Amal Khalil at her desk in the Al-Akhbar office, editing an upcoming episode of her newly launched program, Ahel al-Ared (The People of the Land).

آمال خليل في مكتبها في صحيفة "الأخبار"، تُعدّل حلقة جديدة من برنامجها "أهل الأرض" الذي كان يوثّق صمود المجتمعات القروية الجنوبية عبر عقود من النضال في مواجهة العدو الصهيوني. بيروت، لبنان. ٢٣ كانون الأول ٢٠٢٥. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

"أين يجب أن أكون، شمع أم الخيام؟": عقدان من الصحافة المناضلة مع آمال خليل

In Remembrance

العام الماضي، زرنا الصحافية اللبنانية آمال خليل في بيت عائلتها في البيسارية، بلدة قريبة من الساحل في قضاء صيدا جنوبي لبنان. وصلنا بعد ساعتين من شنِّ الكيان الصهيوني عدّة غارات جوية على قضاء النبطية، وفرضه حزامًا ناريًا على تلال الدّبشة وعليّ الطاهر، مدّعيًا استهداف منشأة مهمة للمقاومة. بقيَ في الهواء شيءٌ من قلق قصف الصباح، لكنّ آمال استقبلتنا بهدوء في الحديقة الصغيرة المحيطة بمنزلها.

ظلّلت أشجارُ الليمون والبرتقال والتفاح والأفوكادو الفناء، التي كانت قد زرعتها مع والدها. كانت القطط تتنقّل بحرية بين الأغصان وأحواض الزهور — كانت آمال تُنقذ القطط الشاردة وتؤويها. تقول عائلتها أنه كلّما كان القطّ ضعيفًا أو مريضًا، ازداد احتمال أن يصبح المفضل لديها. "لو لم تكن آمال صحافية"، قالت جارتها مازحةً أثناء صبّ القهوة، "لكرّست حياتها لإنقاذ الحيوانات". أمضينا أربع ساعات في الحديقة بين حفيف الأوراق، والحديث المتقطّع بأخبار عاجلة. كانت آمال تتوقف منتصفَ الجملة لتتفقد هاتفها، أو تتحقق من تقرير ميداني، أو تعاود الاتصال بأحدهم، قبل أن ترجع إلى حديثنا: عن طفولتها تحت الاحتلال، والسنوات الأولى في جريدة الأخبار، والمسار الطويل الذي جعلها واحدة من الصحافيين والصحافيات القلائل الذين وثّقوا حرب الجنوب المتكررة والحيوات المتشابكة داخلها.

تستعيد هذه المقابلة المسجلة خلال الحرب والتهجير عقدين من عملها الصحافي النضالي، بوصفه التزامًا متجذّرًا بقضية التحرير. بالنسبة لآمال، الصحافة ليست مهنة، بل شكل من أشكال المقاومة — حيث يكون العمل الصحفي فعل شهادة، يحوّل الكتابة إلى خط دفاع أساسي. إن سيرتها المهنية هي تأريخ لنضال شعبها اليومي ضد الصهيونية.

ما يلي هو شهادة على تجربتها التي تحمل في طيّاتها تأملات حول أخلاقيات العمل الصحافي وسياساته، ترويها صحافية ظلّت في الخطوط الأمامية قريبةً إلى بيتها.

وُلدتِ ونشأتِ في الجنوب لبنان في ظلّ الاحتلال. كيف تتذكّرين تلك السنوات من حياتك؟

وُلدتُ عام ١٩٨٤ في البيسارية، قبل فترة قصيرة من تحرير بلدتنا. من سطح منزلنا، كنتُ أرى وأنا طفلة   القرى المحتلة من بعيد، عبر الجبل المقابل لإقليم التفاح — تلك المنطقة كانت ما تزال محتلّة آنذاك. كبرتُ وأنا أسمع قصص الجيران الذين نفّذوا عمليات ضد العدو الصهيوني على الطريق الساحلي.

أتذكر قصة شاب كان قد تزوّج حديثًا. قامت القوات الإسرائيلية باختطافه واعتقاله في معتقل أنصار الشهير. لاحقًا فجّروا منزله لأنه كان قد التحق بالمقاومة في صفوف حركة أمل.

كبرتُ أيضًا على قصص الجيران الذين نفّذوا عمليات ضد العدو الصهيوني على الطريق الساحلي. وما زلت أتذكر ظلال المقاتلين  كيف كانوا يتحركون في الظلام.

عندما كنا نزور عمتي في كفر رمان، كنتُ أحيانًا ألمح الاشتباكات هناك أمام عينَي. كان المقاتلون الشباب يشنّون عملية ضد الموقع العسكري الإسرائيلي في الدبّشة، وكنا نرى كل شيء يحدث أمامنا: إطلاق نار من المقاومة، ردّ إسرائيلي، قذائف تنفجر، رصاص يتطاير. كنتِ تشعرين وكأنّك تقفين وسط ساحة معركة، وتشاهدين الحرب عن قرب. ما زلت أذكر ظلال المقاتلين، كيف كانوا يتحركون في الظلام. لم نرى الإسرائيليين أبدًا؛ كانوا يختبئون دائمًا في التحصينات، يطلقون النار من داخلها.

