انتشار الجيش اللبناني في اليوم الأول لعودة الأهالي إلى جنوب لبنان بعد أن أكملت قوات الاحتلال الإسرائيلي انسحابًا جزئيًا. حولا، جنوب لبنان. ٢٧ كانون الثاني، ٢٠٢٥.(مروان بو حيدر، مصدر عام)
شرعية السلاح بين الدولة والمقاومة: من يدافع عن من؟
مع توسيع إسرائيل قصفها الجوي للبنان ومحاولتها الجديدة لغزو جنوبه بريًا، لم تقم القوات المسلحة اللبنانية بالرد على نحو ملموس حتى الآن. وتماشيّا مع النظرة الأميركية والإسرائيلية السائدة، يستمر بعض المعلقين بإلقاء اللوم على العمليات العسكرية لحزب الله ضد إسرائيل باعتبارها العامل الأساسي في تقويض السيادة اللبنانية. مع ذلك، فأن قضية السيادة تتعلق أساسًا بتاريخ الدولة اللبنانية ومسألة من يحمي لبنان من التهديدات الخارجية، لا سيما هيمنة إسرائيل وتوسّعها.
في الثاني من آذار، بعد يومين من شنّ القوات الأمريكية والإسرائيلية حربهما على إيران، أطلق حزب الله صواريخ من لبنان تستهدف نظام رادار إسرائيليّا بالقرب من حيفا. شكّلت الضربة أول عملية عسكرية للحزب اللبناني منذ توقيع اتفاقية ما يسمى بوقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل في ٢٧ كانون الأول ٢٠٢٤. ومع توقف حزب الله عن عملياته وانسحابه شمال نهر الليطاني، انتشر الجيش اللبناني في الجنوب وبدأ بمصادرة وتدمير أسلحة حزب الله وتفكيك بنية الحزب التحتية. ومع ذلك، لم تلتزم إسرائيل بالاتفاق إذ رفضت الانسحاب من مواقعها العسكرية على الأراضي اللبنانية، واستمرت في شن الضربات كما يحلو لها.
بحلول كانون الأول ٢٠٢٥ كانت إسرائيل قد نفذت أكثر من ٧٥٠٠ انتهاك جوي، وحوالي ٢٥٠٠ توغل بري، وما لا يقل عن ٦٦٩ ضربة على لبنان. أسفرت هذه الهجمات عن مقتل ما لا يقل عن ٣٣١ شخصًا، وإصابة ٩٤٥، ومنع ٦٥٠٠٠ نازح من العودة إلى منازلهم وقراهم في جنوب لبنان. فشلت الحكومة اللبنانية في مواجهة هذه الانتهاكات بشكل فعال، سواء سياسيًا أوعسكريًا، ناهيك عن تخفيف تأثيرها الكبير على المدنيين الذين يعانونها.
على مدار العشرين عامًا الماضية، وخاصة منذ الاتفاق في تشرين الثاني ٢٠٢٤، هيمنت النقاشات الحادة حول السيادة على السياسة اللبنانية: من يحتكر استخدام القوة، من يسيطر على الأرض وحركة الأشخاص داخلها، وهل يمكن ويجب نزع سلاح حزب الله؟ وصل هذا النقاش إلى نقطة تحول في ٢ آذار عندما أعلنت حكومة رئيس الوزراء نواف سلام أن الأنشطة العسكرية لحزب الله "غير قانونية" ودعت الجيش اللبناني إلى تنفيذ خطة أُقِرَّت العام الماضي لحصر السلاح تحت سلطة الدولة. ووفقًا للتقارير، فإن قائد الجيش العماد رودولف هيكل عارض استخدام القوة ضد حزب الله، وهناك مؤشرات على أن الحكومة تدرس استبدال القائد، وهي خطوة تفضلها الولايات المتحدة.
منذ توليه منصبه في كانون الثاني ٢٠٢٥، يعكس موقف سلام تجاه حزب الله تفاعل قوتين في لبنان. داخليًا، تسعى الأحزاب والشخصيات التي لطالما عارضت حزب الله وبعضها متحالف مع واشنطن وبشكل ضمني مع المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية، إلى اغتنام فرصة ما تصوّره كضعف للجماعة بعد حرب ٢٠٢٣-٢٠٢٤ وترغب في عزل الحزب سياسيًا وتفكيكه عسكريًا. خارجيًا، استغلت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضرباتها المستمرة واحتلالها للأراضي اللبنانية والتسبب بنزوح المدنيين للضغط على الحكومة اللبنانية لنزع سلاح حزب الله.
