Composite of an elderly resident of  Mar Mikhael standing on her balcony, construction workers, and a sign that reads, "We are Staying." Beirut, Lebanon. Photos taken between August and October 2020 by Marwan Tahtah. (The Public Source)

تركيب يضم صورة لامرأة مسنّة تقطن منطقة مار مخايل وهي تقف على شرفة منزلها، وصورة لعمال بناء، ويافطة كتب عليها "باقون". بيروت، لبنان. التقط مروان طحطح هذه الصور بين شهري آب وتشرين الأوّل عام ٢٠٢٠. (مصدر عام)

العدالة للمناطق المتضررة جزء لا يتجزأ من تحقيق العدالة الكاملة

إذا قصصنا جذع شجرة أو غصنها، بحسب نوع الشجرة والبيئة التي تنمو فيها، فمن الممكن أن ينمو الجذع أو الغصن مجدداً. لكن المدن لا تنمو هكذا. المدن، وبرغم حيويتها وتنوّعها، ليست شجراً، وحين نقتصّ منها حياً، ونرمي بقاياه في مزبلة أو بحرٍ أو تلة، ونترك أهله في العراء، فهو لن ينمو مجدداً-وإن فعل فلن يكون أقوى- وهم لن ينبت لهم حيّ مشابه- وإن فعل، فلن يكون الحي ذاته.

منذ سنة، ونتيجةً لتفجير المرفأ، بدأ اقتطاع جزء كبير من أحياء بيروت، عمرانياً واجتماعياً واقتصادياً وحقوقياً. وقد حلّ صمتٌ عميق حول هذه الأحياء في الإعلام وفي مؤسّسات الدولة، وكأن تفجير ٤ آب قد انتهى. أكملت المدينة حياتها ببطئها المعتاد، وأكمل معظمنا يومياتهن/م بعادية ورثناها من أزماتنا وحروبنا السابقة، كآلية تأقلم غير صحية. لكن أهل هذه الأحياء لم يعودوا إلى حياتهم ويومياتهم.

اليوم نقرأ فيما قامت به الدولة منذ لحظة تفجير المرفأ، وتجارب الإعمار السابقة، وعملية تدمير النسيج الاجتماعي الحاصلة، طارحات رؤيتنا لما يجب أن يحصل لتحقيق العدالة الكاملة. فنجد بذلك، في إنصاف الأحياء والمناطق، جزءاً لا يتجزّأ من تحقيق العدالة الكاملة للضحايا وللمجتمع.

العدالة المكانية

يُعرّف إدوار سوجا العدالة المكانية "كتركيز على الأوجه المكانية الجغرافية للعدالة وغيابها. يتضمّن ذلك بدايةً، التوزيع العادل في المكان للموارد والفرص وإمكانية استخدامها. هي إذاً ليست بديلاً عن الأشكال الاجتماعية، الاقتصادية للعدالة، بل هي طريقة للنظر إلى العدالة من منظور مكاني نقدي."1

ويمكننا أن نفهم كيف تتشكّل العدالة الإجتماعية من خلال قراءتنا لواقع أن المكاني يُنتج الاجتماعي، تماماً كما يُنتج الاجتماعي المكاني، ومن حيث أن الثروة والموارد والخدمات تتوزّع بشكل غير متوازٍ في مناطق مختلفة. 

ومن ضمن مكوّنات مفهوم العدالة المكانية، تأخذ القيمة الاجتماعية للأحياء حيزاً كبيراً. فالحي لا يصبح "حياً" بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى الوقت وتفعيل ميكانيزمات بناء العلاقات الاجتماعية وتعقيداتها، والمساحات والبنى التحتية التي تؤخّر حصولها أو تسرّعه. والمناطق التي لا تسمح ببناء الاجتماعي فيها، تصبح أرضاً موات، أو تتغيّر به بفعل عمل عنيف. 

ليست العدالة المكانية غريبة عنّا في لبنان، وليس غيابها بالتأكيد ما لا نستطيع فهمه. لذا، علينا أن نبحث عنها في عملية إعادة تأهيل الأحياء المتضرّرة من تفجير المرفأ. والنقاش اليوم حول إعادة الإعمار أساسي في إطار تشكيل خطاب العدالة الذي نريد. لذا، من المهم أن نرى عملية "إنصاف الأحياء المتضرّرة" أي العدالة للأحياء والمدينة كجزء لا يتجزّا ممّا نرنوا إليه في عملنا لدعم أهل هذه الأحياء، لا أفراداً فقط، بل كجماعة تشكّلت عقب ٤ آب. 

لذا، ولتفادي استغلال حقوق الناس أكثر ممّا حصل منذ التفجير، علينا أن نطرح الأسئلة المناسبة، وعلينا معالجة الأولويات المكانية للمهجّرين وللجماعات المتضرّرة. كما نرى بأنّ النظر إلى التجارب السابقة لمشاريع إعادة الإعمار قادر على إرشادنا لطرح الأسئلة هذه.

ماذا تخبرنا أطر إعادة الإعمار السابقة؟

تستطيع تجارب إعادة الإعمار السابقة أن ترشدنا لطرح الأسئلة الصحيحة، إن كان لجهة مقاربة السلطة لنظريات إعادة الإعمار، أو لمشاركة السكان في عمليات التخطيط من جهة أخرى، في عملية تظهير لسياسة السلطة السكنية. سنعرض هنا أبرز محطات إعادة الأعمار في لبنان.

