وضوحٌ ثمنُه الموت
قضيتُ شهورًا أفكّرُ بحجم خسارتنا كفلسطينيّين وعرب وآدميّين في رفعت العرعير، وفيما قد ينجزه إنسان مثله لصالحنا جميعًا لو ظلّ حيًا، وهو الذي يقوم بأربع مهام في وقت واحد ولديه قدرة عجيبة على الإنجاز بحرفيّة عاليّة. ثمّ بدت لي ضحكته الساخرة من فكرتي حول بقائه حيًا. بحثنا طويلًا عن جثمانه حتى وجدناه في مقبرة عشوائيّة رفقة ستّة من أقاربه الذين قضوا معه. قمنا بنقلهم إلى مقبرة "ابن مروان" على حدود الشجاعيّة.
أحبّ رفعت الشجاعيّة وخلّدها في نصوصه، كانت حاضرة دومًا في أحاديثه ولطالما عبّر عن رغبته بأن يكتب عنها المزيد. الشجاعيّة، حيث التقيتُ رفعت لأول مرّة في حياتي وأنا طفل صغير في العاشرة، وكان شابًا بهيًا ونشيطًا ومفعمًا بالحياة والإبداع. للشجاعيّة من اسمها نصيب، باهى بها رفعت كل خلق الله الذين التقاهم في أمريكا وأوروبا وجنوب شرق آسيا وتركيا.
امتلأ وافتخر بها ومنحها من ذاته باستمرار. تشبه الشجاعيّة رفعت إلى حد كبير، سيدة جميلة حادّة الطباع لكنّها طيّبة، تغضب إن تعدى جيرانها حدود أرضها لكنها ترسل لهم من زيتون الأرض بعد الحصاد، تحب أن تقوم بالفعل دون إجبار، لا تمشي "الحيط الحيط ولا تبعد عن الشر" بل تتصدى له حتى لو كان ما كان. وكذلك رفعت، جعل الرجلُ الوضوحَ شعاره وغايته ورسالته وأسلوب حياته. شكّل الوضوح شخصية رفعت الإنسان قبل الأكاديمي والباحث والكاتب والإعلامي. وضوح يربكك إن لقيته أول مرّة، ثم يشدّك للقائه بعد ذلك. هو الوضوح الذي دفع ثمنه من دمه في كانون الأول ٢٠٢٣.
كان يعلم أنّ وضوحه ثمنه الموت، وأنّ دولة ملوّثة ملوّنة كإسرائيل لا تستسيغ النقاء والحجة والحقيقة. في الشهر الأوّل من الحرب، سألتُه: "أتعلم أنّك مستهدف؟" ردّ غير مكترث: "نعم، متأكد". نظرت إليه مستغربًا ممتعضًا، كمن يطلب من صاحبه أن يفعل شيئًا لإنقاذ نفسه. "طيب اعمل اشي؟" قلت له، "هم اتخذوا القرار ولا يمكنني أن أفعل شيئًا لأغيّر قرارهم، لذلك سأفعل أقصى ما أستطيع لمواجهتهم،" أجابني. قد تبدو جملته واضحة بما يكفي، لكنّها تشي عن شخصية قائلها الواضح لأصحابه كما كان واضحًا لأعدائه الذين اغتالوه غدرًا.
في علاقاته مع أصحابه ورفاقه، في خلافاته السياسية، في عمله مع مدرائه ومسؤوليه، في إدارته لمحاضراته مع طلابه وزملائه، كان رفعت واضحًا لدرجة أنّك تحتار في التعامل مع هذا المستوى من الوضوح الصاخب والمباغت وغير المعتاد.
الوضوح مبدأ، والوضوح ذكاء. الوضوح شجاعة، والوضوح مقاومة. هكذا كان يرى رفعت الحياة. بعيدًا عن الدروس النظريّة، كان يعيش حياةً غنيةً بالحركة والنشاط والتقدم والعمل، في وقت تاه فيه الناس بشتى طرق التململ والتنظير والتثاقل والتشعّب فيما يفيد ولا يفيد.
أجلس الآن وحيدًا في غزة. أتخيّل لو كان رفعت هنا. أتخيّل سخريته من فكرتي ومن وحدتي ومن عجزي ومن محاولاتي الفاشلة أن أقلّده في الوضوح أو جزء منه. أفتّش في الصور القديمة، أتأمّل ابتسامته الماكرة والصادقة في نفس الوقت. أتخيّلني لا أستطيع التغلّب عليه في فصاحة الكلام. أتخيّله يستند إلى كتفي صامتًا أحيانًا أو مداعبًا أحيانًا أخرى. أتخيّل هذا العالم لو كان رفعت لا يزال هنا بمبادئه وشجاعته ومقاومته ووضوحه الذي كان سببًا في اغتياله.
لم تنتهِ الحكاية بعد، فالرجل الذي ولد في سبتمبر ١٩٧٩، وجعل قصيدة من بضعة أسطر تحلق في سماء واشنطن وتتلى على مقربة من البيت الأبيض، لا يزال له من الأثر والآثار ما قد تبديها الأيام عن ابن الشجاعيّة الوفي والصادق والمقاوم، الواضح جدًا، "د. رفعت العرعير، أبو عمر".
Share this page