بطاقة هوية صادرة عن "دولة لبنان الحرّ" بتاريخ ٢٢ أيار، ١٩٨٤. وثيقة تعود لحسين علوية الشخصية من بلدة مارون الراس، مودعة في أرشيف مجتمع المقاومة "وثاقية" سنة ٢٠٢٢. خسرت عائلة علوية منزلها خلال حرب الإسناد في ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣ واضطرت إلى النزوح من البلدة. مارون الراس، لبنان. ٢٢ أيار، ١٩٨٤. (أرشيف وثاقية)

بطاقة هوية صادرة عن "دولة لبنان الحرّ" بتاريخ ٢٢ أيار، ١٩٨٤. وثيقة تعود لحسين علوية الشخصية من بلدة مارون الراس، مودعة في أرشيف مجتمع المقاومة "وثاقية" سنة ٢٠٢٢. خسرت عائلة علوية منزلها خلال حرب الإسناد في ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣ واضطرت إلى النزوح من البلدة. مارون الراس، لبنان. ٢٢ أيار، ١٩٨٤. (أرشيف وثاقية)

العبور إلى "الحزام الأمني": تاريخ الشريط الحدودي اللبناني المحتلّ

الأطماع الصهيونية بجنوب لبنان قديمة بقدم حركة الاستيطان الصهيوني في فلسطين. إذ تأسست المستوطنة الصهيونية الأولى في العام ١٨٩٦ في مرتفع المطلة، ولطالما اعتبرت المنطقة حيوية لأمن الجليل وكيان الاحتلال، الذي سعى لتثبيت احتلاله بعد معارك حرب ١٩٤٧–١٩٤٩، ومن ثمّ توسيع مساحة الأراضي التي يحتلّها في عام ١٩٧٨، بعد ما سميّ اجتياح الليطاني، وبعدها عملية "سلامة الجليل" التي وصلت، في الواقع، إلى العاصمة بيروت. ثم أعاد تموضعه أولًا الى صيدا وجوارها، ثمّ إلى الجنوب اللبناني حيث عمل على خلق حزام أمنيّ على طول الشريط الحدودي، من الساحل حتى الحدود السورية. 

ولأجيالٍ لم تعرف تاريخ الاحتلال في جنوب لبنان وأطماعه الدائمة فيه، نقدّم هذه المادة التوثيقية المستقاة من كتاب "الشريط اللبناني المحتل" للدكتور منذر جابر، بالإضافة الى وثائق من الأرشيف الخاص للجنوبيين سكان الشريط الحدودي حينها، للتأكيد على المطامع الصهيونية التاريخية في جنوب لبنان، من مياه وأراضٍ، بالإضافة الى الحاجة الأمنية والعسكرية لحماية المستوطنات الشمالية على أرض فلسطين، وكيف استخدمت المعابر لعزل الجنوب والسيطرة على حركة الجنوبيين وتنقلاتهم، ومحاولات الإذلال والابتزاز عند استخدامها. 

المستوطنات الصهيونية الأولى والانتدابات

على الرغم من ما يقارب الـ١٠٠ سنة من الجهد السياسي والعسكري، فقَدَ الاحتلال قدرته على السيطرة على هذه المنطقة الأمنية العازلة، التي لم توفر الحماية المرجوّة لسكان مستوطنات الشمال. إنّ تعلق أهل الجنوب بأرضهم أنتج مقاومة للاحتلال في كلّ مرة حاول تثبيت وجوده، عبر أشكال عديدة ومتنوعة من المقاومة التي تكلّلت بالانسحاب عام ٢٠٠٠، ثم في عام ٢٠٠٦، وصولًا إلى العودة الشعبية في عام ٢٠٢٤، حتى اليوم، حيث تدور مواجهات بطولية مباشرة على خط قرى الحافة الأمامية.

