تركيب صور من مظاهرة نظمتها لجنة عائلات ضحايا تفجير مرفأ بيروت مع الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركيا للمطالبة بالعدالة لضحايا الانفجار والمصابين. تتوسط الصور رئيسة الاتحاد سيلڤانا اللقّيس. التقط الصور حسين بيضون بتاريخ ٤ تموز ٢٠٢١. (مصدر عام)

تركيب صور من مظاهرة نظمتها لجنة عائلات ضحايا تفجير مرفأ بيروت مع الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركيا للمطالبة بالعدالة لضحايا الانفجار والمصابين. تتوسط الصور رئيسة الاتحاد سيلڤانا اللقّيس. التقط الصور حسين بيضون بتاريخ ٤ تموز ٢٠٢١. (مصدر عام).

 

الأشخاص المعوقون بفعل تفجير المرفأ: كيف تسببت الحكومة اللبنانية بإعاقتهم ثم تركتهم لمصيرهم

ملاحظة من المحررة: يفضل البعض في مجتمع المعوقين التعريف عن أنفسهم باستخدام لغة تركّز على الإعاقة باعتبارها هويّة فيقولون مثلا "معوق"، بينما يفضّل آخرون استخدام لغة تركّز على الأشخاص فيقولون مثلا "شخص معوق". التقينا أثناء العمل على هذا المقال أشخاصاً من الطرفين، وقد استخدمنا اللغة التي يفضلها من التقينا بهم في حال تفضيلهم استخدام لغة معيّنة.


شيء ما في ذلك المشهد كان " يبدو مريباً".

كانت ميرنا حبوش تقود سيارتها على أوتوستراد شارل الحلو، بالقرب من مرفأ بيروت، في طريقها لشراء الحليب لابنها البالغ من العمر عامًا. عندما رأت المفرقعات تنبعث من المرفأ، أخبرها حدسها بأن تحمي ابنها بجسدها: أوقفت السيارة وأخرجته من كرسيه ووضعته على حضنها. لكن قبل أن تستدير بسيارتها وتنطلق في الاتجاه المعاكس، زمجر الانفجار خارجًا من المرفأ إلى بيروت ومخترقًا حياتها.

لا بد أن ردات فعل ميرنا السريعة قد أنقذت ابنها كريس. كانت تبعد حوالي ٥٠٠ متر عن العنبر ١٢، حيث كان يقبع ٢٧٥٠ طن من نترات الأمونيوم المتفجرة لأكثر من خمس سنوات. قذف الضغط الناتج عن الانفجار بسيارتها حوالي ٥٠ متراً، لترتطم بالجزيرة الخرسانية التي تفصل بين الشوارع ويخلع بابها.

غطى الدم كريس "من أعلى لتحت" لكنه ظل على حضنها بأمان بين ركبتيها، وهذا أهم شيء.

تمسكت بكريس وبدأت تركض وسط سحابة الغبار، فيما هو بين ذراعيها.

تقول ميرنا، وهي محاسبة تبلغ من العمر ٣٦ عامًا، وقد بدت منهكة وهي تغالب إحباطها: "لا زال صدى أصوات الناس وهم يطلبون المساعدة يتردد في رأسي، لكنني لم أستطع أن أساعدهم بشيء. كل ما فكرت به هو الهرب مع ابني".

كان إيلي خوري، جار ميرنا البالغ من العمر ٤٥ عامًا والضابط في الجيش اللبناني، يركض بالقرب من المرفأ عندما وقع الانفجار، ولمعرفته أن ميرنا كانت تقضي بعض الحوائج في المنطقة راح يبحث عنها.

ناحت ميرنا عندما رأت إيلي قائلة: "كريس ميّت!"

أجابها وهو يأخذ الولد من ذراعيها: "لا، كريس بخير، لا يشكو من شيء".

قالت له: "إيلي، عينك!"

أجابها: "ميرنا، عينك!"

كانت تلك اللحظة التي أدركا فيها أن كليهما قد فقد عينًا.

 

إيلي، جار ميرنا حبوش، وهو يحمل ابنها كريس في بيتها. الكرنتينا، بيروت. ٣ أيار ٢٠٢١. (رولا خياط/مصدر عام)

إيلي، جار ميرنا حبوش، وهو يحمل ابنها كريس في بيتها. الكرنتينا، بيروت. ٣ أيار ٢٠٢١. (رولا خياط/مصدر عام)

 

ميرنا، البالغة من العمر ٣٦ عامًا، في بيتها في الكرنتينا. يظهر هاتفها صورتها في المستشفى بعد الانفجار. فقد كل من ميرنا وجارها إيلي عينًا بسبب الانفجار. الكرنتينا، بيروت. ٣ أيار ٢٠٢١. (رولا خياط/مصدر عام)

ميرنا، البالغة من العمر ٣٦ عامًا، في بيتها في الكرنتينا. يظهر هاتفها صورتها في المستشفى بعد الانفجار. فقد كل من ميرنا وجارها إيلي عينًا بسبب الانفجار. الكرنتينا، بيروت. ٣ أيار ٢٠٢١. (رولا خياط/مصدر عام)

 

في مركز الدفاع المدني في الكرنتينا، عرض عليهما سائق دراجة نارية توصيلة. ركب إيلي في الخلف وهو لا يزال يحتضن كريس. هتف إيلي: "أنا ذاهب إلى مستشفى مار يوسف، اتبعيني!"

صاحت ميرنا: "اذهب!"

راحت تركض بساقيها الداميتين، فيما نفرت عظمة من ذراعها اليمنى. كان الناس يشيرون إليها ويقولون: " يا حرام عينها!" إلا أنها لم تفكر إلا بكريس.

عندما رأت سيارة خلع الانفجار أبوابها، دخلتها قبل أن تسأل، وقالت للشاب الذي يسوقها: "كل ما أريده أن تأخذني إلى مستشفى مار يوسف".

عندما وصلت إلى غرفة الطوارئ، لم تسمح لأحد بالاقتراب منها. دارت ودارت تبحث بجنون عن كريس بين كل الأجساد الجريحة، وطال بحثها مدة ٢٥ دقيقة مضنية.

في النهاية قالت لها إحدى الممرضات: "غطي عينك لو سمحت، إنك تخيفين الناس". أمسكت الممرضة بيدها وساعدتها في إيجاد إيلي وابنها.

اكتشفت ميرنا لاحقًا أنها كانت تمشي بالقرب منهم طوال ذلك الوقت، وعن ذلك قالت لنا: "المضحك المبكي في ذلك هو أن كريس كان على يميني، إلا أنني لم أستطع أن أراه".

"ما هذه الكذبة الكبيرة التي نعيشها في لبنان"

كان انفجار بيروت في ٤ آب ٢٠٢٠ أحد أقوى الانفجارات غير النووية في التاريخ، وقد قتل أكثر من ٢٥٠ شخصًا، وجرح أكثر من ٦٥٠٠ آخرين، وخلّف عددًا مجهولًا من الأشخاص بإعاقات من نوع ما. على الرغم من طلبات مصدر عام العديدة للوصول إلى المعلومات، لم تعطنا الحكومة أي أرقام رسمية.

أخبرت مديرة المشاريع في الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركيًا، رونا دبيسي، مصدر عام بأن الانفجار قد خلف بضع مئات من الأشخاص بإعاقات دائمة، وبضع مئات آخرين – ربما قرابة ألف شخص – بإعاقات لا يعرف إن كانت مؤقتة أم لا، إلا أنها قد أبلغتنا بأن الاتحاد لم يستطع أن يصل للجميع، قائلة: "نحن متأكدون من وجود حوالي ٣٠٠ إلى ٤٠٠ شخص ممن لديهم إعاقات دائمة، إلا أن هنالك أشخاص لا ندري ما سيكون وضعهم في المستقبل".

