آثار الغارات الجوية الإسرائيلية على حي حارة حريك في الضاحية الجنوبية، لبنان. 9 تشرين الأول، 2024. (مروان بو حيدر، مصدر عام)
أي إعادة إعمار نريد؟ مشاهدات من صور وكفركلا وبيروت
لم تكن الحرب الأخيرة على لبنان مجرد سلسلة من الاعتداءات الإسرائيلية، بل تصاعدت إلى درجة أصبحت عملية إبادة مكانية مُتَعَمَّدة استهدفت البيئة المبنية والطبيعية والسكان في آنٍ واحد. لم يكتفِ المشروع الاستيطاني الصهيوني بالتدمير المادي، بل عمل على تقويض مقومات الحياة ذاتها من خلال الإبادة البيئية والزراعية في القرى الحدودية، وتفكيك الذاكرة الاجتماعية والبنى الاقتصادية، عبر استهداف الأسواق الشعبية والمساحات المشتركة في المدن. هذا الواقع الذي تخطّى معظم التجارب السابقة من حيث حجم الخسائر ونوعها، يشكل تحدياً أساسياً لتفكيرنا في مرحلة ما يسمى بإعادة الإعمار.
نعرض في هذا المقال عملية الرصد التي قادها استديو أشغال عامة لتوثيق الاعتداءات الإسرائيلية وتبيان البنى المنتِجة للدمار وتفكيك أنماط العدوان. كما نقدّم إطارًا عامًا لمفهوم الإعمار الذي نحتاجه اليوم، من خلال قراءات للتحديات السياقية وعلاقتها مع التحديات على المستوى الوطني، في ثلاث مناطق أطلقنا فيها مسارات بحثية تشاركية (الضاحية الجنوبية لبيروت، وصور، وكفركلا) لنصل إلى نقد استجابة السلطات الرسمية. هدفنا هو الإجابة عن السؤال الأساسي التالي: هل نجرؤ على تخيّل عملية إعادة إعمار وتعافٍ شاملة، تتخطّى مجرّد معالجة تداعيات الحرب، لتشمل العدالة العمرانية التي نسعى إليها أيضاً؟
ماذا فقدنا، وكيف أُنتج الدمار؟
منذ اندلاع الحرب على لبنان في تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣، توجّهت الجهود البحثية في استديو أشغال عامة نحو رصد الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أنتجت "خريطة الاعتداءات الإسرائيلية" التي تُحدّث يومياً، لتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار المزعوم. تُعدّ هذه الخريطة وسيلة روائية وخيارًا سياسياً يشكّل أساساً لتحليل الأسباب المنتجة للدمار وفهم أعمق لوحشية لمشروع الاستيطاني الصهيوني وتأثيره في أرض الواقع. تصنيف الاعتداءات من الناحية التحليلية يهدف إلى الكشف عن أنماط الاستهداف وأشكال الخسارة. تقدم الخريطة قراءة مكانية وجغرافية للعدوان عبر رصد التوزع الجغرافي للهجمات، والكشف عن توسع نطاق العدوان وتموضع الضربات. كما تظهر أشكال القصف عبر تصنيف أنواع الذخائر المستخدمة (قذائف مدفعية، صواريخ جو-أرض، قنابل مضيئة، قنابل فسفورية)، ما يسمح بتحليل آثارها المدمرة. زيادة على ذلك، تمّ تحديد الفئات المستهدفة (مدنيون، جيش، منازل، مدارس، أحراش)، وتوثيق أعداد الشهداء من المدنيين/المدنيات، وتقديم القراءة الزمنية التي توضح وتيرة الاعتداءات واستمراريتها.
خريطة العدوان الإسرائيلي على لبنان
-
المنطقة العقارية -
المنطقة التي تعرضت للقصف
تكشف الخريطة أنه حتى تاريخ ١٧ كانون الأول ٢٠٢٥، طالت الاعتداءات ٤٣٣ بلدة لبنانية. ورغم تركز الهجمات في المنطقة الحدودية ومحافظتي الجنوب والنبطية، إلا أن نطاق العدوان توسّع ليصل إلى عمق الأراضي اللبنانية، مستهدفاً محافظتي البقاع وبعلبك-الهرمل، بالإضافة إلى اعتداءات متفرقة في جبل لبنان. تكثفت وتيرة الهجمات ونوعية أهدافها في فترات معينة من الحرب لخدمة مصالح المحتلّ في كل مرحلة. ففي الأشهر الثلاثة الأولى تصدّرت الأحراش والغابات والأراضي الزراعية خاصة في قرى الجنوب الحدودية، قائمة الأهداف الأكثر عرضةً للقصف، حيث تعرّضت لأضرار جسيمة شملت قتل المواشي والدواجن وإحراق المساحات الخضراء، واستُخدم الفوسفور الأبيض الحارق والمعادن الثقيلة الأخرى لتحويل الأرض في هذه القرى من فضاء للعيش إلى منطقة غير قابلة للحياة، وتقويض مقومات الصمود الذاتي للسكان، ما يرقى إلى ممارسات الإبادة البيئية والزراعية. وتشير التقديرات إلى أن إسرائيل أحرقت على الأقلّ ٢٢ مليون مترًا مربعًا من الأراضي الخضراء، من بينها ١.