وُلدتِ ونشأتِ في الجنوب لبنان في ظلّ الاحتلال. كيف تتذكّرين تلك السنوات من حياتك؟
وُلدتُ عام ١٩٨٤ في البيسارية، قبل فترة قصيرة من تحرير بلدتنا. من سطح منزلنا، كنتُ أرى وأنا طفلة القرى المحتلة من بعيد، عبر الجبل المقابل لإقليم التفاح — تلك المنطقة كانت ما تزال محتلّة آنذاك. كبرتُ وأنا أسمع قصص الجيران الذين نفّذوا عمليات ضد العدو الصهيوني على الطريق الساحلي.
أتذكر قصة شاب كان قد تزوّج حديثًا. قامت القوات الإسرائيلية باختطافه واعتقاله في معتقل أنصار الشهير. لاحقًا فجّروا منزله لأنه كان قد التحق بالمقاومة في صفوف حركة أمل.
كبرتُ أيضًا على قصص الجيران الذين نفّذوا عمليات ضد العدو الصهيوني على الطريق الساحلي. وما زلت أتذكر ظلال المقاتلين كيف كانوا يتحركون في الظلام.
عندما كنا نزور عمتي في كفر رمان، كنتُ أحيانًا ألمح الاشتباكات هناك أمام عينَي. كان المقاتلون الشباب يشنّون عملية ضد الموقع العسكري الإسرائيلي في الدبّشة، وكنا نرى كل شيء يحدث أمامنا: إطلاق نار من المقاومة، ردّ إسرائيلي، قذائف تنفجر، رصاص يتطاير. كنتِ تشعرين وكأنّك تقفين وسط ساحة معركة، وتشاهدين الحرب عن قرب. ما زلت أذكر ظلال المقاتلين، كيف كانوا يتحركون في الظلام. لم نرى الإسرائيليين أبدًا؛ كانوا يختبئون دائمًا في التحصينات، يطلقون النار من داخلها.
بقيت هذه المشاهد معي. بالنسبة لجيلنا، نحن الذين صرنا اليوم في العقد الرابع والخامس، لم نعش زمن المقاومة الفلسطينية أو جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية؛ لقد كبرنا مع المقاومة الإسلامية لحزب الله. كانت فيديوهات قناة المنار، والأناشيد، وأجواء النضال الجماعي، هي التي تشكّل إحساسنا بالانتماء والتمرّد. حتى لو لم يكن أحد في عائلتي مقاتلًا أو أسيرًا سابقًا، فإنّ ما رأيته وسمعته في طفولتي ترك أثرًا عميقًا في داخلي. هذا الأمر شكّل نظرتي للعالم.
ثمّة حساسية إنسانية عميقة في أعمالك، وهي سياسيّة بالضرورة. من أين يأتي ذلك؟
نشأتي — وكل ما رأيته وقرأته وعشته — شكّل طريقتي في فهم القضايا ونضالات الناس. منذ أن كنت في الثانية عشرة، اعتدتُ قراءة جريدة "السفير" يوميًا. كان والدي يحضرها إلى المنزل وأصبحت نافذتي على العالم من قريتنا الهادئة. من خلال هذه الصحيفة اليسارية عرفتُ عن سائقي سيارات الأجرة، والمزارعين، والفقراء، وعن أشخاص مثل الأسير المحرّر والشهيد سمير القنطار، وعن المخطوفين والمفقودين. ومن "السفير" تعلّمت أيضًا عن الحرب الأهلية. كانت الصحيفة تنشر ملحقًا بعنوان "كتاب في جريدة"، وكان والدي يجمع لي كل الأعداد، إلى جانب سلسلة "عالم المعرفة" ومجلة "العربي". لقد أسست هذه القراءات وعيي السياسي والثقافي.
في سن العاشرة، ارتديت الحجاب بحكم العادة، رغم أنني لم أحبه حقًا. في سن المراهقة كنت أشعر دائمًا بالحاجة إلى القيام بشيء مختلف، أن أصبح كاتبة مثل الذين كنت أقرأ لهم. ولكي أفعل ذلك، كان عليّ أن أواصل القراءة والتعلّم. كان قلمي جميل في المدرسة، وكان والدي المحبُّ للشعر يشجعني. عرّفني إلى شعراء لبنانيين مثل جوزيف حرب، ومصطفى سبيتي، ومحمد علي شمس الدين، والسيد محمد حسن الأمين. أما قصيدة أمل دنقل "لا تصالح" فقد تركت أثرًا عميقًا فيّ. الشعر جعلني أكثر رهافة وصقل إحساسي بالعالم وطريقة كتابتي.
