الاستعمار الاستيطاني الصهيوني والممارسة النظرية للثورة المضادة
في كتابها "مفترق طرق: اليهودية ونقد الصهيونية"، تشير جوديث بتلر إلى أن أي مشروع عن التعايش اليهودي في فلسطين يجب أن يبدأ بحركة مزدوجة تستعيد وتنفي التقليد الأخلاقي اليهودي في الوقت عينه. تتناول بتلر التعايش مع غير اليهود باعتباره الجوهر الأخلاقي المركزي ليهود الشتات، وهو ما يمثّل التزامَ التقاليد اليهودية العلمانية والاشتراكية والدينية بالمساواة والعدالة. تمكّن هذه الموارد اليهوديةَ من بناء التعايش في فلسطين، فضلاً عن "انتقاد عنف الدولة، والقهر الاستعماري للسكان، والطرد ونزع الملكية".
عبر تجاهل الاستعمار الاستيطاني باعتباره بُعدًا بنيويًا في فلسطين المحتلة، يتغاضى المثقفون الصهاينة اليساريون عن دوره في بناء وعيهم وهويتهم وعملهم. وكما لفتَ فانون، إن البنية الاستعمارية هي التي تنتج العملاء الاستعماريين، وليست ممارساتهم الفردية.
في الوقت نفسه، تثير بتلر ضرورة رفض التقليد اليهودي باعتباره يهوديًا صرفًا والقيم الأخلاقية اليهودية باعتبارها استثنائية. تهدف هذه الحركة إلى منع بناء موقف يهودي متميّز لفهم الواقع والتصرف بناءً عليه، حتى ولو كان موقفًا مناهضًا للصهيونية. مما يعني أنّ النقد اليهودي للصهيونية يجب أن يسائل الإطار اليهودي نحو قيم ديمقراطية أكثر جوهرية وعالمية بغية التغلب على اليهودية التي يُزعم أنها الإطار الحصري الأصيل للتفكير بالأخلاق والسياسة.
يساهم مجمل النقد الموجه للصهيونية وإسرائيل من قبل اليسار الصهيوني في الحفاظ على موقف متميز في التفكير والتصرف بشأن مسألة التعايش بين اليهود وغير اليهود في فلسطين والبرازيل، وبالتالي، يفشل في تخطي هيكلية اليهودية. عبر تجاهل الاستعمار الاستيطاني باعتباره بُعدًا بنيويًا في فلسطين المحتلة، يتغاضى المثقفون الصهاينة اليساريون عن دوره في بناء وعيهم وهويتهم وعملهم. وكما لفتَ فانون، إن البنية الاستعمارية هي التي تنتج العملاء الاستعماريين، وليست ممارساتهم الفردية.
ادّعى باتريك وولف أنّ مركزية الانقسام الثنائي بين المستوطن والمواطن هي العلاقة الجدلية الهيكلية التي تُفهَم عبرها سائر التداعيات في وضع استعماري استيطاني مثل فلسطين المحتلة. لا يزال طرح العلاقة الاستعمارية بمصطلحات ثنائية كمستوطن ومواطن، مضطَهِد ومضطَهَد بالنسبة للشعوب الأصلية، وهو ما ينطبق على الفلسطينيين، منطقيًا وليس خياليًا البتّة: هكذا تم إنتاج ترتيب السكان في تلك المنطقة أصلاً عبر الضروريات العنصرية للمستوطنين الصهاينة، مرساة علاقاتهم المادية.
ليست الهوية شيئًا يُبنى من الخطابات والتخيلات، بل من العمليات المادية. خلقَ الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي الأصلانيةَ الفلسطينيةَ، والتي عادت للظهور مؤخرًا في النقاشات الدائرة حول فلسطين وأصبحت جانبًا مهمًا من التعبئة السياسية – على المستويين الوطني والعالمي، وتشكُّل الروابط مع نضالات الشعوب الأصلية الأخرى ضد الاستعمار الاستيطاني. ومع ذلك، لا يبدو أنّ للتفاعل مع السكان الفلسطينيين الأصليين أية تبعات على طبيعة وهوية الصهاينة الليبراليين.