  • في منتصف السبعينات، إعتاش أكثر من ١٣٠ ألف نسمة من وسط بيروت. جعلت تجربة سوليدير وقانون إنشاء الشركة العقارية من مفهوم المنفعة العامة أمراً يمكن التلاعب به وتعريفه في كل حين بحسب المصالح الخاصة. دفعت الشركة الناس للتخلي عن ملكياتهم وأسهمهم، فأصبحوا خارج المدينة وخارج الشركة وأسهمها، بهدف جذب نوع جديد من الاستثمار الرأسمالي في التجارة والسكن الفاخر. زاد هذا الأمر من مظاهر التناقض والصراع الطبقي، وفَصل الوسط عن باقي أجزاء المدينة بتثبيت الديناميكيات التي أنتجتها الحرب.  
  • بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان عام ٢٠٠٦، كان واضحاً أن نموذج إعادة إعمار الضاحية الجنوبية ارتبط بهيمنة حزب سياسي واحد على إنتاج الحيّز المديني، عبر مؤسسة "وعد" التابعة له، ما ساهم في ترسيخ الزعماء وسلطة الطوائف. أما البلدات والقرى الجنوبية، فقد شهد عدد كبير منها جرفاً تاماً لحاراتها القديمة بدل ترميمها، بحيث استكملت جرافات المقاولين ما كانت قد بدأت به طائرات العدو. 
  • مرّ ١٤ عاماً على تدمير مخيم نهر البارد بالكامل من قبل الجيش اللبناني. اليوم - وبحسب تقرير للأنروا صادر عام ٢٠٢٠- لا يزال ٣٠% من سكان نهر البارد محرومون من العودة إليه بسبب تأخّر إعادة الإعمار، فيما يعيش عدد كبير ممّن عاد في أوضاع سكنية غير ملائمة.

بالرغم من استخدامها لنماذج مختلفة، فشِلت كل تلك المشاريع في توفير ظروفٍ ملائمةٍ لعودة السكان أو للتعافي. هذا وتشهد تلك المشاريع على فشل المخطط الشامل كمفهومٍ بحدّ ذاته، في أزمنة الدمار والتعافي. في الواقع، في سياق الحرب أو التفجير، يمكن للرؤية أو المخطّط الشامل المساهمة في تغريب الضحايا وإقصائهم/ن عن عملية إعادة إعمار منازلهم/ن وأحيائهم/ن، وهو مسارٌ ضروريٌ جدًا لتحقيق التعافي والمصالحة. بذلك المعنى، تعكس تلك المشاريع التهديداتِ التي ينتجها إطارُ العمل المركزيّ أحادي الاتجاه.

ماذا جرى منذ التفجير حتى اليوم؟

في تشرين الأول ٢٠٢٠، صدر قانون "حماية المناطق المتضررة ودعم إعادة إعمارها"، بشكل جعله يفتقد إلى أي سياسة أو رؤية تستفيد من دروس الماضي، بل اعتمد مقاربة تخلو من الشقّين الاقتصادي والاجتماعي وتختزل العمران بالمباني والعقارات، في استهتار واضح بمفهوم العدالة المكانية. لم يساهم القانون في وضع السكان في موقع القرار لجهة ترميم أبنيتهم المتضرّرة بشكل سريع، أو لناحية إيضاح مسار تسديد التعويضات، أو منح الأولوية للحماية السكنية، أو وضع مسار لتأهيل الحيّز العام، أو حتى إرساء سياساتٍ تحدّ من المضاربات في المدينة برمّتها.

وتغيب عن القانون أي مندرجات لتعافي الأحياء الأكثر تضرّراً. فهو لا يتضمّن أي تحفيز للتعافي الاقتصادي والاجتماعي للمناطق المتضررة أو أي خطة لإنعاش الحيّز العام.

  • 1إدوار سوجا، المدينة والعدالة الاجتماعية (مقال منشور في مجلة Justice spatiale/Spatial justice، الصفحات ١-٥)، ٢٠٠٩.
بين أنقاض مبنى مهدّم في منطقة الجميزة. آب ٢٠٢٠. (مروان طحطح/ مصدر عام)

بين أنقاض مبنى مهدّم في منطقة الجميزة. آب ٢٠٢٠. (مروان طحطح، مصدر عام)

اليوم، واعتماداً على استمارة أجاب عليها حوالي ١٤٦ شخص من سكّان المناطق المتضرّرة بين ١٥ أيار و١٥ تموز ٢٠٢١، وجدنا بأن ٦٧ منهم لم يستطيعوا إنهاء ترميم بيوتهم وتصليحها بعد (أي ما يُعادل ٤٥،٨٩ %)، ٧٤ انتهوا من التصليحات (٥٠،٦٨ %)، ٤ منهم ربّما أنهوا الأعمال (٢،٧٤ %)، و١ منهم دون جواب (٠،٦٨ %).

من ناحية أخرى، ذكرت  دراسة نُشِرت في أواخر الشهر الماضي، بأن ٣٠ % فقط من سكّان المناطق الأكثر تضرّراً عادوا إلى منازلهم بعد سنة على التفجير، إمّا لأن التصليحات التي  تجعل البيوت آمنة للعودة ما زالت عالقة، أو لأن السكان يعانون من صدمة كبيرة جرّاء التفجير.