كانت فيديوهات قناة المنار، والأناشيد، وأجواء النضال الجماعي، تشكّل إحساسنا بالانتماء والتمرّد. ما رأيته وسمعته في طفولتي ترك أثرًا عميقًا في داخلي. لقد شكّل نظرتي للعالم.
ثم في المرحلة الثانوية، التقيتُ برفاق شيوعيين وشعرت أنّ الثوريين الذين كنتُ أقرأ عنهم في "السفير" أصبحوا فجأة أمامي. لم يسمح لي والدي بدراسة الصحافة في الجامعة اللبنانية في بيروت، فتوجهت إلى اختصاص الأدب العربي في صيدا بدلًا من ذلك. كان الحضور غير إلزاميّ آنذاك، ما منحني حرية الذهاب إلى بيروت دون علم عائلتي. انضممتُ إلى مجموعات سياسية وشاركت في تظاهرات نظّمها الحزب الشيوعي اللبناني. في أحد الأيام، نُشِرَت صورة لي خلال تظاهرة في ساحة رياض الصلح في "السفير"، حين كنت لا أزال أرتدي الحجاب.
هل يمكنك أن تحدّثينا عن بداياتك في الصحافة، وكيف تطوّر عملك في صحيفة "الأخبار" على مدى عقدين من الزمن؟
بدأتُ في مجلة "الحسناء" حيث نشرتُ عدّة مقالات. إحدى القصص التي أتذكّرها جيدًا كانت للعدد الخاص بعيد الحب، تناولتُ فيها احتفال أفراد مجتمع الميم بالحب في مجتمع محافظ. في تلك الفترة كنت أتابع كتّابًا مثل نصري الصايغ وجهاد بزّي، وقد أثّر فيّ أسلوبهما وحساسيتهما. ثم انضممتُ إلى ملحق "شباب السفير" تحت إشراف بزّي، الذي غادر الجريدة عام ٢٠٠٦ بالتزامن مع تأسيس جريدة "الأخبار".
كانت الجريدة الجديدة تبحث عن صحافيين شباب ومتحمّسين، فتقدّمتُ للعمل. كان لدى ميّ مكارم وجوزف سماحة، رحمهما الله، فكرة إنشاء "صفحة النساء" اليومية. خلال المقابلة قال لي سماحة: "أنتِ الشخص المناسب لهذه الصفحة، هي اجتماعية لكنها جدّية في الوقت نفسه." التحقتُ بالجريدة في نيسان ٢٠٠٦ قبل أشهر قليلة من صدور العدد الأول. كانت الخطة أن أكون في بيروت لتغطية القضايا الاجتماعية إذ يعتمد عملي على التواجد بين الناس، وسرعان ما تعلّقت بهذا النوع من الصحافة. كنا نعمل على الأعداد التجريبية، وكنت أكتب مقالاتي. كنت أتنقّل بالباص العمومي من البيسارية إلى بيروت وبالعكس، لأنني لم أكن أملك سيارة.
ثم جاءت حرب تموز ٢٠٠٦ التي كانت نقطة تحوّل في حياتي المهنية. كان من المفترض أن تصدر الجريدة في ١٥ تموز بشكل مختلف تمامًا، مع ملاحق مخصّصة للبيئة، والنساء، والآثار وغيرها. لكن في ١٢ تموز، عندما قامت المقاومة بأسر الجنديين الإسرائيليين، تغيّر كل شيء. كنت في المكتب عندما دخل سماحة وقال: "اسمعوا جميعًا — يبدو أن الأمر سيطول، على كل واحد أن يقرّر الآن ماذا سيفعل." دون تفكير، جمعت أغراضي وقلت: "أنا ذاهبة إلى الجنوب!"
