كعك لمن يحتاج، معلق على دعاية محطمة قرب موقف العازارية. بيروت، لبنان.٢٩ تشرين الأول ٢٠١٩. (بشير أسمر، فورة)

كعك لمن يحتاج، معلق على دعاية محطمة قرب موقف العازارية. بيروت، لبنان.٢٩ تشرين الأول ٢٠١٩. (بشير أسمر، فورة)

ما بعد الإحسان، عن أهمية المعونة المتبادلة خلال الثورة (٢/٢)

 في اليوم ٦٧: الأحد الواقع في ٢٢ كانون الأول

تظهر كل يوم في كل أنحاء لبنان مبادرات كريمة للتبرع، العديد منها يُنظّم على منصّات التواصل الاجتماعي. هذه النشاطات القاعدية العفوية أظهرت استعداد الناس لمساعدة بعضهم البعض بدون الحاجة لبنية شاملة تحكم أفعالهم، ان كانت حكومية أو غيرها. وهذه التبرعات الفردية فهي بالتأكيد مفيدة كما أنها ضرورية حاليا ليستطيع الكثيرون تأمين أساسيات معيشتهم. لكن من أجل الصمود خلال الأزمة الاقتصادية على المدى الطويل، لا يكفي الاتكال على طيبة الغرباء على فايسبوك أو التبرعات الفردية، بل على المجتمعات العمل معا من اجل خلق اقتصادات محلية (مايكرو) جديدة مكتفية ذاتيّا، المعروفة باسم "شبكات المعونة المتبادلة"، أو "التعاونيات" أو "مجتمعات التضامن".

في صميمها، المعونة المتبادلة هي تنظيم المجتمعات لذاتها على المستوى المحلي لتدبّر احتياجاتها بشكلٍ مباشر. وبما أن هيكليات المعونة المتبادلة تَنتُج من حاجات المجتمعات المحددة ومواردها، فإن أشكال إدارتها تختلف تبعاً للسياقات المختلفة. التجارب في اليونان وسوريا مؤخرا، وهي أمثلة نادرة لتطبيق معاصر واسع لمبدأ المعونة المتبادلة، تبرهن امكانية التنظيم اعتماداً على مبادئ التضامن والديمقراطية المباشرة. هذه الحالات الإقليمية، كأمثلةٍ على المعونة المتبادلة الناتجة من الأزمات، تلقي الضوء على ما يمكن تحقيقه في لبنان.  

في اليونان، كانت إجراءات التقشّف القاسية والدين القومي الكبير، خلال الأزمة المالية عاميّ ٢٠٠٧-٢٠٠٨، سببا في أن تصبح التجارب في أشكال جديدة من التضامن الاجتماعي ضرورة عامة. بحلول عام ٢٠١٢ كانت شبكات المعونة المتبادلة قد تشكّلت في كافة أنحاء البلاد بشكل أساسي حول احتياجات الطعام والعناية الصحية والإسكان ورعاية الأطفال، فشُكّلت محلات مواد غذائية تعاونية ومزارع مشتركة ومطابخ وعيادات تضامنية وصيدليات وحضانات أطفال، كما تم استعمال أماكن مهجورة للسكن. بالإضافة الى توفيرها الحاجات الأساسية، لعبت هذه التعاونيات دورا مهما في تنظيم مقاومة استملاك المنازل من قبل المصارف وديون المستهلكين وخصخصة المياه وغيرها. بحلول عام ٢٠١٤ كان هناك على الأقل ١٠٣ مجموعات و٩٢ عيادة شعبية، أكبرها تقدم الخدمات لـ٥٠٠ مريض شهريا. كما تم تحويل عدة فنادق الى أماكن للسكن لاستقبال اللاجئين القادمين إلى الجزر اليونانية. أيضا، ولدت شبكات لإيصال الطعام مباشرة من المنتجين الى المستهلكين، بما يخفف الكلفة على المستهلك فيما يزيد مدخول المنتِج.

من أجل الصمود خلال الأزمة الاقتصادية على المدى الطويل، لا يكفي الاتكال على طيبة الغرباء على فايسبوك أو التبرعات الفردية، بل على المجتمعات العمل معا من اجل خلق اقتصادات محلية (مايكرو) جديدة مكتفية ذاتيّا،في سوريا، بدأ تشكيل المجالس المحلية ابتداءً من ٢٠١٢ في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام. وتطورت هذه المجالس على مستوى القرية والبلدية والمحافظة وكانت بمعظمها منتخبة ديموقراطيا وتهدف إلى تقديم الخدمات التي كانت تقدمها الدولة سابقا. كما أن هذه المجالس التي ولدت للضرورة استلهمت بشكل كبير أفكار الراحل عمر عزيز، الذي تصوّرها "كتكوينا اجتماعيا مرنا يقوم على تفعيل التعاضد بين الثورة وحياة البشر اليومية". ورغم أن عزيز لم يعش ليرى أفكاره تتحقق كاملةً، لكن المجالس كانت فعلا مسؤولةً عن معظم نواحي الحياة تقريبا في المناطق التي كانت تحكمها، إذ كانت تؤمن المساعدات الغذائية والسكن والمياه والكهرباء والتعليم والرعاية الصحية وتهتم بالمجاري الصحية. ومن خلال التنظيم وخلق التعاونيات استطاعت المجالس تأمين المعدات الزراعية للمزارعين لتشجيع الزراعة المستدامة، خصوصا زراعة القمح والبطاطا. كما أنها روّجت العديد من المبادرات في أنحاء البلد للاستدامة الذاتية للغذاء عن طريق تأسيس بنوك للبذور ومخابز وتشجيع الزراعات المجتمعية (أحيانا على الشرفات وأسطح المنازل).