٤٥ مليون متر مربّع من الأراضي الزراعية والبساتين المثمرة والزيتون1، ما أثّر على نحو مباشر أو غير مباشر على حوالي ٧٠% من القطاع الزراعي في الجنوب. في الأشهر اللاحقة، ظهر تحوّل واضح في نمط الاعتداءات الموثقة، مع انتقال التركيز إلى المناطق المأهولة. فقد بدأت تتصاعد وتيرة قصف الأحياء السكنية والمنازل، في تحول استراتيجي نحو ممارسة المزيد من الضغط على السكان المدنيين للتأثير في دعمهم حركات المقاومة. بلغ هذا التحول ذروته في ٢٣ أيلول ٢٠٢٤، عندما تصاعدت وتيرة قصف المنازل بشكل كبير، واستمرت حتى بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار. تزامنت هذه الموجة مع استهداف المباني الدينية، إذ وثّقنا استهداف إسرائيل لأكثر من ٤٢ معلماً دينياً في ٣٧ بلدة، حيث نالت المساجد النصيب الأكبر (١٧ مسجداً) من القصف والتدمير الكلي أو التضرر الكبير، بالإضافة إلى استهداف الكنائس والمقابر. كما استخدم العدو استراتيجية تفجير الأحياء وتجريفها بشكل ممنهج. استطعنا توثيق استخدام النسف الجماعي للأحياء والقرى باستخدام المتفجرات في ٤٣ بلدة جنوبية خلال الفترة التي أعقبت وقف إطلاق النار، ما أدى إلى تدمير أحياء بأكملها، وبنى تحتية، ومنشآت صناعية وتجارية، ومعالم مدنية ودينية. في المناطق الحدودية وحدها، وصل عدد المباني المدمرة إلى ١٣٨٩١ مبنًى بحسب آخرالتقديرات2. .يهدف هذا التدمير الموجّه إلى تقويض العلاقة بين السكان والمكان وإجبارهم على التهجير الدائم. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك نية واضحة لتقويض الخدمات الإنسانية والطبية عبر الاستهداف الممنهج لفرق الإسعاف والمرافق الصحية، خاصة في المناطق الحدودية الجنوبية، حيث سقط منذ بداية الحرب ٢٢٢ مسعفاً شهيداً وأكثر من ٣٣٠ جريحاً، وتضرّرت عشرات المستشفيات والمراكز الإسعافية. وقد وثّقنا ١٦ اعتداءً مباشراً على المسعفين، و٤١ اعتداءً على مراكز ونقاط إسعافية ومستوصفات، و١٤ هجوماً على مستشفيات أو محيطها، ما أدى إلى أضرار جسيمة أوقفت بعضها عن العمل.
ماذا نتعلم من السياقات المحلية؟
تؤكد الرؤية الشاملة للخسائر والدمار التي كشفت عنها خريطة الرصد والإحصاءات من المصادر الأخرى أن الخسائر الناتجة عن العدوان الإسرائيلي تتجاوز الأضرار المادية لتشمل مستويات اجتماعية وبيئية واقتصادية وثقافية ودينية وغيرها. كما كشف الرصد أن أنواع الدمار كانت مختلفة ومتنوعة، إذ شملت نسف الأحياء، وتدمير متعمّد للطبيعة، وتدمير مقوّمات العيش البيئية والثقافية والزراعية المحلية، وتلويث المياه والتربة على المدى الطويل. لم يكتف الاحتلال باستهداف المنازل والأحياء فقط، إذ استهدف البنى التحتية أيضًا. كانت الأحراش والغابات والأراضي الزراعية عرضةً للقصف الذي أدّى إلى قتل المواشي والدواجن وحرق قِفار النحل.
من هذا المنطلق، نقرأ التحديات الحالية ضمن ٣ سياقات محلية عمل عليها استوديو أشغال عامة، وهي: الضاحية الجنوبية لبيروت، مدينة صور في الجنوب، وبلدة كفركلا الحدودية. تُظهر هذه المواقع الثلاثة وقائع متباينة عن شكل الضرر وعمق التحديات المطلوبة للإعمار والتعافي. وقد اعتمدنا منهجيات بحثية متنوّعة تتكيّف مع كل سياق لاستخلاص هذه التحديات.