رئيسة الاتحاد، سيلڤانا اللقّيس، قالت لمصدر عام أنه بناء على الزيارات الميدانية، والتواصل مع المستشفيات، وبيانات الصليب الأحمر، فقد خلّف الانفجار ما لا يقل عن ٨٠٠ إلى ١٠٠٠ شخص بإعاقة من نوع ما. قالت سيلڤانا متنهدة: "ربما الرقم أعلى من ذلك، إلا أن هذا هو الرقم الذي لدينا".

فيما تمددت ميرنا على طاولة العمليات ليلة الانفجار، قام وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال، حمد حسن، بالإعلان عما يلي: ستغطي وزارة الصحة اللبنانية نفقات العلاج لأي شخص دخل المستشفى ذلك اليوم.

لكن العديد من جرحى الانفجار بحاجة لشهور، إن لم نقل لسنوات، من العلاج المستمر تتضمن زيارات للمستشفى، وجراحات، وفحوصات طبية، وإعادة تأهيل جسدية. تعاظم الضغوطات من الشعب الغاضب خلال الشهر الذي تبع الانفجار جعل الحكومة تعد بدفع كل التكاليف.

اليوم، وبعد عام من الانفجار، لا زالت ميرنا والمئات مثلها يحاربون لتغطية مصاريفهم الطبية. تحدثنا في مصدر عام مع ست أشخاص جرحوا أو أصيبوا بإعاقة بسبب الانفجار، بالإضافة إلى أصدقائهم وأحبتهم. تبين لنا بأن الحكومة اللبنانية، وبعد أن دفعت ثمن بعض العلاجات في البداية، تكاد أن تتخلى عن التزامها تجاه الأشخاص المصابين بإعاقات بفعل الانفجار، مجبرة إياهم على دفع فواتير العلاج الباهظة في ظل أحد أسوأ الانهيارات الاقتصادية في العالم خلال ١٧٠ عامًا. 

لا يزال هؤلاء الأشخاص من بعد صدمة النجاة من الانفجار يتأقلمون مع الواقع الجديد لأجسادهم المتغيرة، فقد خسر معظمهم منازلهم، وسبل عيشهم، وكل ما يملكون. لا زالوا في ذات الوقت يعانون كي يوفروا ثمن الرعاية الصحية شديدة الحاجة، خاصة وأن الكثير منهم قد فقدوا أعمالهم بسبب الانفجار.

تقول سيلفانا اللقّيس: "هناك العديد من الأشخاص الذين لا زالوا يعانون ويواجهون اقتراب الموت لأنهم لم يستطيعوا أن يكملوا علاجهم و/أو عمليتهم. لست أبالغ: الوضع في غاية السوء"

ويزيد الطين بلة أن قوانين الحكومة البالية والتي تطبق بشكل غير منتظم تستثني الكثير من الأشخاص المعوقين بفعل الانفجار من أن يُعتبروا معوقين حسب القانون. بكلمات أخرى، تجبره الحكومة هؤلاء على المحاربة للحصول على حق الانضمام لمجموعة أشخاص أهملت وأنكرت ذات الحكومة حقوقهم لأكثر من عقدين. تقول ميرنا حبوش: "ليس ذنبي أنني كنت هناك، في المكان الخطأ والزمان الخطأ، كي أشتري الحليب لابني، عندما حصل الانفجار، فكيف ألام على ذلك؟"

فقدت العملة اللبنانية ٩٠ بالمئة من قيمتها، وزاد التضخم بشكل جنوني، ما جعل الأشخاص المعوقون بفعل الانفجار يقضون السنة الماضية محاولين تدبير المال من مصادر متعددة، من قبيل الدفع من مدخراتهم المتبخرة، والاقتراض من أصدقائهم وأقاربهم، والكفاح لإيجاد الجمعيات الخيرية القادرة على الدفع، معتمدين في الواقع على المساعدة من أي أحد باستثناء الزعماء السياسيين الذين تسببوا بهذه الجراج في الدرجة الأولى بفعل إهمالهم وفسادهم الممنهج.

يعتبر الأشخاص الذين قتلوا في الانفجار بحسب القانون ١٩٦ الذي أقر في كانون الأول ٢٠٢٠ بأنهم "شهداء الجيش"، مما يعني أن لعوائلهم الحق في الحصول على مخصصات شهرية بقيمة تتجاوز المليون ليرة لبنانية بقليل –– وليس هذا المبلغ كبيرًا، خاصة مع انهيار العملة الوطنية، لكنه أفضل من لا شيء. تعتقد سيلڤانا اللقيس وآخرون بأن من حق الأشخاص المعوقين بفعل الانفجار أن يحصلوا على مرتب شهري مماثل،وعن هذا تقول: "على الدولة أن تتدخل، من باب الإنصاف، لا بتسديد ثمن الخسائر فحسب، بل بتقديم التعويضات أيضًا."

يقول حسن ياسين، مدير مركز الدفاع المدني في الباشورة بالوكالة: "ما هذه الكذبة الكبيرة التي نعيشها في لبنان؟" تضرر المركز بشكل كبير خلال الانفجار، وتعرض أحد زملاء حسن لإصابة بليغة تسببت ببتر ساقه. "دُمرت كل حياتنا، والآن هم يتسببون بإعاقتنا. أقل ما على الدولة فعله هو النظر إلى أولئك الذين أصيبوا بفعل الانفجار".

 

تكاد الحكومة اللبنانية أن تتخلى عن التزامها تجاه الأشخاص المصابين بإعاقات بفعل الانفجار، مجبرة إياهم على دفع فواتير العلاج الباهظة في ظل أحد أسوأ الانهيارات الاقتصادية في العالم خلال ١٧٠ عامًا.

"وماذا تريدين منّي أن أفعل؟"

قضت ميرنا أربع ساعات في غرفة العمليّات تلك الليلة، وبعد أن أزال الأطبّاء الزّجاج والشظايا من عينها وقطّبوا جراح ذراعها ذراعها، تمكّنوا أيضاً من ترميم شكل عينها اليمنى. لكنّها على الأرجح لن تستطيع الرؤية بتلك العين مجددًا، إذ أنّها قد فقدت ٤٠ في المئة من شبكيّة تلك العين التي فقدت العدسة، والقرنية، والعضلات المطلوبة لتبقى ثابتة في مكانها. 

زار ممثل عن وزارة الصحة المستشفى في اليوم التالي لتدوين أسماء الجرحى، وعندما قالت له ميرنا إنها وإيلي قد فقدا إحدى عينيهما، أثار جوابه غضبها. "كان لديه من الوقاحة ما يكفي ليجيب بازدراء: وماذا تريدين منّي أن أفعل؟" حسبما قالت. "أجبته بالقول: على الأقل كان يمكن أن تقول الحمد لله عالسلامة".

أعلنت وزارة الصحة في ٤ آب أنّ المصابين في الانفجار لن يدفعوا تكاليف الدخول إلى المستشفى مباشرة بعد التفجير. قدمت المستشفيات العلاج مجّانًا وحصلت على تعويض مباشر من الوزارة.

لكنّ ميرنا والمئات غيرها يحتاجون إلى رعاية طبيّة قد تمتدّ عدّة أشهر، إن لم يكن عدّة سنوات، لا مجرد زيارة واحدة. تظاهرت لجنة أهالي ضحايا انفجار المرفأ على مدار شهر آب داعية إلى توسيع التغطية الصحيّة التي تقدّمها الحكومة.

في ٤ أيلول عام ٢٠٢٠ أصدر وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال، حمد حسن، تعميمًا بدا أنّه يستجيب للمطالب، حيث حمل وعدًا من الوزارة بتغطية تكاليف علاج من أصيبوا في انفجار المرفأ.