هل انتهيت من ترميم بيتك/محلك بعد الانفجار؟ نتائج بحث اجريناه مع ١٤٦ شخص

في المقابل، في كانون الأول ٢٠٢٠، أطلق كلٌ من البنك الدولي، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة إطار عملٍ مدّته ١٨ شهراً بغرض الاستجابة لتفجير مرفأ بيروت بعنوان "إطار عمل إصلاح، وإعادة إعمار وتعافي لبنان" (3RF)، ويرتبط بمِنصّة تمويل لبنان (LFF). يهدف إطار العمل هذا إلى الربط بين الاستجابة الإنسانية الفورية، والتعافي متوسّط الأمد وجهود إعادة الإعمار. كما يتضمّن ترتيباتٍ مؤسّساتيةً تجمع ممثّلين حكوميّين، وشركاء دوليّين، والمجتمع المدني والقطاع الخاص. ويشارك في رئاسة المجموعة رئيس مجلس الوزراء اللبناني حسّان دياب، وأسمى الزين ممثّلةً المجتمع المدني، وسفير الاتحاد الأوروبي في لبنان رالف طرّاف، والمنسّقة المُقيمة ومنسّقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان نجاة رشدي. وتضمّ المجموعة أيضاً ممثّلين عن الجمهورية اللبنانية، وممثّلين عن المجتمع الدولي والمنظّمات الدولية. يجد الكثير أملاً في هذا الإطار، لكنه في نهاية المطاف يخضع لقيادة المنظّمات الدولية والدول المانِحة، ويُغيّب المؤسّساتِ العامة والضحايا والسكّان في آن.

لاحقاً، في ٩ نيسان ٢٠٢١، كشفَت أربع شركاتٍ ألمانية عن مشروعٍ بمليارات الدولارات قدّمته إلى السلطات اللبنانية لإعادة إعمار وتطوير مرفأ بيروت والمناطق المحيطة به. وقتذاك، واجه المقترح انتقاداتٍ كثيرة، فقيل إنه يستنسخ نموذج سوليدير عبر إسقاط التصوّرات الهندسية على النسيج المديني الموجود أساساً، من دون أن يأخذ بالحسبان الظروف الاجتماعية والاقتصادية القائمة. في الواقع، المشروع هو نموذج عمل يعتمد على الملكية الخاصة تحت إدارةٍ دولية، وهو واحدٌ من بين جهاتٍ دوليةٍ عدّة عبّرت عن اهتمامها بالمشاركة في عملية إعادة الإعمار – من شركاتٍ خاصةٍ كشركة الشحن الفرنسية العملاقة CMA-CGM، إلى حكوماتٍ كالصين وروسيا.

هذه الأطر والتوجّهات والاقتراحات هي أدوات سياسية بامتياز، والفارق بينها وبين ما نطرح ليس تقنياً. وإذا كنّا نعرف كيف تورَد الإبل في لبنان، فلن يكون صعباً أن نعي بأنّ عملية تأهيل الأحياء المنكوبة واستنهاضها، من الكرنتينا ومار مخايل والجميزة إلى الجعيتاوي ستكون ساحة صراعٍ سياسي حقيقي – ولا بدّ أن نخوضه انطلاقاً ممّا يواجهه الناس في الأحياء المتضررة، اعتماداً على مفهوم العدالة المكانية.

في إقصاء الناس وتغييبهم عن أعمال الجهات الرسمية 

لقد ساهم التغييب المزمن والمتعمّد لسكان المدينة عن صنع السياسات العامة في تفشي الزبائنية في كافة تفاصيل حياتنا. حتى الآن، يتمّ تغييب الناس عموماً وسكان الأحياء المتضررة خصوصاً، عن مواضيع عديدة تتعلّق بحياتهم. فهم مغيّبون عن النقاش حول إعادة الإعمار ويتم التعاطي معهم فردياً لا جماعياً – بحيث تمّ تحويلهم إلى "متلقّي مساعدات". 

وبرز أيضاً تلكؤ متعمّد لمؤسسات الدولة، عبر نقل المسؤولية عن كاهلها إلى الجمعيات الأهلية التي يتبع عدد كبير منها للأحزاب السياسية، ما ساهم بربَط توزيع المساعدات بانتماءات السّكان الحزبيّة أو الدينيّة. في أحد المباني المتضررة في شارع أرمينيا، يتجلّى مشهد المحسوبيات في عملية الترميم بشكلٍ واضح. فقد قام حزب الطاشناق بترميم إحدى الشقق، بينما قام حزب القوات اللبنانية – تحت إسم Ground Zero – بترميم شقة أخرى، وقامت جمعية AGBU الأرمنية بترميم طابقين يملكهما شخصٌ واحد. في المقابل، الحلاق "صلّح على حسابه"، بينما قامت السيدة العزباء بالتصليحات على نفقة أخيها القاطن في دبي. أمّا الباقون فلا زالوا بلا تصليحات. وتتساءل صاحبة الدكان: "لماذا دعمت هذه الأحزاب والجمعيات هذا الشخص وليس آخرين؟"

هذا الدعم لشبكة الزبائنية الحزبية والطائفية، وتعاطي الجمعيات بشكل فردي مع السكان، أدّى إلى تدمير سبل التعاون الجماعي بين هؤلاء من خلال توسيع الفجوة الاجتماعية. فأصبحت العائلات غير المرتبطة بأحزاب أو جمعيات أو التي ليس لها أقرباء مقتدرين، الحلقة الأضعف، ووجد البعض منها نفسه مجبوراً على قبول المساعدات الحزبية على مضض. أمّا السكان غير اللبنانيين على اختلافِ جنسياتِهم من عاملات أثيوبيات، سوريّون، سودانيون، وغيرهم،  فأضحوا من الأكثر هشاشةً بسبب الفصل العنصري، مع أنهم يتشاركون الهموم والمشاكل نفسها مع اللبنانيين.