في سياق الضاحية الجنوبية لبيروت، اُعْتُمِدَت منهجية دقيقة للرصد والتوثيق، حيث سُجِّل موقع كل ضربة بشكل محدد في قاعدة بيانات تفصيلية، بُنيت على أساسها خريطة شملت جميع المواقع المستهدفة. سهّلت هذه الخريطة تحليل التوزيع الجغرافي للهجمات وكثافتها، ما أتاح استخلاص قراءات أولية حول أنماط الاستهداف، مثل تكرار القصف في أحياء محددة أو تركّزه حول محاور مدنية ذات طابع سكني أو خدماتي. بالتوازي، كان لا بدّ من البحث عن الحكايات والمرويّات المكانية؛ فاعتمدنا على قصص سكان الضاحية من خلال توثيق شهادات خمسة أشخاص من كل من أحياء: الشياح، حارة حريك، برج البراجنة، الليلكي، والحدث-السان تريز. روى كلٌ منهم قصة حيّه عبر توثيق مستويات مختلفة من الأمكنة والنسيج العمراني للمنطقة، مثل الأسواق ومساحات اللقاء والحدود والحواجز والمقابر والمتاجر وغيرها، في محاولة لفهم ما خُسر، وما يجب الحفاظ عليه. أما في مدينة صور، فقد اعتُمدت منهجية توثيق وتحليل تشاركية متكاملة، انطلقت من عمل ميداني وجولات في المدينة لتوثيق الدمار الجزئي والكلي واستكشاف تاريخ الأحياء المتضررة. تلا ذلك تنظيم ورشة عمل و٦ جلسات حوار جماعية مركّزة مع الناشطين والمهندسين والسكان المتضررين. لعبت الخرائط في هذه الجلسات دوراً محورياً كأداة للتوثيق والتحليل المجالي، حيث ساعدت على تحويل الشهادات الفردية إلى سرديات محلية دقيقة ترتبط بالمكان المتأثر، مما أنتج معرفة جماعية عززت فهم نطاق الأذى وتوزيعه. وبالنسبة لبلدة كفركلا الحدودية، ونظراً لاستمرار الاعتداءات وعوامل الخطر التي منعت العمل الميداني، اعتمدنا على ورشة عمل تشاركية وجلسة حوار جماعية مركّزة حول تصورات العودة والتعافي في البلدة، ضمت سكان ومزارعون متضررين، وناشطون، ومنظمات مجتمع مدني، وباحثون. أُجريت أيضاً مجموعة من المقابلات مع الجهات الرسمية المعنية، والخبراء والناشطين البيئيين، ومؤسسات، وجمعيات ومبادرات تعمل بالشأن الزراعي والبيئي.
الضاحية الجنوبية لبيروت
تؤكد الأرقام على الحجم الهائل للدمار المادي في الضاحية الجنوبية، التي تمثل سياقاً مدينياً كثيفاً بامتياز، حيث تأثر ما يقارب ١٨% من الكتلة العمرانية بشكل مباشر. شمل هذا التأثير تدميراً وانهياراً كلياً لـ ٣٥٣ مبنى، وإلحاق أضرار بدرجات متفاوتة بـ ٦٠١٠ مبان3. لا شك في أن هذا الدمار يتطلب إعماراً مادياً واسع النطاق، لكن الإشكالية الأعمق تكمن في الضرر الذي لحق بكتل سكنية بأكملها وبالأسواق الرسمية وغير الرسمية.
الخريطة الإدارية لبيروت والضاحية الجنوبية
-
غارة إسرائيلية مُعلنة -
غارة إسرائيلية غير مُعلَن عنها
المصادر: قاعدة بيانات البيئة العمرانية في بيروت — مختبر بيروت الحضري (الخريطة الأساسية)، استوديو أشغال عامة (البحث وتصور البيانات)
تضمّ الضاحية عددًا كبيرًا من الأسواق المتنوّعة التي تنتشر داخل الأحياء، حتى يكاد كل شارع أن يكون شارعًا تجاريًا. وتُعدّ هذه الأسواق شريان الحياة الاقتصادي والاجتماعي، ومقصدًا رئيسيًا للسكان من داخل الضاحية وخارجها، إذ توفّر حاجات أساسية وكمالية بأسعار تراعي التفاوت في القدرة الشرائية، وتُعدّ فضاءات للتفاعل اليومي وتعزيز الترابط الاجتماعي. ومع القصف المتواصل من ٢٧ أيلول حتى ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤، كانت هذه الشرايين الحيوية في قلب الاستهدافات، إذ أصاب القصف عددًا كبيرًا من الأسواق ما أدّى الى تدمير الكثير من المحلات التجارية وإغلاق أخرى ما حوّل مناطق تجارية مكتظة إلى ركام.4
في قراءة الخريطة الاجتماعية التي أنتجناها للشياح، تبيّن تضرّر ثلاثة من أبرز الأسواق الشعبية: سوق الجمّال، وسوق الشياح الشعبي، وسوق البالة، من جراء غارات حصلت في ١٤ و١٦ و٢٢ تشرين الثاني ٢٠٢٤. هذه الأسواق التي تشكّلت عبر عشرات السنين كوجهات منخفضة الكلفة ومساحات للتفاعل الاجتماعي - الاقتصادي، لم يكن دمارها خسارة مادية فقط، بل تفكّكًا لشبكات العلاقات اليومية. فسوق الجمّال، أحد أشهر الأسواق الشعبية في لبنان، تتداخل فيه محالّ الثياب والمجوهرات والعطور والملابس الداخلية؛ وسوق الخضار الشعبي المسقوف بالتنك، الذي يُعدّ الأرخص في المنطقة، ويُباع فيه كل شيء من الخضار إلى الدجاج والأسماك؛ وسوق البالة الذي يضمّ أكثر من عشرين محلًا للملابس والأحذية المستعملة، ويُعدّ مقصدًا لذوي الدخل المحدود؛ جميعها توقّف نشاطها التجاري والاجتماعي فجأة. أما سوق معوّض، أو "فردان الضاحية"، الذي يضم أكثر من ١٤٠ محلًا ويمتدّ على طول ٣٦٥ متراً، فقد سبق أن تدمّر وتعرض للاستهداف لأكثر من مرّة في الماضي، وتعرّض في الحرب الأخيرة لأكثر من خمس ضربات متفاوتة التأثير. في حارة حريك تعرّض سوق الجملة أو "السوق الصيني" لأكثر من ١٦ ضربة دمّرته بالكامل. اختفت مكتبة شنغهاي ومحلات البضائع الصينية، وتحوّل الحي إلى ركام.