طلب التعميم من جميع المستشفيات التي عالجت أشخاصًا أصيبوا بفعل الانفجار أن يتقدّموا بأسمائهم ومعلومات الاتصال بهم إلى وزارة الصحة العامّة، واعدًا إيّاهم أن الوزارة ستغطي تكاليف العلاج الفوري، إضافة إلى زيارات المتابعة في المستشفيات، والعمليّات، والفحوصات الطبية. وذكر التعميم كذلك أن "على الأجهزة الطبية متابعة حالات الجرحى بعد فترة من الزمن" من أجل استكمال الرعاية الصحية. 

لكنّ الحكومة عادت في كانون الأوّل لتمرّر القانون ١٩٦، وهو قانون مبهم ومتناقض إلى أبعد الحدود ألغى كلا التعميمين الصادرين عن وزارة الصحّة وتراجع عن التزام الحكومة بتقديم الرعاية لمن تعرضوا لإصابات بسبب الانفجار. 

ما يفعله القانون ١٩٦ على الورق هو التالي: أوّلًا، يسجّل القانون الأشخاص الذين تسبب لهم الانفجار "بإعاقة كلّية أو جزئية" في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المتهالك والذي يموّله الموظّفون والموظّفات، مع العلم أنّ هذا الصندوق هو مؤسسة عامة مستقلّة جرى إنشاؤها بغية تقديم الضمان والحماية الاجتماعية لعموم النّاس. ثانيًا، يعطي القانون الأشخاص المعوقين بفعل الانفجار كافة أشكال "الرعاية والحقوق والإعفاءات" التي نصّ عليها القانون ٢٢٠ اللبناني، الذي جرت المصادقة عليه عام ٢٠٠٠، والمعني بحقوق الأشخاص المعوقين.

يبدو القانون ١٩٦ جيّدًا على الورق، لكنه في الواقع يضم ثلاث مشاكل أساسية على الأقلّ. أولى هذه المشاكل هي أنّ الحكومات اللبنانية فشلت فشلًا ممنهجًا في أن تقدّم معظم "الرعاية والحقوق والإعفاءات" التي وعدت بها الأشخاص المعوقين قبل أكثر من عقدين.

المشكلة الثانية هي أنّ "الحقوق" التي يمنحها القانون ٢٢٠ للأشخاص المعوقين هي الضمان الصحي الكامل والمباشر من وزارة الصّحة العامة. لكن الحكومة تجعل المعوقات والمعوقين بفعل الانفجار تحت مسؤولية الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المفلس، بما يوحي أنّها تطبق معايير رعاية متدنية تخصهم، كما أنّه يحرمهم من أحد الحقوق التي يفترض أنّ القانون ٢٢٠ يضمنها. 

يتيح هذا التناقض إمكانية تقاذف المسؤوليات بين وزارة الصحّة العامّة والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، لينتهي الأمر ببعض النّاس دون تأمين صحيّ على الإطلاق. "ستقول لك وزارة الصحة إنّ الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي هو المسؤول عن تأمينك، بينما سيجيبك الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بأنّ وزارة الصحّة هي التي يجب أن تأمنك"، حسبما قالت لنا يمنى مخلوف، المحامية والباحثة  في المفكرة القانونية، وهي مؤسسة مناصرة وبحث لا تبغي الربح. ساهمت مخلوف في كتابة دليل قانوني لمساعدة الناجيات والناجين من الانفجار في الوصول إلى العدالة والتعويض. "هذا ما يحصل على الأرض".

المشكلة الثالثة هي أنّ القانون ١٩٦ يتجاهل المئات من الأشخاص الذين لا تقع حالاتهم ضمن تعريف الإعاقة القديم والمقيّد الذي تعتمده الحكومة اللبنانية. أعطى القانون ١٩٦ المستشفيات والموظفين الحكوميين الذريعة البيرقراطية المثالية لرفض تغطية العلاج، عبر تحديد الحصول عليه بمن تتناسب حالاتهم مع هذا التعريف القديم بدل إعطائه لجميع من تسبب لهم الانفجار بإعاقات ويحتاجون رعاية طبيّة مستمرّة.

وهذا بالضبط ما حصل مع ميرنا حبّوش..

ستقول لك وزارة الصحة إنّ الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي هو المسؤول عن تأمينك، بينما سيجيبك الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يقول إنّ وزارة الصحّة هي التي يجب أن تأمنك. هذا ما يحصل على الأرض"

"العيون كل شيء"

ليست ميرنا وإيلي وحدهم من فقدوا عينًا في الانفجار، فحسب البيانات التي جمعتها مستشفيات بيروت بعد الانفجار بمدّة قصيرة، كانت هناك ٤٠٠ إصابة في العين، احتاجت أكثر من ٥٠ منها إلى عمليّات، وأصيب ١٥ مصابة ومصابًا على الأقلّ بالعمى الدائم في إحدى العينين.

فيما تصارع ميرنا وإيلي من أجل مواصلة حياتهما بعين واحدة، لا تعتبرهما الحكومة اللبنانية معوقين حسب القانون، مثلما هو الحال كما يبدو مع غيرهم من الذين فقدوا عينًا في الانفجار. يعود هذا، كما أشار عدد من مجموعات حقوق الإنسان، إلى أنّ السلطات اللبنانية تستخدم معايير طبية بائدة لتعرّف من هم المعوقون ومن ليسوا كذلك، وبالتالي تقلّص هذه السلطات منهجيًّا أعداد الأشخاص المعوقين في لبنان.

انتقل مجتمع حقوق الإنسان العالمي في العقود القليلة الماضية من التعريف "الطبّي" للإعاقة إلى التعريف "الاجتماعي" لها. يقيّم النموذج الطبّي الأشخاص وفقًا لمستوى "العطب" - وهذا مصطلح بالٍ ويشي بالوصم - الذي يقيّد قدرتهم على المشاركة في نشاطات الحياة اليوميّة.

يهتمّ النموذج الاجتماعي بالمقابل بكيفيّة تأدية الأشخاص المعوقين لوظائفهم في البيئة المجتمعيّة، فتقيس مستوى الارتياح أو الصعوبة في أداء الأدوار الاجتماعية، مثل الوقوف أو النظر إلى الشاشة لأوقات طويلة. ينظر النموذج الطبّي إلى شخص يتحرّك على كرسيّ على أنّه غير قادر على دخول مبنى معيّن، بينما يرى النموذج الاجتماعي أن المبنى غير ملائم للشخص الذي يتحرّك على كرسيّ. "الإعاقة كذبة اخترعها البشر ونحن نركّز على مدى تهميش الأشخاص المعوقين بشكل مقصود". الكلام هنا على لسان سيلفانا اللقيس.

اعتمدت معظم دول العالم التعريف الاجتماعي للإعاقة، لكنّ لبنان لا يزال متخلّفاً عن الرّكب، فهو أحد ٣٢ دولة (من بينها الولايات المتّحدة) لم تصادق إلى الآن على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. وقد أظهرت وثيقة أعدتها الأونيسكو عام ٢٠١٣ أنّ إدارة الإحصاء المركزي التابعة للدولة لا تملك بيانات رسميّة حول عدد الأشخاص المعوقين في لبنان.

مع حلول عام ٢٠١٦ كانت وزارة الشؤون الاجتماعية قد سجّلت ٩٨ ألف شخص معوق فقط، وهذا يمثّل تقريباً ٣ في المئة من عددهم الكلي. يعتقد خبراء الصحّة العامّة أنّ النسبة الحقيقية للأشخاص المعوقين في لبنان أعلى بكثير على الأرجح بنسبة تتراوح بين ١٠ و١٥ في المئة على الأقلّ، نظرًا إلى تاريخ الحروب والصراعات، ووجود الألغام الأرضيّة والذخائر غير المتفجرة.