في ١٣ آذار ضربت إسرائيل جسر الزرارية فوق نهر الليطاني، محذرة من أن مثل هذه الهجمات تمثل التكلفة المتزايدة التي ستتحملها الدولة اللبنانية والشعب لعدم نزع سلاح حزب الله. في اليوم نفسه، ألقت الطائرات الإسرائيلية منشورات فوق بيروت تدعو الشعب اللبناني إلى التبرؤ من حزب الله، وتحذرهم من أن لبنان قد يواجه مصير غزة نفسه. في مواجهة هذا الضغط المتزايد، أصبحت النظرة إلى تردّد العماد هيكل في مواجهة حزب الله على أنه محاولة تجنب صراع مباشر قد يؤدي إلى انقسام الجيش اللبناني، أو يُغرق البلاد في حرب أهلية جديدة.
هناك من يقيس قدرة وسيادة الدولة اللبنانية بناءً على وجود وسلوك التنظيم العسكري لحزب الله. يُعتبر هذا التحليل ناقصًا في أفضل الأحوال، أو بروباغندا في أسوأها. لقد نشأ الصراع العسكري لحزب الله مع إسرائيل كرد فعل على غياب أي محاولة حقيقية من الدولة لطرد الاحتلال الإسرائيلي وردع عدوانه. العديد من الذين يستحضرون السيادة كتبرير لنزع سلاح حزب الله نادرًا ما يعترضون على الانتهاكات العسكرية الإسرائيلية أو التدخل السياسي الأمريكي أو السعودي أو القوة المتجذرة للنخبة المصرفية في لبنان.
وسط النقاشات الدائمة حول سلاح حزب الله وتأثيره على السيادة اللبنانية، تظل التهديدات الخارجية واقعًا يوميًا، إذ تعود الطموحات الصهيونية بالأرض في لبنان إلى عشرينيات القرن الماضي على الأقل، وقد بدأت التدخلات العسكرية الإسرائيلية في عام ١٩٤٨. وكما هو واضح في اللحظة الحالية، فإن الجيش اللبناني لا يستطيع بسبب تركيبته، الدفاع عن البلاد ضد الانتهاكات المستمرة لأجوائها وسلامة أراضيها، ولم يمنع قتل السكان وجرحهم وتشريدهم.
هذا النمط يسبق تأسيس حزب الله في أوائل الثمانينيات بكثير. تولى حزب الله منذ تأسيسه دورًا دفاعيًا لم يكن الجيش اللبناني مكلفًا به أبدًا، ولم يُسمح له سياسيًا بتحقيقه، وبل نادرًا ما حاول القيام به.
قد يشير البعض إلى عمليات الجيش اللبناني ضد فتح الإسلام في مخيم نهر البارد للاجئين (٢٠٠٧) أو ضد تنظيم الدولة الإسلامية على الحدود الشمالية الشرقية للبنان مع سوريا (٢٠١٧) كمثال على فعاليته كقوة قتالية. على الرغم من أن هذه الحالات تختلف كثيرًا عن بعضها البعض، إلا أن المحللين العسكريين يصفونها بأنها عامة عمليات "مكافحة إرهاب" تركز على"جماعات متمردة" محددة، بدلا من عملية عسكرية تقليدية ضد قوة عسكرية لدولة أخرى. بهذا المعنى، تُظهر كلتا الحالتين أهمية الاستثمار في الجيش اللبناني كقوة أمنية داخلية دون طموح موازٍ للدفاع بمواجهة الطموحات التاريخية، والغزو المتكرر، والانتهاكات المستمرة للأجواء اللبنانية من قبل الجيش الإسرائيلي.
أسّست الدولة اللبنانية الجيش اللبناني رسميّا في عام ١٩٤٥، بعد الانتفاضة التي وقعت في عام ١٩٤٣، والتي حقّقت الاستقلال السياسي عن فرنسا. طالبت مجموعات من مختلف الأطياف السياسية والاجتماعية بإنشاء جيش وطني كضرورة مرافقة للسيادة. ومع ذلك، تطور الجيش اللبناني منذ نشأته وفق منطق إنشاء قوة أمنية داخلية. في الوقت ذاته، شكّل الجيش اللبناني قناة رئيسية للعلاقات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية مع الدول الأخرى، وبشكل خاص وإن ليس حصريًا مع الدول الغربية. بهذا المعنى، كان الدفاع عن الأرض يخضع دائمًا لاعتبارات أخرى.