وجاء قانون إعادة الإعمار المذكور ليفاقم هذا الإقصاء ويعزّزه. إذ نصّ على إنشاء لجنة تنسيقية لمسح الأضرار والإغاثة والتعويض، إنّما لم تتضمّن هذه اللجنة أي تمثيل لأصحاب الحقوق والمتضررين والسكّان، مما كان ليعزّز الشفافية والتشاركية الضروريتين، تحديداً بعد انهيار ثقة المجتمع بالمسارات الرسمية، بخاصة بعد انتفاضة ١٧ تشرين. فرغم كل المطالبات بوضع آليات تشاركية وشفّافة ترافق أعمال الجهات الرسمية، ما زال الناس مبعدين عن دوائر أخذ القرارات حيث يتم تحديد مصائرهم. إنّ غياب مشاركة المتضرّرين سوف يؤدّي إلى تفاقم سلطة دوائر القرار المُقتصرة على العلاقات الشخصية والمحسوبيّات، وبالتالي إبعاد الجماعة المتضررة عن عملية تأهيل أحيائها.

Percentage of the people who moved out after the explosion: According to the 2008 United Nations Development Program (UNDP) census
Residents of Rmeil: 2012 Research -- Lebanese University (LU)

في غياب الحماية السكنية وتفاقم تهديدات الإخلاء 

في نظرة عامّة إلى المناطق التي دمّرها الإنفجار، تتشكّل تلك الأحياء إلى حد كبير من مبانٍ قديمة أو تاريخيّة تسكنها نسبة كبيرة من المستأجرين. فالإيجار يشكّل الوسيلة الأساسيّة للوصول إلى السكن في المدن الرئيسيّة في لبنان. في بيروت، تبلغ نسبة المستأجرين ٤٩،٥ % (وفقًا لمسح أجراه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العام ٢٠٠٨). وفي منطقة الرميل، ٧٥ % من السكان هم من المستأجرين ومن أصحاب الدخل المتدني2 ، وقد باتوا اليوم مهدّدين بالتهجير الدائم نتيجة هشاشتهم والإطار القانوني الذي يرعى وجودهم في المدينة. 

يتمثّل استكمال كارثة الإنفجار باستغلال هذه الفئات القلقة على سكنها ومستقبلها في الحيّ، والذي يمكّنه غياب تام لتحمّل الدولة مسؤوليتها وغياب الحماية للحق في السكن. وجد السكان أنفسهم مهددين أكثر من أي وقت مضى، بالتهجير الدائم نتيجة هشاشة سكنهم والإطار القانوني الذي يرعى وجودهم في المدينة. فالقانون الصادر شدّد على قدسية حق الملكية الفردية في إطار النظام الاقتصادي الحرّ وربَطَه بحرية التعاقد، وتجاهل، في المقابل، الحق بالسكن الذي يُشكّل حقّاً أساسياّ لا يقلّ أهمية عنه. بالرغم من أن القانون ينصّ على تمديد عقود الإيجار السكنية وغير السكنية في الأبنية والعقارات المتضرّرة لمدة سنة واحدة، إنما هذا يعني بأن السكان محميون من الإخلاء خلال مدة سنة واحدة فقط من صدور القانون، وهي مدّة غير كافية نظراً للأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية القاسية التي تضرب المجتمع في لبنان، ونظراً للوقت الطويل الذي قد يستغرقه ترميم المباني، لا سيما إثر ضبابية وبطء مسار توزيع التعويضات.

كما لم تقم السلطات المعنية بتأمين سكن بديل إلى حين إعادة بناء أو ترميم المنازل، وعليه، تركت الدولة السكان الذين فقدوا منازلهم، لا سيما الفئات الأكثر هشاشة منهم، كذوي الدخل المحدود وذوي الاحتياجات الخاصة والمسنّين، عرضة للتشرّد، فأصبحوا ملزمين على تحمّل هذا العبء بأنفسهم.

بالنتيجة، تفاقمت حالات الإخلاء في المناطق المتضررة من الانفجار لأسباب عدّة أبرزها عدم قدرة المستأجرين على دفع بدل الإيجار. فبحسب التقرير الدوري الصادر عن «مرصد السكن» في استوديو أشغال عامة، والذي رصد حالات التهديد بالإخلاء المتلقاة ما بين ٣ أيلول ٢٠٢٠ و٣١ نيسان ٢٠٢١، جرى تتبع ٢٧٥ حالة تهديد بالإخلاء طالت ٩٣٩ شخصاً في أحياء مختلفة من بيروت. وكان عددٌ كبير منها – ١١٤ حالة أو ما يعادل حوالي ٤٢٪ من مجموع التهديدات – في المناطق المتضررة. والملفت أن عدداً كبيراً من هذه التهديدات يطال مستأجرين جُدد غير لبنانيين من سوريين وعمال أجانب، يشكّلون الفئة الأكثر عرضة للضغوطات بسبب الوضع القانوني الهش المفروض عليهم. تتنوّع الضغوطات، وتشمل طلب المالك رفع قيمة بدلات الإيجار بعد انتهاء الترميم التي أجرته الجمعيات للمأجور، أو رغبته مصادرة المساعدات ومنع وصولها إلى المستأجرين، أو رفضه الترميم وإعطاء إذن للمستأجرين بالترميم، أو رغبته إنهاء عقد الإيجار أو عدم تجديده عقب التفجير مباشرة. للأسف، لم يقتصر الأمر على التهديد الشفهي بالإخلاء، بل وصل إلى تهديد باستخدام العنف الجسدي والطرد بالقوة. كما نُفّذ الإخلاء القسري في الكثير من الحالات، ما أجبر السكان على تحمّل هذا الضرر الإضافي بعد نجاتهم من التفجير الرهيب الذي أصابهم بأضرارٍ جسديةٍ وماديةٍ ونفسيةٍ متفاوتة. 