في نفس العام دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتّحدة لبنان إلى مواءمة تعريف الإعاقة في القانون ٢٢٠ "مع المعايير الدوليّة"، لكنّ لبنان لم يحدّث ذلك القانون أبدًا، وإلى اليوم لا تزال المادة ٣ منه تستخدم المعيار الطبّي البائد الذي يعود إلى عام ١٩٨٠. 

يؤدّي اعتماد المعيار القانوني البالي في لبنان إلى تبعات جديّة على أشخاص مثل ميرنا. اتّصلت ميرنا بوزارة الشؤون الاجتماعية بعد شهر من وقوع الانفجار من أجل الحصول على بطاقة الإعاقة. "قالوا لي أنهم لا يعتبرون فقدان العين إعاقة، مع أنني أعتبر العين كلّ شيء". تقول ميرنا: "سألتهم: ما الذي يعتبر إعاقة؟ [فقدان] الأيدي والأرجل فقط؟ قلت لهم إنّ العيون قد تكون أهمّ شيء".

 

تتبنى السلطات اللبنانية معاييرا طبية بائدة - وتقلّص بشكل ممنهج عدد الأشخاص المعوقين في لبنان.

القانون ٢٢٠: "على مين عم يضحكوا"؟

في ٥ أيّار عام ١٩٨٣، عندما كان ڤيكن تشاپريان بعمر ١٣ عامًا، فقد رجله اليسرى بفعل قذيفة هاون أثناء الحرب الأهلية اللبنانية. أمّا اليوم فقد بات ڤيكن مصوّرًا فوتوغرافيًا جريئًا وساخرًا، ويدير موقعًا إخباريًّا وترفيهيًّا من تأسيسيه. في يوم الانفجار كان ڤيكن في ساحة الشهداء. عندما سمع أنّ شيئًا ما يحصل في مرفأ بيروت انطلق إلى هناك لتغطية الحدث. "من واجب المصوّرين دائمًا الذهاب إلى موقع الحدث ليكونوا أوّل الواصلين كي يعرفوا ما الذي يحصل ويأخذوا صورًا جيّدة" حسبما قال لمصدر عام. "وصلت إلى هناك، ويا ليتني ما وصلت".

تشاپريان هو أحد "المحظوظين"، إذ أنه وبخلاف ميرنا يحمل بطاقة إعاقة تخوّله الحصول على الحقوق المنصوص عليها في القانون ٢٢٠. على الرغم من ذلك فقد تطلّب الحصول على بديل عن رجله الاصطناعيّة التي انكسرت بفعل الانفجار عامًا كاملًا، وقد حصل عليها من منظمة دولية غير حكومية تساعد الأشخاص المعوقين. لم يستفد تشاپريان كثيرًا من بطاقة الإعاقة، باستثناء إعفاءات ضريبية بسيطة - تبلغ ١٠٠ ألف ليرة لبنانية، أي أقلّ من ١٠ دولارات. يقول ضاحكًا لمصدر عام: "يا لها من كنز! إنّها دائما في محفظتي. مجرّد زينة"

"أهضم ما في الموضوع أنّهم يقولون لنا إنّنا إذا اشترينا سيّارة من خارج لبنان نستفيد من إعفاء جمركي!"، يقول مشيراً إلى إلى ثغرة تستغلّها الطبقة السياسية مرارًا من أجل استيراد سيّارات فخمة دون دفع الضرائب. "لكن كيف سيكون بوسعي استيراد سيّارة؟ على مين عم يضحكوا؟"

ڤيكن تشاپريان  يمشي بين آثار الدّمار في مرفأ بيروت. أيّار ٢٠٢١. (حقوق الصورة لڤيكن تشاپريان )

ڤيكن تشاپريان  يمشي بين آثار الدّمار في مرفأ بيروت. أيّار ٢٠٢١. (حقوق الصورة لڤيكن تشاپريان )

 

 

 

يصف القانون ٢٢٠ على الورق لبناناً غير الموجود في الواقع، حيث يحصل الأشخاص المعوقون والمعوقات على مجموعة متكاملة من الحقوق والامتيازات: من مداخل  مخصصة للكراسي المتحرّكة في المباني العامة والمواقع السياحيّة، وأماكن مخصصّة لركن السيارات، وضمان صحّي شامل تقدّمه وزارة الصحة العامة، وتعليم مدمج، وحصص توظيف محدّدة في القطاعين العام والخاصّ، والحق في التقدّم للحصول على قروض سكنيّة دون تمييز. يتسجّل الأشخاص المعوقون والمعوقات لدى وزارة الشؤون الاجتماعية من أجل الحصول على هذه الحقوق، فتصدر لهم الوزارة بطاقات الإعاقة.

أمّا في لبنان الحقيقي فقد خذلت الحكومات الأشخاص المعوقين والمعوقات منذ ما قبل الانفجار بكثير، فلم تخصّص ما يكفي ضمن موازنات الدولة لضمان الحقوق المنصوص عليها في القانون ٢٢٠، كما أنّ العديد من الوزارات لم تصدر مراسيم تطبيقية تساعد على إنفاذ أحكام القانون. "القانون جيّد جدًّا، لكنّ المشكلة في عدم وجود مراسيم تطبيقية"، وفق نبيل عبدو، وهو مدير البرامج في منظمة آركنسيال Arc en Ciel غير الحكوميّة التي عملت على مشروع القانون ٢٢٠ عام ٢٠٠٠. يقول عبدو: "علينا أن نضغط على الوزارات من أجل تمرير المراسيم التطبيقية". 

ينص القانون ٢٢٠ على أن يكون الدخول إلى المدارس متاحًا بشكل كامل للطلاب المعوقين والمعوقات. لكنّ تقريرًا لهيومن رايتس ووتش من عام ٢٠١٧ أظهر أنّ الآلاف من الأطفال المعوقين والمعوقات حرموا من الحقّ في التعليم.  قال المسؤولون في مدرسة لإحدى الأمّهات أنّهم لا يستطيعون قبول تسجيل ابنها المتوحد والبالغ من العمر عشرة أعوام، وذلك لأنّ "أهالي التلاميذ الآخرين قد يرفضون الأمر". وقد بيّن الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركيًا أن خمسة مدارس فقط من بين ٩٩٧ مدرسة رسمية في لبنان تستجيب لمتطلبات الوصول التي ينصّ عليها القانون. في إحدى المدارس كان هناك حمّام يمكن الدخول إليه بكرسيّ متحرّك، لكنّه في الطابق الثاني الذي لا يمكن الوصول إليه على كرسيّ متحرّك، فكان على تلميذ عمره تسع سنوات يستخدم كرسيًّا متحرّكًا أن يرتدي حفاظات لأنّه لا يستطيع الوصول إلى الحمّام "المجهّز" وكان على أمّه أن تأتي كلّ يوم إلى المدرسة لتغيير حفّاظاته. ليس مستغرَبًا أنّ مسحاً من عام ٢٠٠٤ أظهر أنّ ثمانية في المئة فقط من الأشخاص المعوقين والمعوقات أنهوا الدراسة الثانوية أو التعليم العالي، وهذا ربع المعدّل العامّ.