إلى جانب الأسواق، كانت المجمعات السكنية الكبيرة والمباني المتجاورة هدفًا واضحًا للغارات. فقد طال القصف أكثر من ١٦ مجمّعًا سكنيًا في مختلف أحياء الضاحية، ما أسفر عن دمار واسع وتضرّر عدد كبير من الشقق والمنازل. بالنتيجة لم تفقد الأسر مساكنها فقط، بل تعطّلت الروابط الاجتماعية والجوار اليومي مع تفرّق السكان وتهجير كلّ منهم إلى منطقة أو حيّ أو مبنى مختلف. من بين هذه المجمعات، كان مجمّع السلام في السانت تيريز أول المجمعات المستهدفة بعد تهديد من الاحتلال سبق استهدافه بفترة قصيرة في ٢٧ أيلول ٢٠٢٤. أسفر القصف عن تدمير المجمّع بالكامل، والذي يتألف من أربعة مبانٍ متلاصقة، تضمّ طوابقها الأرضية عددًا من المحال التجارية. كما طالت الضربات المباني المجاورة، حيث استمر احتراق أحدها لأيام قبل انهياره، ما أدى إلى نشوب حريق في مبنى آخر مجاور أصبح بدوره غير صالح للسكن.
هذا المثال المذكور للمجمّعات السكنية يمثّل نموذجًا مصغّرًا للمشهد الأوسع في الضاحية الجنوبية، التي دمّر الاحتلال الإسرائيلي كليّا أو جزئيّا مباني ومجمّعات سكنية كبيرة كانت تستوعب آلاف الأسر والسكان، بشققها المنفردة وأقسامها المشتركة وبنيتها التحتية وروابطها الاجتماعية. وقد أدّى هذا الاستهداف إلى تهجير السكان وتشتيتهم في مناطق مختلفة، ضمن ظروف إيواء مؤقتة غالبًا لا تلبّي احتياجاتهم الأساسية، وسط غياب أي وضوح حول موعد أو إمكانية عودتهم إلى منازلهم وبيئاتهم العمرانية والاجتماعية الأصلية.
خريطة الضاحية الجنوبية لبيروت
-
غارة إسرائيلية -
معلم بارز / مكان للتجمع / مقهى -
نقطة تفتيش -
حي -
سوق / شارع تجاري -
مجموعة من المتاجر -
مسجد / مجمع ديني -
كنيسة -
مستشفى / عيادة -
مبنى حكومي -
مقبرة -
موقع ثقافي -
مجمع سكني
وفي سياق متصل، أظهرت البيانات نمطاً واضحاً لاستهداف نظام الدعم الحيوي للضاحية، بما يؤكد نية العدو في خلق بيئة غير قابلة للحياة. فقد تعرّض محيط ٧٧% من المرافق الصحية و٧٨% من المرافق التعليمية في الضاحية للضربات المباشرة أو القريبة5. كما كشف البحث عن أضرار بالغة في شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي في الأحياء المتضررة. هذا التدمير المتعمد للبنية التحتية الحيوية يقضي على الحد الأدنى من شروط الحياة اليومية، ويبرز تحدي إعادة تأهيل الخدمات الأساسية كأولوية قصوى لضمان العودة الدائمة للسكان.
مدينة صور
تُعدّ مدينة صور إحدى أكثر المدن الجنوبية تضرّراً، حيث طالتها الغارات الإسرائيلية بـ ٨٥ استهدافاً على مدى أكثر من ٤٨ يوماً، بناءً على ٧ إنذارات جماعيّة أصدرها جيش الاحتلال. وقد وثّق عملنا الميداني دماراً واسعاً طال ما لا يقل عن ١٦٦ مبنى بشكل جزئي، و٧٩ مبنى بشكل كلي. وما يفسر ضخامة حجم الدمار مقارنةً بعدد الضربات (إذا ما قورنت ببلدات جنوبية أخرى)، هو الطابع العمراني للمدينة؛ حيث يتركز السكان في كتلة عمرانية ذات كثافة عالية ومساحة محدودة، بينما تتوزع باقي المساحات في المدينة بين المواقع الأثرية، الشاطئ، والمحمية الطبيعية.
