A black-and-white photograph of a large formation of Lebanese Army soldiers marching in tight unison during a drill. The soldiers are dressed in matching uniforms and combat boots, wearing distinctive helmets with integrated ear and chin protection, holding rifles diagonally across their chests. In the background, a war-torn urban landscape features large mounds of dirt and rubble in front of a heavily damaged, multi-story apartment complex and a smaller white building marked with bullet holes.

جنود من الجيش اللبناني يؤدّون تدريبًا على المسير العسكري الدقيق في بيروت، وخلفهم الأنقاض والمباني التي دمّرتها الحرب. كانت قوات مشاة البحرية الأميركية تُدرّب عناصر الجيش اللبناني على تقنيات الانتشار السريع. بيروت، لبنان، ٢١ كانون الأول، ١٩٨٢. (باولا كروشياني، أسوشيتد برس)

تسليح الدولة في مواجهة الشعب: أوهام الحلّ العسكري في لبنان

ملاحظة المحرر: ما لم يُذكر خلاف ذلك، تستند المعلومات والتحليلات المتعلقة بالجيش اللبناني إلى البحث الأصلي للمؤلف وإلى كتابه الصادر حديثًا بعنوان "الجنود والدولة في لبنان زمن الحرب" (Les Soldats et l’État dans le Liban en Guerre، منشورات الجامعة الفرنسية، ٢٠٢٥).

يمكن النقر على النقاط السوداء (●) الواردة في النص لعرض الوثائق التي يستند إليها هذا المقال.

في الثاني من آذار ٢٠٢٦، أعلن رئيس الوزراء اللبناني نوّاف سلام أنّ أنشطة حزب الله العسكرية غير قانونية، ودعا "الأجهزة العسكرية والأمنية إلى اتخاذ إجراءات فورية" من أجل حصر جميع الأسلحة١. شكّل القرار مرحلة جديدة في خطة نزع السلاح التي أقرّتها حكومة سلام في أيلول ٢٠٢٥، ومثّل أوضح محاولة للابتعاد عن عقيدة "الجيش والشعب والمقاومة".

عام ١٩٩٢، وفي ظلّ الوصاية السورية، ظهرت هذه العقيدة للمرة الأولى بصيغتها الرسمية في البيان الوزاري لرئيس الوزراء رفيق الحريري. صِيغَت سياسة الدفاع في لبنان باعتبارها تقسيمًا للأدوار: أُنيط بالقوات المسلحة اللبنانية (الجيش اللبناني) الحفاظ على النظام الداخلي والتوسّط بين الخصوم السياسيين — في استمرار للدور التقليدي للجيش اللبناني منذ تأسيسه عام ١٩٤٥ — ٢

على الرغم من الضغوط الداخلية التي مارسها سياسيون ووسائل إعلام مثل "إم تي في لبنان"، فضلًا عن تهديد الولايات المتحدة بتعليق مساعداتها للجيش اللبناني، فقد تعثّرت خطة نزع السلاح إلى حدّ كبير منذ قرار الحكومة في الثاني من آذار. وخلال سجال حاد مع رئيس الوزراء، أفادت التقارير بأنّ قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل رفض الزجّ بقواته في مواجهة مباشرة مع حزب الله. ويُذكّر هذا الرفض بالموقف الحذر الذي اتّخذه الجنرال فؤاد شهاب خلال الاضطرابات الأهلية عام ١٩٥٨، حين قاوم أول قائد للجيش أمرَ الرئيس كميل شمعون بسحق المعارضة، خشية انقسام المؤسسة العسكرية على أسس سياسية وطائفية. وبدلًا من ذلك، استُخدمَت الوحدات القتالية لاحتواء الانتفاضة وتأمين الطرق الرئيسية ومراكز السلطة فقط٣.

كما ينبغي قراءة ردّ فعل الجنرال هيكل في ضوء النتائج المأساوية لتدخلات أخرى للجيش اللبناني ضد أطراف داخلية. فالقوّة التي دعت حكومة سلام إلى استخدامها تذكّر بالفعل بمحطات أساسية من تاريخ لبنان ما بعد الاستقلال، حين كان البلد ممزّقًا بفعل الاضطرابات الأهلية والحروب، وحيث لاقت فكرة نشر الجيش من أجل "إعادة النظام" قبولًا واسعًا. تحمل هذه المنعطفات الحاسمة مفتاح فهم مخاطر هذا النهج العسكري من جهة، وعيوب النقاش الدائر حول احتكار السلاح وضعف الجيش اللبناني من جهة أخرى.

دروس من انتفاضة ٦ شباط

في كلّ من عامَي ١٩٧٥-١٩٧٦ و١٩٨٣-١٩٨٤ وهما من أكثر مراحل الحرب الأهلية اللبنانية دمويّةً، لجأ الرئيسان اللبنانيان سليمان فرنجية (١٩٧٠-١٩٧٦) وأمين الجميّل (١٩٨٢-١٩٨٨) إلى الجيش لقمع المعارضة ووضع حدّ للنزاع. لكنهما بدلًا من ذلك تسبّبا في انقسام المؤسسة العسكرية على أسس سياسية وطائفية ومناطقية. ومن بين هاتين الحالتين، تقدّم أزمة ١٩٨٣-١٩٨٤ المقارنة الأكثر دلالة مع الوضع الحالي في لبنان، إذ تشترك مع النقاش الدائر حاليًا حول نزع سلاح حزب الله في ثلاث سمات أساسية على الأقل.

صاغت عقيدة "الجيش والشعب والمقاومة" سياسة الدفاع في لبنان باعتبارها تقسيمًا للأدوار: أُنيط بالقوات المسلحة اللبنانية الحفاظ على النظام الداخلي والتوسط بين الخصوم السياسيين، بينما أُسندت إلى حزب الله مهمة تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي وردع أي اجتياحات مستقبلية.

