متظاهر يحطّم واجهة مصرف في شارع الحمرا في بيروت في إطار "أسبوع الغضب" احتجاجا على تدهور الوضع الاقتصادي. ١٥ كانون الثاني ٢٠١٩. (مروان طحطح، مصدر عام)

متظاهر يحطّم واجهة مصرف في شارع الحمرا في بيروت في إطار "أسبوع الغضب" احتجاجا على تدهور الوضع الاقتصادي. ١٥ كانون الثاني ٢٠١٩. (مروان طحطح، مصدر عام)

ما بين عنف الدولة والعنف الثوري: مسافة لا يختصرها الشغب

في اليوم ٨١: الواقع في ٥ كانون الثاني٢٠٢٠
 

لا ينفصلُ الواقع اللبناني عن واقع البلدانِ العربية على المستوى الاجتماعي، ولو اختلفت البُنى الاقتصادية في خصائِصها التكوينيّة إلى هذا الحد أو ذاك. فاضمحلالُ الفئات متوسطة الدخل، وما ينتج عن ذلك من آثارٍ اجتماعية خطيرة وتفاقمٍ للفقر والبطالة، هو واقعٌ مشترك، تماماً كما هو واقع الاستبداد وتسخير مؤسسات الدولة وأجهزتها القمعية بالكامل لصالح النخب الحاكمة والمتحكمة بالثروات. أما ظروف الطبقات الكادحة والأشد فقراً وتهميشاً، في لبنان وكل الوطن العربي، فهي تُنذر بأن هناك انتفاضات إضافية لا مفرّ منها، بعد موجة انتفاضات عام ٢٠١١، ربما تتّسم هذه المرة بطابعٍ اجتماعي وسياسي أكثر ثورية، ما لم تقم الأنظمة الحاكمة بإحداث تغييرات بنيوية شاملة على وجه السرعة، تؤخّر شبح الانتفاضات الثورية، وهو أمرٌ تعجز عنه ويتناقض مع طبيعتها وظروف تكوّنها وتطورها التاريخية، بما هي أنظمةٌ سياسية تقوم على قاعدة ارتباطٍ تبعيٍ بنيوي بشكلٍ أساسي. لذلك، فإن شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، بعد تخطيه اختبارات العفوية والشعبوية، سوف يبدأ بالتعبير بعمقٍ عن تطلعات هذه الطبقات التي خسرت كل رهانات الإصلاح والانتقال الديمقراطي للسلطة منذ انتفاضات أواسط القرن الماضي، مروراً بانتفاضات العام ٢٠١١، وقد تذوقت الأمرّين بسبب الانقلابات العسكرية التي أطاحت بكل أشكال التنظيم الذاتي والقاعدي للجماهير، وتيارات الإسلام السياسي التي لم تطرح حلولاً للأزمات بل حاولت فرض العودة إلى أمجاد الخلافة الإسلامية وإجبار المجتمعات العربية على الرضوخ لحكم الشريعة الرجعي، كما أن هذه الطبقات لم تعد تعوّل على النداءات الليبرالية المغتربة عن الواقع المجتمعي العربي القائلة بالإصلاح التدريجي من داخل المؤسسات، فمهام التغيير في بلداننا الرأسمالية التابعة لا يمكن اختزالها بمسألة الديمقراطية وحدها، ولو كانت هذه المسألة جوهرية. 

الخلل يكمن في بنية النظام الرأسمالي وطبيعة العلاقات السائدة في لبنان، فقد مارست البرجوازية الكولونيالية اللبنانية سيطرتها لعقود طويلة من الزمن، قبل أن يثمر التطور التاريخي المتسارع - كأحد مفاعيل الحرب الأهلية بعد تفوّق طابعها الطائفي، أعلى درجات العنف الرجعي - نظام حكمٍ أوليغارشي طائفي، تُحكِم فيه قلّةٌ من العائلات التي تملك النفوذ والقوة سيطرتها على المجتمع، وتتزاوج فيه مصالحها مع مصالح رأس المال في إطار منحه معاملةً "خاصة" لتسيير أعماله، وتتزايد فيه وسائل الاستبداد تدريجياً، وأشكال العنف الرجعي المسلّح، والترهيب الفكري والنفسي، والبروباغندا الطائفية، والهيمنة السياسية على القضاء وتكبيله. 

