Hundreds of demonstrators protest the central bank's policies outside its headquarters in Hamra. Beirut, Lebanon. November 28, 2019. (Marwan Tahtah /The Public Source)

 مئات المتظاهرون يحتجون على سياسات المصرف المركزي أمام مقرّه الرئيسي في الحمرا. بيروت، لبنان. ٢٨ كانون الأول ٢٠١٩. (مروان طحطح، مصدر عام)

الدين العام: كيف نستخدمه؟ (٢ /٣)

في اليوم ٣٠: الجمعة الواقع في ١٥ تشرين الثاني ٢٠١٩

في العام ١٩٥٣ عُرض على ألمانيا الغربية صفقة لتخفيف الدين من قِبل الدول الدائنة بحيث يُشطب ٥٠ بالمئة من الدين، في المقابل تدفع ألمانيا الخمسين بالمئة المتبقيّة عندما يصبح لديها فائض تجاري. بدون صفقة إعادة جدولة الديون هذه يصبح تحوّل المانيا إلى القوة الاقتصادية العظمى التي نعرفها مشكوكاّ بأمره، تحديداً بالسرعة التي وصلت فيها. لكن ذلك كان في زمن مختلف، الزمن الذي كانت الرأسمالية تدخل فيه المرحلة "الكينزيّة" وهي مرحلة اتّسمت بعقلانية معيّنة والقبول بحدّ من التنازلات حيث كانت الدولة تتدخّل في الاقتصاد لمساعدة رأس المال لكن أيضا للتخّفيف من حدّة عدم المساواة وغياب العدالة الاجتماعية.

مع صعود النيوليبرالية في الثمانينات أصبحت هكذا مخطّطات لتخفيف الديون أشبه ما تكون بالخطيئة. اكتسب المال، والدين تلقائيّا، هالة من القدسية. اليوم الدين يجب أن يُردّ بأي طريقة كانت وعلى الوقت المحدّد، وأصبح مجرد التفكير بالتخفيف من الدين خطيئة مميتة. المثال الأقسى على هكذا تفكير هو الخراب الاقتصادي الذي فُرض على اليونان من أجل إلزامها بتسديد كامل ديونها.  اكتسب المال، والدين تلقائيّا، هالة من القدسية. اليوم الدين يجب أن يُردّ بأي طريقة كانت وعلى الوقت المحدّد، وأصبح مجرد التفكير بالتخفيف من الدين خطيئة مميتة.لكن لبنان لا يزال محميّا بعض الشيء من مصير مشابه لحالة اليونان، إذ لا يزال للبنان عملته الخاصة بحيث يمكنه طباعة المزيد من في حالة نفاذ المال. لكن السبب الأكثر أهمية هو أن غالبية حاملي ديون لبنان هم مدينون محلّيون وليسوا أجانب.

في تمّوز ٢٠١٩ وصل الدين العام اللبناني الى ٨٦ مليار دولار، مقسّمة بين ديون بالليرة اللبنانية (٦٢٫٣%) وديون بالعملات الأجنبية  (37.3%). تبلغ حصّة المصارف اللبنانية الخاصة من الديون بالليرة اللبنانية (٣٢٫٧%) في حين تبلغ حصّة المصرف المركزي اللبناني (٥٣٫٤%). بالنسبة للديون بالعملات الأجنبية فالحصص أقلّ وضوحا لكن التقدير هو أن أكثر من ٧٠% من الدين تحمله المصارف اللبنانية.

كما ورد في الجزء الأول، فأن نصف واردات لبنان تذهب لخدمة الدين العام، أي دفع الفوائد على الدين الذي تملكه مصارف لبنانية. إذا ما جمعنا الأرقام الواردة أعلاه نستنتج أن أكثر من ثلث الواردات الحكومية يُحوّل سنويّا الى المصارف اللبنانية، وتشكّل هذه التحويلات مدخولاً ثابتا ومربحا للمصارف. لذلك يمكننا القول بصراحة أن قوة القطاع المصرفي اللبناني ناتجة عن الاستيلاء على مبالغ كبيرة من المال العامّ. وأيضا بالاستناد الى هذا الواقع تصبح اعادة جدولة الدين العام وما تشكّله من خطر على مصدر الأرباح هذا، مرفوضة كليّا من المصارف اللبنانية. ولكن، في الآن ذاته، يقدم هذا الوضع فرصة للدولة اللبنانية للضغط على المصارف، اذ انها هي من يموّل ارباحهم عمليّا.

لكن إحدى صفات النيوليبرالية هي التغاضي ما يمكن للدول فعله. ففي نهاية الأمر الدولة تشكّل بنية فوقية تحكم وتسيطر على منطقة جغرافية معينة ولها القدرة على فرض إرادتها سكان ومؤسسات تلك المنطقة. هذه ليست بأي شكل من الأشكال دعوة لحكم متسلّط، لكن مجرّد تأكيد على السلطة التي من حق الدولة استخدامها. ومثالا على هكذا سلطة القرار الذي اتّخذه فرانكلين روزفلت  باستبعاد المصارف من عملية اتّخاذ القرارات، خلال مؤتمر "بريتون وودز" الذي أسّس للنظام الاقتصادي والمالي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى.   

