اشتراكية المحتوم مقابل شيوعية المستحيل: ميم من صفحة عصبة العمال العابرين للمجرّات - بوساديين على فايسبوك. ١٠ آب ٢٠١٨.
الثقافة والثورة: نحو سياسية تأرجحيّة يسارية (١\٢)
في اليوم ١٥٤: الأربعاء الواقع في ١٨ آذار ٢٠٢٠
عن الميمات والثورات
في تعريفها الأصلي، إن ال"ميم" هي عنصر ثقافي أو نظام سلوكي ينتشر من خلال التقليد أو غيره من الأساليب غير الجينية. نشأ المصطلح في مجال علم البيولوجيا التطورية مع نشر كتاب "الجين الاناني" (The Selfish Gene) لريتشارد دوكنز (١٩٦٧). وقد انتقل منذ ذلك إلى عالم الفضاء الإلكتروني، حيث يأخذ شكل صورة، أو نص، أو فيديو، أو تسجيل صوتي، أو موضة، يتم نقلها ونشرها من قبل مستخدمي الإنترنت. يستولي الميم أحيانا على عنصر ثقافي سابق تتم إعادة صياغته أو وضعه إلى جانب عنصر آخر لإنتاج كيان جديد مفارق للتاريخ، ناقلا القديم في محاولة لايثار مفهوم متطابق عند الجمهور. نرى ذلك في صيغة الميم التي تتمحور حول صورة من فيلم مشهور أو من مرجع ما في الثقافة الشعبية. فتخلق هذه الصيغة المبنية على صورة معنى جديد كلما تغير النص المرافق، إلا أنها أيضا تعزز المعنى الأصلي لدى الصورة ذاتها من خلال اعتمادها فكاهة الإشارة الذاتية. نرى ذات المبدأ كذلك في النص الذي يعيد نفسه مرفقا بصورة مختلفة في كل مرة، حيث يغير ويعيد إنتاج معناه في آن.
لقد أصبح الميم الشكل السائد للإنتاج المرئي - النصي المعاصر، وكذلك للمشاركة المعاصرة، حيث يذوب أحيانا الفرق بين الصانع والمستهلك، وتأخذ قيمة التكرار أولوية على الملكية الفكرية. في هذا الصدد، إن إنتاج الميمات هو مشروع جماعي يصبح ديموقراطيا من خلال قدرة أي مرء متصل بالإنترنت على إنتاج الميمات ومشاركتها واستهلاكها. ولكن من ناحية أخرى، فهذه الظاهرة قد خلقت مشاهير في مواقع التواصل الاجتماعي باحثين عن الشهرة الشخصية من خلال تجميع التفاعلات، وإثارة الجدل، وتراكم المتابعين، كما أنها أدت إلى بلورة ثقافة الإشباع الذاتي الفوري وأحيانا في غير محله. في هذا المنحنى، تشبه الميم اللحظة الثورية التي تفتح مساحة للاحتمالات المثالية مثل التغير الاجتماعي والتضامن الجماعي، مع توفير الفرصة للمتسلقين الاجتماعيين وغيرهم من اللاعبين السياسيين لتبديل أوراقهم، سواء بطريقة طبيعية لأنهم يطالبون بالمشاركة في الحلم، أو لأنهم ينوون استخدامه كسلّم للصعود. على سبيل المثال، نجد ظاهرة الميمات المطبوعة بعلامة أو إمضاء رقمي، والتي تشكل ممارسة متناقضة في جوهرها، نظرا للطبيعة الفوضوية لإنتاج الميمات والتي دائما تتعدى مبدأ الامتلاك وتقضي على الملكية الفكرية، حيث يتم إعادة إنتاجها ومشاركتها تكرارا وبلا نهاية.
إن هذا التناقض الجماعي/الفردي، المثالي/الأناني، الراديكالي/الرجعي، ينعكس في الترويج للميمات بعيدا عن الإنترنت، مثلا، في هتافات التظاهرات، حيث يتم توظيفها كوثائق راديكالية بدون ملكية أو أصل، متنقلة من متظاهر إلى الآخر، مع تحقيقها المتعة الفورية والشخصية التي ترافق "تخفيف التوتر" أو "فشة الخلق". توجد هذه الثنائية في السباق ما بين النشوة الجماعية والعمل الجماعي، فالأولى تشعر المرء وكأنه قد عمل واجبه نظرا لتجربة اللحظة، حيث تستطيع الأمور العودة إلى طبيعتها حتى إشعار آخر، بينما يستوعب الأخير الصراع ليس كحدث بل كعملية يتم إعادة المفاوضة فيها بلا نهاية، ولذلك يتخذ مسارات متعددة. فيجب على المتعة الفورية أن تعتمد فقط كنوع من الوقود لدفع الصراع إلى الأمام وهو ينكشف مع مرور الزمن. حيث أن السباق طويل المدى وليس سباق ركض سريع. إلحاح اللحظة الآنية هو فخ يجب تفاديه.
ميمات الكائنات الفضائية للمراهقين الثوريين
في أواخر العقد الماضي، عادت نظريات غامضة نسبيا لمفكر ماركسيّ من أميركا اللاتينية في شكل ميم إلكتروني. لا أتحدث هنا عن صورة نصية واحدة ولا عن أي منتج واحد، بل عن ظاهرة أو موضة متفشية. في أواخر الستينيات، أصبح مفكر أرجنتيني من أتباع تروتسكي، وكان يعرف بالاسم مستعار "خوان بوساداس"، مهتما بعلم الأجسام الغامضة والعلوم الباطنية. أدى به هوسه هذا لأن ينشر كتيبه في سنة ١٩٦٨ تحت عنوان "الأطباق الطائرة، عملية المادة والطاقة، الصراع الطبقي والثوري، والمستقبل الاشتراكي لدى البشرية". طرحت البوسادية، وهي مزيج غريب من الماركسية مع علم الأجسام الغامضة، أن لا بد من أن الكائنات الفضائية تأتي من حضارة عالية التطور قادرة على التنقل بين الكواكب، أي أنها حضارة قد نجحت سابقا في تحقيق كامل قدرة مجتمعها في الوصول للمدينة الفاضلة. طرح بوساداس ضرورة تقبل "الأرضيين"، أي قوة العمل البشري على الكرة الأرضية، لزائريهم "رفاق الفضاء"، بمثابة المساعدة تمهيدا للثورة القادمة.
Share this page