المشكلة الأساسية إذاً ليست في شكل ومعايير تشكيل الحكومات، أو مستوى الفساد فيها، أو تخصّص الأفراد صانعي القرار على أساس الخبرة والمعرفة التقنية، بل هي في بنية نظامٍ سياسي يمثّل قلّةً تحتكر الاقتصاد والتجارة تمارس النهب المباشر لإيرادات الدولة، وتتربع على عرش مملكة المصارف والمؤسسات المالية محقّقةً تراكماً خيالياً للثروات، وتمتلك طبيعةً استغلاليةً واضحة. تطور التناقضات الداخلية لهذا النظام، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والفساد الإداري، وتزايد الضغوط الخارجية بسبب الموقع الاستراتيجي للبنان بالنسبة للقوى الامبريالية العالمية والرأسمالية-الرجعية الإقليمية المتناحرة، بالإضافة إلى الأزمة السياسية المتمثلة بعدم قدرته على توفير شروط الديمقراطية التمثيلية الحقيقية بسبب الإشكالية المتعلقة ببنيته بالذات، كل هذه الأزمات مجتمعة، شكلت عناصر التراكم الأساسية التي أدت إلى تفجر الانتفاضة الأولى في ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩.

انتفاضة ١٧ تشرين عبّرت في بداياتها عن تصاعد مستوى القهر الاجتماعي والألم الذي تعاني منه الفئات المهمّشة، وذلك كان في تحطيم كل مظاهر الترف الاستهلاكي والثراء الفاحش في وسط بيروت، واقتحام وحرق وتكسير ممتلكات ومكاتب تابعة لقيادات حزبية برجوازية وطائفية على مستوى البلد كله، خاصةً في مدن وقرى الجنوب اللبناني حيث تتوق الجماهير الكادحة التي تعاني من الفقر الشديد إلى التعبير عن رفضها للواقع الاجتماعي المعاش دون أن تتعرض للقمع والتخوين بالعمالة، أما في طرابلس فكانت الظاهرة الأكثر ثورية في تمزيق صور كل قيادات الطبقة المسيطرة في كل شوارع المدينة وإعلان أهالي المدينة العداء لكل الحكّام دون استثناء، وفي قضاء المتن، وتحديداً في جلّ الديب، انبثق لأول مرةٍ حراك يطالب بتغيير شاملٍ على مستوى النظام السياسي ونبذ ايديولوجيته الطائفية، فيما تصدّرت المطالب الاجتماعية خطاب المتظاهرين. الأمر نفسه تكرّر في مدن وقرى البقاع والشمال التي تزيّنت بأجمل صور التكافل الاجتماعي. بالطبع ليست الصورة "ثوريةً" بالكامل، وليس هناك من وصفةٍ جاهزةٍ لتخطي الواقع الحالي، لكن الرفض أتى من موقع إعلان بداية القطع مع النظام، وضرورة التخلّص منه، وهو رفضٌ ثوريٌ بالضرورة، يؤسس لما هو أبعد بكثير من مجرّد الرفض، خاصةً وأنه أتى أيضاً على لسان الكثيرين من المنتسبين والمؤيدين للقوى الحزبية الحاكمة، ممن لم يجدوا "بديلاً جاهزاً" حتى يباشروا بالقفز من مراكبهم الآيلة للغرق، فهم في تربيتهم الحزبية السلطوية انتهازيون، ولكنهم لا يعون أنهم، في رفضهم لقوى النظام، ولو من موقع متذبذب، يساهمون في بناء البدائل الفعلية، بينما تتنامى لديهم بالتزامن مع ذلك صفاتٌ نضالية ثورية، فكل شيء في حالة تغيّر دائمٍ.