أولًا، إنّ أي مواجهة عسكرية مع حزب الله ستتطلب نشر غالبية العناصر القتالية في الجيش اللبناني. ويبقى أقرب سابقة تاريخية لاستخدام الجيش بهذا الحجم الواسع — بما يتناسب مع حجمه الفعلي — ضد قوى معارضة داخلية، حملة الجيش ضد حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي بين آب ١٩٨٣ وشباط ١٩٨٤. وبينما قد يشير البعض إلى مواجهات الجيش اللبناني مع القوات اللبنانية في عامَي ١٩٨٩ و١٩٩٠ باعتبارها مثالًا آخر، فإن المؤسسة العسكرية آنذاك كانت منقسمة أصلًا، ولم يكن بإمكانها حشد أكثر من خُمس وحداتها القتالية. أما خلال الفترة الممتدة بين أيار ١٩٧٥ وكانون الثاني ١٩٧٦، فقد نُشرت الوحدات القتالية على نحو متفرق في أنحاء البلاد لدعم حزب الكتائب وحلفائه اليمينيين المسيحيين ضد اليسار اللبناني والفصائل الفلسطينية.

يكمن التشابه الثاني في الاعتقاد بأن ميزان القوى يميل لصالح فرض نزع السلاح بالقوة. فبين عامَي ٢٠٢٣ و٢٠٢٥، ألحقت إسرائيل والولايات المتحدة انتكاسات شديدة وغير مسبوقة بمحور المقاومة، الذي يشكّل حزب الله جزءًا منه. وقد دفع ذلك كثيرين، بمن فيهم مسؤولون أميركيون والرئيس جوزف عون نفسه، إلى استنتاج أن حزب الله قد تعرّض لهزيمة عسكرية. وقد ثبت خطأ هذا التقدير، إذ تمكّن حزب الله من إعادة بناء بعض قدراته، استعدادًا لحرب استنزاف.

وقد ساد شعور مماثل بوجود فرصة مؤاتية بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام ١٩٨٢. فقد خرجت الحركة الوطنية اللبنانية، وهي تحالف من الأحزاب اليسارية والقومية العربية، منهكة بشدة. وبعد أن فرضت قوات الاحتلال الإسرائيلي حصارًا قاسيًا جدًا على بيروت الغربية، وطردت المقاتلين الفلسطينيين الفدائيين، حُرِمَت الحركة الوطنية اللبنانية من حليفها ومصدرها الرئيسي للتمويل والدعم العسكري. وفي أعقاب هذا الزلزال الجيوسياسي، رأى الرئيس المنتخب حديثًا، أمين الجميّل، أنّ اللحظة باتت مناسبة لإحياء لبنان الذي قام عليه ميثاق ١٩٤٣ الوطني، بما يحمله من هيمنة مارونية وسياسة قائمة على الزعامات التقليدية٤.

وأخيرًا، كما هي الحال اليوم، كانت الحكومة اللبنانية مدعومة من الولايات المتحدة. ففي مطلع خريف عام ١٩٨٢، رأت واشنطن في الإطاحة بمنظمة التحرير الفلسطينية بواسطة إسرائيل فرصة ذهبية لفرض حكومة لبنانية موالية للغرب ومستعدة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وبين كانون الأول ١٩٨٢ وأيار ١٩٨٣، شاركت وفود لبنانية وإسرائيلية في جولات عدة من المفاوضات برعاية الولايات المتحدة. وأسفرت هذه المحادثات عن اتفاق ١٧ أيار ١٩٨٣ الذي وُلد ميتًا،¹ والذي نصّ على إنهاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل، لكنّه تضمّن في الوقت نفسه عددًا من "الترتيبات الأمنية" التي انتقصت بشكل كبير من السيادة اللبنانية٥.

ومع ذلك، وافق كلّ من مجلس الوزراء والبرلمان على الاتفاق، لكن أمين الجميّل امتنع عن التصديق عليه بسبب رسالة جانبية وجّهها الوفد الإسرائيلي إلى الوسيط الأميركي موريس درايبر عشية توقيع الاتفاق. وقد حملت الرسالة، المؤرخة في ١٧ أيار، بندًا جديدًا ومتعذر التحقيق، أُدخل عمدًا إلى المفاوضات: إذ ربط انسحاب إسرائيل بانسحاب سوري سابق، ما منح دمشق حقّ نقض فعلي للاتفاق. كما احتفظت إسرائيل لنفسها بالحق الأحادي في الانسحاب من الاتفاق إذا لم يتحقق هذا الشرط. وبعدما عجز عن الحصول على ضمانات أميركية كافية لتنفيذ الاتفاق، رضخ الجميّل في نهاية المطاف لضغوط سوريا وائتلاف واسع ومتعدد الطوائف من الأحزاب والقادة اللبنانيين، وتخلّى عن اتفاق ١٧ أيار في آذار ١٩٨٤.

President Ronald Reagan stands at a wooden podium speaking during an outdoor event on October 19, 1982. He is wearing a dark brown pinstripe suit and a striped tie. Behind him to the left, a US military honor guard member stands at attention holding the American flag. To the right, Lebanese President Amin Gemayel stands smiling in a gray double-breasted suit while holding a black folder. On the far right, another military honor guard member holds the Lebanese flag against a backdrop of lush green trees.