بقيت هذه المشاهد معي. بالنسبة لجيلنا، نحن الذين صرنا اليوم في العقد الرابع والخامس، لم نعش زمن المقاومة الفلسطينية أو جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية؛ لقد كبرنا مع المقاومة الإسلامية لحزب الله. كانت فيديوهات قناة المنار، والأناشيد، وأجواء النضال الجماعي، هي التي تشكّل إحساسنا بالانتماء والتمرّد. حتى لو لم يكن أحد في عائلتي مقاتلًا أو أسيرًا سابقًا، فإنّ ما رأيته وسمعته في طفولتي ترك أثرًا عميقًا في داخلي. هذا الأمر شكّل نظرتي للعالم.


ثمّة حساسية إنسانية عميقة في أعمالك، وهي سياسيّة بالضرورة. من أين يأتي ذلك؟

نشأتي — وكل ما رأيته وقرأته وعشته — شكّل طريقتي في فهم القضايا ونضالات الناس. منذ أن كنت في الثانية عشرة، اعتدتُ قراءة جريدة "السفير" يوميًا. كان والدي يحضرها إلى المنزل وأصبحت نافذتي على العالم من قريتنا الهادئة. من خلال هذه الصحيفة اليسارية عرفتُ عن سائقي سيارات الأجرة، والمزارعين، والفقراء، وعن أشخاص مثل الأسير المحرّر والشهيد سمير القنطار، وعن المخطوفين والمفقودين. ومن "السفير" تعلّمت أيضًا عن الحرب الأهلية. كانت الصحيفة تنشر ملحقًا بعنوان "كتاب في جريدة"، وكان والدي يجمع لي كل الأعداد، إلى جانب سلسلة "عالم المعرفة" ومجلة "العربي". لقد أسست هذه القراءات وعيي السياسي والثقافي.

في سن العاشرة، ارتديت الحجاب بحكم العادة، رغم أنني لم أحبه حقًا. في سن المراهقة كنت أشعر دائمًا بالحاجة إلى القيام بشيء مختلف، أن أصبح كاتبة مثل الذين كنت أقرأ لهم. ولكي أفعل ذلك، كان عليّ أن أواصل القراءة والتعلّم. كان قلمي جميل في المدرسة، وكان والدي المحبُّ للشعر يشجعني. عرّفني إلى شعراء لبنانيين مثل جوزيف حرب، ومصطفى سبيتي، ومحمد علي شمس الدين، والسيد محمد حسن الأمين. أما قصيدة أمل دنقل "لا تصالح" فقد تركت أثرًا عميقًا فيّ. الشعر جعلني أكثر رهافة وصقل إحساسي بالعالم وطريقة كتابتي.

كانت فيديوهات قناة المنار، والأناشيد، وأجواء النضال الجماعي، تشكّل إحساسنا بالانتماء والتمرّد. ما رأيته وسمعته في طفولتي ترك أثرًا عميقًا في داخلي. لقد شكّل نظرتي للعالم.

ثم في المرحلة الثانوية، التقيتُ برفاق شيوعيين وشعرت أنّ الثوريين الذين كنتُ أقرأ عنهم في "السفير" أصبحوا فجأة أمامي. لم يسمح لي والدي بدراسة الصحافة في الجامعة اللبنانية في بيروت، فتوجهت  إلى اختصاص الأدب العربي في صيدا بدلًا من ذلك. كان الحضور غير إلزاميّ آنذاك، ما منحني حرية الذهاب إلى بيروت دون علم عائلتي. انضممتُ إلى مجموعات سياسية وشاركت في تظاهرات نظّمها الحزب الشيوعي اللبناني. في أحد الأيام، نُشِرَت صورة لي خلال تظاهرة في ساحة رياض الصلح في "السفير"، حين كنت لا أزال أرتدي الحجاب.


هل يمكنك أن تحدّثينا عن بداياتك في الصحافة، وكيف تطوّر عملك في صحيفة "الأخبار" على مدى عقدين من الزمن؟

بدأتُ في مجلة "الحسناء" حيث نشرتُ عدّة مقالات. إحدى القصص التي أتذكّرها جيدًا كانت للعدد الخاص بعيد الحب، تناولتُ فيها احتفال أفراد مجتمع الميم بالحب في مجتمع محافظ. في تلك الفترة كنت أتابع كتّابًا مثل نصري الصايغ وجهاد بزّي، وقد أثّر فيّ أسلوبهما وحساسيتهما. ثم انضممتُ إلى ملحق "شباب السفير" تحت إشراف بزّي، الذي غادر الجريدة عام ٢٠٠٦ بالتزامن مع تأسيس جريدة "الأخبار".