لكن لا يجب الاكتفاء بالنظر إلى ردود الأفعال التلقائية تجاه حركة الواقع المادي، أي النظر إلى قشوره، دون الغوص فيه لتحديد ممكناته واحتمالاته. فكلما اتسم نظام الحكم بالاستبداد، كلما كانت الثورة أشد عنفاً، ولهذا السبب بالذات فإن الانتفاضات في لبنان لا تزال تخيّب آمال الداعين إلى التغيير من خلال ممارسة العنف الثوري. لكن ما هو العنف الثوري حقاً؟

إن رمي بعض الأفراد للحجارة أو عبوات المولوتوف رداً على القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي، أو اشتباك بعض المجموعات مع قوى أمن النظام ومؤسساته خلال أحداث معينة، أو تحطيم بعض المصارف ومحاصرة منازل السياسيين والمصرفيين بسبب الأزمة المالية والنقدية، كل تلك ممارسات تلقائية نابعة من التغيرات الموضوعية التي طبعت التحولات في طبيعة الصراع الطبقي والاجتماعي في لبنان. هي ليست "شغباً"، كما تصفها الدولة، كما أنها ليست عنفاً "ثورياً"، كما تصفها بعض الجهات اليسارية. لا يمكن اتخاذ موقف سلبي من هذه الممارسات فهي نتاج السياق الطبيعي لتطور الصراع، ولا يمكن اعتبارها ممارسات ثورية هادفة في آن، فعنف الدولة المنظّم، وتزايد ممارسة الدولة للقوة القاهرة، يقابله عنفٌ مضادّ، غير منظّم، من مواقع دفاع الطبقات الكادحة عن وجودها، دون أن تتصرّف من موقع وعيها لذاتها.ليس كل عنفٍ مضادّ بالضرورة ثوري أو حتى رجعي في طبيعته. بل هو عنفٌ تلقائي تمارسه الجماهير دفاعاً عن وجودها الاجتماعي، بوجه أشكال العنف الرأسمالية والاستبداد، من الاستغلال الطبقي، إلى إرهاب الدولة العسكري والأمني، وصولاً إلى الممارسات الامبريالية العسكرية.رفض العنف المضادّ في هذا السياق، تحت عنوان "النضال اللاعنفي"، هو الموقف الرجعي الوحيد، وهو الموقف الذي يشرعن احتكار الطرف المسيطر (كبار الرأسماليين، أو الدولة، أو الاحتلال، أو كل تلك الأطراف معاً) لممارسة العنف على حساب الجماهير المستغلَّة والمضطهدة، أو المحتلّة. فيصير عنف الدولة الأمني، مثلاً، مباحاً و"قانونياً"، وعنف الطبقات الكادحة في سياق رفضها التلقائي للسياسات النيوليبرالية الرامية إلى مفاقمة الفقر وعدم المساواة، "شغباً"، وكذا الحال على مستوى المقاومة الشعبية في سياق قتالها التلقائي للاحتلال والامبريالية، تصير المقاومة "إرهاباً". 

أما العنف الثوري، فلا يمكن أن يكون فردياً ومنظماً أو مخططاً له من قبل مجموعة سياسية تستخدم السلاح في سياق منفصل عن سياق التعبئة الجماهيرية، أو تقوم بتفجيرات أو اغتيالات سياسية، فهذه بالذات، ممارسات إرهابية فردية معادية للثورة، وتلعب دوراً في تأجيج الثورة المضادة، ومنح السلطة غطاءً "قانونياً"، و"شعبياً" إلى حد ما، لممارسة القمع البوليسي والأمني، وإطلاق موجة اعتقالات تعسفية بحق القيادات الشعبية المناضلة، كما تجريم الخطاب الثوري بالإضافة إلى إمكان إعلان حالة طوارئ.. الخ. 