الرئيس الأميركي رونالد ريغان يدلي بتصريح قبيل مغادرته، عقب لقائه بالرئيس اللبناني أمين الجميّل خارج المكتب البيضاوي. ١٩ تشرين الأول، ١٩٨٢. (أرشيف مكتبة ريغان)

اليوم، يتكرر نمط مشابه. في نيسان ٢٠٢٦، توصّل لبنان وإسرائيل إلى تفاهم يمنح الأخيرة حقّ انتهاك السيادة اللبنانية بصورة مستمرّة، أعقبته مفاوضات غير متكافئة برعاية واشنطن. مرّة أخرى، فشل الاتفاق الناتج عن هذه المفاوضات، الذي رعته الولايات المتحدة ووُقِّع في ٢٦ حزيران، في ضمان الانسحاب الإسرائيلي، لا بل شرّع استمرار الاحتلال إلى حين "نجاح نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة". وبذلك، يفرض الاتفاق قيودًا شديدة على السياسة الخارجية اللبنانية، من خلال منع السلطات اللبنانية من السعي إلى محاسبة إسرائيل على جرائم الحرب التي ارتكبتها، كما يهدد بإغراق البلاد في حرب أهلية عبر وضع الجيش اللبناني في مواجهة حزب الله.

كشف "الملحق الأمني" للاتفاق الإطاري الموقّع في ٢٦ حزيران، بعد أيام قليلة من توقيعه، أنه يضع فعليًا سيادة لبنان في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني تحت إشراف صارم لـ"مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان". تستحضر هذه الهيئة التي تتمتع بصلاحيات واسعة وفضفاضة التعريف والتي تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، "لجنة الترتيبات الأمنية" التي أُنشئت بموجب اتفاق ١٧ أيار لتقييد والإشراف على انتشار الجيش اللبناني في جنوب لبنان وتركيبته ومهمته. وبموجب الترتيب الجديد، يُكلّف الجيش اللبناني بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي بنزع سلاح مكوّن من مكوّنات المجتمع اللبناني، من دون جدول زمني محدد لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

ارتكز مسار التطبيع الذي رعته الولايات المتحدة عام ١٩٨٣ على الجيش اللبناني باعتباره حجر الأساس فيه. ففي كانون الثاني من ذلك العام، بدأ تنفيذ برنامج تحديث الجيش اللبناني الذي صمّمه فريق عسكري أميركي. وضخّت الولايات المتحدة معدات عسكرية في الجيش اللبناني، وقد دفعت الدولة اللبنانية ثمن جزء كبير منها نقدًا. وخضع أكثر من عشرة آلاف عنصر (أي ثلث إجمالي قوة الجيش وثلثَي مقاتليه) من وحدات المشاة والمدفعية والمدرعات لتدريب مكثف على أيدي قوات مشاة البحرية الأميركية والقوات الخاصة.

وبمساعدة فرنسا، سعت الولايات المتحدة رسميًا إلى تعزيز الجيش اللبناني، دون تهديد التفوق العسكري الإسرائيلي، بهدف مساعدة الحكومة على استعادة سلطتها على الأراضي اللبنانية. من خلال برنامج التدريب هذا، يمكن القول إنّ بلغ الجيش اللبناني بلغ ذروةً تاريخيةً من حيث الجاهزية القتالية والمعدات. إذًا، ماذا حدث؟

In the picture above, soldiers gather in a circle around two men wrestling with one another. In the picture below, a military man standing tall, his hands tightened around a rope, as another man descends with the other end of the rope tied around his waist.

تُدرّب قوات العمليات الخاصة الأميركية (القبعات الخضراء) أفراد كتيبة المجوقل في الجيش اللبناني (التي أُنشئت عام ١٩٨٢) على القتال الفردي وتقنيات إنزال الجنود بالحبال. الصورة العلوية التُقطت في الرمل العالي، برج البراجنة، بيروت، أما السفلية فربما التُقطت بالقرب من وزارة الدفاع في اليرزة، بعبدا. كانون الثاني أو شباط ١٩٨٣. (الصورة منشورة في العدد الصادر في شباط ١٩٨٣ من مجلة الجندي اللبناني الشهرية، صفحة ١٠)

مطلع شباط ١٩٨٤، أرسل الرئيس الجميّل وحدات من الجيش لمحاربة حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي. وكانت هذه القوى المعارضة، إلى جانب مجموعات أصغر من الحركة الوطنية اللبنانية المنحلّة، تنظّم انتفاضة لاستعادة السيطرة على بيروت الغربية. وقد تلقّت حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي معدات عسكرية من سوريا، كما تلقّيا دعمًا من مجموعة من الضباط اللبنانيين الشبان الذين شكّلوا حركة "الضباط الأحرار" (حركة ضباط أحرار) لمعارضة كلّ من التطبيع مع إسرائيل واستعادة الهيمنة المسيحية.

وعُرف ما تلا ذلك باسم "انتفاضة ٦ شباط"، وقد شكّلت انتصارًا للمعارضة على الجميّل وراعيه الأميركي. وكانت القوات الأميركية، التي تقوّض وجودها أصلًا بسبب التفجير الانتحاري الذي استهدف ثكنة مشاة البحرية في ٢٣ تشرين الأول ١٩٨٣، قد أتمّت انسحابها من لبنان بحلول نهاية شباط ١٩٨٤. ألغى البرلمان اتفاق ١٧ أيار في الشهر التالي، وتمّ تشكيل حكومة "وحدة وطنية" في نيسان، أنهت عمليًا الهيمنة المسيحية على النظام السياسي وكرّست تجزئة لبنان إلى كانتونات تابعة للميليشيات. في الأسابيع التالية لانتفاضة ٦ شباط، انقسم الجيش إلى ألوية إقليمية شبه مستقلة، في انعكاس لوضع البلاد.