أمّا اليوم فسوف يلقي الإهمال القائم منذ أمد طويل بآثاره على الأطفال الذين صاروا معوقين ومعوقات بفعل الإنفجار. فحسب اللقيس "أصبح ٢٠ طفلًا وطفلة أشخاصًا معوقين ومعوقات بسبب الإنفجار. هؤلاء لهم الحقّ في العودة إلى المدرسة. هل ستستطيع المدارس استيعابهم؟"

يتّحد في لبنان غياب البنى التحتيّة الدّامجة مع العقليّات البالية التي تميّز ضدّ الأشخاص المعوقين والمعوقات بما يؤدّي إلى جعلهم غير مرئيين. "عندما لا يرى النّاس أشخاصًا معوقين ومعوقات بوتيرة دائمة، أو ربّما لا يرونهم على مدار أشهر أو سنوات، تصبح [حقوق الأشخاص المعوقين والمعوقات] أفكارًا هامشيّة"، على حسب قول سامي سليمان، وهو طالب دكتواه في جامعة براون يجري أبحاثًا حول الحراك الحقوقي للأشخاص المعوقين والمعوقات في لبنان.

"في مجتمعنا، في العالم العربي، هناك الكثير من النّاس الذين لا يعتقدون أن الأشخاص المعوقين والمعوقات أصحاب حقوق، بل يرونهم أشخاصًا مرضى بحاجة إلى علاج. هؤلاء لا يفكّرون بتحقيق الاندماج."، كما قالت اللقيس.

يتجلّى هذا المنطق بعدّة طرق في حياة الأشخاص المعوقين والمعوقات: عندما سألنا تشاپريان إذا كان قد استفاد من بطاقة الإعاقة يومًا، استذكر أنّ المستشفيات كانت تسمح له في الوقوف في الطابور المخصص للسيدات حتى ما قبل عامين.

وأضاف مازحًا: "لكن حتى طوابير النساء، مع كل الاحترام، طويلة جدًا". وعلى كلّ حال، جرى إلغاء هذه السياسة قبل سنتين كما قال لنا ممتعضًا. 

في نفس الفترة الزمنية، وبالتحديد في تموّز عام ٢٠١٩، عرض سعد الحريري، الذي كان رئيسًا للحكومة، مشروع قانون لتغيير اللغة المستخدمة في القانون ٢٢٠. تجاهل المشرعون اللبنانيون استبدال التعريف الطبي البالي للإعاقة بالتعريف الاجتماعي — وهذا هو التغيير الأكثر أهميّة واختاروا أن يغيّروا مصطلح "معوّق" بعبارة "ذوي الاحتياجات الخاصة"، وهذا مصطلح "تلطيفي" يعتبره العديد من الأشخاص المعوقين والمعوقات  مصطلحًا مهينًا.

أرسلت سيلڤانا اللقيس، وهي رئيسة الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركيًا، رسالة إلى مجلس النوّاب تعترض فيها على استخدام عبارة "احتياجات خاصة"، وقالت في تصريح لجريدة المدن إنّ الأولوية هي تنفيذ القانون ٢٢٠ وليست تغيير المصطلحات، مشيرة إلى أنّ القانون "لا يزال حبرًا على ورق".

تجاهل المشرّعون رسالة الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركيًا، وصادقوا في شهر أيّار ٢٠٢٠ على القانون ١٧١ الذي يستبدل كلمة "المعوقين" بعبارة "ذوي الاحتياجات الإضافيّة".

"أقلّ من صفر"

كان محمد علي يدخل سيّارته في الكرنتينا عندما سمع صوت الانفجار الأول، فحاول أن يقود سيّارته بعيدًا مثلما فعلت ميرنا، لكنّ شيئًا سقط عليه فسحق رجله وأفقده وعيه. يتذكّر علي بشكل غير واضح أنّ أحدًا ما كان تحدّث معه ويصفح وجهه ليبقى واعيًا. "هذا كلّ ما أستطيع تذكّره صراحة"، حسبما قال لنا مضيفًا: "كان كلّ شيء ضبابيّاً ولم أر إلّا اللون الأبيض".

يعيش محمد علي حاليًا برجل معطوبة مثبّتة بسيخ معدني وبراغ، ويتنقّل على كرسيّ متحرّك، وهو يحتاج إلى سنتين أو ثلاث من العلاج الطبيعي المكثّف. لكنّ ذلك سيكلّفه شهريًا ما بين ٨٠٠ ألف ليرة ومليون و٢٠٠ ألف ليرة (أي أكثر من ضعف الحد الأدنى للأجور)، وهذه مبالغ لا يمتلكها.

محمّد علي رائد أعمال عمره ٣١ عامًا، وهو يعمل في مجال المونة حيث يدير مع أمّه وأخته وأربع موظفين شركة صغيرة تملكها العائلة تدعى Linda's LB Food. تشعر بالفخر يملأ صوته عندما يتحدّث عن الأطعمة التي ينتجونها، من قبيل ماء الورد، وعصير الحصرم، والسمّاق، والليمون المخلّل، والطماطم الخضراء المخلّلة، والمكدوس المحشي بالمكسّرات، وخلّ التّفاح، والطماطم المجفّفة. "أحبّ هذه [المنتجات]، إذ يشعر المرء بروح الأرض عندما يصنعها. قلبي يمتلئ بالفرح عندما أصنعها"، بحسب ما أخبرنا.

قبل الإنفجار، كانت الشركة تنتج ما قيمته ٥٠٠٠ دولار من المونة شهريًا، وكان محمّد علي قد جهّز أوراق تسجيل الشركة التي ستمكّنهم من تصدير المنتجات إلى أوروبا. كانوا يستخدمون الزجاج دائمًا ويتجنبون البلاستيك "لأنّه قد يسبب تفاعلات سرطانية" لكن الانفجار أدّى إلى تدمير كلّ شيء، من مرطبانات المخلل والزيتون الزجاجية، إلى مقرّ عملهم، ومنزلهم، وسيّارة محمد. الأسوء من هذا كلّه أن الانفجار أتى على جهاز التأطير الذي يستخدمونه لصناعة الزيوت العطرية.

محمد علي في الجامعة اللبنانية، حيث يدرس الحقوق والعلوم الاجتماعية ويستمتع بالمشي وسط طبيعة المجمع الجامعي. الحدت، ضواحي بيروت. ٢٧ تموز، ٢٠٢١. (ريتا قبلان/مصدر عام)

محمد علي في الجامعة اللبنانية، حيث يدرس الحقوق والعلوم الاجتماعية ويستمتع بالمشي وسط طبيعة المجمع الجامعي. الحدت، ضواحي بيروت. ٢٧ تموز، ٢٠٢١. (ريتا قبلان/مصدر عام)

 

محمد علي حاملاً علب طعام من إنتاج شركة المونة التي يديرها في منزله في الحدت، الذي انتقلت إليه عائلته بعد أن دمّر الانفجار منزلهم. الحدت، ضواحي بيروت. ٢٧ تمّوز، ٢٠٢١. (ريتا قبلان/مصدر عام)

محمد علي حاملاً علب طعام من إنتاج شركة المونة التي يديرها في منزله في الحدت، الذي انتقلت إليه عائلته بعد أن دمّر الانفجار منزلهم. الحدت، ضواحي بيروت. ٢٧ تمّوز، ٢٠٢١. (ريتا قبلان/مصدر عام)

 

يجري العمل حاليًا في مطبخ منزل محمد باستخدام أدوات بدائية، وقد أصبح الإنتاج أقلّ من السّابق. أمّا عن حلم التصدير إلى أوروبا، فقد تأجّل. "أنا لم أعد إلى مرحلة الصفر. أنا تحت الصفر"، يقول مستخدماً عبارة تكررّت في المقابلات التي أجريناها في مصدر عام.