خريطة توضح الدمار الجزئي والكلي في صور نتيجة الغارات الجوية الإسرائيلية (٢٠٢٣-٢٠٢٥)
-
مجمع سكني متضرر بشدة -
غارة إسرائيلية -
مبنى مدمر جزئياً -
مبنى مدمر بالكامل
من هنا تنبع الإشكالية الأساسية، إذ تركزت الاستهدافات في أحياء سكنية مكتظة، ومخيمات، وتجمعات فلسطينية، ما أدى إلى تضرر تجمعات سكنية كاملة. وقد تمكنا من توثيق أضرار جسيمة ودمار لحق بـ ١٣ تجمعاً سكنياً أو مبانٍ متلاصقة داخل الحدود العقارية للمدينة، وهي تكتلات المباني في كل من الحارة القديمة، وحي حب الله، وحي المنّاع (المساكن الشعبية)، وأحياء دبوق، وبسما، وسينما الحمرا، والإنجيلية، والدينية، وشاهين، والزراعة، ونزلة أبو ديب، وحي أبو ديب، وحي صوت الفرح.
تتّسم هذه التكتلات السكنية بتنوّع واضح من حيث طابعها العمراني وتاريخ نشأتها وظروفها القانونية وتركيبتها السكانية؛ فمنها ما يتميّز بطابع تراثي يتألف من بيوت الحجر الرملي القديمة لا يتعدى ارتفاعها الطابقين يقطنها مستأجرون قدامى، مثل التكتّل الموجود في الحارة القديمة حيث أدت غارة مفاجئة دون سابق إنذار في ٢٨ أيلول ٢٠٢٤ إلى تدمير مبنيين متلاصقين كليا، وتدمير جزئي في سبعة مبانٍ محيطة. مقابل ذلك، برزت تكتّلات ذات طابع غير رسمي نشأت على أملاك الدولة (أراضٍ أميرية) مثل التجمع المتضرر في حي المنّاع ضمن المساكن الشعبية؛ إذ وثّق المسح الميداني دماراً كلياً لستة مبانٍ وجزئياً لاثني عشر مبنى آخر بارتفاعات محدودة، حيث تحول الحي اليوم إلى ركام متكدس يُظهر تأثير الدمار على النسيج العمراني غير الرسمي بمجمله. كما يبرز نمط ثالث من التكتّلات يجمع بين الأبنية القديمة والجديدة متوسطة الارتفاع، بتركيبة سكانية مختلطة بين المالكين والمستأجرين، كما في حي حب الله الذي شهد تدمير ٤ مبانٍ كلياً و٥ جزئياً.
يُضاف إلى هذه التكتلات استهداف مبانٍ مرتفعة تُعد بمثابة معالم على صعيد المدينة، تتكون من عدد كبير من الوحدات السكنية التي تقطنها فئات اجتماعية متنوعة، ولا تزال معظم هذه المباني قائمة بركامها المتدلي، ومن أبرزها: مبنى برازيليا، ومبنى Tyre Etoile، وبرج عودة، وغيرها.
خريطة للمباني التي دمرها العدوان الإسرائيلي في حي الحارة القديمة (صور، لبنان ٢٠٢٤)
-
غارة إسرائيلية -
مبنى مدمر جزئياً -
مبنى مدمر بالكامل
خريطة غارات العدوان الإسرائيلي على حي المساكن الشعبية (صور، لبنان ٢٠٢٤)
-
غارة إسرائيلية -
مبنى مدمر جزئياً -
مبنى مدمر بالكامل -
أملاك الدولة الخاصة / الأراضي الأميرية
خريطة للمباني التي دمرها العدوان الإسرائيلي في حي الرمل (صور، لبنان ٢٠٢٤)
-
غارة إسرائيلية -
مبنى مدمر جزئياً -
مبنى مدمر بالكامل
خريطة للمباني التي دمرها العدوان الإسرائيلي في حي البلعوطة (صور، لبنان ٢٠٢٤)
-
غارة إسرائيلية -
مبنى مدمر جزئياً -
مبنى مدمر بالكامل
إذاً، على غرار الأنماط التدميرية التي شهدتها الضاحية الجنوبية لبيروت، استهدف العدوان في صور تجمعات سكنية لم تكن مجرد مساكن لآلاف العائلات، بل مثلت فضاءات حيوية تحتضن روابط اجتماعية معقدة وبنى تحتية مشتركة، ما أدّى إلى نزوح السكان واقتلاعهم من سياقاتهم المحلية وتشتيتهم. هذا الواقع يفرض علينا التفكير في النزوح كقضية أساسية في مسار العودة في صور؛ إذ لا يمكن حصر إعادة الإعمار بكونها مجرد "منتج مادي" يتمثل في تشييد الأبنية، بل هي "مسار" لتأمين حقوق السكان يجب أن يبدأ من اليوم. إن الخصوصية التي يمتلكها كل تكتل سكاني مستهدف في المدينة، والتباين بين التكتلات سواء التراثية أو غير الرسمية أو المختلطة، يفرض معالجة تعقيدات عمرانية وقانونية واجتماعية متعدّدة، من الضروري أن تكون جزءاً من مسار العودة، الذي من المفترض أن يسبق عملية البناء نفسها.
فضلا عن ذلك، لا تتوقف تداعيات الدمار في صور عند دمار الوحدات السكنية، بل طالت الركائز المعيشية لعدد كبير من السكان. فمن الناحية الاقتصادية، تتسم الأحياء المتضررة مثل حي الرمل والبلعوطة والزراعة والمساكن الشعبية، بنمط معيشة يدمج بين السكن والعمل؛ حيث تستخدم الطوابق الأرضية في هذه المباني كمحلات تجارية وكراجات وصناعات خفيفة، فيصبح دعم مشغلي هذه النشاطات في أماكن نزوحهم واستعادة النشاط التجاري وتأمين استمرارية هذه المهن، جزءاً لا يتجزأ من مسار تأمين الحقوق الذي يجب أن يسبق ويواكب عملية إعادة الإعمار.