يفسّر عاملان تجزّؤ المؤسسة العسكرية. العامل الأول سياسي. تعاطف المنشقون، الذين كان معظمهم من المسلمين، مع القضية التي دافع عنها الحزب التقدمي الاشتراكي وحركة أمل، واللذان، مثل الضباط الأحرار، ناضلا من أجل نظام سياسي جديد ورفضا اتفاق ١٧ أيار. أما الثاني فهو العامل الجغرافي، لا يقل أهمية عن الأول بل ربما يفوقه. على الرغم من أن العديد من الجنود المنشقين كانوا قد فقدوا الثقة بحكم الجميّل، فإنهم كانوا يشعرون بالنفور أيضًا من الميليشيات، بما فيها الحزب التقدمي الاشتراكي وحركة أمل، ومن اقتصاد النهب الذي فرضته على السكان اللبنانيين. ومع ذلك، انشقوا قبل انتصار المعارضة أو بعده. بعضهم لم يكن قادرًا ببساطة على إطلاق النار على أبناء مجتمعاتهم.

بدأ تنفيذ برنامج تحديث الجيش اللبناني، الذي صمّمه فريق عسكري أميركي، في كانون الثاني ١٩٨٣. وضخّت الولايات المتحدة معدات عسكرية في الجيش اللبناني، وقد دفعت الدولة اللبنانية ثمن جزء كبير منها نقدًا. وخضع أكثر من عشرة آلاف عنصر من وحدات المشاة والمدفعية والمدرعات لتدريب مكثف على أيدي قوات مشاة البحرية الأميركية والقوات الخاصة.

يتذكّر جندي شيعي سابق عاد إلى الثكنة مطلع شباط ١٩٨٤: "كان يُفترض بنا أن نطلق النار على منطقة تُسمّى حي السلّم. لكنني كنت أعيش هناك، أقاربي، وجيراني... من المستحيل أن أطلق النار على أهلي!"٦ وعندما لم تكن المواجهة المباشرة هي دافع الجنود إلى ترك مواقعهم، كان السبب رغبتهم في أن يتمكّنوا من العودة إلى منازلهم، إذ إن معظمهم ينحدر من بلدات وقرى ريفية. فكيف يمكن للمرء أن يعود إلى قريته بعد سفك دماء جاره، أو إذا كانت القرية تحت سيطرة الطرف المقابل؟

الاضطراب الأهلي هو نوع من الحروب شديدة الخصوصية، لا سيما في النسيج الاجتماعي اللبناني المتداخل، حيث يتشابك النظام الطائفي مع الانتماءات السياسية والمحلية. ويمكن لعلاقات الحياة اليومية أن تُضعف القوة القسرية التي تعتمد عليها المؤسسة العسكرية، بل كل مؤسسة في الواقع. واليوم، يشكّل الجنود الشيعة نحو ثلث عديد الجيش، في حين أن غالبية الجنود من الرتب الدنيا ينحدرون من خلفيات ريفية، ما يعني احتفاظهم بروابط قوية مع قراهم الأصلية.٧ ولذلك، فإن احتمال نشر الجيش ضد حزب الله يعني فرض خيار يستحيل تحمّله على جميع هؤلاء الرجال والنساء الذين يتمسكون بشبكاتهم الاجتماعية اليومية.

حياد الدولة الكاذب

على الرغم من الدروس التي يمكن استخلاصها من انتفاضة ٦ شباط، حثّ الرئيس الأسبق أمين الجميل مؤخراً خلفه جوزيف عون ورئيس الوزراء على "استكمال المفاوضات مع إسرائيل حتى النهاية". والجميل هو من بين الأصوات التي تطالب الجيش بنزع سلاح حزب الله. وغالباً ما يتذرع هؤلاء الذين يطالبون بذلك — أو يتسترون خلف — دعوةٍ إلى حياد الدولة. فمن وجهة نظرهم، تقف الدولة فوق جميع الأطراف، وبالتالي، ينبغي لها أن تحتكر استخدام العنف لضمان السلم الأهلي.

 يستند هذا القياس المنطقي إلى ما أسماه تيموثي ميتشل محقّا "تأثير الدولة": وهو مجموعة من الممارسات التي يُنظر من خلالها إلى الدولة على أنها كيان متميز ومنفصل عن المجتمع٨. وبفضل "تأثير الدولة"، تظهر الدعوة إلى نزع سلاح حزب الله كمطلب غير سياسي، وتسمح لمن يطلقون هذا الادعاء بالظهور بمظهر المدافعين عن سيادة الدولة حصرًا. ويذهب بعض هؤلاء إلى أبعد من ذلك لتبرير المواجهة العسكرية من خلال تصوير حزب الله على أنه وكيل إيراني، مجرد "طفرة للجمهورية الإسلامية" عزلت نفسها ولا تنتمي إلى الجسد السياسي اللبناني. هذا الخطاب مثالي لأخلاقيات وقيم الحرب الأهلية، التي تستلزم تكفير الآخر وإخراجه من الجماعة الوطنية لتشريع العنف ضده. مرة أخرى، تعود الى الأذهان الحرب الأهلية اللبنانية، عندما تظاهر اليمين المسيحي بالدفاع عن لبنان ضد "الأجانب" — الفلسطينيين ثم السوريين — متجاهلًا المطالب السياسية لليسار اللبناني ومنكرًا تأثيره ووجوده.