بشكل عام، حصلت الإخلاءات أو الانتقال الدائم مع مستأجرين ترك بعضهم المأجور نهائياً بالرغم من عدم انتهاء مدة عقد الإيجار المُبرم معهم – سواء كان مكتوباً أو شفهياً – بسبب عدم قدرتهم على تحمّل تكاليف الترميم بشكل رئيسي، أو جرّاء الصدمة النفسية، أو لأنهم لا يعتقدون أن الترميم سيحصل أصلاً. كما عبّر العديد منهم عن عدم رغبته بتحمّل تكاليف عملية الترميم لأن المالك له الحق – في ظلّ قانون الإيجارات السيء المعمول به – بطردهم بعد انتهاء أعمال الترميم لعدم رغبته بتجديد العقد أو عبر زيادة بدل الإيجار. 

ويبرز خطر حقيقي من تحوّل الانتقال السريع والمؤقّت بسبب التفجير إلى تهجيرٍ دائمٍ. ففي مسح أجريناه على عيّنة من حي سكني ممتدّ بين شارع أرمينيا وشارع الخازنين، في تشرين الأول ٢٠٢٠، تبيّن أن حوالي ٤٢٪ من الشقق الشاغرة نتيجة التفجير، دائمة، في مقابل ٥٨٪ منها تُصنّف انتقال مؤقّت إلى حين الانتهاء من الترميم. يُشكّل هذا الرحيل، إلى جانب الإخلاءات، تهديداً جدياً لاستعادة مدينة قابلة للحياة، وأحياء تزدهر فيها سُبل العيش.

  • 2جوني، رائد. "ملخّص لنتاج أعمال مادة المحترف خلال السنة الدراسية 2010-2011". الجامعة اللبنانية قسم التنظيم المدني، 2011. هدف الملخّص إلى تحليل واقع منطقة مار مخايل-النهر والإضاءة على التركيبة المدينية للحيّ من مختلف النواحي عبر جمع معلومات من مراجع مختلفة، وإجراء مقابلات، والقيام بزيارات ميدانية، بهدف وضع مخطّطات مرجعية تهدف إلى معالجة الإشكاليات الموجودة.
The "Housing Monitor" Report: Between September 3, 2020 and April 31, 2021
The "Housing Monitor" Report: Between September 3, 2020 and April 31, 2021

في المضاربة العقارية وآليات الترميم

على الرغم من تفاقمها بعد التفجير، إلا أن عمليات الإخلاء ليست جديدة على هذه الأحياء. من حيّ مار مخايل على سبيل المثال، تغيّرت ملامحه بدءً من ٢٠٠٦ وتحوّل طابعه من اقتصادي حرفي يرتكز على النجارة والسكافة وغيرها من الحرف، إلى طابع خدماتي سياحي بعد أن أعطت وزارة السياحة تراخيص كثيرة لمطاعم وحانات ليلية لتفتح أبوابها حتى مطلع الفجر خلافاً للقانون. بنتيجة هذا التحوّل الاقتصادي، ارتفعت أسعار العقارات والإيجارات ما أدّى إلى تهجير جزء لا يستهان به من السكان، وبدأ الوضع يرتدّ سلباً على الحياة اليومية لمن بقي منهم. انتقلت ملكية عدد كبير من العقارات لصالح شركات عقارية، كما تشير الخريطة المرفقة. وقد شهدت المنطقة تهديدات بالتهجير جرّاء إصرار بلدية بيروت مع مجلس الإنماء والإعمار ابتداءً من عام ٢٠١٤، على تنفيذ مشروع محور «الحكمة - الترك » – أو ما يعُرف بأوتوستراد «فؤاد بطرس» – بحجّة حلّ أزمة السير في المنطقة. وقد اعتُبر المشروع كارثيّاً، إذ ينوي هدم جزء من الأحياء وعدد من الأبنية السكنية لتنفيذه. في الكرنتينا، تعتبر بلدية بيروت أن هذه المنطقة هي مخزون عقاري قيّم لا بدّ من "استثماره". هذه فصول من ممارسات السلطة المحلية قبل انفجار مرفأ بيروت. اليوم، لا بدّ من معالجة الإشكاليات المذكورة التي كانت تعاني منها المنطقة، عبر الحدّ من المضاربة العقارية المرتقبة جراء مشاريع أو تصوّرات الإعمار.