ركبت الباص ووصلت إلى البيت حوالي الساعة الرابعة والنصف عصرًا. خلال ساعة واحدة، بدأ الإسرائيليون بقصف الطرق والجسور. أتذكّر بوضوح لحظة استهداف جسر الزهراني. بقيت مع عائلتي في القرية، التي كانت قد بقيت بمنأى عن القصف منذ تحريرها عام ١٩٨٥. تطوّعتُ مع بعض الأصدقاء ضمن مبادرة شعبية تُدعى "صامدون"، ساعدنا العائلات النازحة الآتية من قرى في عمق الجنوب. واصلت المجموعة نشاطها في بيروت وصيدا. في بداية الحرب كان لا يزال بإمكاننا الوصول إلى صور، إلى أن جرى قصف كل الطرق المؤدية إليها: الأتوستراد، والطريق القديم، والطريق الساحلي. عُزلت صور والمنطقة المحيطة بها، فركّزنا جهودنا على صيدا.
وسط كل ذلك، بقيَت الصحافية في داخلي مستيقظةً. التقيتُ بعائلات من قرى حدودية مثل صريفا، وحولا، وشقرا، وبدأت أكتب قصصهم. أرسلتها إلى "الأخبار"، وبدأت الصحيفة بنشرها في أعدادها التجريبية. عند دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في ١٤ آب ٢٠٠٦ عند الساعة الثامنة صباحًا، رافقتُ العائدين إلى قراهم. أُطلقَت النسخة الورقية من الجريدة في ذلك اليوم، ونُشر مقالي الأول في اليوم التالي في ١٥ آب، بعنوان: "أيتها الثامنة صباحًا ردّيني إلى بلادي". رافقت العائدين عند الفجر — كانوا ينتظرون ساعة العودة إلى بيوتهم.
كنت أريد أن أقدّم شيئًا مختلفًا، لا الأخبار التقليدية من نوع "فلان استقبل فلانًا"، التي لم يكن لها مكان في "الأخبار".
مطلع أيلول قال لي سماحة: "نحتاج إلى مراسل في صور. لقد اكتسبتِ خبرة، ونريدك هناك". لكنني لم أكن أعرف المدينة، نادرًا ما كنت أزورها مع عائلتي، ولم أكن أعرف أحياءَها، كما أنني لم أكن أملك سيارة بعد. تطلّب الأمر وقتًا لبناء العلاقات والتعرّف إلى المكان. كان كل شيء جديدًا بالنسبة إليّ. لم يكن مراسلو المناطق يمتلكون خلفية في الصحافة في أغلب الأحيان، وكنت أريد أن أقدّم شيئًا مختلفًا، لا الأخبار التقليدية من نوع "فلان استقبل فلانًا"، التي لم يكن لها مكان في "الأخبار". حاولنا أن نمارس صحافة جادّة، عبر تغطية هموم الناس وصراعاتهم اليومية.
عندما بدأت العمل في معقل حركة أمل، من دون أي ارتباط بشبكات السلطة المحلية، كنتُ شابة، ومثاليّة، ومتحمّسة لتغيير العالم، ومدفوعة بثقافة الحقوق والمصلحة العامة. أدّت ملاحقة قضايا الفساد والملفات الاجتماعية في المنطقة، دون استثناء أحد — حتى عائلتي — إلى مواجهات. أكسبني "قلمي المسموم" شهرةً، لكن ذلك لم يأتِ من دون ثمن. تعرّضتُ للتهديد والاعتداء والترهيب. كان الضغط لإسكاتي لا يتوقف، لكنني لم أستسلم. أثارت مقالاتي غضب الكثيرين، كانوا يتصلون بالصحيفة للاعتراض أو للمطالبة بحق الرد. تعرّضتُ لمختلف أشكال محاولات الإسكات دون جدوى. ما ساعدني على الصمود هو أن المؤسسة نفسها لم تفرض عليّ قيودًا. أذكر أن سماحة قال لنا ذات مرة: "الخط الأحمر الوحيد هو سلاح المقاومة". أتذكّر أيضًا حين عاتب السيّد حسن [نصر الله] الصحيفة على نشرها وثائق ويكيليكس المتعلقة بنبيه بري نحو عام ٢٠١١، رغم أنه كان قد طلب منا عدم نشرها، لكن "الأخبار" لم تتراجع. منحني ذلك مساحة من الحرية لمواجهة السلطات المحلية في قضاء صور والتعامل معها بشكل علني.
Share this page