A military magazine feature written in Arabic focusing on the American-made M48 Patton tank deployed by the Lebanese Armed Forces. The main photograph on the right captures an M48 tank being lifted by thick crane cables at a dockyard with military personnel watching below. The left page contains three smaller photographs showing columns of tanks lined up on an asphalt tarmac, a single tank positioned inside a pine forest, and a head-on view of a tank convoy on the move surrounded by technical specifications

الولايات المتحدة تزوّد لبنان بمعدات عسكرية، من بينها ٣٢ دبابة من طراز M-48A5. نيسان أو أيار ١٩٨٣. (الصورة منشورة في العدد الصادر في أيار ١٩٨٣ من مجلة الجندي اللبناني الشهرية التابعة للقوات المسلحة اللبنانية، صفحة ٥٠)

ومع ذلك، فإن حياد الدولة ليس سوى سراب، لاسيما عندما تكون الدولة والجيش معتمدين بشكل كبير على المساعدات الخارجية. فبعد انسحاب الجيش السوري عام ٢٠٠٥، استعادت واشنطن سريعاً موقعها كشريك رئيسي للجيش اللبناني في التدريب والتجهيز والتمويل٩. وجاءت الأزمة الاجتماعية والاقتصادية بعد عام ٢٠١٩ لتزيد من تفاقم تبعية الجيش اللبناني للمانحين الغربيين والخليجيين، بما في ذلك الولايات المتحدة وفرنسا وقطر والإمارات العربية المتحدة. في المقابل، أصبحت السياسة الدفاعية للبنان مرتبطة بشكل متزايد بالسياسة الأمريكية المؤيدة لإسرائيل في الشرق الأوسط. بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها، الهدف هو ترسيخ مكانة الجيش اللبناني كقوة أمنية داخلية فعّالة قادرة على الحفاظ على الاستقرار الداخلي — طالما أن ذلك يخدم المصالح الأمريكية-الإسرائيلية — والتأكيد على تفوقه على حزب الله. في مقابلة أُجريت في أيلول ٢٠٢٥، اعترف السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا توم باراك بصراحة أن الولايات المتحدة لم تكن تسلّح الجيش اللبناني لمحاربة إسرائيل، بل "لمحاربة شعبه، أي حزب الله". تسترشد هذه السياسة بالالتزام الرسمي الأميركي بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل في المنطقة.

 لقد حاولت السلطات اللبنانية بالفعل رهن خيارها بالولايات المتحدة لاستعادة سيادة الدولة وتأمين الانسحاب السلمي للجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، ولكن دون جدوى. ففي أعقاب الغزو الإسرائيلي للبنان في آذار ١٩٧٨، لم يوفّر الرئيس إلياس سركيس أي جهد دبلوماسيّ لاستعادة السيطرة على جنوب لبنان. بالتعاون مع وزير دفاعه وخارجيته فؤاد بطرس، حثّ واشنطن للضغط على إسرائيل من أجل السماح بنشر وحدات من الجيش اللبناني في المنطقة الحدودية. إلا أن إسرائيل كانت قد قررت تحويل هذه المنطقة إلى ما يُسمى بـ"الحزام الأمني"، وتوظيف "جيش لبنان الجنوبي" لإدارته نيابة عنها؛ وهو فصيل سابق من الجيش اللبناني أُنشئ عام ١٩٧٦ بدعم من قيادة الجيش وبقيادة الرائد سعد حداد1.

وعلى الرغم من التطمينات الأمريكية، لم تتمكن كتيبة الجيش اللبناني التي أُرسلت من البقاع من التقدم إلى ما بعد كوكبا، وهي قرية صغيرة تقع شمال مرجعيون، بعد تعرضها لقصف مدفعي من جيش لبنان الجنوبي والجيش الإسرائيلي في صيف عام  ١٩٧٨١١. وبقيت الكتيبة متمركزة هناك حتى الغزو الإسرائيلي عام ١٩٨٢، تحت رحمة قذائف العدو.

 إدراكاً منه للتناقض بين الدعم الرسمي لإدارته لسلامة الأراضي اللبنانية وعدم رغبتها في ممارسة أي ضغط على إسرائيل، أرسل السفير الأمريكي لدى لبنان جون غونثر دين — وهو ابن مهاجرين يهود فروا من ألمانيا النازية — برقية صارمة إلى وزارة الخارجية في ١٥ نيسان ١٩٧٩ جاء فيها:

"لا يمكنني أن أؤكد بما فيه الكفاية على مدى أهمية الانتشار الناجح للجيش في الجنوب بالنسبة للحكومة اللبنانية. إن فشل هذه العملية لن تكون له عواقب مؤسفة على جنوب لبنان فحسب، بل سيهدد أيضاً التقدم الهش الذي أحرزه سركيس في منطقة بيروت.

لقد مللنا من تكرار دعمنا للرئيس سركيس وللجيش اللبناني، فضلاً عن دعمنا لسيادة البلاد وسلامة أراضيها. ولا أرغب في أن أكون في موقف المنافق الذي يؤكد على مثل هذه السياسة، بينما نرفض اتخاذ الإجراءات اللازمة للمساعدة في تنفيذها١٢".

في وقت يظهر فيه التحالف الأمريكي الإسرائيلي أقوى من أي وقت مضى، لا يمكن فصل مسألة نزع سلاح حزب الله عن جهود أوسع لبناء دولة لبنانية سيادية فعليّا. كما أظهرت ورقة بحثية صدرت مؤخراً عن مركز الأبحاث اللبناني "مبادرة السياسات"، فإن "النهج المتّبع حاليًا القائم على الأولوية الأمنية هو بنيويّا خاطئ. لا يمكن للبنان إعادة بناء سيادته من الأعلى عبر تعزيز القدرات العسكرية وحدها، بل يجب أن يرتكز ذلك على الشرعية السياسية، والاستقلال المالي، والقدرة المؤسساتية". أصرّ عالم الاجتماع ماكس فيبر في تصوره للنمط المثالي للدولة على الشرعية، حيث كتب "الدولة هي مجتمع بشري ينجح باحتكار الاستخدام المشروع للقوة المادية داخل إقليم معين١٣". وليس من قبيل المصادفة أن مصطلح "المشروعية" قد شُطب من النقاش الدائر حول احتكار السلاح في لبنان.

