بناية قديمة منتصبة وسط الركام، وعمال النجدة والبناء بالقرب منها. كرنتينا، بيروت. ٢٣ أيلول ٢٠٢٠. (ريتا قبلان، مصدر عام)

بناية قديمة منتصبة وسط الركام، وعمال النجدة والبناء بالقرب منها. كرنتينا، بيروت. ٢٣ أيلول ٢٠٢٠. (ريتا قبلان، مصدر عام)

الكرنتينا ما بعد الكارثة: نحو تعافٍ مرتكز على الناس وقائم على التراث

في أعقاب أحداث التصدّع العنيفة، تتكبد المدن محوًا للمكان والذاكرة واضطرابات في الممارسات الاجتماعية-الاقتصادية والثقافية، فيصبح إصلاح الصلات العاطفية والروحانية والاجتماعية-الثقافية أساسيًّا لأي عملية تعافٍ، فيما يصبح الإرث الثقافي - الذي يضم مواقع ذات أهمية اجتماعية وذكريات متشاركة - بمثابة محفِّز لعملية التعافي الناجحة. يعمل التعافي الثقافي ضمن هذا السياق بشكل أوسع من التعريف المحدود للتراث المرتبط بالمحسوس والتاريخي، ويتعدى عملية التعافي العاجلة المرتكزة على الناس، والقائمة على الإرث، وذات الخصوصية المكانية، كي يواجه الحاجات الأساسية لما بعد الكارثة. الأهم من ذلك أن التعافي الثقافي يعنى بالممارسات الاجتماعية-المساحية التي تمثل جزءًا من الإرث غير المحسوس، ويعمل على المدى البعيد على إعادة بناء الممارسات الثقافية المقوّضة، والروابط الاجتماعية، والشبكات الاقتصادية. لذلك، فإن الأحياء الصناعية والتجمعات السكنية غير الرسمية مثل الكرنتينا، التي تمتاز بتاريخ اجتماعي وثقافي واقتصادي عميق، هي جديرة - كمثل أي حي آخر - بعملية تعافٍ مرتكزة على الناس وقائمة على الإرث وذات خصوصية مكانية.

انفجار في المدينة

إن ٤ آب ٢٠٢٠ يوم مهم في تاريخ بيروت. ضرب يومها انفجار هائل المرفأ وأحياءه المجاورة بشكل كبير، من ضمن هذه الأحياء الجمّيزة ومار مخايل والجعيتاوي والكرنتينا. قُتل أكثر من ٢٠٠ شخص وجرح ٦٥٠٠ آخرون وهُجّر قرابة ٣٠٠ ألف شخص. فقدت المدينة عددًا كبيرًا من معالمها  التراثية المحسوسة وغير المحسوسة. تعتبر الأضرار المادية للبنايات التاريخية والمساحات المجتمعية المتجذرة في الذاكرة الجمعية لسكان المدينة أضرارًا محسوسة، فيما تتعلق الأضرار غير المحسوسة بالممارسات الاقتصادية والاجتماعية-المساحية المرتبطة بهذه المساحات. لم تتكبد هذه الأحياء دمارًا على نطاق واسع فحسب، بل هي الآن - ومرة أخرى - عرضة لخطر انتهازيي التطوير العقاري الذين يرون في الانفجار فرصة استثمارية. ضرب الانفجار الكرنتينا - وهي أحد أفقر أحياء المدينة ووجهة تاريخية مهمة للعمالة المهاجرة واللاجئين - وستتكبد تداعياته طويلة الأمد.

الكرنتينا

تقع الكرنتينا عند طرف المرفأ، وقد تغيّر دورها الحضري على مَر التاريخ. جاءت تسمية الحي نسبة لهدفه الأصلي كمنشأة حَجر صحي عثمانية بُنيت في ثلاثينات القرن التاسع عشر. في بدايات القرن العشرين، أصبحت الكرنتينا وجهة عمل للمهاجرين من الريف إلى المدينة وللعمال من الدول المجاورة. كانت الكرنتينا أيضًا مقصدًا للاجئين الأرمن والأكراد والفلسطينيين، بعد المذبحة الأرمنية عام ١٩١٥، والحرب العالمية الأولى، ونكبة عام ١٩٤٨. أصبحت الكرنتينا مع الوقت حيًّا للطبقة العاملة ومصدرًا لليد العاملة في التجارة المحلية، والحياكة، والصناعات الحرفية في ستينات القرن العشرين. أصبحت المنطقة خلال الحرب الأهلية موقع مواجهة بين الفصائل المتقاتلة، ومن ضمنها منظمة التحرير الفلسطينية والمليشيات اليمينية المسيحية التي ارتكبت أحد أشد المجازر دموية في الحرب. أصبحت الكرنتينا منذ عام ٢٠١١ موطنًا لسوريين فارّين من الحرب. وكأن هذه المآسي المتراكمة غير كافية، إذ يعتبر سكان الكرنتينا بأنها نالت الهزّة الأقوى خلال انفجار ٤ آب. في مقابلة مع بتول ياسين، عبّرت ليليان - وهي امرأة في الخمسين تعيش منذ زمن طويل في الكرنتينا - عن هذا الشعور دامعة:

”كل شي صار بالكرنتينا من مصايب بكفّة، وهيدا الانفجار بكفّة تانية. رأسًا بعد الانفجار، تذكرتُ كل المشاهد المفجعة من الحرب الأهلية… أجساد ممزقة، جثث متدلية من الشرفات، أطفال يصرخون من تحت الأنقاض طالبين النجدة. لكن هذه المرة كنا في حيرة، هل كان هجومًا إسرائيليًا أم انفجارًا؟"

تحديات في أعقاب الانفجار

يواجه سكان الكرنتينا اليوم تحديات عديدة، فالكثير من المستأجرين القدامى والسكان غير الرسميين مهددون بالإخلاء القصري، سيما أن المنطقة وجهة لمشاريع الإنماء. قال السكان في المقابلات مع بتول ياسين أن بعض المالكين إما يرفضون الإمضاء على تصاريح إخلاء للسماح بإعادة الإعمار، أو يزوّرون تقارير السلامة العامة حول السلامة الهيكلية لبناياتهم. اضطرت في هذه الأثناء المجتمعات متدنية الدخل التي لا تملك سبل اللجوء إلى مكان آخر إلى البقاء في شققهم المتضررة جزئيًا، وهي غالبًا بلا شبابيك أو أبواب. سونيا امرأة في منتصف الستينات تضرر بيتها بشدة، أخبرت بتول ياسين عن خوفها من فقدان بيتها وذكرياتها وحسّها بالانتماء.

”ليس لدينا مكان آخر نقصده، فقد عشنا وعملنا هنا لسنين، وهنا تجمعت وتشكّلت ذكرياتنا. هذا كل ما نملك، ولن نفرّط به“.

امرأة من سكان الكرنتينا تتشارك القهوة المسائية والعصير مع جيرانها عند مدخل بيتها. كرنتينا، بيروت. ٢٣ أيلول ٢٠٢٠. (ريتا قبلان، مصدر عام)

امرأة من سكان الكرنتينا تتشارك القهوة المسائية والعصير مع جيرانها عند مدخل بيتها. كرنتينا، بيروت. ٢٣ أيلول ٢٠٢٠. (ريتا قبلان، مصدر عام)

ممارسات اجتماعية-مساحية

في الكرنتينا وسائر أنحاء المدينة، يعرِّف الناس والأماكن عن بعضهم البعض. لذلك، فأن الإرث الذي يُعاش ويُمارس في المساحات ذات الأهمية والذكريات المشتركة مهدد بشكل خطير ويجب تحويله لمحفِّز للتعافي التام. تم في الكرنتينا على وجه الخصوص تأسيس علاقة وطيدة بين الناس والأماكن بفعل الصدمات العديدة. يتم مع الوقت تأسيس وإنتاج العديد من ديناميات الممارسات الاجتماعية-المساحية، والثقافية والاقتصادية، وتظهر هذه الديناميات بوضوح في الطوابق الأرضية التي تضج بالحركة، ومداخل البيوت، وفي الردهات والمساحات الأخرى حيث تعقد النساء ”صبحياتهم“، وهي لقاءات صباحية لشرب القهوة والدردشة. اختبأ الناس في هذه المساحات من النيران خلال الحرب، وهي مستخدمة حاليًا كنقاط مرجعية للتنسيق مع وكالات الإغاثة. تشاركنا ليليان تعبيرها البليغ عن الأهمية المضاعفة لهذه المساحات:

”هنا كنا نعقد صبحياتنا، والآن نلتقي هنا كل يوم للمتابعة مع منظمات الإغاثة. إنه مكان مثالي للبقاء على تواصل مباشر مع الجميع، وتحديدًا جيراننا الذين يسكنون في الطوابق العليا الذين يستصعب مقدمو الإغاثة التواصل معهم. أصبح هذا المكان الآن محطة توزيع للمساعدات، ولا زلنا نعقد صبحياتنا ها“. 