كانت الجريدة الجديدة تبحث عن صحافيين شباب ومتحمّسين، فتقدّمتُ للعمل. كان لدى ميّ مكارم وجوزف سماحة، رحمهما الله، فكرة إنشاء "صفحة النساء" اليومية. خلال المقابلة قال لي سماحة: "أنتِ الشخص المناسب لهذه الصفحة، هي اجتماعية لكنها جدّية في الوقت نفسه." التحقتُ بالجريدة في نيسان ٢٠٠٦ قبل أشهر قليلة من صدور العدد الأول. كانت الخطة أن أكون في بيروت لتغطية القضايا الاجتماعية إذ يعتمد عملي على التواجد بين الناس، وسرعان ما تعلّقت بهذا النوع من الصحافة. كنا نعمل على الأعداد التجريبية، وكنت أكتب مقالاتي. كنت أتنقّل بالباص العمومي من البيسارية إلى بيروت وبالعكس، لأنني لم أكن أملك سيارة.

ثم جاءت حرب تموز ٢٠٠٦ التي كانت نقطة تحوّل في حياتي المهنية. كان من المفترض أن تصدر الجريدة في ١٥ تموز بشكل مختلف تمامًا، مع ملاحق مخصّصة للبيئة، والنساء، والآثار وغيرها. لكن في ١٢ تموز، عندما قامت المقاومة بأسر الجنديين الإسرائيليين، تغيّر كل شيء. كنت في المكتب عندما دخل سماحة وقال: "اسمعوا جميعًا — يبدو أن الأمر سيطول، على كل واحد أن يقرّر الآن ماذا سيفعل." دون تفكير، جمعت أغراضي وقلت: "أنا ذاهبة إلى الجنوب!"

ركبت الباص ووصلت إلى البيت حوالي الساعة الرابعة والنصف عصرًا. خلال ساعة واحدة، بدأ الإسرائيليون بقصف الطرق والجسور. أتذكّر بوضوح لحظة استهداف جسر الزهراني. بقيت مع عائلتي في القرية، التي كانت قد بقيت بمنأى عن القصف منذ تحريرها عام ١٩٨٥. تطوّعتُ مع بعض الأصدقاء ضمن مبادرة شعبية تُدعى "صامدون"، ساعدنا العائلات النازحة الآتية من قرى في عمق الجنوب. واصلت المجموعة نشاطها في بيروت وصيدا. في بداية الحرب كان لا يزال بإمكاننا الوصول إلى صور، إلى أن جرى قصف كل الطرق المؤدية إليها: الأتوستراد، والطريق القديم، والطريق الساحلي. عُزلت صور والمنطقة المحيطة بها، فركّزنا جهودنا على صيدا.

وسط كل ذلك، بقيَت الصحافية في داخلي مستيقظةً. التقيتُ بعائلات من قرى حدودية مثل صريفا، وحولا، وشقرا، وبدأت أكتب قصصهم. أرسلتها إلى "الأخبار"، وبدأت الصحيفة بنشرها في أعدادها التجريبية. عند دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في ١٤ آب ٢٠٠٦ عند الساعة الثامنة صباحًا، رافقتُ العائدين إلى قراهم. أُطلقَت النسخة الورقية من الجريدة في ذلك اليوم، ونُشر مقالي الأول في اليوم التالي في ١٥ آب، بعنوان: "أيتها الثامنة صباحًا ردّيني إلى بلادي". رافقت العائدين عند الفجر — كانوا ينتظرون ساعة العودة إلى بيوتهم.

كنت أريد أن أقدّم شيئًا مختلفًا، لا الأخبار التقليدية من نوع "فلان استقبل فلانًا"، التي لم يكن لها مكان في "الأخبار".

مطلع أيلول قال لي سماحة: "نحتاج إلى مراسل في صور. لقد اكتسبتِ خبرة، ونريدك هناك". لكنني لم أكن أعرف المدينة، نادرًا ما كنت أزورها مع عائلتي، ولم أكن أعرف أحياءَها، كما أنني لم أكن أملك سيارة بعد. تطلّب الأمر وقتًا لبناء العلاقات والتعرّف إلى المكان. كان كل شيء جديدًا بالنسبة إليّ. لم يكن مراسلو المناطق يمتلكون خلفية في الصحافة في أغلب الأحيان، وكنت أريد أن أقدّم شيئًا مختلفًا، لا الأخبار التقليدية من نوع "فلان استقبل فلانًا"، التي لم يكن لها مكان في "الأخبار". حاولنا أن نمارس صحافة جادّة، عبر تغطية هموم الناس وصراعاتهم اليومية.