كما يلاحظ غابريال بيتربرغ، "ما اقترفناه هو من نحن فعليًا". ارتكز الصهاينة الليبراليون على تفسيرات مثالية وخاصة للعملية التاريخية المادية، كما في حالة الكيبوتسات. عبر تصويرها وكأنها حركة طوباوية صهيونية اشتراكية، يتجاهلون الدور المركزي الذي لعبته في تأمين الاستعمار القهري للأراضي الفلسطينية وبناء مجتمع استيطاني على أنقاض المجتمع الأصلي.
تاريخيًا، ناضل اليسار الجذري ضد الأشكال الاجتماعية التي ركنت إلى القومية لشنّ ممارسات قمعية كالاستعمار، حتى تلك التي ادّعت أنها اشتراكية. إنّ القطيعة مع الأممية الثانية في بداية القرن العشرين أنتجت خلافات وضعت الشيوعيين والثوريين المناهضين للاستعمار بوجه الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية التي دعمت الاستعمار كخطوة ضرورية لتحقيق الاشتراكية في الأطراف.
هذا ما شكّل العنصر المركزي في الموقف التاريخي لمناهضي للصهيونية: رفض الصهيونية كحل للمسألة اليهودية. الاستعمار ظاهرة تعددية بأساليبه وأيديولوجياته، لكنّه يستند بنيويًا على المنطق العنصري عينه المتمثل في النهب والاستغلال ونزع الإنسانية، حتى عند ادّعاء "نيّته الإنسانية بالترويج لتحقيق السلام الدائم". إنّ تعددية الصهاينة الذين أثّروا على الواقع المادي في فلسطين تمثّل التعددية التي يمكن للاستعمار عمومًا ادّعائها، والاستعمار الصهيوني خصوصًا.
إنّ الصهيونية التي تطوّرت كمشروع قومي "لتطبيع" يهود الشتات عبر استيطانهم فلسطين وبناء دولة يهودية سيادية في الأرض، لم تكن أبدًا حركة تهدف إلى تحرير أي شخص سوى اليهود أنفسهم. عوضًا عن رفض النموذج القومي في جذور استبعادهم وسعيهم نحو التحرر الأممي، كما فعل اليهود الشيوعيون، استعاد الصهاينة أسلحة القمع التي ولّدت معاداة السامية الحديثة من أجل تحررهم الوطني خارج أوروبا. إن إخضاع السكان الأصليين منح الصهاينة اعترافًا على قدم المساواة من قبل مضطهديهم السابقين، الأوروبيين. وهكذا، قام الصهاينة بعكس لعبة استغلال الإنسان للإنسان.
تكيّفت الحركات اليسارية المختلفة حول العالم مع أشكال جديدة من الاستعمار الليبرالي (الجديد)، كما الحال في بناء سد بيلو مونتي في البرازيل من قبل حكومة حزب العمال التي صادرت ملكية السكان الأصليين.
كان للهستدروت، وهو اتحاد العمال الصهيوني، دور فعال في بناء اقتصاد استيطاني حصري منفصل عن الاقتصاد الأصلي من خلال طرد الفلسطينيين من الأرض وسوق العمل ووضع الأسس لدولة يهودية تقوم على الإقصاء والفصل المستمر للسكان الأصليين. وذهب الهستدروت إلى حد منع التضامن الطبقي بين العمال اليهود والفلسطينيين تحت رعاية الحزب الشيوعي الفلسطيني المناهض للصهيونية.
اليوم، ورغم ضعفه، حافظ اليسار الصهيوني على البنية الاستعمارية للتضامن. بقيَ تركيز الإجراءات منصبًا على الصراع الطبقي في مجتمع المستوطنين على حساب التضامن مع الفلسطينيين، كما كشفت مظاهرات عام ٢٠١١ التي قام بها الليبراليون الإسرائيليون، حينها تناوبت أشكال الحكم الجديدة، الأكثر ليونة وخشونة، على تجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم، وكلاهما يعتمد بشكل كبير على العلاقات النيوليبرالية منذ أوسلو.
تكيّفت الحركات اليسارية المختلفة حول العالم مع أشكال جديدة من الاستعمار الليبرالي (الجديد)، كما الحال في بناء سد بيلو مونتي في البرازيل من قبل حكومة حزب العمال التي صادرت ملكية السكان الأصليين. تشمل الأشكالُ الأخرى مشاريعًا متعددة الثقافات للإدماج الاجتماعي والاقتصادي والاعتراف التي لا تغيّر البنية العرقية للمجتمعات.