يعلن العدو مرة جديدة خططه لاستعادة منطقة عازلة مماثلة في الجنوب، وهو، لغاية كتابة هذه السطور، يسعى بكل آلته العسكرية المتفوقة تقنيًا ولوجستيًا عبور بلدتَي الخيام أو كفركلا، الأقرب الى نهر الليطاني، في محاولة لإعادة احتلال كامل المنطقة من الحدود إلى نهر الليطاني.

يقول بن غوريون عن موقع الجليل والشريط اللبناني في استراتيجية الاستيطان الصهيوني:

"لا ينبغي الظنّ أنّ الجليل لنا، بعد الاحتلال العسكري. وليس هناك إمكان لأن يكون في أيدينا جليل خال ومقفر. فإذا لم نسارع إلى استيطان الجليل الأعلى فهذه ستكون هزيمة سياسية. ينبغي إقامة سلسلة من المستوطنات على امتداد شاطئ البحر حتى رأس الناقورة وعلى امتداد حدود لبنان كلها وفي ضواحي صفد أيضًا. وينبغي استقدام مهاجرين جدد لهذا الغرض والطلب من الهيئات الاستيطانية إرسال مرشدين وإذا كان هؤلاء في الجيش فيجب إخراجهم، لأنّ الاستيطان هذا ذو قيمة عسكرية".

لم تكن ولادة الشريط الحدودي بصيغته الأولى نتيجة مباشرة لاجتياح الليطاني في العام ١٩٧٨ فقط، إنما أتت في سياق النتائج الطبيعية لقرابة ٣٠ سنة من الإعتداءات المتكررة على الأراضي اللبنانية ما بين عامي ١٩٤٨ و١٩٧٨، والمحاولات المستمرة لقضم الحدود الجنوبية وضمّها إلى الكيان. لطالما طمح الصهاينة بإقامة شريط عازل في جنوب لبنان، ظهر هذا الطموح الدائم بدايةً مع الخلافات بين الانتدابين البريطاني والفرنسي على الحدود اللبنانية–الفلسطينية، إذ كان ترسيم الحدود يخضع للتوازنات السياسية بين الدولتين المنتدِبتين والتزاماتهما تجاه القوى المحلية في المنطقة: التزام بلفور وعده لليهود الصهاينة البارزين، والالتزام تجاه الشريف حسين وأطراف الثورة العربية، والالتزام تجاه المسيحيون الموارنة في خلق دولة لبنان الكبير. 

ساعد الغموض في تأكيد الحدود الجنوبية على قضم مناطق حدودية من منطقة الانتداب الفرنسي، في وقت لم تأخذ فرنسا فيه موقفًا حاسمًا من الأطماع الصهيونية المباشرة، التي رأت في حدود فلسطين حدودًا أولى لكيانها. استمر هذا الغموض مع الدستور اللبناني الصادر عام ١٩٢٦، إذ يقول في مادته الأولى: "إن حدود لبنان الجنوبية هي حدود قضاءي صور ومرجعيون "الحالية". إن كلمة الحالية في ٢٣ أيار ١٩٢٦، أتت في سياق اتفاق حسن الجوار الذي وقّع في ٢ شباط ١٩٢٦، ورسم الحدود بحسب اتفاقية نيوكومب–بوليه، وهذا يعني إخراج منطقة بعرض ٣–٥ كلم من حدود الانتداب الفرنسي للدولة اللبنانية الوليدة.

وفقًا لمصطفى دبّاغ، فقد تمّ إخراج القرى والخِرَب التالية، التي كانت تعدُّ ضمن "أعمال صور": البصّة، خربة معصوب، خربة عين حور، الجردية، خربة سمح، تربيخا، إقرت، خربة الصوانة، حانيتا. كذلك الخرب من ناحية إصبع الجليل الشريط الآهل الممتد من سهل الحولة، وهو شريط يدخله دبّاغ في "أعمال مرجعيون": آبل القمح، السنبرية، الخصاص، الزوق التحتاني، الزوق الفوقاني، الخالصة، لزازة، قيطية، العابسية، الناعمة، الدوارة، الصالحية، الزاوية، صبحة، المالكية، قَدَس، النبي يوشع، هونين، المنارة، المنشية، دفنة، المطلة، خان الدوير، صلحة، جاحولا، الشوكة التحتا، البوزيّة، ميس، كفر برعم.