عندما بدأت العمل في معقل حركة أمل، من دون أي ارتباط بشبكات السلطة المحلية، كنتُ شابة، ومثاليّة، ومتحمّسة لتغيير العالم، ومدفوعة بثقافة الحقوق والمصلحة العامة. أدّت ملاحقة قضايا الفساد والملفات الاجتماعية في المنطقة، دون استثناء أحد — حتى عائلتي — إلى مواجهات. أكسبني "قلمي المسموم" شهرةً، لكن ذلك لم يأتِ من دون ثمن. تعرّضتُ للتهديد والاعتداء والترهيب. كان الضغط لإسكاتي لا يتوقف، لكنني لم أستسلم. أثارت مقالاتي غضب الكثيرين، كانوا يتصلون بالصحيفة للاعتراض أو للمطالبة بحق الرد. تعرّضتُ لمختلف أشكال محاولات الإسكات دون جدوى. ما ساعدني على الصمود هو أن المؤسسة نفسها لم تفرض عليّ قيودًا. أذكر أن سماحة قال لنا ذات مرة: "الخط الأحمر الوحيد هو سلاح المقاومة". أتذكّر أيضًا حين عاتب السيّد حسن [نصر الله] الصحيفة على نشرها وثائق ويكيليكس المتعلقة بنبيه بري نحو عام ٢٠١١، رغم أنه كان قد طلب منا عدم نشرها، لكن "الأخبار" لم تتراجع. منحني ذلك مساحة من الحرية لمواجهة السلطات المحلية في قضاء صور والتعامل معها بشكل علني.

Once used to store 380 rounds of 5.56 mm linked ammunition, an Israeli military ammunition box is repurposed by Amal as a planter. The box was recovered by residents of a border village as they returned to their homes after the end of the war and ground incursion. Baysariyyeh, Lebanon. May 8, 2025. (Fátima Fouad el-Samman/The Public Source).

عملتِ بشكل مستقل في الجنوب، غالبًا بإمكانات محدودة ومن دون إشراف مباشر. هل يمكنكِ أن تحدّثينا عن مساركِ، وأساليب عملكِ الميدانية، والمواضيع التي تختارين تغطيتها، في ظل تحمّلكِ مخاطر ومسؤوليات صحافة الخطوط الأمامية؟

عندما استقرّيتُ في صور كنت أدير عملي بنفسي ومن دون أي دعم مؤسسي. لم يرافقني أي صحفي من المكتب الرئيسي، خلافًا لمراسلي المناطق الآخرين. كان عملي هو الذي يتحدث عن نفسه. كنت أحرص ألا تجد الصحيفة أي ثغرات في عملي. خلال الانتخابات النيابية مثلًا، كانت تقاريري تجمع بين التحليل السياسي والتغطية الميدانية بين الناس. جعلني ذلك أشعر بأنّ صور كانت مملكتي الصغيرة. لم تكن الصحيفة تكلّفني بمواضيع أو ملفات محددة للعمل عليها. قال لي رئيس تحرير "الأخبار" إبراهيم الأمين ذات مرة: "عملك فرض نفسه. أنتِ صحفية بالفطرة، ونحن نثق بكِ، أنتِ أعيننا وآذاننا في صور". لكن ذلك أصبح أيضًا عبئًا، لأنني أدركتُ أنه إذا أردتُ أن أتميّز، فعليّ أن أبذل جهدًا أكبر، فيما كان الراتب متواضعًا جدًا — نحو ٤٠٠ دولار.

مع الوقت، عملي في صور دفع الصحيفة إلى السماح لي بتغطية بنت جبيل والنبطية أيضًا. وبحلول عام ٢٠١١، أصبحت أغطي كل جنوب لبنان. كان هناك مراسلون آخرون، لكن بعضهم تم تسريحهم. استُشهد عسّاف أبو رحّال، الذي كان مسؤولًا عن تغطية حاصبيا ومرجعيون عام ٢٠١٠، عندما قام جيش الاحتلال الإسرائيلي بمحاولة اقتلاع شجرة العديسة من التراب اللبناني. ادّعى العدو أن الأرض تقع ضمن أرضه في فلسطين المحتلة، فواجهه الجيش اللبناني بشجاعة وتمكّن من قتل ضابط إسرائيلي رفيع. ردّت القوات الإسرائيلية بقصف مدفعي أدى إلى استشهاد عسّاف قرب الشجرة. كان قد جاء من الكفير في قضاء حاصبيا لتغطية الحدث. كان رجلًا كبيرًا في السن. في اليوم التالي، ذهبتُ والمصوّر حسن بَحسون إلى المكان لكتابة تقرير تأبيني بناءً على طلب الصحيفة. وقفنا قرب الشجرة حين اقترب منا جندي لبناني وسألنا إن كنا من "الأخبار". ثم سلّمنا بطاقة هوية مضرّجة بالدم — كانت كل ما تبقّى من عسّاف. لن أنسى ذلك اليوم أبدًا.