 إن حالتيّ اليونان وسوريا تقدّما استراتيجيات عملية قابلة للتطبيق في لبنان، حيث بدأت تظهر النقاشات حول الأشكال البديلة لتوزيع المعونة. فخلال جلسة نقاش في ٧ كانون الأول في ساحة العازرية نظمها مواطنون مهتمون لتشارك الأفكار حول كيفية الحدّ من الآثار الأصعب للأزمة الاقتصادية، دعا بعض المشاركين إلى تنظيم المساعدات على المستوى المحلي وتوزيعها قاعديّا. ودار جزء من النقاش حول الزراعة المشتركة والبرادات وخزائن الطعام المجتمعية (حيث يضع كل مواطن ما يستطيع ويأخذ ما يحتاجه وتكون بإدارة لجنة من الحيّ أو القرية)، واقتصاديات ساعات العمل (نظام تبادلي يعتمد على ساعات العمل قيمةً تبادلية بدلا من المال). ورغم أن معظم النقاش دار حول مشاريع مستقبلية، إلا أن بعد المبادرات موجودة بالفعل.  

إحدى هذه المبادرات هي "حركة حبق" التي تعمل على تطوير زراعة تعاونية مستدامة عبر زراعة الخضار في أراض خصبة غير مستخدمة وقطافها جماعيا. حسب ما يقول مراد عياش، أحد الأعضاء العشرون المنخرطين حاليا في الجمعية "إنها فرصة لتنظيم أنفسنا في مزارع تعاونية بدلا من مزارع متنافسة". في المحصلة، تتصوّر حركة حبق في المستقبل تعاونا بين شبكةٍ من المزارع المكتفية ذاتيا والتعاونيات المعنية مثل المطابخ المحلية وشبكات توزيع الطعام.

تعمل "حبق" حاليا مع تعاونية زراعية أخرى في بلدة القويطع في الكورة. عبر شبكات التواصل الاجتماعي، استطاع مؤسسها علاء فرحات التواصل مع أصحاب أراضٍ ومعدات زراعية غير مستخدمة، وصولا إلى أكثر من ٤٠ ألف متر مربع من الأرض، ١٨ ألفا منها تُزرع حاليا قمحا وخضروات. معظم المنتوج سيباع بأسعارٍ أقل من سعر السوق والباقي سيستخدم في مخبز جديد اسمه ماغادالو (الاسم القديم لبلدة القويطع)، وهكذا سيقدم المخبز فرص عمل لسكان البلدة، وستذهب أرباحه لكلفة تشغيل المزارع. وكما قال فرحات في كانون الثاني الماضي "لا يهمني ماذا تفعل الحكومة، إذا وجدوا رئيس حكومة أم لا، المهم أن نعمل معا، من الناس للناس". ولضمان أن تبقى أولوية التعاونية للمجتمع، شكّل فرحات مجلسا من أهل البلدة، ويؤكد أن "أي منهم لم يكن لهم في السابق علاقة مع الحكومة أو الأحزاب السياسية".    

خلافا للتبرعات المؤسساتية، هذه المبادرة يديرها سكان المخيمات بأنفسهم، لصالح مجتمعاتهم. وتقدم هذه المبادرة أيضا مثالا على كيف يمكن لمبادرات مجتمعية صغيرة أن تعمل معا من خلال شبكات جامعة في المجتمعات المتباينة.مثال آخر على المعونة المتبادلة هي مبادرة "خبر وملح" التي تجمع التبرعات وتوزع المساعدات، أغلبها مواد غذائية وأدوية، في مخيمات فلسطينية مختلفة في لبنان. وخلافا للتبرعات المؤسساتية، هذه المبادرة يديرها سكان المخيمات بأنفسهم، لصالح مجتمعاتهم. وتقدم هذه المبادرة أيضا مثالا على كيف يمكن لمبادرات مجتمعية صغيرة أن تعمل معا من خلال شبكات جامعة في المجتمعات المتباينة.

 من أجل دعم مشاريع اقتصادية إضافية منتجة ومستدامة، ولد دليل تضامن كمنصة رقمية للأفراد والمجموعات المهتمون باقتصاديات التضامن للتعارف والنقاش والتعاون. ما زال الموقع قيد التطوير لكنه يطمح ليصبح ملتقىً للمبادرات الجديدة، لتدعم وتتعلم من بعضها البعض. يشجّع دليل تضامن كل المهتمين بالمبادرات التضامنية للتواصل معهم إن كانوا منخرطين في مشروع ما أو لديهم فكرة أوليّة.  

 تقدم هذه المبادرات أمثلةً عن كيف يمكن للمجتمعات في الأزمات الاقتصادية أن تنتظم وتتعاون وتفطر بطريقة مبدعة كيف تؤمن حاجاتها الأساسية. قد لا تكون هذه الهيكليات مثالية في البداية، لكن يمكننا التعلّم من التاريخ ومن المبادرات المختلفة في أنحاء لبنان، الى أن يحين الوقت الذي تستطيع فيه المجتمعات المستدامة أن تنمو وتزدهر خارج إطار الدولة.