لافتة كتب عليها " باقون"، تتدلّى من شرفة بناية مدمّرة في منطقة مار مخايل. آب ٢٠٢٠. (مروان طحطح/مصدر عام)

لافتة كتب عليها " باقون"، تتدلّى من شرفة بناية مدمّرة في منطقة مار مخايل. آب ٢٠٢٠. (مروان طحطح، مصدر عام)

وتعتبر إجراءات الحماية المقررة في القانون المذكور سابقاً غير كافية لتحقيق أهداف القانون المعلنة وهي حماية المناطق المتضررة من المضاربة العقارية. فقد منع القانون التصرّف بالعقارات وبيعها لمدة سنتين، لكنه استثنى المطورين العقاريين وشركة سوليدير وأصحاب العقارات الواقعة في منطقتها من هذه القيود، مع ما لذلك من زيادة لامتيازات هذه الشركة التي تتمتّع بها على السوق العقارية وذلك منذ ثلاثة عقود، وتوسيعاً لقدرتها على التحكّم بالأسعار. من ناحية أخرى، يعتبر هذا الإجراء بمثابة تأجيل للمشكلة، خصوصاً إن لم يترافق مع بنود أخرى، مثل منع تشييد أبنية جديدة في المناطق المتضررة، أو تسهيل شروط الحصول على تراخيص لترميم المباني المتضررة. ففي سياق الحاجة الملحّة للترميم السريع لعودة السكان إلى بيوتهم، برزت لدى قاطني المنطقة والعاملين فيها إشكالية الاستحصال على تراخيص ترميم المباني من بلدية بيروت والحق الحصري للمالك دون سواه في تقديم طلب الترخيص للترميم، أو ضرورة إرفاق الطلب بموافقة خطيّة من المالك أو بقرار قضائي يسمح للمستأجر بالترميم3 . هنا يبرز مثال قهوة أم نزيه في الجمّيزة والتي تقع ضمن بناءٍ لحقت به أضرار إنشائية. في العام الماضي، مدّدت أم نزيه عقد إيجارها لمدة عشر سنوات، أي حتّى ٢٠٢٩. غير أنّ مالك المبنى – شركة استثمارية تملك مبانٍ عدة في الحي – يرفض تقديم طلب رخصة وبالتالي يمنع الترميم بحجّة أنّه يريد بيع العقارات. فبالرغم من تأمين "مبادرة بيروت للتراث" تمويلاً لترميم المبنى، إلّا أنّ المالك يرى في الترميم عائقاً أمام بيع عقاراته. فإنّ احتمالات البيع والمضاربة العقارية تزداد إذا كان العقار خالٍ والبناء مهدوم.

على صعيد متّصل، وفي منطقة تتشكل في غالبيتها من مبان تاريخية، تقوم المديرية العامة للآثار بربط الهِبات / الجهات المانحة بالمباني التراثية المتضررة من أجل الترميم4 . إنمّا تفتقر المديرية العامة للآثار الى أي مقاربة اجتماعية-اقتصادية للتراث. فالمسوحات التي أجرتها نقابة المهندسين أو الجهات الخاصة أو الجمعيات – والتي تعتمد عليها المديرية – لم تشمل أي بيانات عن السكان وكيفية إشغال المباني التراثية. في ظلّ غياب المعلومات الرسمية حول الأبنية التراثية من ناحية إشغالها والوحدات السكنية الخالية والمسكونة منها، وعدم توفّر المعطيات عن الوضع السكني والاقتصادي للقاطنين ومكان سكنهم المؤقت، وكذلك غياب الإمكانيات المادية الكافية لترميم كافّة المباني التراثية، كيف تقوم مديرية الآثار بتحديد أيّ مبانٍ تراثية تُمنح الأولوية في الترميم؟ 

لقد وثّقنا خلال عملنا الميداني بأن هناك العديد من الحالات من المباني غير المسكونة أو المهجورة منذ ما قبل التفجير، والتي تمّ ترميمها من خلال هذه الآلية. بالنتيجة، برزت تداعيات خطيرة على السكان، الأمر الذي يشكّل قلقاً جدياً حول تغيير الوجه الديمغرافي للمنطقة.

  • 3فبحسب قانون البناء، إن أشغال التدعيم التي تتناول الهيكل الأساسي لأي مبنى تخضع لرخصة ترميم إلزاميّة يطلبها المالك.
  • 4بحسب تصريح المدير العام سركيس خوري في 3 نوفمبر 2020 خلال مناقشة أجرتها المديرية العامة للآثار مع مختلف المنظمات غير الحكومية العاملة في المناطق المتضررة من التفجير
Apartment price increase in Mar Mikhael. Source: GAIA-heritage
Percentage of the people who moved out after the explosion: According to the 2008 United Nations Development Program (UNDP) census

إذاً، أيّ إطار إعادة إعمار نريد؟

بإيجاز، لا يؤسّس القانون الصادر لسياسةٍ شاملةٍ، عادلةٍ وسليمةٍ للتعافي، ولا يعالج أولويّات الأحياء والإشكاليات المذكورة، بل يفاقمها. بدوره، يُغيّب إطار العمل الدولي 3RF المؤسّساتِ العامة، والضحايا والسكان في آن. وبالتالي، لعلّه من الأجدى لنا أن نسعى إلى تطوير  مسارٍ بديل وفرضه – نحن المجتمع، وأهالي الضحايا وسكّان الأحياء المتضرّرة.

تتشكّل خطة إعادة التأهيل بضمان عودة السكان بأسرع وقت ممكن قبل فوات الأوان. كما تعمل على إعادة بناء الاقتصاد والمجتمع في الأحياء المتضررة. فلا تقتصر على المباني والبنى التحتية، بل تهدف إلى تعافي الأحياء واستعادة الحياة اليومية. هي خطة تضع مقوّمات الأحياء في صلب وجهتها، تحمي حق السكن للجميع وتحمي الناس من التهجير المؤقت والدائم. فتُبلور بذلك إطاراً عاماً، يضمن النظر إلى كل حالة على حدة ويمكّن الأفراد والجيران من تأهيل مبانيهم، بدلاً من مقاربة شمولية تضع الجميع في سلّة واحدة، فتضيع حقوق الأكثر استضعافاً. يضمن هذا الإطار بذلك مشاركة جميع الضحايا وسكّان المناطق المتضررة في التخطيط والتنظيم والتنسيق والتنفيذ.