بالإضافة إلى الجنوب، غطّيتُ مواضيع مختلفة في البلد: عن دار الفتوى، وهجمات عرسال، وتيار المستقبل، وطرابلس، وأنفة، والبترون. لكن الجنوب كان دائمًا في داخلي لم أفارقه أبدًا. شكّلت حرب ٢٠٠٦ هويتي الصحافية، كان الاحتلال وقوات اليونيفيل هما مجال عملي الأساسي. مع الوقت، أصبحت مرجعًا في شؤون اليونيفيل والمخيمات الفلسطينية والمقاومة وحزب الله والجيش اللبناني. لاحقًا، عندما حصلتُ على سيارة، أصبحت حركتي أسهل وتمكنت من الوصول إلى كل مناطق الجنوب. ساعدني أيضًا أن قضيتي كانت هي قضية الجريدة: الشيوعية والمقاومة. كنا نغطي كل عام عيد العمال، و٢٥ أيار، وحرب تموز. وبسبب علاقاتي الجيدة مع مقاتلين من “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية”، حاولتُ أن أكتب قصصًا تعيد إحياء هذا التاريخ “المجيد” كلما سنحت الفرصة.

استُشهد عساف أبو رحّال الذي كان يتولى تغطية منطقتَي حاصبيا ومرجعيون عام ٢٠١٠، حين أطلقت القوات الإسرائيلية قذيفتين قرب شجرة العديسة، ما أدى إلى مقتله. لم يبقَ من عساف سوى بطاقة هويته المضرّجة بدمه.

على المستوى الشخصي، تعني لي المقاومة كل شيء. أحبّ المقاومة، سواء كانت أيديولوجيتها شيوعية أم إسلامية. من خلال عملي، حاولت أن أتضامن مع هؤلاء الناس — أهل الأرض. حاولت أن أوثّق الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، لا الحروب والقصف فقط في عامَي ٢٠٠٦ و٢٠٢٣. في كل مرة جرّب فيها الصهاينة الاستيلاء على أراضٍ هنا أو هناك، كنت أتابع الأمر عن كثب. ربما لم يكن الناس يعرفون ذلك لأنني لم أكن أظهر على شاشات التلفزيون. لكنهم بدأوا اليوم يتعرّفون عليّ وعلى  عملي لأنني أظهر أكثر. في هذه الحرب اعتمدتُ على شبكة العلاقات التي بنيتها خلال ١٧ عامًا من العمل في الجنوب. أعرف شخصًا في كل قرية، أصبح هؤلاء مصادري ومفاتيحي. لم تكن الصحيفة تخبرني أبدًا إذا كان عليّ الذهاب أو لا، ولم أكن أفكّر مرتين. كان بديهيًا بالنسبة إليّ أن أغطّي الجبهة. وعندما كانت تقع تطورات عاجلة، كنت أستطيع التحقّق من المعلومات من خلال شبكة معارفي  على الأرض. حتى لو كنت في شبعا، كان بإمكاني متابعة ما يحدث في الناقورة.

ما ساعدني أيضًا على تقديم تغطية متينة هو الكاميرا. في السابق، كان اسمي معروفًا فقط لدى الإسرائيليين، وقوات اليونيفيل، والجهات المنخرطة مباشرة في تشكيل المشهد. أما الجمهور، فلم يبدأ بالتعرّف عليّ  إلا من خلال مقاطع الفيديو التي بدأت أنشرها. في الواقع، كنت أعدّ مقاطع فيديو منذ عام ٢٠٢٠ — أجري مقابلات مع الناس في يوم التحرير مثلًا، أو في ذكرى انتصار عام ٢٠٠٦ — لكنني لم أكن أظهر فيها أبدًا. بالنسبة إليّ، كان الأمر بسيطًا: أنا هنا لأروي قصص الناس، لا لأصبح أنا القصة. ومع مرور الوقت، تبيّن أن هذا الخيار كان صائبًا. في هذه الحرب، صوّرتُ كل شيء بهاتفي، وطلبت من آخرين مساعدتي في المونتاج. وفي نهاية المطاف، تعلّمتُ كيف أُنجز مونتاج مقاطع الفيديو بنفسي.

في الواقع، أعدّ مقاطع فيديو منذ عام ٢٠٢٠، لكنني لم أكن أظهر فيها أبدًا. بالنسبة إليّ، كان الأمر بسيطًا: أنا هنا لأروي قصص الناس، لا لأصبح أنا القصة. 

مع ذلك، لا أعتبر نفسي "مراسلة حربية"، لأنني لم أتلقَّ تدريبًا رسميًا في تغطية الحروب، ولو طُلب مني تغطية جبهة أخرى غير هذه، فقد أغفل الكثير من التفاصيل. إنّ نزوعي إلى الكمال وحرصي الشديد على الدقة يمنعاني من قبول هذا اللقب. أرى نفسي مراسلة ميدانية فحسب، لا أكثر. كذلك، لا يمكنني أن أنصح أحدًا بالقيام بما أفعله، فهي مسؤولية لا أستطيع أن أتحمّلها نيابةً عن الآخرين. ومن يختار الالتزام بإجراءات السلامة المناسبة، من حقه تمامًا أن يفعل ذلك. ذهب كثير من الزملاء إلى الجنوب وكتبوا قصصهم بعد وقف إطلاق النار، أما خلال الحرب، فلم يكن يذهب سوى عدد قليل دون إذن رسمي من مؤسسته الإعلامية.