بلدة كفركلا الحدودية
تعرّضت بلدة كفركلا لعدوان منهجي ومكثف، حيث كانت الهدف لأول غارة بعد انطلاق الحرب. وقد وثّقنا تعرّض البلدة للقصف على مدى ٣٣٥ يوماً حتى نهاية تشرين الثاني ٢٠٢٥. لقد أدى هذا الاستهداف المتواصل عبر الغارات والقذائف المدفعية والفوسفورية وعمليات الجرف والتفجير إلى دمار مادي غير مسبوق. لقد بلغت تقديرات نسبة الدمار ٨٥% من المباني، ولم يتبق سوى حوالي ٢٩٠ مبنى واقفاً من أصل ١٤٥٠، بينها مبانٍ يتوجب الهدم6. لم يقتصر الدمار على المباني السكنية بل طال البنى التحتية بشكل مباشر، حيث عملت الجرافات الإسرائيلية على تخريب الطرق الرئيسية والداخلية وشبكات المياه والكهرباء وجرفها، مما قوّض أي مقومات للحياة المدنية.
هذا الدمار أدى إلى نزوح حوالي ٥٠٠ عائلة نزوحاً كلياً وجماعياً7، وهو ما لم تشهده البلدة في تاريخها. هؤلاء السكان مشتتون اليوم في بلدات ومناطق متفرقة، انسلخوا عن بيئتهم، وفقدوا نشاطهم الاقتصادي، خاصة وأن أغلبهم كان يعتمد على الزراعة، واستنزفوا مدخراتهم في دفع بدلات إيجار مرتفعة دون سقوف واضحة. وبالتالي، يتجاوز التدخل المطلوب مجرد الشروع في الإعمار، بل يتطلّب التركيز على أولوية التعافي الاجتماعي والاقتصادي والعمل على دعم النازحين و"إرجاع الناس إلى نشاطها وليس فقط إلى سكنها"، كشرط أساسي لضمان العودة المستدامة، مع التنبّه إلى أن الصحة النفسية تمثّل جزءاً لا يتجزأ من عملية التعافي.
من جهة أخرى، ارتقى التدمير في البلدة إلى مستوى الإبادة البيئية وتقويض مقومات الحياة. إذ كان القطاع الزراعي هدفاً مركّزاً للعدوان، حيث مُنع المزارعون من الوصول إلى أراضيهم وتعرّضت حقول الزيتون المعمِّرة للجرف والحرق والاقتلاع من جذورها بشكل ممنهج، ما أدى إلى خسائر فادحة في المحاصيل، والثروة الحيوانية (فقدان خلايا النحل ونفوق المواشي)، وتدمير المنشآت الزراعية. كما جاءت كفركلا في المرتبة الثانية من حيث الاستهداف بالفوسفور الأبيض، الذي وثقنا استخدامه فيها لأكثر من ٢٦ يوماً، وقد أظهرت التحاليل وجود بقايا فوسفور غير متفاعل في التربة ساهم في تشوهات وموت أجنة المواشي، ويسبب خطراً ساماً ودائماً يمتد لأكثر من ١٠ سنوات. هذا التلوث البيئي الممنهج، وغياب الإرشاد الزراعي حول كيفية التعامل مع التربة المتضررة، يبرز ضرورة التعافي البيئي الاستراتيجي كخطوة مترافقة مع أي إعمار. وبسبب أعمال التجريف أيضاً، باتت الأراضي والمساحات المفتوحة بلا حدود ومعالم واضحة، لدرجة أن الناس لا تستطيع تحديد حدود أراضيها، مما يستلزم إعادة ترسيم الحدود كجزء من الإعمار، مع التأكيد على الأهمية القصوى للتوثيق كأداة لمقاومة "المحو".
وفي مقابل هذا التدمير الشامل، تُعتبر السيطرة العسكرية ومنع العودة التحدي الأول والأكثر إلحاحاً الذي يواجه إعادة الإعمار. إذ لا تزال أجزاء واسعة من أراضي كفركلا الملاصقة للجدار الفاصل مع فلسطين المحتلة تحت السيطرة العسكرية للاحتلال على عمق يصل إلى ٣٠٠ متر، حيث يُمنع أي شخص من الاقتراب. كما أن الاحتلال يراقب أي محاولة لاستعادة الحياة؛ فبعد وقف إطلاق النار استهدفت إسرائيل التجمعات والبيوت الجاهزة التي استقدمها الأهالي لاستخدامها كمنازل مؤقتة بعد الانتهاء من تجهيزها، وهي رسالة واضحة لمنع أي محاولة لاستعادة الحياة. غياب الأمن هذا يرسخ حالة المنطقة العازلة ويمنع العودة، ما يجعل الإعمار- بمفهومه غير المادي- يتلخّص في ضرورة اتخاذ الدولة للموقف السياسي الواضح والمقاوم كخطوة تسبق الإعمار المادي.