يُظهّر مغنّي الراب مازن السيد5 ، في نقله لما جرى خلال عدّة هجمات على المباني المُعاد إعمارها في وسط المدينة، في إطار مواجهات المتظاهرات/ين مع القوى الأمنية، الحقد الذي كان موجّهاً بالذات ضد المباني، بوصفه لبيروت المُعاد إعمارها كمدينة "بسكويتية"، هشّة، يكسّرها بناتها وأبناؤها بأيديهم العارية. وهي ردود فعل أكثر من طبيعية لأجيال لم تجد في مناطقها وقراها ما رأته من بنى تحتية وخدمات وتخطيط في وسط بيروت، ولم يُسمَح لها حتى بالوصول إلى هذه المساحات في وسط المدينة. العدالة جغرافية مكانية أيضاً، بمعنى أن التوزيع العادل للثروة، على مستوى الموارد والخدمات وقدرة الحصول عليها، حقوق أساسية.

قبل كلّ شيء، تتكوّن المدن من الأحياء، من السكان الذي يعيشون معاً وممّا يخلقون من خلال تفاعلهم مع الحي وتغييرهم وتطويعهم له؛ هنا تكمن أهمية المقاربة الجغرافية والعدالة المكانية، إذ تعكس حاجات السكان وتكون بمثابة منصة موّحدة لاهتمامات الأحياء، مطالبها، احتياجاتها، آمالها وتطلّعات سكانها.

بغيابٍ كامل للدولة عن مسرح الجريمة، انتظمت في الأسابيع الأولى الجمعيات والجهات المختلفة لمسح الاضرار بغرض المباشرة بأعمال الترميم، لتلتحق بها مبادرات خجولة من قبل السلطة، إلّا أنها انسحبت جميعها لاحقاً. فهل نستعيد الفراغ في الحيّز العام الذي خلّفته الجمعيات؟ ومن يستعيده؟

نحن اليوم أمام فرصة، بعد الإنفجار تحديداً – وكما كانت السُلطة دوماً تستفيد من إعادة الإعمار لفرض واقع جديد لمصلحتها – لفرض واقع جديد نطمح إليه، ولن يكون ذلك ممكناً من دون الأطر والبُنى التي سوف تسمح للمشاركة الحقيقية للسكان. 

  • 5 السيد، مازن (الراس)، "علي"، 2020. "بسكويت بيروت حيطانك فكّ وضيّف، أكبر روس بحيتانك شبر ونيّف، بالليل نرهبها أقمارك بالنجمة نصيّف، علي شعيب فكّ وضيّف فكّ وضيف غندور سهل يتشتش." https://www.youtube.com/watch?v=nDhLbRiNjmU

ملحق

دليل للنقاش بين مختلف المجموعات، من إعداد استديو أشغال عامّة، بعنوان "كيف نحمي سكّان المناطق المتضررة من تفجير مرفأ بيروت في ٤ آب وندعم إعادة تأهيلها؟" (حقوق الصورة لاستديو أشغال عامّة)

دليل للنقاش بين مختلف المجموعات، من إعداد استديو أشغال عامّة، بعنوان "كيف نحمي سكّان المناطق المتضررة من تفجير مرفأ بيروت في ٤ آب وندعم إعادة تأهيلها؟" (حقوق الصورة لاستديو أشغال عامّة)

الدليل، أداة للنقاش بين مختلف الفئات والمجموعات

أعدّ استوديو أشغال عامّة دليلاً بعنوان «كيف نحمي سكان المناطق المتضررة من تفجير مرفأ بيروت وندعم إعادة تأهيلها»، كأداة لنشر المعلومات، لبناء المعرفة، وللتنظيم المجتمعي حول مفاهيم أساسية ومطالب لضمان المُضيّ في مسار مبني على مبدأ العدالة الإجتماعية في التخطيط العمراني لمرحلة ما بعد الكوارث. يستعرض الدليل بعض بنود قانون «حماية المناطق المتضررة ودعم إعادة إعمارها» ومخاطره، من خلال ٦ أبواب: سياسة الإعمار، المشاركة، السكن، المضاربة، التراخيص والتراث. كما يشمل شهاداتٍ من السكان ومعلومات عن مشاكل الأحياء قبل التفجير والإشكاليات التي يواجهها السكان بعده. ويتضمّن الدليل توصياتٍ تمّ تطويرها بالتعاون مع مجموعة متنوّعة من السكان خلال اجتماعات عُقدت في مختلف الأحياء المتضرّرة، لتغدو أداةً للضغط والمناصرة وتغيير السياسات.

يتوّجه الدليل إلى سكان المناطق المتأثّرة من التفجير، وكافة الضحايا، وجميع العاملات والعاملين على هذه القضية، وكذلك إلى الجمعيات والجهات المحلية والدولية للتأثير على برامج عملها.