 

أسلوبكِ فريد لأنه يجمع بين تغطية المقاومة وبين نقل تفاصيل حياة الناس اليومية في الجنوب. هل يمكنكِ التحدث عن هذا؟

رغم أن المؤسسة التي أعمل فيها تدعم المقاومة، فإنني أحرص على التمييز بين تغطيتي وتغطية زملاء يعملون في وسائل إعلام حليفة، ولا سيما في ما يتعلق بالشأن الداخلي. كثيرًا ما تتبنى مؤسساتهم الإعلامية أسلوبًا مشحونًا عند تغطية الأحداث في الجنوب، مع التركيز أساسًا على إنتاج خطاب مضاد للدعاية الإسرائيلية، يفتقر في كثير من الأحيان إلى العمق والأهمية. فهم يضخّمون إنجازات المقاومة وانتصاراتها بهدف التقليل من شأن ما تفعله إسرائيل، لكن ذلك ينقلب عليهم في نهاية المطاف. إذا راجعتم مقالاتي، ستجدون أنني حاولت دائمًا تنبيه القرّاء إلى التطورات الميدانية في المواجهة مع إسرائيل. على سبيل المثال، في بداية الحرب، وتحديدًا في ١٨ كانون الأول ٢٠٢٣، كتبت عن المقترح الفرنسي-الإسرائيلي لإنشاء منطقة عازلة في جنوب لبنان.

تقع على عاتقنا مسؤولية، بل واجب، نقل الواقع والمساهمة في بناء روايته — وهي مسؤولية جرى إهمالها خلال السنوات السبعة عشر الماضية، ما أدى إلى حالة من الصدمة والخيبة لدى جمهور المقاومة ومؤيديها. لم يكن هدفي يومًا إحباط الناس، على العكس، في تقاريري حول هذا العدوان المستمر، كنتُ أحرص دائمًا على إبراز صمود الناس العاديين في قراهم الحدودية، مثل المزارعين الذين واصلوا الاعتناء بأراضيهم، في وقت كانت المستوطنات الإسرائيلية المقابلة لهم في شمال فلسطين خالية. أفنّد رواية العدو التي تزعم أنه يستهدف مواقع عسكرية فقط من خلال إظهار الأدلة على قصفه المنازل والمزارع وقتله الأطفال. وبعد وقف إطلاق النار، بدأت أيضًا بتوثيق كيف أن حجم الدمار الذي تلاه كان أكبر بكثير مما حدث خلال الحرب نفسها. قارنت بين المرحلتين، مرحلة الحرب ومرحلة وقف إطلاق النار، وصولًا إلى ١٨ شباط ٢٠٢٥، حين أصبح وقف إطلاق النار رسميًا. أكثر ما يهمني توثيقه في كتاباتي ومن خلال الكاميرا هو أن الاحتلال الإسرائيلي يتجاوز النقاط الخمس. فالواقع أن الشريط الحدودي بأكمله بات محتّلًا، بعمق يتراوح بين كيلومترين وثلاثة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. أصبحت المنطقة عمليًا منطقة عازلة، إذ لم يعد بإمكان الناس العودة إلى منازلهم هناك. وبعبارة أخرى، فهي تُعدّ بكل المقاييس العملية منطقة محتلة.

مسؤولية نقل الواقع والمساهمة في بناء روايته جرى إهمالها خلال السنوات السبعة عشر الماضية، ما أدى إلى حالة من الصدمة والخيبة لدى جمهور المقاومة ومؤيديها.

هذا هو النهج الذي أعتمده في تغطيتي، وهو ليس شيئًا درسته، لأنني لم أتخصص أصلًا في الصحافة. حتى أعظم أساتذتنا لم يدرسوا الصحافة، لأن الصحافة، في جوهرها، تقوم على الحسّ الفطري. يمكن اكتساب المعرفة والثقافة مع مرور الوقت، لكن الحسّ الصحفي لا يمكن تعليمه. على كل من يختار ممارسة الصحافة أن يطرح على نفسه هذا السؤال الوجودي: لماذا دخلتُ هذا المجال في الأساس؟
 

تتطلب تغطية الحرب في الجنوب قدرًا هائلًا من الصلابة والحسم. كيف تحافظين على تركيزك ورباطة جأشك، وكيف تقررين في لحظتها ما هي المعلومات الحساسة التي ينبغي نشرها أو حجبها؟