يقول الدستور في مادته الأولى: "إن حدود لبنان الجنوبية هي حدود قضاءي صور ومرجعيون "الحالية". إن كلمة الحالية في ٢٣ أيار ١٩٢٦، أتت في سياق اتفاق حسن الجوار الذي وقّع في ٢ شباط ١٩٢٦، ورسم الحدود بحسب اتفاقية نيوكومب–بوليه، وهذا يعني إخراج منطقة بعرض ٣–٥ كلم من حدود الانتداب الفرنسي للدولة اللبنانية الوليدة.

عملات إسرائيلية جُمعت من خراج بلدتي حولا وميس الجبل، من الأرشيف الشخصي للسيدة سعاد حطيط من بلدة الدوير، مودعة في أرشيف مجتمع المقاومة "وثاقية" سنة ٢٠٢٤. حولا وميس الجبل، جنوب لبنان. ٢٠٢٤. (أرشيف وثاقية)

عملات إسرائيلية جُمعت من خراج بلدتي حولا وميس الجبل، من الأرشيف الشخصي للسيدة سعاد حطيط من بلدة الدوير، مودعة في أرشيف مجتمع المقاومة "وثاقية" سنة ٢٠٢٤. حولا وميس الجبل، جنوب لبنان. ٢٠٢٤. (أرشيف وثاقية)

وبحسب دبّاغ، فقد تمّ إخراج القرى والخِرَب التالية، التي كانت تعدُّ ضمن "أعمال صور": البصّة، خربة معصوب، خربة عين حور، الجردية، خربة سمح، تربيخا، إقرت، خربة الصوانة، حانيتا. كذلك الخرب من ناحية إصبع الجليل الشريط الآهل الممتد من سهل الحولة، وهو شريط يدخله دبّاغ في "أعمال مرجعيون": آبل القمح، السنبرية، الخصاص، الزوق التحتاني، الزوق الفوقاني، الخالصة، لزازة، قيطية، العابسية، الناعمة، الدوارة، الصالحية، الزاوية، صبحة، المالكية، قَدَس، النبي يوشع، هونين، المنارة، المنشية، دفنة، المطلة، خان الدوير، صلحة، جاحولا، الشوكة التحتا، البوزيّة، ميس، كفر برعم. 

تتعدّى أهمية هذه المنطقة مساحتها الجغرافية، وتكتسب موقعًا بارزًا في مخططات الأمن والاقتصاد والاستيطان المتعلقة بمستقبل الكيان الإسرائيلي. وهي، وإن كانت لا تحقّق إلا القليل من طموحات الحركة الصهيونية، لكنّها خطوة نحو تزخيم الحدود الشمالية لفلسطين. فهذه المنطقة، في حدّها الشمالي، أي خط الهدنة مع لبنان، تُشكّل شريطًا أمنيًا أولًا، لأنها تضم سلسلة من المرتفعات والتلال في الأراضي اللبنانية وتطلّ على عمقها:

  • مرتفعات المنارة (٩٥٠ م)
  • مسكاف عام (٩١٠ م)
  • جبل عداثر جنوبي قرية رميش (١٠٠٦ م)
  • قلعة الراهب في منطقة الشعب (٧٣١ م)
  • السلسلة المتشابكة على طول الحدود، بدءًا من مستعمرة المطلّة (٥٢٥ م) حتى قرية تربيخا
  • المالكية (٨٩٠ م)
  • مرتفعات إصبع الجليل وهي امتداد لمرتفعات جبل الشيخ

كانت الأهمية العسكرية لمرتفعات الجليل المحاذية للحدود مع لبنان واضحة لقوات الانتداب البريطاني التي زرعتها ثكنات عسكرية، أو ما يُعرف عامةً؛ بالـ"كامب": كامب يوشع، كامب صلحا، كامب سعسع، كامب نمر ١ قرب البصّة. وهي عبارة عن أبراج عسكرية تُذكّر بقلاع القرون الوسطى، أُقيمت في أماكن مشرفة تتحكم في قطاعات واسعة من المرتفعات والمعابر بين منطقتي الإنتداب.