بفضل "تأثير الدولة" — وهو مجموعة من الممارسات التي يُنظر من خلالها إلى الدولة على أنها كيان متميز ومنفصل عن المجتمع — تظهر الدعوة إلى نزع سلاح حزب الله كمطلب غير سياسي، وتسمح لمن يطلقون هذه الدعوة بالادّعاء أنهم مجرّد مدافعون عن سيادة الدولة.

 

تبدأ السيادة إذًا ببناء ثقة المواطنين بالدولة اللبنانية التي  لم يعرفوها سوى كدولة غائبة — وقمعية في بعض الأحيان — منذ نشأتها عام 1920. وحتى قبل الاحتلال الإسرائيلي الطويل الذي بدأ عام 1978، شعر سكان جنوب لبنان، ومعظمهم من الشيعة، بأن الدولة تخلت عنهم١٤. ورغم جهود معالجة عدم المساواة في البلاد إبان عهد الرئيس فؤاد شهاب (١٩٥٨-١٩٦٤) وخلَفه شارل حلو (١٩٦٤-١٩٧٠)، استمر الجنوب — المعروف أيضاً باسم جبل عامل — في المعاناة من نقص الخدمات العامة والبنى التحتية، على غرار المناطق الهامشية الأخرى مثل عكار وسهل البقاع. ولكن على عكس تلك المناطق، فإن للجنوب أيضاً تاريخاً طويلاً من الحرب والحرمان١٥.

A soldier stands between military vehicles on a street, conveying tension and readiness.

هل يمكن للدولة اللبنانية أن تدّعي السيادة من دون القدرة على الدفاع عن أراضيها؟

 في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وقبل وصول الفدائيين الفلسطينيين، تعرض جنوب لبنان لما لا يقل عن ٢٠٠ اعتداء إسرائيلي استهدف المنازل والماشية والمحاصيل الزراعية. وفي أعقاب الهزيمة العربية عام 1967، شنت إسرائيل توغلات مدمرة وعشوائية لسحق الفدائيين، الذين حوّلوا المنطقة إلى معقل جديد لنضالهم التحرري. وبين عامي ١٩٦٨ و١٩٧٤، نفذ الجيش الإسرائيلي أكثر من ٣٠٠٠ اعتداء على الأراضي اللبنانية، مما أسفر عن مقتل حوالي ٨٨٠ مدنياً، وإصابة الآلاف، وسبب نزوح ما لا يقل عن خُمس سكان المنطقة الحدودية البالغ عددهم ١٥٠ ألف نسمة شمالًا١٦.

 أصدرت الحكومات اللبنانية المتعاقبة طوال هذه الفترة تعليمات للجيش بتجنب الاشتباك مع القوات الإسرائيلية، فظل الجيش اللبناني مكتوف الأيدي حينها، تماماً كما يقف مكتوف الأيدي اليوم. وفي عهدي الرئيسين شارل حلو وسليمان فرنجية، معظم وحدات الجيش كانت مكلفة بتقييد أنشطة الفدائيين الفلسطينيين. وفي بعض الأحيان، ساعدت هذه الوحدات قوى الأمن الداخلي، الشرطة والدرك، في قمع التحركات الاجتماعية الواسعة التي شارك فيها العديد من أبناء الجنوب١٧.

 بعد حرب عام ١٩٦٧، أصبح لبنان مركزاً رئيسياً للتعبئة الشعبية في سياق "الستينيات العالمية"، حيث نزل الفلاحون والعمال والطلاب والمثقفون إلى الشوارع للمطالبة بإصلاحات اجتماعية وسياسية ولدعم النضال الفلسطيني المسلح١٨. ولم يكن الجيش محايداً على الإطلاق، بل دافع عن الوضع القائم. ففي نيسان ١٩٦٩، فرّقت وحدات الجيش اللبناني بوحشية بالرصاص الحي مظاهرة حاشدة للتضامن مع الفدائيين في بيروت وصيدا؛ ثم في شباط ١٩٧٥، انتهت احتجاجات الصيادين في صيدا بحمام دم بعد أن فتح الجيش النار، مما أدى إلى إصابة معروف سعد بجروح قاتلة، وهو النائب الأسبق ورئيس بلدية المدينة الذي أسس التنظيم الشعبي الناصري١٩. تعتبر تابيثا بتران، بالإضافة الى آخرين، إن "الكثير من المكونات الداخلية التي تضافرت لإشعال الحرب الأهلية ظهرت في أحداث صيدا: الظلم الاجتماعي المرتبط بالفوارق المناطقية والطائفية؛ عجز الدولة واستخدام الجيش كأداة لبنية السلطة المارونية؛ وظهور جبهة شعبية من أجل التغيير٢٠". إن القطيعة مع هذا الإرث المؤلم تتطلب إصلاحاً جذرياً للنظام السياسي يسمح بتمثيل شعبي حقيقي، محمي من المساومات الطائفية والزبائنية، وصياغة سياسة دفاعية توافقية طال انتظارها.

A two-page spread from an Arabic military magazine detailing the late 1982 and early 1983 diplomatic negotiations between Lebanon and Israel with United States mediation. The page features two black-and-white photographs: the larger one on the right shows Lebanese, American, and Israeli delegations seated around a long conference table during a session in Khalde, Lebanon; the smaller photo on the left shows a similar committee meeting in Kiryat Shmona.