العنف الثوري هو ذاك العنف المرتبط بإحداث تحولات بنيوية في فترة قياسية في النمط الاقتصادي-الاجتماعي (المثال التاريخي الأكثر سطوعاً هو الثورة البلشفية)، وفي سياق تضافر عوامل داخلية وخارجية، وذاتية وموضوعية مناسبة. وهو العنف الذي لا تؤدي نتائجه إلى تراجع حادٍ في الحركة الاحتجاجية التصاعدية، واختلاق صدمة عكسية سلبية تعبّئ الطبقات الكادحة ضد الثورة قبل بدء عملية تنظمها الطبقي الذاتي باتجاه تشكيل قوة سياسية وطبقية مستقلة. العنف، لكي يتخذ طابعاً ثورياً، عليه أن يكون حاسماً ونهائياً، أي مسلّحاً لا يرحم أو يساوم، لكن عليه ألا يكون فردياً، أو مجموعاتياً، أو حتى حزبياً - مع أولوية دور الحزب الثوري في تنظيمه والدفع باتجاهه في اللحظة التاريخية المؤاتية - بل عليه أن يكون جماهيرياً، طبقياً. أي أن يكون نتاج ممارسة جماهيرية واعية لذاتها ولحتمية القطع النهائي مع الموجود لبناء الجديد على أنقاضه، وأن يمهد للانتقال الملموس من حالٍ إلى حال، بعد سلسلة طويلة من النضالات الديمقراطية بهدف تحقيق مكتسبات ملموسة، سواء على مستوى الممارسة السياسية ضد نظامٍ يلجأ إلى وسائل الاستبداد ضد قوى التغيير، أو على مستوى التصادم المباشر بين الجماهير وأدوات القمع الأمني بعد موجات من القمع الأمني الدموي. هذا هو الشرط الذاتي للعنف الثوري، وهو عنفٌ تمارسه الجماهير الكادحة حينما تستهدف بنية النظام الأمنية وتقوم بسحقها أو تفتيتها، في سياق ممارسة سياسية ثورية تتولّد في ذروة النضالات الطبقية والاجتماعية وبعد تعبئة جماهيرية كافية لتأسيس أرضية ثابتة يجري على أساسها القطع الحاسم مع النظام، كما أن الدافع المعنوي الأساسي للجماهير في هذا السياق لا يكون فقط انتقامياً، ولو كان في أساسه مبنياً على الانتقام بسبب السجون والتعذيب والقتل والتنكيل، و/أو الإفقار الشديد، بل يكون ذو بعدٍ تأسيسي لمرحلةٍ جديدة، ولهذا السبب بالذات يكون عنفاً حاسماً.

فإذاً، للعنف الثوري عنصران ذاتيان أساسيان، يتداخلان ويتكاملان: أن يكون جماهيرياً، وأن يكون منظماً. من غير الممكن لثورةٍ جماهيريةٍ مسلحة أن تواجه الدولة وميليشياتها دون أن تكون منظّمة، وأن يكون للحزب الثوري الجماهيري دوراً فاعلاً في تنظيمها. ولا يمكن لأي حزبٍ، مهما بدا كبيراً وقوياً، أن يواجه الدولة وميليشياتها دون الجماهير، بمن فيها جنود الجيش والشرطة الذين يعلنون انحيازهم إلى طبقتهم ضد الطبقة المسيطرة والمتحكمة بالدولة والثروة. أما العامل الموضوعي الأكثر أهمية فهو مستوى استبداد السلطة. 