أدرك المخطّطون الصهاينة باكرًا أهمية المنطقة، فراحوا يبنون مستعمراتهم على خط الانتداب لسنوات، وبعضها لعقود سابقة على قيام الكيان الصهيوني. على سبيل المثال: تأسست مستعمرة متولاه (المطلة) في ١٩ أيّار ١٨٩٦. أسسها الثري اليهودي البارون إدموند روتشيلد، وتكلّف عليها ما يزيد على نصف مليون فرنك فرنسي. لفتت بترتيبها الرحّالة الذين زاروها بعد إقامتها. تشرف المطلة على حوض الحولة الكبير، وقد اكتسبت اسمها من موقعها المرتفع الذي يعني "المشرفة".

أدرك المخطّطون الصهاينة باكرًا أهمية المنطقة، فراحوا يبنون مستعمراتهم على خط الانتداب لسنوات، وبعضها لعقود سابقة على قيام الكيان الصهيوني.

مع هدنة ١٩٤٩، عملت إسرائيل على توسيع هذه المنطقة الحدودية الأولى، عندما اجتاز لواء "كرملي" الإسرائيلي خط الحدود أوائل تشرين الثاني من العام ١٩٤٨، وسيطر على القرى الواقعة غربي طريق المنارة والبالغ عددها ١٧ قرية، ووصلت قوات اللواء إلى وادي دوبا غربي بلدة حولا.

تؤكّد المنقولات الشعبية أنّ القرى والبلدات التي احتلتها القوات الإسرائيلية سنة ١٩٤٨ هي: رميش، يارون، عيترون، بليدا، محيبيب، ميس الجبل، حولا، مركبا، العديسة، كفركلا، دير ميماس، طلوسة، بني حيان، رب ثلاثين، الطيبة، دير سريان، علمان.

خريطة اجتياح الليطاني ١٩٧٨ والشريط الحدودي المحتل. (وثاقية)

خريطة اجتياح الليطاني ١٩٧٨ والشريط الحدودي المحتل. (أرشيف وثاقية)

الشريط المحتل بعد اجتياح الليطاني في العام ١٩٧٨

كانت المساحة الإجمالية للشريط المحتل في صيغته الأولى (١٩٧٨- ١٩٨٢) في حدود  الـ٧٠٠ كلم²، على طول ٨٠–٨٥ كلم، وعرض يتراوح بين ٤–١٢ كلم. وكان تحديد المنطقة الجغرافي تحديدًا أمنيًا، فقد باشر سعد حداد بإقامة معسكرات للتجنيد في الجيب الحدودي في الأسبوع الأول من وقف إطلاق النار، وتحديد هوى المقيمين عن طريق تحديد هوياتهم.

وكان الأخير في صلب التدخل الإسرائيلي في الحرب الأهلية اللبنانية التي بدأت في العام ١٩٧٥، عبر إعلان "دولة لبنان الحرّ" في مؤتمر صحافي عقده حداد في مستوطنة المطلّة في ١٨ نيسان ١٩٧٩، معلنًا، في الساعة الخامسة والثلث أن حدود دولته هي حدود لبنان وأن العاصمة تبقى بيروت.

إن هذا التحديد السياسي، أو بتعبير آخر النصاب السياسي الجديد، يصبّ في الرؤية الصهيونية القديمة–المتجددة التي أعلنها شمعون بيريس في صحف ٢٤ حزيران ١٩٧٦: "إن جنوب لبنان الواقع على طول الحدود الإسرائيلية في فراغ بالمعنى العسكري والسياسي"، كما يذكر جابر في كتابه. 