وفود لبنانية وأميركية وإسرائيلية خلال جلسة تفاوض بين لبنان وإسرائيل في فندق الشاطئ اللبناني في خلدة. بدأت هذه المفاوضات برعاية أميركية في ٢٨ كانون الأول ١٩٨٢، وتُوّجت بعد أشهر باتفاق ١٧ أيار. بين ٢٨ كانون الأول ١٩٨٢ وشباط ١٩٨٣. خلدة، لبنان. (الصورة منشورة في العدد الصادر في شباط ١٩٨٣ من مجلة الجندي اللبناني الشهرية التابعة للقوات المسلحة اللبنانية، صفحة ١٠)

"قوة لبنان في ضعفه"

غالباً ما يُطرح ضعف الجيش اللبناني على أنه نتاج لعجز الدولة، أزمة ما بعد عام ٢٠١٩ مثالًا، فضلاً عن الإمبريالية الأمريكية. لكن جذور هذا الضعف أكثر تعقيداً. منذ الاستقلال رسميّا عام ١٩٤٣ وحتى اندلاع الحرب الأهلية، الإجماع العريض بين النخب أعطى الأولوية للأمن الداخلي على حساب تطوير قدرة الجيش على الدفاع الفعال عن حدود البلاد٢١.

من جهة، رأى الزعماء التقليديون من جميع الطوائف في قدرات لبنان العسكرية المحدودة مبرراً مناسبًا لعدم المشاركة في المجهود الحربي ضد إسرائيل. ومن جهة أخرى، فإن أي توسع جدّي في عديد الجيش اللبناني كان يخاطر بتقويض أسس الهيمنة السياسية المسيحية، لأنه سيتطلب تجنيد أغلبية من الجنود المسلمين للتعويض عن النقص في المجندين المسيحيين. إن ضعف الجيش كان من المفترض تعويضه عبر الحصول على الحماية من قوة غربية: فرنسا، ثم بشكل متزايد الولايات المتحدة مع تراجع النفوذ الفرنسي في أعقاب نكسة السويس وحرب الاستقلال الجزائرية. وقد لخص مؤسس حزب الكتائب بيار الجميل هذه السياسة في كلمته أمام البرلمان عام 1973 قائلاً "إن قوة لبنان ليست في الجيش، بل في قوتنا، واحترامه للمواثيق الدولية، وفي صداقاتنا٢٢". وقد اختُصر تصريحه هذا في الشعار الشهير "قوة لبنان في ضعفه"، وهو الشعار الرائج في الأوساط المحافظة في السنوات التي سبقت الحرب الأهلية٢٣.

لا تزال تتردد أصداء كلمات بيار الجميل اليوم. في مقابلة أُجريت في ٢١ نيسان ٢٠٢٦، أشار سمير جعجع، رئيس حزب القوات اللبنانية — المنبثق عن حزب الكتائب — إلى أن أداة الضغط الوحيدة للحكومة اللبنانية في مفاوضاتها مع إسرائيل تكمن في "الكثير من الناس... [الذين] يحبون لبنان". واستندت حُجته إلى الافتراض أن لبنان لا يمكن أن يكون "دولة مواجهة" — مصطلح مستخدم في الستينيات للإشارة إلى دول الطوق العربي التي كان متوقعاً منها القتال من أجل تحرير فلسطين — وكأن تعزيز المؤسسة العسكرية يعني بالضرورة تعزيز قدراتها الهجومية. هذا المنطق يستبعد حتى استعدادات دفاعية مشروعة، بدءاً من الحماية ضد الطائرات الحربية والمسيرة، ما يترك لبنان عرضة للتهديدات الجوية.

مقارنة بفترة ما قبل الحرب الأهلية، فقد تغيرت المعادلة العسكرية جزئياً، حيث بات أكثر من ثلثي رتباء وجنود الجيش اللبناني من المسلمين، بينما يحافظ سلك الضباط وحده على المناصفة  بين المسيحيين والمسلمين٢٤. رغم ذلك، إن وجود جيش أقوى لا يزال يعتبر على أنه تهديد من قبل قطبيّ الطيف السياسي: من قِبل حزب الله وحلفائه الذين يعتقدون أن تعزيز القدرات العسكرية سيكون هدفه إخضاع الحركة السياسية المسلحة؛ ومن قِبل القادة السياسيين الموالين للغرب ورعاتهم الخارجيين — وفي مقدمتهم الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية — الذين يخشون أن تقع معدات الجيش بطريقة ما في أيدي حزب الله٢٥. هذا التصور يفسر قرار الرياض عام ٢٠١٦ بتعليق حزمة مساعدات عسكرية تبلغ ٣ مليارات دولار كانت تعهدت بها للجيش اللبناني.

إن الاستقطاب الحالي في المشهد السياسي اللبناني يعيد إلى الأذهان النقاش الحاد الذي دار حول تعزيز قدرات الجيش في أوائل السبعينيات. عارض كل من اليسار والمنظومة السياسية الحاكمة خطة كهذه لأسباب مختلفة. وكان القادة اليمينيون الموارنة يمارسون سيطرة كاملة على الجيش اللبناني، الذي كان يخضع مباشرة لقائد الجيش ورئيس الجمهورية — وهما منصبان محجوزان للموارنة. مع ذلك، كان الرئيس سليمان فرنجية وحلفاؤه المحافظون يتوجسون أكثر فأكثر من مؤسسة لم يكن بمقدورهم استخدامها بسهولة لإنهاء النضال الفلسطيني المسلح في لبنان، أو على الأقل تحجيمه. في عامي ١٩٦٩ و١٩٧٣، تسبب استخدام الجيش ضد الفدائيين بأزمات حكومية كبرى. رفض الزعماء السنة، التي يُسند إليها منصب رئيس الوزراء، تحمل الكلفة السياسية لهذه العمليات خوفًا من غضب قواعِدهم الشعبية، التي كانت تتجه بشكل متزايد نحو الأحزاب اليسارية.

