في الثاني من آذار ٢٠٢٦، أعلن رئيس الوزراء اللبناني نوّاف سلام أنّ أنشطة حزب الله العسكرية غير قانونية، ودعا "الأجهزة العسكرية والأمنية إلى اتخاذ إجراءات فورية" من أجل حصر جميع الأسلحة. شكّل القرار مرحلة جديدة في خطة نزع السلاح التي أقرّتها حكومة سلام في أيلول ٢٠٢٥، ومثّل أوضح محاولة للابتعاد عن عقيدة "الجيش والشعب والمقاومة".
عام ١٩٩٢، وفي ظلّ الوصاية السورية، ظهرت هذه العقيدة للمرة الأولى بصيغتها الرسمية في البيان الوزاري لرئيس الوزراء رفيق الحريري. صِيغَت سياسة الدفاع في لبنان باعتبارها تقسيمًا للأدوار: أُنيط بالقوات المسلحة اللبنانية (الجيش اللبناني) الحفاظ على النظام الداخلي والتوسّط بين الخصوم السياسيين — في استمرار للدور التقليدي للجيش اللبناني منذ تأسيسه عام ١٩٤٥ —
على الرغم من الضغوط الداخلية التي مارسها سياسيون ووسائل إعلام مثل "إم تي في لبنان"، فضلًا عن تهديد الولايات المتحدة بتعليق مساعداتها للجيش اللبناني، فقد تعثّرت خطة نزع السلاح إلى حدّ كبير منذ قرار الحكومة في الثاني من آذار. وخلال سجال حاد مع رئيس الوزراء، أفادت التقارير بأنّ قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل رفض الزجّ بقواته في مواجهة مباشرة مع حزب الله. ويُذكّر هذا الرفض بالموقف الحذر الذي اتّخذه الجنرال فؤاد شهاب خلال الاضطرابات الأهلية عام ١٩٥٨، حين قاوم أول قائد للجيش أمرَ الرئيس كميل شمعون بسحق المعارضة، خشية انقسام المؤسسة العسكرية على أسس سياسية وطائفية. وبدلًا من ذلك، استُخدمَت الوحدات القتالية لاحتواء الانتفاضة وتأمين الطرق الرئيسية ومراكز السلطة فقط.
كما ينبغي قراءة ردّ فعل الجنرال هيكل في ضوء النتائج المأساوية لتدخلات أخرى للجيش اللبناني ضد أطراف داخلية. فالقوّة التي دعت حكومة سلام إلى استخدامها تذكّر بالفعل بمحطات أساسية من تاريخ لبنان ما بعد الاستقلال، حين كان البلد ممزّقًا بفعل الاضطرابات الأهلية والحروب، وحيث لاقت فكرة نشر الجيش من أجل "إعادة النظام" قبولًا واسعًا. تحمل هذه المنعطفات الحاسمة مفتاح فهم مخاطر هذا النهج العسكري من جهة، وعيوب النقاش الدائر حول احتكار السلاح وضعف الجيش اللبناني من جهة أخرى.
دروس من انتفاضة ٦ شباط
في كلّ من عامَي ١٩٧٥-١٩٧٦ و١٩٨٣-١٩٨٤ وهما من أكثر مراحل الحرب الأهلية اللبنانية دمويّةً، لجأ الرئيسان اللبنانيان سليمان فرنجية (١٩٧٠-١٩٧٦) وأمين الجميّل (١٩٨٢-١٩٨٨) إلى الجيش لقمع المعارضة ووضع حدّ للنزاع. لكنهما بدلًا من ذلك تسبّبا في انقسام المؤسسة العسكرية على أسس سياسية وطائفية ومناطقية. ومن بين هاتين الحالتين، تقدّم أزمة ١٩٨٣-١٩٨٤ المقارنة الأكثر دلالة مع الوضع الحالي في لبنان، إذ تشترك مع النقاش الدائر حاليًا حول نزع سلاح حزب الله في ثلاث سمات أساسية على الأقل.
صاغت عقيدة "الجيش والشعب والمقاومة" سياسة الدفاع في لبنان باعتبارها تقسيمًا للأدوار: أُنيط بالقوات المسلحة اللبنانية الحفاظ على النظام الداخلي والتوسط بين الخصوم السياسيين، بينما أُسندت إلى حزب الله مهمة تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي وردع أي اجتياحات مستقبلية.