باشر الكيان الصهيوني بدءًا من آب سنة ١٩٧٨، توزيع "بطاقة هوية مؤقتة"، "يعمل بها ريثما تعود الحياة إلى مجراها الطبيعي، وكل من لا يحمل هذه البطاقة يلقى القبض عليه ويساق إلى التحقيق في قيادة القطاع الشرقي"، كما هو مكتوب على غلاف البطاقة. ظلّ نزع الهوية اللبنانية وإبدالها بهوية لبنان الحرّ شرطًا أساسيًا للبقاء في المنطقة، وسيفًا مسلطًا فوق رقاب الجنوبيين حتى منتصف سنة ١٩٨٥، (السفير ١٥/٥/١٩٨٥). 

كذلك جرت محاولة إبدال جوازات السفر اللبنانية بأخرى تحمل اسم "دولة لبنان الحر"، (السفير ٢٥/٤/١٩٧٩). بالإضافة إلى إلغاء عيد الاستقلال الرسمي في ٢٢ تشرين الثاني ١٩٤٣ وكل ما يستتبعه من احتفالات وعُطَل مدرسية واعتبار ١٨ نيسان ١٩٧٩، يوم إعلان دولة لبنان الحر عيدًا بديلًا، (النهار ١٦/١١/١٩٧٩).

ظلّ نزع الهوية اللبنانية وإبدالها بهوية لبنان الحرّ شرطًا أساسيًا للبقاء في المنطقة، وسيفًا مسلطًا فوق رقاب الجنوبيين حتى منتصف سنة ١٩٨٥.

كان العدو الإسرائيلي يفرض على السيارات داخل الشريط الحدودي المحتل وضع لوحات (نُمَر) إسرائيلية، للتأكد من تسجيلها وتعريفها ضمن نطاق الشريط. كما أنشأت مصالح (مراكز) لتسجيل سيارات المواطنين القاطنين في الحزام الأمني في منطقتي بنت جبيل وخراج بلدة المالكية.

رخصة سير صادرة عن "مصلحة تسجيل الآليات" التابعة لجيش لبنان الجنوبي، كانت تُسخدم فقط ضمن نطاق الشريط الحدودي، ويجري تسليمها عند المعبر لدى الخروج منه. الوثيقة من الأرشيف الشخصي لحسين كاظم، من بلدة الطيبة، مودعة في أرشيف مجتمع المقاومة "وثاقية" سنة ٢٠٢٢. الطيبة، لبنان. (أرشيف وثاقية)

رخصة سير صادرة عن "مصلحة تسجيل الآليات" التابعة لجيش لبنان الجنوبي، كانت تُسخدم فقط ضمن نطاق الشريط الحدودي، ويجري تسليمها عند المعبر لدى الخروج منه. الوثيقة من الأرشيف الشخصي لحسين كاظم، من بلدة الطيبة، مودعة في أرشيف مجتمع المقاومة "وثاقية" سنة ٢٠٢٢. الطيبة، لبنان. (أرشيف وثاقية)

الشريط المحتل بصيغته الثانية

انتهى انسحاب ١٠ حزيران ١٩٨٥ إلى احتفاظ العدو الإسرائيلي بشريط محتل يزنّر الجنوب، بدءًا من البحر عند رأس الناقورة إلى كامل الحدود اللبنانية الفلسطينية بطول ٧٩ كلم. ومع ما أضيف إليها من حدود لبنانية–سورية، كانت اسرائيل وقد احتلتها في حربي ١٩٦٧ و١٩٧٣، في مرتفعات جبل الشيخ، يصبح طول الشريط المحتل في جنوب لبنان ١٢٢ كلم.

أما متوسط عرضه، فهو في حدود الـ١٠ كلم، وبعمق يتفاوت داخل الأراضي اللبنانية، إذ يصل في حده الأدنى إلى ٥ كلم. وتكون مساحة الشريط المحتل إذن، في حدود ١٢٠٠ كلم²، أي ما يوازي ١٢% من مساحة الجمهورية اللبنانية.