لقد فهم الرؤساء، والحكومات، والقادة العسكريون، والأغلبيات البرلمانية المتعاقبة هذا الإطار وعملوا ضمنه. وكانت النتيجة جيشًا موجهًا بشكل بنيويّ نحو تعزيز قوة الدولة داخليًا، وإدارة انقسامات لبنان الداخلية، والحفاظ على التحالفات الدولية، عوضا عن مواجهة انتهاكات إسرائيل المتكررة للأراضي اللبنانية. هذا الديناميكية التاريخية تشكل أرضية اللحظة الحالية والنقاش المستجدّ حول السيادة.
إن افتقار الجيش اللبناني لقدرة دفاعية فعلية ضد الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية يعكس جزئيًا التسوية السياسية التي تلت الحرب الأهلية ١٩٧٥-١٩٩٠. حينها، ضمنت الهيمنة السورية وتدفقات المساعدات الغربية اقتصار دور الجيش اللبناني على الأمن الداخلي مع تجنب المواجهة المباشرة مع إسرائيل -وهو الدور الذي اضطلع به حزب الله تاريخيًا.
This pattern long predates Hezbollah’s founding in the early 1980s. Since its establishment, Hezbollah has assumed and exercised a defensive role that the LAF was never mandated to perform, was never politically authorized to pursue, and has rarely attempted to carry out.
Some might point to the LAF operations against Fath al-Islam in the Nahr al-Bared Refugee Camp (2007) or the Islamic State on Lebanon’s northeast border with Syria (2017) as examples of its effectiveness as a fighting force. While these cases are very different from one another, military analysts nevertheless broadly describe them as “counter terrorism” operations focused on specific “insurgent groups” rather than a conventional military operation against a standing military force of another state. In this sense, both cases demonstrate the point of investing in the LAF as an internal security force without a corollary aspiration for defense against the historical ambitions, repeated invasions, and continuous airspace violations of the Israeli military.
The Lebanese state formally established the LAF in 1945, following the 1943 uprising that secured political independence from France. Groups from across the political and social spectrum demanded the establishment of a national army as a necessary corollary of sovereignty. Yet from its inception, the LAF’s development was shaped by the logic of creating an internal security force. At the same time, the LAF served as a key channel for diplomatic, military, and economic relations with other states, primarily, but not exclusively, Western ones. In this sense, territorial defense was always subordinated to other considerations.
Successive presidents, cabinets, military commanders, and parliamentary majorities understood and operated within this framework. The result was an army structurally oriented toward shoring up state power domestically, managing Lebanon’s internal fractures, and maintaining international alliances rather than confronting Israel’s repeated violations of Lebanese territory. This historical dynamic underlies the current moment and the sovereignty debate it has reignited.
The LAF’s lack of meaningful defense against Israeli violations of Lebanese sovereignty is, in part, a reflection of the political settlement that followed the 1975–1990 Civil War. At that time, Syrian hegemony and Western aid flows ensured that the LAF’s role was restricted to internal security while avoiding direct confrontation with Israel — a role Hezbollah has historically undertaken.
Can a state build sovereignty by mobilizing its army against a domestic political movement?
بعد تحرير حزب الله جنوب لبنان في عام ٢٠٠٠، تم تعزيز تقسيم العمل هذا بشكل أكبر. كان ذلك إلى حد ما بسبب التوجه المؤيد للغرب لبعض الأحزاب السياسية الرئيسية. شكلت حرب ٢٠٠٦ نقطة تحول متناقضة. عسكريًا، مثلت لحظة الذروة لحزب الله الذي صمد وفي النهاية صد غزوًا بريًا إسرائيليًا. سياسيًا، كشفت عن عمق الانقسامات الداخلية في لبنان، وشكلت لحظة ضعف للقيادة السياسية اللبنانية. إذ انتشرت صور لأعضاء مجلس الوزراء يجتمعون مع مسؤولي السفارة الأمريكية، وكشفت وثائق ويكيليكس عن قادة لبنانيين يحثون واشنطن سرًا على الضغط على إسرائيل لتمديد قصفها الجوي على أمل إضعاف حزب الله أو على الأقل تشويه سمعته. جسدت هذه الحلقة الانقسام المستمر بين مشروع المقاومة الذي نفذه الجناح العسكري لحزب الله والطبقة السياسية اللبنانية التي كانت حساباتها الاستراتيجية وبقاؤها إلى حد كبير مرتبطًا بالرعاية الغربية.