أكثر ما يزعجه هو رمي الطعام، فمثلًا يرمي النّاس قشور البرتقال والليمون التي يمكن تحويلها إلى زيوت عطرية يصل سعر الليتر الواحد منها ٣٠٠٠ دولار. "يمكننا أن نصنع منتجات قيّمة ونصدّرها لتحسين سمعة لبنان في العالم"، حسبما قال لنا. "حتى إذا كان عندي إعاقة، يمكنني تخطّي ذلك إذا حصلت على المعدّات وتمكنت من العودة إلى العمل. ممارسة عملي ستساعد كثيرًا حيث أنّها ستنسيني الألم".

لكنّ فشل الحكومة في تغطية تكاليف علاج محمد علي تجعله ينفق أيّ نقود يقترضها على العلاج بدل تعويض المعدّات التي تحطّمت بفعل الانفجار، وهو قد أنفق حتى اليوم حوالي ٢٨ مليون ليرة (أي أكثر من أربعين ضعفًا من الحدّ الأدنى للأجور) على العلاج الطبيعي وحده. 

يحق لمحمد علي الحصول على بطاقة الإعاقة حتى مع المعايير البالية المطبقة في لبنان، لكن عندما ذهب إلى وزارة الشؤون الاجتماعية متعكّزًا وحاملًا صور الأشعة وتقارير المستشفى فوجئ بموظفي الوزارة يقولون له إنّ عليه الذهاب إلى المكتب الموجود في المنطقة "التي يعيش فيها"، مع العلم أنّ بيته قد دمّر في الانفجار. 

قال لهم إنّ آلامه تجعل التنقّل بين مكاتب متعدّدة أمرًا صعبًا وإنّه لا يعلم حتى أين سوف يعيش. "كنت واقفاً أمامهم وجروحي ظاهرة للعيان. قلت لهم: «أنا هنا في الوزارة ومعي جميع أوراقي. أليس بإمكانكم إعطائي بطاقة الإعاقة الآن؟» كان الجواب لا. ‎إنّهم يجعلوننا نشكّك بأنفسنا. شيء يفطر القلب"، حسبما قال لنا.

ذهب محمد علي إلى وزارة الشؤون الاجتماعية ثلاث مرّات محاولًا الحصول على بطاقته، على الرغم من أنّ جراحه تتسبب له بآلام هائلة (عندما التقيناه في أواخر أيّار كان لا يزال غير قادر على المشي لأكثر من عدّة أمتار دون الشعور بألم في ظهره وفي رجله). كانت الوزارة مقفلة في أوّل مرّتين، وفي المرة الثالثة رفضوا استقباله. 

عاودت الوزارة الاتصال به أخيرًا حيث أعلمته بتوفّر كرسيّ متحّرك يمكنه استعارته. وعلى الرغم من معرفة موظفي الوزارة أنّه بحاجة إلى كرسيّ متحرّك لم يعطوه بطاقة الإعاقة بعد. "المفروض ألّا أكون أنا من يجاهد للحصول على بطاقة الإعاقة. تخيّلوا أن يكون على المرء المطالبة بحقّ أساسي: حقّ العمل"، يقول لنا.

ينصّ القانون ٢٢٠ على أنّ المؤسسة الوطنية للاستخدام يفترض أن تقوم بالتنسيق مع وزارة التعليم المهني والتقني لمساعدة الأشخاص المعوقين والمعوقات على إيجاد عمل. لكن المؤسسة الوطنية للاستخدام هي في الواقع من أكثر مؤسسات الدولة التي تعاني من التهميش والإهمال في لبنان، أمّا وزارة التعليم المهني والتقني فقد جرى حلّها، وقد أظهر التقرير الدوريّ الصادر عن الأونيسكو عام ٢٠١٦ أنّ ٨٠ في المئة من الأشخاص المعوقين والمعوقات لا يعملون أو لم يعملوا مطلقًا طوال حياتهم. 

"كانت معدلات البطالة مرتفعة جدًا في الأصل بين الأشخاص المعوقين"، حسبما قالت لنا اللقيس التي أضافت أنّه "مع الانهيار الاقتصادي الآن بات الأشخاص المعوقون أوّل من يخسر عملهم. لذلك علينا أن نفكّر بطرق لتزويد الأشخاص المعوقين العاطلين عن العمل بالحمايات الاجتماعية".

 

عندما ذهب محمد علي إلى وزارة الشؤون الاجتماعية متعكّزًا قال له موظفو الوزارة إنّ عليه الذهاب إلى المكتب الموجود في المنطقة "التي يعيش فيها"، مع العلم أنّ بيته قد تدمّر في الإنفجار.

يمكن أن يُحدث مبلغ شهريّ فارقًا كبيرًا في حالة محمّد علي الذي قال لنا: "نحن لا نطالب بالكثير. أنا فقط أريد حقوقي في الحصول على الطبابة، والقدرة على مواصلة الحياة بشكل طبيعي، والعودة إلى الجامعة. هذا مجرّد الحدّ الأدنى".

يتأمل محمد علي فكرة العيش مع إعاقته في بلد تمنحه فيه الدّولة حقوقه الأساسية، حيث يستطيع أن يعمل بدل الاعتماد على التبرعات. "هكذا دولة كانت ستفخر بي، حيث أنني رغم الإعاقة أنتج شيئًا قيمًا لا يستطيع حتى غير المعوقين إنتاجه"، على حسب قوله.

"هناك فجوات هائلة"

كان عبد الرحمن (عبد) قبل الانفجار يبيع القهوة والعصير للمارة قرب مركز الدفاع المدني في الباشورة، وهو متطوع في الدّفاع المدني منذ حرب تموز ٢٠٠٦. يوم ٤ آب، ناداه أصدقاؤه في الدّفاع المدني من الشبّاك قائلين: "أغلق البسطة واصعد إلى أعلى. هناك حريق كبير في المرفأ".

صعد عبد سريعًا إلى حيث كان أصدقاؤه، والشيء التالي الذي يتذكّره هو أنّه كان على الأرض ملطخًا بدمائه. "لم أشعر أنني كنت مصابًا. شعرت فقط أنني تائه"، حسبما قال لنا.

حمله أصدقاؤه إلى مستشفى بيروت الحكومي، وبينما كان العاملون في المستشفى يخيطون جروح رجله في سرير بديل خارج المستشفى المزدحم، كان مصرًا أن يعود إلى المرفأ ليساعد فقال له صديقه حسن ياسين: "يا أخي رجلك كلّها مقطّبة. عليك أن تريحها".

هاتف عبد الرحمن (عبد) شبناتي وتظهر فيه صورة له في لباس رجل الإطفاء الكامل قبل انفجار بيروت. الباشورة، بيروت. ٢٩ نيسان، ٢٠٢١. (رولا خياط/مصدر عام)

هاتف عبد الرحمن (عبد) شبناتي وتظهر فيه صورة له في لباس رجل الإطفاء الكامل قبل انفجار بيروت. الباشورة، بيروت. ٢٩ نيسان، ٢٠٢١. (رولا خياط/مصدر عام)

 

عبد الرحمن (عبد) شبناتي مرتديًاا زيه الرسمي في مركز الدفاع المدني في الباشورة حيث يتطوّع منذ حرب تموز ٢٠٠٦. ٢٩ نيسان، ٢٠٢١. (رولا خيّاط/مصدر عام)

عبد الرحمن (عبد) شبناتي مرتديًاا زيه الرسمي في مركز الدفاع المدني في الباشورة حيث يتطوّع منذ حرب تموز ٢٠٠٦. ٢٩ نيسان، ٢٠٢١. (رولا خيّاط/مصدر عام)

 

ارتاح عبد ليوم أو يومين ثمّ نزل إلى الشارع ليساعد في التنظيف والإنقاذ. تفاقمت حالة رجله المصابة تدريجيًا وبعد فترة وجب أن تبتر. كان رفاقه في الدفاع المدني يساعدونه في كلّ شيء، حتى أنّهم كانوا يحملونه إلى الحمّام. كما أنّهم تواصلوا مع الصليب الأحمر لتحصيل رجل اصطناعية له، وساعدوه في استحصال بطاقة الإعاقة.