ومما لا شكّ فيه أن ما يزيد الوضع في لبنان تعقيدا هو التداخل الشديد بين الدوائر السياسية والمالية. وحقيقة ان معظم السياسيين اللبنانيين إما يعملون في المصارف او يستثمرون فيها يذكّرنا بأن القرارات المرتبطة بالدين، او السياسات المالية عامة، هي قرارات سياسية (وأي محاولة لنزعها من السياسة هي بحدّ ذاتها فعل سياسي). القرارات المتعلّقة بالدين هي في نهاية الأمر قرارات سياسية وليست مجرّد نتيجة لخبرات اقتصادية يمكن ان تقدّمها الحكومة التكنوقراطية المزعومة التي دائما ما نسمع عنها.

هذه هي الحقائق التي يجب أن نأخذها بعين الاعتبار عند تقييم أي طروحات حول خدمة الدين العام. العديد من الاقتصاديين الذين وقّعوا على البيان المذكور في القسم الأول أصدروا بيانا لاحقا طالبوا فيه بتخفيض الفائدة على الدين الذي يحمله مصرف لبنان المركزي، بالإضافة الى التفاوض مع المصارف اللبنانية لتخفيض الفائدة على الديون التي تحملها. هذه المقاربة النيوليبرالية لخدمة الدين العام تستجب الإجابة على الكثير من الأسئلة. ماذا لو رفضت المصارف الخاصّة التفاوض؟ ما هي درجة تخفيض الفوائد المطلوبة؟ وهل حقا سينجح خفض الفوائد في تقليص الدين العام؟ أم سينجح فقط بإبطاء تراكم الدين؟ وما هو الدور الذي سيلعبه المصرف المركزي في كل هذا؟  القرارات المتعلّقة بالدين هي في نهاية الأمر قرارات سياسية وليست مجرّد نتيجة لخبرات اقتصادية يمكن ان تقدّمها الحكومة التكنوقراطية المزعومة التي دائما ما نسمع عنها.من المفيد التذكير بأن مصرف لبنان المركزي ليس مصرفا خاصّا، بل هو مؤسسة عامة تملك الدولة رأسماله كاملا. وفي المبدأ ليس هناك أي عائق أمام المصرف المركزي، الذي يموّل الدولة اللبنانية واقتصادها (عبر مسؤوليته عن طبع العملة)، أن يشطب الجزء الذي يملكه من الدين العام، علما بأنه هو البائع الرئيسي لسندات الخزينة. هذا الإجراء منفردا يمكنه تخفيض خدمة الدين العام بنحو الثلث، بالإضافة الى خفض الدين بذاته بنفس القيمة.  

اما بالنسبة الى اقتراح تخفيض الفائدة على السندات المملوكة من قبل المصارف اللبنانية، فهو بعيد الاحتمال لأن من شأنه خلق وضع تختلف فيه فائدة السندات ذاتها تبعاً لمن يملكها. المقاربة الأفضل هنا تكون بفرض ضريبة لنقل إنها خمسون بالمئة، على فائدة هذه السندات. ويمكن لمن يعتبر هذه الضريبة باهظة أن يراجع الضريبة المفروضة على الهامش الأعلى من الثروة في أمريكا بين عاميّ ١٩٤٠ و١٩٧٠ والبالغة ٨٠-٩٠%.

ومن الخيارات الممكنة أيضا فرض شروط على المصارف اللبنانية التي تملك سندات خزينة، بالاستثمار في قطاعات معيّنة، كالصناعات البيئية مثلا، وتكون نسبة الاستثمارات مشابهة للنسبة التي يملكها المصرف من الدين العام. ومن المنطقي أيضا تمديد تاريخ استحقاق السندات الموجودة حاليا من دون زيادة الفوائد المستحقّة عليها، بالإضافة الى التوقف عن اصدار سندات خزينة جديدة هدفها الوحيد دفع ديون سابقة مستحقّة عبر خلق ديون جديدة أكبر من السابقة.

قد يحاجج البعض بأن هكذا إجراءات من شأنها إخافة الاستثمارات الخارجية، لكن في الواقع معظم الدين العام اللبناني تملكه المصارف المحليّة منذ عقود. حتى المستثمرون الأجانب القلّة الذين اشتروا في السابق سندات "يوروبوند" لبنانية، تخلّوا عن استثماراتهم هذه في السنين القليلة الماضية. ومع موضوع الاستثمار بشكل عام نصل الى السؤال حول كيفية استخدام المال الناتج عن الاستدانة في الأساس، وهو السؤال الذي سنجيب عليه في الجزء الأخير.