ومع ذلك، فإن الدور المقيد للجيش اللبناني يسبق النظام ما بعد الحرب الأهلية، ويعود إلى الانتداب الفرنسي (1920-1943). تعود النواة التأسيسية للجيش اللبناني إلى الوحدات اللبنانية من قوات الشرق الخاصة التي أنشأها وقادها الفرنسيون. تأسست في عام ١٩٣٠، وتم تشكيل القوات الخاصة من قوات محلية أعيد تنظيمها جندها الفرنسيون بهدف قمع الثورات والتحركات المحلية المناهضة للاستعمار وفرض الحكم الفرنسي. دعمت هذه القوات المحلية جيش الشرق الفرنسي في قمع المقاومة المسلحة وغير المسلحة لفرض الحدود والسياسات الاقتصادية والتسلسل الهرمي السياسي للبنان الاستعمار. ومن غير المستغرب أن القوات الخاصة لم تلعب أي دور فعلي في تأمين استقلال لبنان في عام ١٩٤٣.
هذا التوجه المقيِّد استمرّ بعد الاستقلال. في حزيران ١٩٤٨ أطلق الجيش اللبناني عملية عسكرية محدودة لتأمين المالكية، وهي قرية فلسطينية تقع جنوب الحدود، وسلّمها إلى جيش الإنقاذ العربي في الشهر التالي. ومع تقدم القوات الصهيونية في شمال فلسطين في وقت لاحق من ذلك العام، قيل أن الجيش اللبناني رفض طلبات الدعم العسكري من وحدات جيش الإنقاذ العربي المتمركزة جنوب الحدود اللبنانية الفلسطينية. وعندما عبرت القوات الإسرائيلية لاحقًا إلى لبنان واحتلت أكثر من ١٥ قرية، بما فيها حولا، حيث ارتكبت مجزرة بحق عدد كبير من المدنيين، قيل أن الجيش اللبناني رفض الانخراط رسميًا في القتال. انتهى الاحتلال الإسرائيلي الأول لجنوب لبنان في آذار ١٩٤٩، بعد الهدنة الإسرائيلية اللبنانية التي قضت بانسحاب إسرائيل.
منذ الاستقلال، شهد الجيش اللبناني تطورًا كبيرًا في التنظيم والموارد البشرية والمادية. وكما حصل في الفترة بين ١٩٤٥-١٩٧٥، تعمّقت في حقبة ما بعد ١٩٩٠ وخاصة بعد ٢٠٠٥، الروابط بين الجيش اللبناني ونظرائه الأميركيين والأوروبيين. على سبيل المثال، قدمت الولايات المتحدة للبنان أكثر من ٣ مليار دولار على شكل مساعدات عسكرية بين ٢٠٠٦ و ٢٠٢٤. من خلال التدريبات المشتركة وبرامج التدريب ومبادرات التعاون الأمني ونقل الأسلحة، أصبح الجيش اللبناني نقطة التقاء مهمة تربط لبنان بالشبكات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية الغربية. غالبية حِزم المساعدات العسكرية الأجنبية للجيش اللبناني تجنبت بشكل صريح بناء قدرة دفاعية حقيقية للبنان وركزت بدلاً من ذلك على الأمن الداخلي. ويُشترط الدعم الأميركي للجيش اللبناني على وجه الخصوص، بعدم استخدامه ضد إسرائيل تحت أي ظرف.
بعد الانهيار الاقتصادي في لبنان بعد عام ٢٠١٩، تغيرت أنماط المساعدات الخارجية بشكل كبير. أصبحت القوات المسلحة اللبنانية إحدى القنوات المفضلة للمساعدات الخارجية الثنائية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الولايات المتحدة أكبر مقدّم للمساعدات التنموية والإنسانية والأمنية للبنان. وبلغ متوسط المساعدات الثنائية الأمريكية حوالي ٢٨٥ مليون دولار سنويًا بين عامي ٢٠٢١ و٢٠٢٤، وكان الكثير منها على شكل تمويل عسكري خارجي للقوات المسلحة اللبنانية.