تحميل الدليل على هذا الرابط:

https://publicworksstudio.com/sites/default/files/pw_reconstructionbook…

ملصق للخطّ السّاخن لـ"مرصد السكن"، وهي منصّة تهدف لحماية الحقّ في السكن في لبنان، كتب عليه التالي: "التهديد بالإخلاء يجرّم: بلّغ عن الإنتهاكات". ٦ أيلول ٢٠٢٠. (حقوق الصورة لاستديو أشغال عامّة)

ملصق للخطّ السّاخن لـ"مرصد السكن"، وهي منصّة تهدف لحماية الحقّ في السكن في لبنان، كتب عليه التالي: "التهديد بالإخلاء يجرّم: بلّغ عن الإنتهاكات". ٦ أيلول ٢٠٢٠. (حقوق الصورة لاستديو أشغال عامّة)

مرصد السكن، منصة لدعم السكان وترسيخ حقوقهم 

"مرصد السكن" هو أداةٌ مجتمعية طوّرها استديو أشغال عامة بغرض حماية وتحسين حقوق السكن في لبنان. ويستخدم تلك الأداة سكّانٌ من مختلف الفئات الاجتماعية المهمّشة للإبلاغ عن التهديدات السكنية التي يواجهونها، كالإخلاء على سبيل المثال. وإزاء الوضع القائم، يقدّم استديو أشغال عامة خدماتٍ اجتماعيةً وقانونيةً مخصّصةً لكل حالةٍ على حدة، ويحشد المستأجِرين للتنظيم حول قضاياهم/ن وشكاواهم/ن المشتركة، كما يحدّد أنماط المظالم المتعلّقة بالسكن. بذلك، يمكّن استديو أشغال عامة سكان المدينة لاسترجاع حقوقهم/ن السكنية، ويسلّط الضوء في الوقت عينه على السياسات السكنية المجحفة التي ترخي بثقلها على السكان الأكثر هشاشةً في لبنان. وطوّر هذا المشروع بهدف توثيق انتهاكات حقوق السكن والإبلاغ عنها في بلدٍ يفتقر إلى البيانات والمعلومات، ما يسمح باستمرار الفساد، وسوء التخطيط وتهميش سكان المدينة محدودي الدخل؛ الاستجابة للحاجات السكنية لسكان المدينة المهمّشين عبر تزويدهم/ن بالدعم القانوني والاجتماعي، وزيادة الوعي المستند إلى الحقوق، وتأسيس خطٍ ساخنٍ لتلقّي الشكاوى والاستجابة لها؛ تشكيل أطر مُجتمعيةٍ تضمّ السكان المعنيّين بناءً على المصالح والهموم السكنية المشتركة؛ وتحديد أنماط السكن بشكلٍ عامٍ وتطوير استراتيجياتٍ للاستجابة وتوصياتٍ سياساتيةٍ مُستنيرة.

 لقاء للسكّان. تموز ٢٠٢١. (حقوق الصورة لاستديو أشغال عامّة)

 لقاء للسكّان. تموز ٢٠٢١. (حقوق الصورة لاستديو أشغال عامّة)

التجمع، مساحة للتنظيم وفتح أفق لتمثيل الأحياء والفئات 

«تجمّع سكان الأحياء المتضرّرة من تفجير 4 أب» واحد من ثلاث تجمّعات6 يتم تشكيلها منذ ما بعد الانفجار من قبل الضحايا والسكان. يطمح هذا التجمّع إلى ضمّ جميع السكان والعاملين في المناطق المتضررة7 على مختلف انتماءاتهم وجنسياتهم، سواء أكانوا لبنانيين أو سوريين أو عمال أجانب أو من الفئات المهمّشة، سواء أكانوا مالكين أو مستأجرين جُدد وقدامى، سواء تعرّضت منازلهم أو محالهم أو أماكن عملهم لأضرار مادية جسيمة أو متوسطة أو خفيفة، وحتى إن كانت اقتصرت الأضرار لديهم على الأضرار النفسية. يسعى التجمّع أن يكون قوة ضاغطة أمام الهيئات العامة والرسمية والمؤسسات الدولية وغير الرسمية، وإلى توفير مساحة مشتركة للسكان للعمل والمناصرة، وتعزيز العمل الجماعي الموَّحد للوصول إلى العدالة وضمان الحقوق. وسوف يعمل على إحقاق حق المتضررين في التعويض الكامل والعادل؛ الوصول إلى المعلومات فيما يتعلق بالتحقيقات وسياسات إعادة الإعمار؛ المحافظة على حقوق السكان المنصوص عليها بالقانون الدوّلي والقانون اللبناني؛ ضمان التمثيل المشترك للسكان الأعضاء في جميع محافل صنع القرار؛ خدمة السكان والتعاون مع شركاء ومؤسسات لتقديم كافة أنواع الدعم؛ معالجة المظالم الناتجة عن تفجير المرفأ بشكل جماعي وتكوين مواقف مشتركة؛ والعمل نحو تحقيق تعافي حقيقي للأحياء المتضررة وحماية سكانها من التهجير.

  • 6بالإضافة إلى «تجمّع سكان الأحياء المتضرّرة»، تمّ تشكيل «تجمّع أهالي الضحايا» الذي يضمّ أفراداً من عائلات الأشخاص الذين قُتلوا بفعل الانفجار، أو من عائلات الأشخاص الذين فُقدوا خلال التفجير ولا يزال مصيرهم مجهولاً. كما يتمّ العمل على تشكيل «تجمّع معوّقي الحرب» الذي يشمل الأشخاص الذين أصيبوا بأضرار جسدية (الجرحى)، ومن ضمنهم من أصيب بإعاقة جسدية مؤقتة أو دائمة.
  • 7الرميل (ومن ضمنها أحياء الجميزة والروم والجعيتاوي والبدوي) ، المدوّر (ومن ضمنها أحياء مار مخايل والكرنتينا-السيدة والكرنتينا-الخضر) ، الصيفي، المرفأ، الباشورة، الأشرفية (ومن ضمنها كرم الزيتون) ، زقاق البلاط، وبرج حمّو