أولًا، إنّ أي مواجهة عسكرية مع حزب الله ستتطلب نشر غالبية العناصر القتالية في الجيش اللبناني. ويبقى أقرب سابقة تاريخية لاستخدام الجيش بهذا الحجم الواسع — بما يتناسب مع حجمه الفعلي — ضد قوى معارضة داخلية، حملة الجيش ضد حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي بين آب ١٩٨٣ وشباط ١٩٨٤. وبينما قد يشير البعض إلى مواجهات الجيش اللبناني مع القوات اللبنانية في عامَي ١٩٨٩ و١٩٩٠ باعتبارها مثالًا آخر، فإن المؤسسة العسكرية آنذاك كانت منقسمة أصلًا، ولم يكن بإمكانها حشد أكثر من خُمس وحداتها القتالية. أما خلال الفترة الممتدة بين أيار ١٩٧٥ وكانون الثاني ١٩٧٦، فقد نُشرت الوحدات القتالية على نحو متفرق في أنحاء البلاد لدعم حزب الكتائب وحلفائه اليمينيين المسيحيين ضد اليسار اللبناني والفصائل الفلسطينية.
يكمن التشابه الثاني في الاعتقاد بأن ميزان القوى يميل لصالح فرض نزع السلاح بالقوة. فبين عامَي ٢٠٢٣ و٢٠٢٥، ألحقت إسرائيل والولايات المتحدة انتكاسات شديدة وغير مسبوقة بمحور المقاومة، الذي يشكّل حزب الله جزءًا منه. وقد دفع ذلك كثيرين، بمن فيهم مسؤولون أميركيون والرئيس جوزف عون نفسه، إلى استنتاج أن حزب الله قد تعرّض لهزيمة عسكرية. وقد ثبت خطأ هذا التقدير، إذ تمكّن حزب الله من إعادة بناء بعض قدراته، استعدادًا لحرب استنزاف.
وقد ساد شعور مماثل بوجود فرصة مؤاتية بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام ١٩٨٢. فقد خرجت الحركة الوطنية اللبنانية، وهي تحالف من الأحزاب اليسارية والقومية العربية، منهكة بشدة. وبعد أن فرضت قوات الاحتلال الإسرائيلي حصارًا قاسيًا جدًا على بيروت الغربية، وطردت المقاتلين الفلسطينيين الفدائيين، حُرِمَت الحركة الوطنية اللبنانية من حليفها ومصدرها الرئيسي للتمويل والدعم العسكري. وفي أعقاب هذا الزلزال الجيوسياسي، رأى الرئيس المنتخب حديثًا، أمين الجميّل، أنّ اللحظة باتت مناسبة لإحياء لبنان الذي قام عليه ميثاق ١٩٤٣ الوطني، بما يحمله من هيمنة مارونية وسياسة قائمة على الزعامات التقليدية.
وأخيرًا، كما هي الحال اليوم، كانت الحكومة اللبنانية مدعومة من الولايات المتحدة. ففي مطلع خريف عام ١٩٨٢، رأت واشنطن في الإطاحة بمنظمة التحرير الفلسطينية بواسطة إسرائيل فرصة ذهبية لفرض حكومة لبنانية موالية للغرب ومستعدة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وبين كانون الأول ١٩٨٢ وأيار ١٩٨٣، شاركت وفود لبنانية وإسرائيلية في جولات عدة من المفاوضات برعاية الولايات المتحدة. وأسفرت هذه المحادثات عن اتفاق ١٧ أيار ١٩٨٣ الذي وُلد ميتًا،¹ والذي نصّ على إنهاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل، لكنّه تضمّن في الوقت نفسه عددًا من "الترتيبات الأمنية" التي انتقصت بشكل كبير من السيادة اللبنانية.
ومع ذلك، وافق كلّ من مجلس الوزراء والبرلمان على الاتفاق، لكن أمين الجميّل امتنع عن التصديق عليه بسبب رسالة جانبية وجّهها الوفد الإسرائيلي إلى الوسيط الأميركي موريس درايبر عشية توقيع الاتفاق. وقد حملت الرسالة، المؤرخة في ١٧ أيار، بندًا جديدًا ومتعذر التحقيق، أُدخل عمدًا إلى المفاوضات: إذ ربط انسحاب إسرائيل بانسحاب سوري سابق، ما منح دمشق حقّ نقض فعلي للاتفاق. كما احتفظت إسرائيل لنفسها بالحق الأحادي في الانسحاب من الاتفاق إذا لم يتحقق هذا الشرط. وبعدما عجز عن الحصول على ضمانات أميركية كافية لتنفيذ الاتفاق، رضخ الجميّل في نهاية المطاف لضغوط سوريا وائتلاف واسع ومتعدد الطوائف من الأحزاب والقادة اللبنانيين، وتخلّى عن اتفاق ١٧ أيار في آذار ١٩٨٤.
Share this page