الخوف حاضر دائمًا، وهذا أمر طبيعي. في السابق، كنت أشعر بالثقة بأن الإسرائيليين قد تم ردعهم. لكن بعد وقف إطلاق النار، اختفى هذا الردع وتغيّر كل شيء. لديّ صور توثّق لقاءاتي مع العدو في مراحل مختلفة، منذ عام ٢٠٠٦ وحتى اليوم: في اللبونة، فوق الناقورة مباشرة، حيث لم تكن هناك أي حواجز بيننا، بعد حادثة شجرة السرو في العديسة–كفركلا عام ٢٠١٠، وبناء جدار كفركلا عام ٢٠١٢ من قبل العدو الإسرائيلي، وبعد استشهاد شبان خلال مسيرات العودة في يوم التحرير عام ٢٠١٠. أقرب ما وصلوا إليه منا [نحن الصحفيين] كان في الخيام في ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤، حين وجدنا أنفسنا وجهًا لوجه مع جرافة معادية، وكان جنودها يطلقون رشقات نارية لإجبارنا على التراجع بينما كنا نقترب — لم أستطع إلا أن أضحك عليهم — ثم تكرر الأمر في ١٨ شباط ٢٠٢٥ في مركبا، في تلك المرة، كان الخوف حقيقيًا لأن الوضع كان قد تغيّر بالكامل.

عندما كانت المقاومة تطلق صواريخ باتجاه فلسطين، لم أكن أصوّر مواقع الإطلاق أبدًا. كنت أتصرف كما لو أنني لم أرَ أو أسمع شيئًا.

أمارس الرقابة الذاتية غالبًا. قلت لنفسي مرات عديدة، وخصوصًا منذ ٢٣ أيلول ٢٠٢٤، إن بعض القصص لا تحتاج إلى النشر. شخصيًا، أُفضّل عدم تغطية تهديدات الإخلاء الإسرائيلية، لأن نشرها لا يؤدي إلا إلى بثّ الخوف بين الناس، وهو بالضبط ما تريده إسرائيل. وفي أحيان أخرى، أفعل العكس تمامًا. عندما دخل الإسرائيليون شمع، تلقيت مقطع فيديو من شخص يعمل في الوحدة الإيطالية التابعة لليونيفيل، وطلب مني عدم الكشف عن هويته. نشرته يوم الجمعة مرفقًا بشعار "الأخبار"، فأثار ضجّة كبيرة. تمكّن العدو من تعقّب مصدر الفيديو، وقصف باحة الوحدة الإيطالية في محاولة لترهيبنا.

كان لديّ أشخاص على الأرض يساعدونني في الحصول على المعلومات، من فرق الإسعاف إلى الجيش واليونيفيل. منذ بداية العدوان، اتخذنا احتياطاتنا. عندما كانت المقاومة تطلق الصواريخ باتجاه فلسطين لم أكن أصوّر مواقع الإطلاق أبدًا. كنت أتصرف كما لو أنني لم أرَ أو أسمع شيئًا، وأنتظر صدور بيان رسمي عن المقاومة، لا سيما أن فصائل متعددة كانت منخرطة في المواجهة.

A military storage tube — originally used by Israeli forces to transport artillery or mortar rounds — stands inside Amal Khalil's home in Baysariyyeh.

تكرّر الحديث عن المقاومة طوال هذا الحوار. في الختام، كيف تصفين ما تعنيه لكِ؟

أقول دائمًا في مقالاتي ومقابلاتي وأحاديثي إنّ المقاومة قدرُنا. ما دمنا نعيش إلى جانب الكيان الإسرائيلي، فإن هذا الصراع سيستمر. بالنسبة إلى أبناء الجنوب، المقاومة فعلٌ فطري في مواجهة المعتدي.

أحاول دائمًا استحضار تاريخ هذا الصراع منذ ثلاثينيات القرن الماضي، حين ذهب معروف سعد إلى طولكرم لقتال الصهاينة. وفي كفرشوبا، قدّمت عائلة يحيى ١٦ شهيدًا قاتلوا إلى جانب المقاومة في فلسطين ضد العصابات الصهيونية. أما الذاكرة الأقرب والأكثر حضورًا بالنسبة إليّ، فهي ذكرى الشهيد عبد الله فقيه من ربّ ثلاثين. كان في الرابعة والعشرين من عمره. التقيته وأجريت معه مقابلة في حزيران ٢٠٢٤، حين كان يستعد لتقديم الامتحانات الرسمية في تبنين. وبعد أن نجح، تواصل معي عبر إنستغرام ليبلغني بالخبر. بدأ يبحث عن فرصة تدريب في بيروت، إلى أن وجد فرصة في مستشفى الرسول الأعظم. لكنه قرر لاحقًا العودة إلى قريته. لم يكن منتميًا إلى أي تنظيم، لكنه كان من بين الشبان الذين دافعوا عن الأرض خلال التوغل البري. وهناك كثيرون يشبهونه، ليسوا بالضرورة أعضاء في حزب الله أو ملتزمين بأيديولوجيته. كان جدّ عبد الله قد استُشهد عام ١٩٤٨ على يد العصابات الصهيونية أثناء دفاعه عن قريته هونين. واستُشهد حفيده عام ٢٠٢٤.

المقاومةُ قدرُنا. ما دمنا نعيش إلى جانب الكيان الإسرائيلي، فإن هذا الصراع سيستمر.