جهود أصدقاء عبد ومناصرتهم له دون كلل جعلت وزارة الصحة العامة تدفع معظم تكاليف علاجه في المستشفى، لكنّه حصل على معظم الأشياء التي يستخدمها في حياته اليومية (الكرسي المتحرّك، وكرسيّ الحمّام الخاصّ، وحتى البرّاد) عن طريق جمعيات خيرية ومنظمات غير حكومية من قبيل الصليب الأحمر والاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركيّا. عن هذا يقول صديقه حسن: "هناك جمعيّات لن أنسى ما قدمته يومًا، فقد ساعدونا ووقفوا إلى جانبنا في هذه الظروف الصعبة".

أخبرنا نبيل عبدو من آركنسيال أن العديد ممن أصيبوا في انفجار مرفأ بيروت تواصلوا معهم للحصول على المساعدة، وأنّهم حاولوا تقديم الأدوية، والكراسي المتحركة، والعكازات، وحتى الطعام والثياب لمن يحتاجونها. "لكننا بالطبع لم نتمكن من مساعدة الجميع. الأغلبية ذهبت إلى المستشفيات"، كما قال لنا عبدو.

هرعت مئات الجمعيات والمتطوعون والمتطوعات إلى مركز الحدث للمساعدة مباشرة بعد الانفجار، لكنّ الجمعيات الخيرية لا تستطيع أن تعوّض غياب الدولة، وفي غياب التنسيق المركزي، حصل البعض على مساعدات تفوق ما يحتاجون إليه بضعفين أو ثلاثة أضعاف بينما لم يحصل البعض على أيّ مساعدة إطلاقاً. يضاف إلى ذلك أنّ المساعدة التي تقدّمها الجمعيّات، على أهميّتها، تبقى مؤقتة. "الحقيقة أنّ هناك مؤسسات غير حكومية مثل اتحادنا وغيره تحاول المساعدة لكنّها لا تستطيع أن تسدّ الفجوات كلّها. هناك فجوات هائلة"، والكلام هنا على لسان اللقيس.

شدّد كلّ من عبد ومحمد علي على أنّ الحصول على دخل شهري سوف يساعدهم على العيش بشكل مستقلّ. "عندما يكون البحث عن عمل مترافقًا باستجداء المساعدات أشعر دائمًا بالألم والبؤس. يشعر المرء أنّ هناك عبءًا ثقيلًا في حياته، ويشعر أنّه عبء على المجتمع"، كما قال محمد علي لمصدر عام.

"الآن سوف يأتون لمساعدتنا"

فقد كلّ من ابن مريم يايغيان وزوجها نازاريت منيساليان ذي الأربعة وسبعين عامًا معظم القدرة على السمع بفعل الانفجار، كما أتى الانفجار على منزلهم. وتعرّض ابنها أيضًا لإصابات خطيرة في الرأس والظهر. لكن فوق هذه الخسائر تأتي الصدمات النفسية الخفيّة، من الإهمال إلى الوصم والشعور بالعار، لتضيف طبقة إضافية إلى إعاقاتهم.

"يمكن للصدمات النفسية أن تكون معيقة بشكل كبير"، وفقا للباحث سامي سليمان الذي قال مضيفاً: "تمنعك اضطرابات القلق من الخروج من المنزل لأنّك ستخاف من الأصوات العالية المزعجة وما إلى ذلك. أمّا الاكتئاب فيجعلك غير قادر على التحرك وعلى مغادرة السرير".

مريم ونازاريت مانيساليان على مدخل منزلهما في مار مخايل. بيروت. ٢٣ تموز، ٢٠٢١. (ريتا قبلان/مصدر عام)

مريم ونازاريت مانيساليان على مدخل منزلهما في مار مخايل. بيروت. ٢٣ تموز، ٢٠٢١. (ريتا قبلان/مصدر عام)

 

ساعدت آركنسيال عائلة مانيساليان في استحصال بطاقة إعاقة لنازاريت وتأمين أجهزة للمساعدة في السمع له وللابن. لكن مريم تقول إنّ"لا أحد إطلاقًا" من الحكومة اللبنانية تواصل معهم. "كان بإمكانهم أن يأمنوا لنا الأدوية أو التأمين الصحي على الأقلّ"، كما قالت مريم لمصدر عام.

قرأت مريم عشرات المقالات عن شحنات المساعدات الإنسانية التي وصلت إلى لبنان، لكنّها حتى الآن لا تزال دون منزل مجهّز مع عائلتها، حتى أنّهم لا يملكون أيّ أسرّة.

تقول مريم لمصدر عام: "حتى اليوم لا زالت أشعر أنّني...سكرانة! أنظر حولي مصدومة وغير مصدقة ما حصل لنا، وأقول لنفسي إنهم الآن سيأتون لمساعدتنا. مضى عام كامل ولا زلت أحلم أن المنظمات غير الحكومية ستأتي وتواصل تقديم المساعدات حتى نتمكن من الوقوف على أرجلنا".

تقول مريم إنّ زوجها وابنها باتا يعانيان "من عقد نفسية" - ويسمى هذا وفق المصطلحات التشخيصية اضطراب ما بعد الصدمة. هما لا يعانيان فقط من الاكتئاب بعد خسارة سمعهما ومنزلهما، بل إنهما يخشيان إضافة إلى ذلك الوصم الذي يتعرّض له الأشخاص المعوقون والمعوقات في لبنان. " إنهما منعزلان، ومنطويان على أنفسهما بشكل كبير، ولا يريدان التحدث. خائفان ويشعران بالعار"، كما قالت مريم.

أعطى إهمال الحكومة مثالًا صغيرًا، لكن لاذعًا، عن هذا الوصم. "لقد كنّا أشخاصًا طبيعيين. انظري كيف أصبحنا. ماذا سيقول النّاس عنّا؟"، تقول مريم مقتبسة ابنها وزوجها. "لماذا نطالب بحقوقنا؟ لا فائدة". 

"يجب أن أكون قويّة من أجل بناتي"

يوم الانفجار كانت فاطمة القرياني، وعمرها ٣٨ عامًا وهي أمّ لطفلتين توأم عمرهما ١٢ عامًا، في المصيطبة، وهو حي يبعد عن المرفأ حوالي ٣ كيلومترات. كانت فاطمة تكنس أمام محلّ الملابس الرجالية الذي تعمل فيه عندما قذفها الانفجار بعنف إلى الأرض، حيث سقطت على وجهها، ولم تفتح عينيها مرة آخرى إلّا بعد ثمانية عشر يومًا حيث كانت على سرير في المركز الطبي لمستشفى الجامعة الأمريكية.

"قال لنا الأطباء إنّ الله يحبنا لأنّها لو وصلت متأخرة بضع دقائق لم تكن لتنجو"، على ما قالت دارين أخت فاطمة.

لم يكن الأطباء يتوقعون أن تستفيق فاطمة أبدًا. تقول دارين: "ظللت أقول لهم إنّها ستستفيق، وكنت أدخل بالقوة وأطلب منهم أن يسمحوا لي أن أبقى معها دقيقة واحدة فقط".

كانت دارين خلال هذه الدقائق الثمينة تخرج هاتفها وتتصل ببنات فاطمة. لم تكن فاطمة تتحرك لكن أعينها كانت تمتلئ بالدموع كلما سمعت صوت بناتها. وعندما بدأت ترفع يدها استجابة لطلب الطبيب تفاجأ الأطباء الحاضرون إلى درجة أنهم راحوا يصفقون.