A black-and-white historical photograph capturing a massive, mushroom-shaped smoke cloud billowing high into the sky immediately following the bombing of the U.S. Marine barracks in Beirut on October 23, 1983. In the distant background, the plume rises from the site of the attack near airport buildings. The foreground features an open, flat landscape with a dirt road, a military-style tent, and sandbag fortifications.

تفجير ثكنة مشاة البحرية الأميركية في بيروت، لبنان، وقد شوهد الدخان المتصاعد منها على مسافة أميال. ٢٣ تشرين الأول ١٩٨٣. (صورة رسمية لسلاح مشاة البحرية الأميركية، Creative Commons)

لذلك طالبت شخصيات مثل رشيد كرامي وصائب سلام في أوائل السبعينيات بمشاركة أكبر في المستويات القيادية العليا للدولة — عبر منح صلاحيات أوسع لرئيس الوزراء، وتحقيق المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في البرلمان، وإرساء قيادة جماعية متعددة الطوائف للجيش — قبل الموافقة على أي تعزيز للمؤسسة العسكرية. لكن الحركة الوطنية اللبنانية رفضت هذه المساومة الطائفية، داعيةً بدلاً من ذلك إلى إصلاح شامل للنظام السياسي وإلغاء الطائفية كشروط مسبقة لمعالجة ضعف الجيش. فقد اشتبه زعيم الحركة الوطنية كمال جنبلاط وحلفاؤه، وبحق، في أن الجيش اللبناني سيُستخدم لقمع التحالف اليساري الفلسطيني بدلاً من الدفاع عن الحدود ضد الاعتداءات الإسرائيلية.

وفي أواخر كانون الثاني ١٩٧٦، بعد أقل من عام على اندلاع الحرب الأهلية، حاولت مجموعة صغيرة من الضباط بقيادة الملازم أول أحمد الخطيب كسر هذا الجمود عبر محاكاة الانقلاب الثوري لجمال عبد الناصر عام ١٩٥٢. رداً على الاستخدام المتزايد للجيش اللبناني ضد اليسار ومنظمة التحرير الفلسطينية، انتفض هؤلاء ضد النخب السياسية والعسكرية وأسسوا "جيش لبنان العربي". وفي برنامجهم السياسي، دعا "الضباط الوطنيين الأحرار" كما أطلقوا على أنفسهم، إلى بناء "لبنان عربي" يقوم على إلغاء الطائفية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ودعم النضال الفلسطيني المسلح. جاء برنامجهم صدى لبرنامج الحركة الوطنية اللبنانية الذي كان قد نُشر قبل ذلك ببضعة أشهر، وتحديداً في آب ١٩٧٥. لم يكن من المفاجئ أن يقوم بعض الأعضاء السابقين في جيش لبنان العربي لاحقاً بتشكيل حركة "الضباط الأحرار" التي شاركت في انتفاضة شباط ١٩٨٤ ضد أمين الجميل.

على غرار الحركة الوطنية اللبنانية، لم يكن جيش لبنان العربي بمنأى عن النزاعات الطائفية والمنافسات الداخلية. ومع ذلك، فإن الضربة القاصمة لجيش لبنان العربي — وللتحالف الأوسع للقوى التقدمية — جاءت من التدخل الخارجي. في ليلة ٣١ أيار إلى ١ حزيران ١٩٧٦، عبر نحو ستة آلاف جندي سوري الحدود اللبنانية. وبموافقة أمريكية وإسرائيلية، تدخل الرئيس السوري حافظ الأسد لإنقاذ اليمين المسيحي الذي كان على مشارف هزيمة كاملة. في محاولة للحفاظ على مكاسبهم العسكرية كأداة ضغط في أي تسويات سياسية مستقبلية، اختارت الحركة الوطنية وجيش لبنان العربي مقاومة التقدم السوري، لكنهما سُحِقا في نهاية المطاف في خريف ١٩٧٦.

انتهى العصر الذهبي للضباط الثوريين في المشرق العربي منذ زمن طويل. ومع ذلك، وكما في الماضي، يرفض الكثيرون داخل الجيش اللبناني رفضاً قاطعاً رؤية مؤسستهم توجه سلاحها ضد شعبها. في ١٢ آذار ٢٠٢٦، أصدرت مجموعة من "الضباط الوطنيين" بياناً حذروا فيه من " إن وضع الجيش في مواجهة أبناء الوطن أو تكليفه بملاحقة من يتصدى لإعتداء خارجي على البلاد يشكّل سابقة خطيرة تحمل مخاطر جسيمة على تماسك المؤسسة العسكرية وعلى الإستقرار الوطني". وأضافوا أن "مثل هذه القرارات قد تؤدي الى إضعاف الدور الجامع للجيش وإلى تعريض وحدته الداخلية لاهتزازات خطيرة لا تحمد عقباها". فلنأمل — هذه المرة — أن تستخلص السلطات اللبنانية الدروس من الماضي، وأن تصغي للرجال والنساء الذين يقاتلون من أجل دولة لبنانية ذات سيادة فعلية.

بمساعدة تحريرية من زياد أبو ريش.

هل هذه القصة قيّمة برأيكم؟ ساعدونا في الاستمرار لإنتاج القصص التي تهمكم من خلال التبرع اليوم! تضمن مساهمتكم استمرارنا كمصدر مُجدٍ ومستقل وجدير بالثقة للصحافة المعنية بالمصلحة العامة.