرة تُنقل من ترابها الحنون في حوضٍ مؤقّت، ولا تعرف أيَّ تربةٍ ستستقرّ فيها مساءً.
ومن صوت الماء، تذكّرت قطعان الماعز على الإسفلت، خرج بها رُعاتها من القرى، تسيرُ بين السيارات النازحة كما لو أنّ الطريق عاد فجأةً إلى معناه الأقدم؛ ممرٌّ بين دوحتَي ماء، إحداها مغصوبةٌ بقوّة السلاح، والأخرى انكسارٌ للضوء فوق الرمال. أفكّر في صورة الماء، وفي ارتباطها جنوبيًّا بالسّواقي أكثر من البحر، وفي المرة الأولى التي سبحتُ فيها بشكلٍ مستقلّ عام ٢٠٠٨. كان أبي يُعاني من إصابة عمل، وكان يصعب عليه التعرّض لصقيع النهر أوّل الصيف بسبب المعدن في قدمه، لكنّه قال لي يومها: اصعدي إلى أعلى الصخرة على الضفة وأنا أنتظركِ في الماء. ثم نادى إخوتي الفتيان، وشكّل معهم نصف دائرة أسفل الصخرة طالبًا منّي أن أقفز نحوهم بثقة من يرتمي على ظهره. هكذا قفزت، ثمّ تعلمت السباحة، في مياه الليطاني ثم صور والناقورة، من قاعدةِ أنّني لن أغرق ببعضِ مجهودي وكثيرِ ثقتي بالحارسين. في خريف ٢٠٢٤ تعرّف إخوتي على جسد أبي من شرائح المعدن في قدمه إثر الإصابة القديمة نفسها.
لا يخلو ليل الحرب من الملل، أتأمّله وأفكّر في اللحظة الفاصلة بينه وبين الغضب، فيعود بي إلى طفلٍ يضيق به عالم النزوح، فينفجر غضبًا ودمعًا. وأمّه التي تحترفُ الاحتواء والإخماد، تُجلسه إلى حضنها، تُتمتم في أذنيه شيئًا وتضمّه حتى يبرد وينام، ثمّ تُسرّب رماد غضبه من عينيها دمعًا ساخنًا. قيادةٌ طويلة، وقلقٌ طويل، واتصالاتٌ تصعدُ من السيارات بصعوبةٍ إلى العالم الخارجي، كحبالٍ تُلقى في بئرٍ عميقة، لعلّ في جوفها غرفة، أو بطانية، أو وسادة يضع عليها الطفل النائم رأسه آخر النهار. وأنا في بيتي جنوب النهر، أُلقي بحبْلي إلى السماء علّ الشهيد يلتقطه ويُخبرني كيف استيقظ بعد الصاروخ، لأن الأحياء من المُقاتلين لا يبوحون بمثل هذه الأسرار.
يقطع سيل الأفكار هذه صوتُ الباب ينتفض إثر صاروخٍ قريب، ثم إشعارٌ على هاتفي يُحدّد مكان نزوله، ثم الصمت. يتّسع الوقت بعد الغارة ويتمدّد، وذلك يعني اتَساع الليل وارتفاع صوت عقارب الساعة على الحائط. هكذا، منذ نفاذِ القرار الجماعيّ قبل أيام الذي فرضناه على قلق أختي بأن "تعتقنا" من حبّها وخوفها، وتسمح لنا، راضيةً مُسلّمةً، بأن نعود إلى الجنوب، ومن جملةِ أمي العفوية، الغاضبة من خبر اعتقال ثلّة من الطيّبين المتوجّهين لقتال اسرائيل، حين قالت بأنها تريد أن تنصب حاجزًا عند مدخل الضيعة، تحمي فيه المقاومة من الجيش اللبناني إذا فكّر بالرضوخ للضغوط السياسية، وأنا أنظر إلى عقربَي الساعة، وأتذكّر لافِتتان للجيش معلّقتان على جانب الطريق في صيدا كأسهمٍ مرتبكة: "قيادة منطقة الجنوب" و"قيادة اللواء الثالث". تُحاول الواحدةُ منها أن تُشير إلى الأخرى، كأنّ المكان يتنصّل من تعريفه ثم يرمي مسؤوليته في وجه العابرين، التاركين خلفهم الجنوب مع تعريفه الأوّلي: ترابٌ وماء، ورجالٌ صائمون سيُقاتلون الدبابات بعد ساعات.
ومن الطريق أيضًا، وفي لحظةٍ كثيفة الثقل، خرج من قائمة "الحرب" الخاصة بي على ساوند كلاود، تسجيلٌ صوتيّ للسيّد الشهيد حسن نصر الله قال فيه: "المقاومةُ ألّا يسقط الشعب أمام المجزرة، وألّا تنهار القياداتُ السياسية أمام الحرب. عندما يصمدُ المُقاوم بالبندقية والصاروخ، ويصمد الطفل بأشلائه، والأم بجراحها، والشعب بإرادته، والقيادات السياسية بقرارها، هذا يعني أنّ المقاومة صمدت." هكذا صمدت الأمّ في سيارتها عندما دغدغت طفلها كي تكسر ملله وقهرها، انقلب يومها الطفل على ظهره من الضحك، ثم انقلبت الميركافا بفعل الصاروخ، وانقلب في رأسي وجهُ أبي باسمًا. تراجع الليل خطوةً أخيرة، وتسلّل الفجر إلى الغرفة، ثمّ إلى داخلي، مُنهيًا قلقي على الشموس في الفلوات. حينها غفوت.
Share this page