بكت ابنتا فاطمة عندما رأتا أمهما بعد ثمانية عشر يومًا قضتها في الغيبوبة. حطّم الانفجار جمجمة فاطمة، وأنفها، وشفتيها، وأسنانها.كما فقدت شعرها، وتورمت عيناها، وكانت تتكلم بصعوبة بالغة. كان الأطباء قد استأصلوا قطعة كبيرة من جمجمتها ووضعوها في البرّاد.

هاتف فاطمة، وتظهر فيه صورتها في المستشفى. في ٤ آب، ٢٠٢٠ أسقط الانفجار فاطمة القرياني على الرصيف على وجهها مما تسبب في تحطيم جمجمتها، وتشويه وجهها، ودخولها في غيبوبة دامت ١٨ يومًا. مار الياس، بيروت. ٦ أيّار، ٢٠٢١. (رولا خياط/مصدر عام)

هاتف فاطمة، وتظهر فيه صورتها في المستشفى. في ٤ آب، ٢٠٢٠ أسقط الانفجار فاطمة القرياني على الرصيف على وجهها مما تسبب في تحطيم جمجمتها، وتشويه وجهها، ودخولها في غيبوبة دامت ١٨ يومًا. مار الياس، بيروت. ٦ أيّار، ٢٠٢١. (رولا خياط/مصدر عام)

 

فاطمة في شقة أخيها في مار الياس. على الرغم من أنّ وجهها قد تعافى إلى حد كبير بعد إجراء العديد من العمليات، لا تزال الجراح والصدمات النفسية الخفية ترافقها. مار الياس، بيروت. ٦ أيّار، ٢٠٢١. (رولا خياط/مصدر عام)

فاطمة في شقة أخيها في مار الياس. على الرغم من أنّ وجهها قد تعافى إلى حد كبير بعد إجراء العديد من العمليات، لا تزال الجراح والصدمات النفسية الخفية ترافقها. مار الياس، بيروت. ٦ أيّار، ٢٠٢١. (رولا خياط/مصدر عام)

 

وافقت وزارة الصحة العامة، بعد اتصالات كثيرة والمزيد من الضغط، على تغطية تكاليف معظم العمليات الأساسية التي أجريت لفاطمة، وهي عدة عمليات لترميم أنفها وشفتيها، وعملية إعادة العظم المبرّد إلى جمجمتها. لكن بقي على فاطمة أن تدفع من جيبها الخاص رسوم المستشفى، وتكاليف المراجعات، وثمن الأدوية، وهذا ما يصل إلى ٦ ملايين ليرة وفقًا لدارين، أي أكثر بقليل من ثمانية أضعاف الحد الأدنى للأجور.

لا زالت فاطمة اليوم بحاجة إلى عمليات أساسية لمعالجة أسنانها حتى تتمكّن من الأكل والشرب مثل السابق، وهذا ما سيكلّف ٢٥٠٠ دولار بعد "خصم كبير" قدّمه طبيب أسنان لطيف. ستحتاج فاطمة إلى اقتراض هذا المبلغ والدخول في دوامة الدين.

"لا يوجد حلّ آخر. تعلمون كيف هي الأوضاع [الاقتصادية] اليوم"، على حسب قول دارين.

لا يعتبر التعريف البالي الذي يتبناه القانون ٢٢٠ فاطمة معوقة، لكنّها لا تزال بعد مضي عام على الانفجار تصارع صدمات نفسية تسبب بها الانفجار، من قبيل آلام الصداع النصفي المضنية، والطنين في الرأس، وعدم تحمّل الأصوات المزعجة، مما يجعل الخروج من المنزل صعبًا عليها، وهذا ما تسبب في عدم عودتها إلى العمل.

"أي صوت عالٍ يزعجني ويجعلني أشعر بوخز في رأسي"، حسبما قالت لنا والإرهاق بادٍ على صوتها. "أحتاج إلى الجلوس في غرفتي لأحظى بالهدوء بعيدًا عن الجميع وعن كلّ ما هو حولي".

تشعر فاطمة بالتوتر كلّما تحدّث أحد ما عن الانفجار، وعن هذا قالت لنا: " لا أتحمّل سماع شيء عنه صراحة. الآن مع اقتراب ذكرى ٤ آب أنزوي، حتى عندما أسمع زمّور الإسعاف أغلق أذني وأنزوي. لا أستطيع التحمل صراحة. الأمر صعب للغاية".

يساعد معالج نفسي مختص بالعمل مع الأطفال ابنتيها في المدرسة للتعافي من صدمة المشارفة على فقدان أمهما. حالتهما تتحسن بشكل حثيث، لكن ببطء، فإحداهما تبكي كثيرًا، "وتظل خائفة"، وتحمل صورة فاطمة أينما ذهبت. أمّا الثانية فتظلّ قلقة. " كلاهما خائفتان عليّ. فمثلًا عندما يكون عليّ الذهاب إلى بيروت تبدآن بالبكاء خوفًا من ألّا أعود، وعندما تذهبان إلى المدرسة تبكيان خشية أن لا ترياني ثانية"، حسبما قالت فاطمة.

 

لا يعتبر التعريف البالي الذي يتبناه القانون ٢٢٠ فاطمة معوقة، لكنّها لا تزال بعد مضي عام على الانفجار تصارع صدمات نفسية تسبب بها الانفجار

تؤمن فاطمة أنّ آل بيت النبي محمّد رافقوها بعنايتهم بينما كانت في الغيبوبة. "استفقت بفضل من الله وأهل البيت الذين وقفوا معي"، كما قالت. "لقد أنقذوني والآن أحتاج أن أكون قوية من أجل بناتي".

"نحن هنا"

كان من المفترض أن تجرى لميرنا عمليّة زرع القرنية في أواخر شهر أيّار. وعندما ذهبت إلى مكتب الضمان الاجتماعي للحصول على تغطية العمليّة، كما هو حقّها وفق القانون، قال لها الموظفون إنّ "القانون حبر على ورق". بعد زيارات متكرّرة من مكتب إلى مكتب، وافق الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أخيرًا على تغطية ٩٠ في المئة من تكاليف العملية، وبقي عليها أن تدفع ٥ ملايين ليرة، أي ما يفوق سبعة أضعاف الحد الأدنى للأجور.

كذلك يتوجب على ميرنا شراء القرنية من جيبها الخاص، وهذه ثمنها ٢٠٠٠ دولار تدفع بالـ"فريش دولار" الذي بات من الصعب جدًّا إيجاده في السوق. " من أين أستطيع الحصول على هذا المبلغ؟ المفروض ألّا أضطر لمعالجة نفسي. أين دولتي؟"، كما قالت ميرنا.

بدأت ميرنا ممارسة عملٍ ثانٍ لتغطية تكاليف العلاج والبقاء واقفة على رجليها وسط الانهيار الاقتصادي الاجتماعي في لبنان، لكنّ ممارسة عملين يؤدي إلى إجهاد عينها الوحيدة المعافاة حيث أنّها تقضي ساعات طويلة أمام شاشة الكمبيوتر فيما يفترض أن تريح عينها كيف تتعافى. "لكن ليس هناك خيار. علي أن أعمل كي أنجو"، كما قالت.

تستذكر ميرنا سنة كاملة قضتها في الجري بين المكاتب الحكومية محاولة كلّ جهدها أن تقدّم أوراقها للحصول على تغطية صحية وتعويض خسارة سيارتها. ميرنا وغيرها ممّن تسبب لهم الانفجار بإعاقات يشعرون أنّهم "شهداء أحياء". 

تقول لنا: "نحن من تعرضنا لإصابات نشعر بالألم كلّ يوم. لا أحد يتحدّث عنّا. لماذا؟ نحن هنا وسنبقى هنا".