خريطة لكفركلا والمناطق المحيطة بها
-
هدم المباني حتى 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 -
هدم المباني حتى 27 يناير/كانون الثاني 2025 -
هجوم فسفور -
هدم منزل جاهز الصنع -
نقطة إسرائيلية -
حد منطقة العزل
في ضوء هذه القراءات المختصرة في سياقات الضاحية وصور وكفركلا، والتي نتوسّع فيها في مقالات وتقارير ستصدر قريباً عن استوديو أشغال عامة، يتضح أن التحدي لا يكمن في إعادة البناء فحسب، بل في تأمين الأمن ومعالجة الإشكاليات القانونية المرتبطة بالملكية، والاستجابة للتحديات السكنية للمستأجرين، واستعادة الذاكرة الجماعية، وتحقيق التعافي البيئي، وتقوية النسيج الاجتماعي المتضرر، على سبيل المثال لا الحصر. هذا هو جوهر التعافي الشامل أو "الإعمار غير المادي" الذي نريده اليوم، والذي فشلت الدولة اللبنانية في تحقيقه في تجارب إعادة الإعمار السابقة.
بين القصور الرسمي والتحدي الأمني: هل نحن فعلياً في عملية إعادة إعمار؟
إن تساؤلنا حول أي إعمار نريده لا ينفصل عن التقييم الواقعي لجهود الإعمار القائمة. ففي الوقت الذي أثبت فيه التحليل عمق الأضرار التي تتجاوز الحجر لتشمل كافة المستويات؛ الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والقانونية، والبيئية. إن الواقع اليوم يفرض علينا التساؤل: هل نحن فعلياً في عملية إعادة إعمار أصلاً؟
منذ وقف إطلاق النار المزعوم في ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤ وحتى اليوم، أي بعد مرور أكثر من عام، لم تتحرك السلطات المعنية بالشكل الكافي، ولم تنطلق فعلياً عملية إعادة الإعمار. لقد شاع خطاب رسمي واسع يُبرّر حالة الشلل العام في ملف الإعمار بحجج تتعلّق بعجز الخزينة وترهّل مؤسسات الدولة، ويدعو إلى التعامل بواقعية مع الأزمات الراهنة. في ظلّ هذا المنطق القائم على التسليم بعجز الدولة، اقتصر كل ما تحقق خلال عامٍ كامل على صدور قانون مجتزأ في ٣٠ حزيران ٢٠٢٥ يرمي إلى إعفاء المتضرّرين من بعض الرسوم والضرائب، مع مادة وحيدة حول إعادة بناء المباني المدمرة. هذا القانون لم يقدّم مقاربة شاملة لإعادة الإعمار والتعافي، ويركز بشكل عام على إعمار الأبنية كما كانت، ويتضمن العديد من الإشكاليات لناحية التعامل مع الأنواع المختلفة من ملكيات الأراضي. كما لم تصدر مراسيمه التطبيقية حتى اليوم، بل إن بعض المهل المذكورة فيه قد انتهت أصلاً، ما يعبّر عن قصور رسمي وتأخر فاضح في معالجة آثار الحرب.
إلى جانب هذا القانون المعطّل، اتُّخذت إجراءات متفرقة تفتقر للتنسيق والربط برؤية شاملة. فقد أصدرت وزارة البيئة دليلاً للتخطيط المستدام للأنقاض، لكنه لم يطبّق بشكل فعلي على الأرض بسبب غياب التنسيق والتحديات اللوجستية والإدارية. وأصدرت الوزارة بالتعاون مع المديرية العامة للتنظيم المدني دليلاً للتخطيط المستدام لاستخدام الأراضي بعد الحرب، ولكنه يبقى حتى الآن في الإطار النظري، وليس من الواضح الارتباط بين الإطار المحلي المقترح فيه، وبين قانون إعادة الإعمار. كما أن مسودة آلية الكشف على الأضرار وتحديد التعويضات التي اقترحها مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة، لا تزال حتى اللحظة في مرحلة البحث الحكومي دون إقرار أو رصد للأموال اللازمة. ورغم إقرار بعض المنح العينية من منظمات دولية متفرقة للبنى التحتية، والموافقة على قروض محدودة على صعيد الدعم الاجتماعي، فإن هذه الجهود بقيت مجزأة ومشتتة إلى حين بروز تطور أساسي تمثل بتبلور ملامح استراتيجية وطنية للتعافي والإعمار، والتي تعمل عليها لجنة وزارية مختصة.