أقول دائمًا إنّ المقاومة هي التي أرست معادلة الردع بين عامَي ٢٠٠٦ و٢٠٢٣. وللمرة الأولى في تاريخ لبنان، بل وفي تاريخ الشرق الأوسط عمومًا، أصبح الجنوب أكثر المناطق أمانًا. وهذا ما أقرّ به حتى قادة قوات اليونيفيل أنفسهم، وإن لم يكن ذلك بفضلهم بل بفضل المقاومة. وقد انعكس هذا الواقع في إقبال الناس على استثمار ملايين الدولارات لإعادة بناء منازلهم وفيلاتهم على طول الشريط الحدودي. لكن هذا الواقع تغيّر منذ ذلك الحين. إنّ المقاومة هي السقف والحمى، هي الأمان والاطمئنان، وتجربتنا خير دليل. 

للمرة الأولى في تاريخنا، قُصفت منطقة الزهراني [عام 2024]. كانت تجربة غير مألوفة. حتى عندما سقطت الضربات الإسرائيلية الأولى في مكان قريب، لم يخطر في بالنا أن نهرب. لكن عندما ساء الوضع  يوم الاثنين ٢٣ أيلول، قُصف منزل خالتي، لكنهم نجوا. وبعد نصف ساعة، استُهدف منزل ابن خالتي الآخر، وقُتلَت زوجته وطفله. كانت المجزرة غير مسبوقة في قريتنا، وكانت عائلتنا في حالة صدمة. لا يمكن أن تتخيّلي نفسك يومًا في مثل هذا الموقف، لأننا في البيسارية كنا دائمًا من يستقبل النازحين، لا من يصبحون نازحين. حتى خلال العدوان العنيف عام ١٩٩٣ — ما سُمّي بـ"عدوان الأيام السبعة" — لم نتأثر كما حدث في عام ١٩٩٦، أو حتى عام ٢٠٠٦. كانت منطقة الزهراني دائمًا مكانًا للجوء العائلات النازحة من القرى الحدودية، منذ عامَي ١٩٤٧ و١٩٤٨. استضافت البيسارية العديد من العائلات من الشريط المحتل، بعضهم نزحوا عام ١٩٧٣، وآخرون خلال عامَي ١٩٧٧ و١٩٧٨. لدينا حتى حيّ يُعرَف بـ"يارين الجديدة"، نسبةً إلى قرية يارين الحدودية، التي نزح أهلها في ٢ تموز ١٩٧٧ بعد المجزرة التي وقعت هناك. ولا يزال كثيرون منهم هنا حتى اليوم.

المقاومة هي السقف والحمى، هي الأمان والاطمئنان، وتجربتنا خير دليل. 

في اليوم التالي عند الظهر، اتصل بي صديق وقال: "أحضري عائلتك وتعالي". قدتُ وأخي العائلة في سيارتين، تأكدنا من سلامتهم، ثم عدنا إلى القرية. قررنا ألّا نغادر. لاحقًا أُجبرنا على ترك بيتنا، عندما هدّدني العدو بشكل مباشر، إذ اعتقدنا أنه قد ينفّذ تهديده. لذلك صرنا ننام في منزل أختي وسط القرية، ونمضي النهار في منزل خالتي خلال فترة العزاء. لم تكن هناك حاجة إلى متابعة الأخبار، فقد كانت الأحداث كلها تجري فوق رؤوسنا. من سطح البيت، كان بالإمكان رؤية قريتنا، وإقليم التفاح، والنبطية، وأنصار. كانت تلك المرة الأولى التي أختبر فيها النوم على الأرض في منزل مكتظ بالعائلات النازحة، وارتداء ملابس مستعارة، بعدما غادرت البيت بما كنت أرتديه فقط. كنت أعيش التجربة نفسها التي كان يعيشها الأشخاص الذين اعتدتُ إجراء مقابلات معهم. أصبح تحرّكي محصورًا في صيدا ومحيطها، إذ كان من الصعب جدًا التوجه إلى أبعد من ذلك. وعندما أُعلن وقف إطلاق النار عادت عائلتي إلى البيت، لكن لم يخطر ببالي أن أعود معهم. وكما في السابق، شغّلت سيارتي وتوجهت جنوبًا باتجاه الخيام.

في الليلة السابقة، بينما كانت عائلتي لا تزال تفكّر في العودة، كنت قد بدأت بالتخطيط لتغطيتي، أرسم خريطة للمناطق الحدودية التي يمكنني الوصول إليها. في صباح اليوم التالي لوقف إطلاق النار، سألت نفسي: أين يجب أن أكون، شمع أم الخيام؟

— أُجريت هذه المقابلة بمساعدة ليلى يمّين.

هل هذه القصة قيّمة برأيكم؟ ساعدونا في الاستمرار لإنتاج القصص التي تهمكم من خلال التبرع اليوم! تضمن مساهمتكم استمرارنا كمصدر مُجدٍ ومستقل وجدير بالثقة للصحافة المعنية بالمصلحة العامة.