وبذا، فإنّهم يشكّلون جزءًا مما أسماه عالم الاجتماع البرازيلي فلورستان فرنانديز "الثورة المضادة المطولة": جهد دائم من جانب البرجوازية البرازيلية التابعة لتخفيف التناقضات الناجمة عن عدم المساواة والإقصاء القادرة على أن تصبح قوة سياسية ثورية. على الرغم من التحالف الجليّ في ظل رئاسة بولسونارو، بين النخب الصهيونية والبرجوازية التابعة في البرازيل، سهّل تورّطهم منذ الثلاثينات في القضاء على اليسار الشيوعي المناهض للصهيونية خضوعَ البلاد للإمبريالية الأمريكية والتقارب مع المصالح الإسرائيلية.
يراوغ اليسار الصهيوني في مجال الهيمنة بهدف احتواء وإفراغ المكوّن السياسي للمشروع المعارض، وبالتالي يساهم في الدفاع عن السيادة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية. تسعى هذه الممارسة التي سمّاها غرامشي بالتحويلية، إلى بناء الأعداء، وبعبارة أخرى، فلسطينيين وفق المنظورات الاستعمارية.
ترجع ممارسة اليسار الصهيوني للثورة المضادة إلى الموقف التاريخي لليساريين الأوروبيين الذين رفضوا عنف المستعمَرين المناهض للاستعمار ودعموا التحرّر ضمن المستعمرة فقط كنتيجة ثانوية للثورة في العاصمة. في مقاله عام ١٩٥٧، أدان فانون اليسار الفرنسي لعجزه عن فهم الصراع الطبقي الذي يتّخذ شكل التحرر الوطني في الوضع الاستعماري. بالنسبة للمثقف المارتيني، إنّ هذا الافتقار لفهم الاستعمار هو ما دفع الفرنسيين إلى اختزال نقيض الاستعمار إلى "المقياس الفردي للسلوك الأقل عنصرية، والأكثر انفتاحًا، والأكثر ليبرالية" وإلى انتقاد "تجاوزات" العنف المناهض للاستعمار.
يقول التبرير الزائف لهذا السلوك بوجوب إدانة بعض الحقائق ورفض الزوائد غير المتوقعة والتنصل من "التجاوزات" بهدف التأثير على الرأي العام الفرنسي. في هذه اللحظات من الأزمة، فيما تقف المعارضة وجهًا لوجه، يُطلب من جبهة التحرير الوطني توجيه عنفهم وجعله انتقائيًا!
وعليه، تقترح بتلر أساسًا للتعايش بين اليهود والفلسطينيين، وليس "تعدديةً ثقافيةً سهلةً… إذ يجب أن تتخلّى البنية المهيمنة الواسعة والعنيفة للصهيونية السياسية عن قبضتها على تلك الأراضي والسكان". بحكم منطقها الاستعماري الاستيطاني، تعمل الحركات الصهيونية على القضاء على أشكال الرفض المناهضة للصهيونية لتحافظ على حصرية الهوية اليهودية والأرض الفلسطينية. لا يعني هذا أنّ الصهاينة يمارسون العنف نفسه ضد الفلسطينيين وغيرهم من مناهضي الصهيونية، بما في ذلك اليهود، ولكن من المهم التأكيد على أنّ هذه الممارسات مترابطة. تلاحظ بتلر، أنّ المرء بحاجة إلى تحدّي السيطرة التي تمارسها الصهيونية على اليهودية، كما يحتاج بالقدر نفسه إلى تحدّي القهر الاستعماري الذي فرضته الصهيونية على الشعب الفلسطيني.
ومن الناحية الخاصة، فإنّ حركة التحرر الوطني الفلسطيني تمثّل حاليًا التحرر العالمي متجاوزة وجودها كجزء من النضال ضد الإمبريالية. لذلك، فإن اليهودية الأخلاقية تتطلب ممارسة مناهضة للصهيونية وتضامنًا جذريًا مع حركة المقاطعة المناهضة للاستعمار.
Share this page