ترتبط الأهمية الاجتماعية أيضًا بحياة الشارع، حيث يلعب الأطفال كرة القدم ويتجمع الرجال والنساء في الأزقة وعلى الأرصفة للدردشة بعد الظهر. تشكل الممارسات والاحتفالات الدينية المتنوعة والموجودة منذ زمن طويل في الكرنتينا تجربة اجتماعية قوية تساهم في حس السكان بالانتماء والهوية. لذلك، فإن الإرث الاجتماعي-الثقافي في الكرنتينا أساسي لتعافيها، والتعافي هنا ليس وضعًا في خانة ”ما-بعد“ ولا عملية محسوسة، إنما هو بالدرجة الأولى اعتراف بالتجربة المُعاشة للناس المرتبطين بأماكن ذات ذكريات متراكمة.  تشكك سونيا، في هذا الصدد، بعملية إعادة الإعمار وتؤكد أن البناء التراكمي للحيوات والبيوت لا يمكن إصلاحه فوريًا، شارحة:

”كيف سنصلح بيتنا الذي قضينا ٣٠ عامًا نصممه ونبنيه بتأنٍ؟ لن يعود شيء كما كان سابقًا. لقد قتلوا ذكرياتنا؛ لقد قضوا على الأماكن التي تحمل ٤٠ عامًا من الذكريات. هل يمكن لهذا أن يُرمم على الإطلاق؟ ومع ذلك لن نغادر أبدًا ولن نعطيهم ما يريدون“.

رجلان يتحدثان أمام بيتهما المتضرر. كرنتينا، بيروت. ٣١ آب ٢٠٢٠. (بتول ياسين، مصدر عام)

رجلان يتحدثان أمام بيتهما المتضرركرنتينا، بيروت. ٣١ آب ٢٠٢٠. (بتول ياسين، مصدر عام)

ممارسات اقتصادية

إن الممارسات الاقتصادية في الكرنتينا هي أيضًا جزء لا يتجزأ من الذاكرة الجمعية، كما أنها أساسية للمعيشة. إن موقع الكرنتينا الاستراتيجي نسبة إلى المرفأ جعل المنطقة مرتبطة اقتصاديًا بأكثر المرافق العامة حيوية في المدينة. الكثير من المنشآت في الكرنتين طبيعتها صناعية وتتعامل بخدمات الاستيراد والتصدير. يؤمن الكثير من أصحاب الأعمال بأن أشغالهم التي أُسست في الكرنتينا لا يمكنها أن تزدهر خارجها، لأنها معتمدة على العلاقات المتبادلة التي تربطهم بالمرفأ. يملك غسان شركة استيراد وتصدير مواشي، وقد أصلح مكتبه على نفقته الخاصة، فهو يعتقد أن لا وقت يمكن تضييعه في انتظار الإغاثة أو التعويضات المالية من سلطات غير جديرة بالثقة. قال غسان في مقابلة مع بتول ياسين:

”أنا في الكرنتينا منذ سنوات. عملي هنا مستقر ولا أراه في مكان آخر. مكتبي قريب جدًا من المرفأ والانتقال إلى منطقة أخرى سيضعف تجارتي. من وجهة نظري، لا يمكن للكرنتينا أن تستمر دون المرفأ والعكس صحيح“. 


بناءً على ذلك، فمن المهم على إثر أعمال العنف والتصدّع أن نأخذ بعين الاعتبار الشبكات الاجتماعية-المساحية والاقتصادية لما قبل الكارثة، والتي تربط الناس بمكان ما من خلال ممارساتهم وذكرياتهم. على عملية التعافي الحضري أن تتجاوز الترميم أو التجديد كي تواجه الهشاشات الحضرية وانعدام العدالة، وعليها أن تعمل ضمن إطار تصاعدي وعادل اجتماعيًا لتحقيق تعافٍ مرتكز على الناس وقائم على الإرث وذي خصوصية مكانية. نتصور بذلك عملية تشاركية وشاملة، تبدأ بالأولويات التي يحددها أهل الكرنتينا أنفسهم، وتستمر لصياغة رؤية مشتركة للكرنتينا في أعقاب ٤ آب، وتنتهي بتصميم تشاركي لخطة إنعاش تستديم هذه الممارسات والشبكات الاجتماعية-الثقافية والاقتصادية المجبولة.