نظرًا لانخفاض قيمة الليرة اللبنانية بأكثر من ٩٠ في المئة، وانهيار مستويات المعيشة، والنقص الحاد في العملات الأجنبية، كان من الممكن أن لا تنجو المؤسسة خلال السنوات الست الماضية دون دعم خارجي مستمر. هذه المساعدات الحيوية زادت ارتباط لبنان بنطاق النفوذ الأمريكي والبريطاني والفرنسي مما عزز الاعتماد على الخارج، الأمر الذي يساعد على تفسير موقف الجيش الدائم. لقد عزز الشركاء الغربيون دور الجيش اللبناني كقوة أمن داخلي مما ساهم بعدم رغبته وعدم قدرته على مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية.
إن التاريخ الطويل من التبعيّة يجعل قرار رئاستَي الجمهورية والحكومة بسحب الجيش من جنوب لبنان والمناطق الحدودية الأخرى بعد هجوم حزب الله الصاروخي في ٢ آذار ٢٠٢٦، قرارًا غير مفاجئ. يساعد هذا السياق أيضًا في تفسير التقارير حول رفض مجلس الوزراء طلب العماد هيكل الحصول على إذن لاستعداد الجيش ضد غزو إسرائيلي منتظر. لم يتم تصميم الجيش اللبناني أو تجهيزه لمثل هكذا مواجهة.
في عام ٢٠٠٠، أدت عمليات حزب الله العسكرية التي استمرت قرابة عقدين ضد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها خلال غزو ١٩٧٨ و١٩٨٢. وعلى الرغم من تحقيق مستوى ملحوظ من الردع خاصة بعد عام ٢٠٠٦، لم يتمكن حزب الله من منع الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية بشكل كامل. بين عامي ٢٠٠٧ و٢٠٢٢ وحدهما، انتهكت إسرائيل المجال الجوي اللبناني أكثر من ٢٢٠٠٠ مرة، بما في ذلك أكثر من ٨٢٠٠ توغل لطائرات مقاتلة وأكثر من ١٣٠٠٠ توغل لطائرات بدون طيار. ومع ذلك، لم يردّ الجيش اللبناني والحكومة اللبنانية بأي شكل.
مهما كان تقييم الأدوار التي يلعبها حزب الله في السياسة الداخلية اللبنانية أو في سوريا المجاورة، وهي أدوار لا تعلو عن النقد، فإن السبب الرئيسي لوجود الجهاز العسكري للحزب منذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي هو طرد القوات العسكرية الإسرائيلية وردعها وصدها عن الأراضي اللبنانية. ومن المنطقي أن تكون قيادة الجيش اللبناني واعية بأنها غير جاهزة بنيويًّا، ولا تملك تفويضًا شعبيًا لمواجهة حزب الله. فقد تم بناء الجيش لإدارة النظام الداخلي، بينما تم تجهيز حزب الله لمواجهة واحدة من أقوى القوى العسكرية في العالم، بغض النظر عن أي مشاعر قومية أو مناهضة للاستعمار قد يحملها أو لا يحملها عناصر الجيش اللبناني.
من حيث المبدأ، فإن احتكار الدولة لاستخدام القوة، بما في ذلك السلطة الحصرية على قرارات الحرب والسلم، أمر يستحق الدعم. لكن، فإن مثل هذه المطالب يفتقر حاليًا إلى أي تطبيق متماسك وشامل لهذا المبدأ، خاصة في الدفاع عن الأرض اللبنانية من الهجمات الخارجية. لذلك، فإن الدعوات للجيش اللبناني لمواجهة حزب الله غير متماسكة استراتيجيًا، ولا تستند إلى رؤية جديّة للسيادة اللبنانية. ومع توسع إسرائيل في احتلالها وإفراغها للجنوب، حان الوقت لكي يحمل مجلسا الوزراء والنواب والرئاسة اللبنانية، المسؤولية الجدية في الدفاع الفعّال عن الجنوب، ولبنان بشكل عام.
Share this page