تتركز هذه الاستراتيجية حول ثلاث مسارات: النزوح والسكن (بمساعدات مؤقتة للنازحين كبرنامج "النقد مقابل الإيجار" عبر وزارة الشؤون الاجتماعية)، وإعادة إعمار البنى التحتية (عبر قروض مثل LEAP8 المخصص للمناطق المأهولة فقط)، والتنمية الاجتماعية-الاقتصادية (بمشاريع تحت إشراف وكالات الأمم المتحدة وقرض GATE. لكن بالرغم من هذا التقدم، تتسم الخطة بـمقاربة آنية وغير مستدامة؛ فالمساعدات الاجتماعية مؤقتة (على ٣ أو ٦ أشهر)، والخطة لا تعالج الأضرار البيئية أو إعادة بناء الجزء الأكبر من المساكن، كما أنها لا تتناول مقاربة شاملة للبلدات الحدودية التي تعرضت للإبادة، إذ لا يشملها قرض ترميم البنى التحتية. ويُعد غياب التمثيل لأصحاب الحقوق والمتضررين في اللجنة تقويضاً للمشاركة والشفافية. أما التحدي الأكبر فيكمن في الاعتماد شبه الكامل على التمويل الخارجي، إذ إن التمويل الداخلي خجول جداً ولا يظهر إلا بشكل محدود في موازنة ٢٠٢٦. هذا الاعتماد على الخارج يضع الملف تحت رحمة الجهات المانحة وشروطها السياسية، مثل شرط حصر السلاح. يُضاف إلى ذلك تأخير الموافقة على قرض LEAP الأساسي في مجلس النواب، قبل أن يُقَرّ في الجلسة التشريعية الأخيرة المنعقدة بتاريخ ١٨ كانون الأول ٢٠٢٥؛ وهي خطوة جاءت في اللحظات الأخيرة قبل انقضاء المهلة الزمنية المحددة من قِبل البنك الدولي.
في ظل هذا التخبط الرسمي، اعتمد الناس بشكل رئيسي على جهود غير رسمية وشعبية لضمان صمودهم وعودتهم. فقد شكّل بديل الإيواء والأثاث الذي قدمه حزب الله عبر القرض الحسن خلال السنة الماضية، وبدلات الترميم التي دُفع جزء منها، الدعم الأبرز للمتضررين، ولكن استدامة هذا الدعم ضبابية اليوم في ظلّ تحديات عدة. هذا وقد انطلقت مبادرات فردية لتجاوز انتظار الدولة، فقام البعض بإزالة الركام على حسابهم الخاص عبر متعهدين خاصين، ورمّم البعض منازلهم المتضررة، فيما دعمت بعض الجمعيات ترميم بعض المباني والبنى التحتية في مناطق معينة. لكن الإشكالية تبقى في إعادة الإعمار الكاملة للأبنية المهدمة التي إما يعجز الناس عن تمويلها، أو تجابه بالهدم من قبل الأجهزة الأمنية، أو تلك التي تقع في أماكن لم يتحقق فيها الأمان بعد. بالإضافة إلى ذلك، جرت محاولات لوضع بيوت جاهزة كباحة خدمات أو للسكن، وهي كلها حلول ترقيعية ومؤقتة.
يضاف الى هذا المشهد المعقد التحدي الأكبر وهو التحدي الأمني القائم، إذ لا يمكن فصل التساؤل عن الإعمار عن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والانتهاكات اليومية، خاصة في المناطق الحدودية. إن حالة غياب الأمان السائدة في تلك البلدات، في ظل غياب موقف رسمي واضح للدولة وتواجدها الفعلي على الأرض، تولد بيئة تستحيل فيها أي عملية بناء أو تعافٍ مستدام. في ظل استمرار الاستهداف الأمني للمناطق التي من المفترض أن تعاد إليها الحياة، يصبح التساؤل جوهرياً: هل يمكن أن يحدث إعمار بظل استمرار الحرب؟ إن هذا الواقع يرسخ من قناعة المتضررين بأن غياب الدولة لا يقتصر على الرؤية الشاملة والتمويل، بل يتعداه إلى غياب القرار السياسي بتأمين الحماية والوجود، مما يحوّل المنطقة الحدودية فعلياً إلى منطقة عازلة تُمنع فيها استعادة الحياة الطبيعية.
الإعمار كمسار لاستعادة الحقوق
لقد أثبت التحليل أن خسائر الحرب الأخيرة ليست مادية فحسب، بل طالت البيئة المبنية وتجاوزتها إلى خسائر على كافة المستويات الثقافية، والاجتماعية، والطبيعية، والبيئية؛ أما مشهد إعادة الإعمار حالياً فيتمثل بالتدخلات المجتزأة واستراتيجية أو رؤية وطنية لا تزال في طور التشكّل وهي غير واضحة المعالم، مع اعتماد شبه كامل على التمويل الخارجي المشروط الذي يحوّل الإعمار إلى أداة ابتزاز سياسي، وفرض التحدي الأمني القائم التشاؤم وترسيخه خطاب صعوبة الإعمار، واعتبار العمران النتيجة المرجوة لتحقيق العودة.
في المقابل، ما نحتاجه اليوم هو أن يُنظر إلى الإعمار كمشروع سيادي ومقاوم يتجاوز البعد المادي وسبل تمويله، يتطلب هذا الواقع تحولاً نحو اعتماد نموذج "التعافي الاستراتيجي" أو الإعمار غير المادي، الذي يسبق فيه القرار السياسي أي وضع حجر، ويستهدف إعادة بناء النسيج الاجتماعي والثقافي والذاكرة الجماعية والأمان البيئي إلى جانب الأبنية؛ والذي يرى أن العمران ليس نتيجة بحد ذاتها نسعى لها، بل هو مسار متواصل يتضمّن تأمين سلة من الحقوق، تشمل الحق في الأمان، الحق في السكن، والحق في الوصول إلى الموارد البيئية الآمنة، والحق في المدينة.
Share this page