مسألة العنف شائكة. العقلانية هي في الحؤول دون العنف الفردي (تفجيرات، اغتيالات، إرهاب فردي) لتسريع نضج الشروط الذاتية للثورة، تمهيداً للظروف التي يمكن أن يصير فيها العنف حاسماً، أي ثورياً. لكن العقلانية الهدّامة هي في تبنّي فكر الطبقة المسيطرة في الحرب ضدّها، وشيطنة العنف بكل أشكاله الجماهيرية، وبالتالي قطع الطريق أمام إمكانية التطوّر الطبيعي لأساليبه مع تطوّر عنف الدولة الرجعي، ما يتيح للعنف البنيوي أن يتفوّق دون مقاومةٍ جماهيرية تذكر. لا يمكن اعتبار السلوك اللاعنفي خياراً جماعياً، هو خيارٌ فردي، تماماً كما هو خيار العنف الفردي الذي يخدم السلطة لا الثورة. أما سلوك الطبقات الاجتماعية تجاه العنف الاجتماعي الممارس ضدها، فلا يمكن احتواؤه أو إلغاؤه بأي قدرٍ من التبشير اللاعنفي والدعوة إلى النضال السلمي، مع احترام وتقدير البعد الإنساني الفردي لهذه الدعوات، ولكنها من المنظور الطبقي تكون دعوات مجرّدة من الإنسانية عندما تضع حق الطبقات المضطهدة بالدفاع العفوي عن نفسها بوجه القمع الأمني في خانة الهمجية أو الخروج عن "القانون"، نفس القانون الذي يحمي ممارسة الطبقة المسيطرة للعنف. الاختلاف الجوهري في تصوّر العنف، بين عنفٍ مضادّ وعنفٍ ثوري، أو عنفٍ رجعي، يرجع إلى الاختلاف في فهم السياق التاريخي، وحساب موازين القوى، وتقييم القوى الذاتية للثورة وأساليب وأهداف ممارستها للعنف، ومدى استعداد الجماهير الكادحة للتضحية من أجل تخطي الوضع القائم، والأهم من ذلك كله: الاختلاف في تفسير مفهوم الثورة. بالنسبة لليبراليين، ولبعض الاتجاهات اليسارية، الثورة تنتصر لدى تغيير الحكّام، أما بالنسبة للثوريين، فالثورة تنتصر عندما تُهدَم بنية النظام، وتُسحَق الدولة التي تؤمّن سيطرة القلّة على الطبقات الشعبية.

لا فرق في الجوهر بين شيطنة "العنف الثوري" من قبل الدستوريين والليبراليين، وتأليهه من قبل اليسار الطفولي الذي يعتبر كل عنفٍ فردي ثورياً. الاثنين يخدمان السلطة. ليس العنف هو معيار "الثورية" أو "الإصلاحية"، فليست كل ممارسة عنفية ثورية، وليست كل ممارسةٍ لاعنفية إصلاحية أيضاً، بل يمكنها أن تكون ثوريةً في أوضاع معينة، واستسلامية في أوضاع أخرى. الممارس الأكبر للعنف هو الدولة التي تمتلك كافة وسائل الإخضاع والقمع، فهي تمارس العنف دفاعاً عن البنية، وبالتالي فعنف الدولة البوليسي بنيوي، ممنهجٌ ورجعي، أما عنف تنظيمات الإسلام السياسي، وتنظيمات اليمين المتطرف، فلا يمكن وصفه سوى بالممارسة الرجعية. دفاع الجماهير عن نفسها بوجه عنف الدولة، أو أي عنفٍ تمارسه تنظيماتٌ متطرفة معاديةٌ للجماهير، من موقع رد الفعل، هو عنفٌ مضادَ، تلقائي، لا يمكن وصفه "تخريبياً" ولا "ثورياً" في آن. يتحول هذا العنف الجماهيري ثورياً، عندما يصير مسلحاً ومنظماً، وواعياً بفضل تغلغل الثوريين والتنظيمات السياسية الثورية في أوساط الطبقات الشعبية.

ما قام به فقراء لبنان في ليلتي ١٧ و ١٨ تشرين الأول، وفي أيام أخرى خلال الأشهر اللاحقة، وما سيقومون به مجدداً، بحق كل مظاهر الثراء الفاحش والاستبداد البوليسي وإجراءاته، ليس تخريباً ولا عنفاً ثورياً، بل هو العتبة الأولى نحو العنف الثوري: حقهم في الدفاع عن الوجود والتعبير عن القهر والألم كجماهيرٍ مستقلة عن الدولة وأجهزتها ومؤسساتها وقواها السياسية.