بلغ عدد قرى الشريط الحدودي ٧١ قرية، توزعت على الشكل التالي:

  1. قضاء صيدا: قرية واحدة (بصليا)
  2. قضاء صور: ١١ قرية من أصل ٩٦ قرية (إجمالي القضاء)
  3. قضاء بنت جبيل: ١٨ قرية من ٢٦ قرية (إجمالي القضاء)
  4. قضاء مرجعيون: ٢٦ قرية من ٣٠ قرية (إجمالي القضاء)
  5. قضاء حاصبيا: ١٦ قرية من ٢١ قرية (إجمالي القضاء)، يضاف الى قضاء حاصبيا مزارع شبعا، التي يبلغ عددها ١٤ مزرعة، آخر مزرعة تم احتلالها في العام ١٩٩٠ وهي مزرعة بسطرة
  6. قضاء النبطية: قريتان هما أرنون ويحمر، إضافة إليهما حِمى علي الطاهر وحِمى أرنون
  7. قضاء جزين: ٤٧ بلدة وقرية
(خريطة الشريط الحدودي المحتل ١٩٧٨-٢٠٠٠. (وثاقية)

خريطة الشريط الحدودي المحتل ١٩٧٨-٢٠٠٠. (أرشيف وثاقية)

حسب شهادات جنوبيين استخدموا هذه المعابر، فإنّ المعبر يختزل أحوال الشريط الحدودي برمّته. فقد كان الأهالي يترددون إلى الجنوب في زيارات موسمية، في الفرح والعزاء، فيما كان الوافدون إلى قراهم عبر هذه المعابر يتثاقلون من زيارتها. تشابهت هذه المعابر، عمومًا، في شكلَيها الخارجي والداخلي. 

في الشكل الخارجي: كانت معظم المعابر مرتفعة أصلًا، ومحاطة بالمواقع العسكرية الإسرائيلية أو اللحدية، وتقع بالقرب من رؤوس التلال المجاورة، على بعد مئات الأمتار، وفي مدى رؤية مباشر.

أما في الشكل الداخلي: كانت تتكون من بوابة رئيسية تتبعها بوابتان أو ثلاث بوابات داخلية، يدخل العابرون منها تباعًا إلى غرف الاستجواب أو التحقيق أو تفتيش الأغراض والسيارات. وكانت تتشابه أيضًا في المسافة الفاصلة بين بوابة المدخل وبوابة المخرج، وهي المساحة التي تعرف بمنطقة "الرقابة المركزة" للعابرين.

بطاقة هوية صادرة عن "دولة لبنان الحرّ" بتاريخ ١٢ تشرين الأول ١٩٧٨. وثيقة من أرشيف السيدة فاطمة رمّال الشخصي، من بلدة العديسة، مودعة في أرشيف مجتمع المقاومة وثاقية سنة ٢٠٢٣. العديسة، لبنان. ١٢ تشرين الأول، ١٩٧٨. (أرشيف وثاقية)

بطاقة هوية صادرة عن "دولة لبنان الحرّ" بتاريخ ١٢ تشرين الأول ١٩٧٨. وثيقة من أرشيف السيدة فاطمة رمّال الشخصي، من بلدة العديسة، مودعة في أرشيف مجتمع المقاومة وثاقية سنة ٢٠٢٣. العديسة، لبنان. ١٢ تشرين الأول، ١٩٧٨. (أرشيف وثاقية)

المعابر والحواجز

سيطر الكيان المحتل وقيّد الحركة في الشريط بشبكة من "المعابر" التي قسمت الأرض. المعبر عادة ما يكون بنية تحتية للنقل تربط بين منطقة وأخرى، مثل الجسر أو النفق أو الطريق السريع. اختار الاحتلال معابر استراتيجية لإقامة نقاط تفتيش وتقسيم الجنوب إلى قطاعات. استولى على 11 موقعًا، ستة منها دائمة وخمسة مؤقتة أو متنقلة:

  1. معبر جسر الحمرا—البياضة الساحلي: يختص أساسًا بأبناء القطاع الغربي، ويُستخدَم استثنائيًا من قبل أهالي القطاع الأوسط في حال إقفال معبر بيت ياحون الخاص بهم. 
  2. معبر بيت ياحون: يقود إلى القطاع الأوسط وبعض قرى القطاع الشرقي في منطقة مرجعيون، وصولًا إلى بلدة العديسة.
  3. معبر كفرتبنيت: يقع قرب الطرف الشرقي لبلدة كفرتبنيت باتجاه جسر الخردلي. أقفل في ١٥ تموز ١٩٨٥ بعد عملية للمقاومة، وظل مقفلًا حتى ٢٥ أيار ١٩٨٧، حيث أُعيد افتتاحه معبرًا لبعض قرى مرجعيون، إضافة إلى ثلاث قرى من قضاء جزّين: العيشية والريحان وعرمتى، فضلًا عن بعض المزارع المجاورة.
  4. معبر زمريا–مرج الزهور: يقع على مسافة ٥٠٠ م إلى الشمال الشرقي من جسر الحاصباني، وهو مخصّص لأبناء قرى وبلدات ومزارع حاصبيا.
  5. معبر باتر–جزين: يعدُّ من أكثر المعابر شهرة لدى الجنوبيين. جعله العدو الإسرائيلي المدخل الوحيد إلى الجنوب مع إقفاله معبر الأوّلي، بُعيد انسحابه من الجبل أوائل أيلول ١٩٨٣، واستمر كذلك حتى الانسحاب من صيدا في ١٦ شباط ١٩٨٥. وبعد الانسحاب الإسرائيلي، تحوّل معبر باتر إلى معبر محلي يوصل قضاء جزين فقط، ويُسمح بعبوره لقاصدي الشوف من دروز حاصبيا. وقد بقي، خلافًا لسائر المعابر، مفتوحًا أمام السيارات دون الحاجة إلى تغيير لوحاتها.
  6. معبر بسري: يُعدّ بوابة جزين الثانية بعد باتر. وهو مفتوح للمشاة في الاتجاهين، وللشاحنات التي تنقل الأتربة إلى معمل سبلين في إقليم الخروب.
  7. معبر الريحان–كفرحونة: يسلكه العابرون من الشريط المحتل وإليه، ويشكّل مصفاة أمنية إضافية قبل أو بعد المرور عبر معبر باتر–جزين. وبدءًا من ١٩٩٦، أنشأت بوابة رئيسية في مثلث كفرحونة–مشغرة–عرمتى، تتصل ببوابات فرعية تُستَخدم كمصافٍ إضافية قبل الوصول إلى البوابة الرئيسية.
  8. معبر الشومرية–علمان: يقع قرب جسر القعقعية، وأُقفل في شتاء ١٩٨٦.
  9. معبر شقرا–حولا: افتتح أواخر ١٩٨٦ إثر إقفال معبر الشومرية، ولكنّه وأقفل مجدّدًا في ١٨ كانون الأول ١٩٨٧.
  10. معبر ريمات: يقع قرب بلدة ريمات، وهو مفتوح على وجهتين، لكن أمام فئات محدودة، إذ خُصّص لعدد من المعلمين في مدرسة صيدون، ولطلاب من قريتي برتي ووادي الليمون الذين يتابعون دراستهم في دير مشموشة؛ حيث ينزلون من حافلة المدرسة، ويعبرون المعبر إلى حافلة أخرى تنتظرهم في الجهة المقابلة، وهم الفئة الوحيدة المسموح لها بسلوك هذا المعبر.
  11. معبر أرنون- يحمر: مفتوح أمام أبناء البلدتَين، ويتكرر إغلاقه وفتحه تبعًا لظروف الحصار المفروض عليهما، الذي قد يمتدّ لأشهر. 
تصريح عبور صادر عن "معبر كفرتبنيت" لجيش لبنان الجنوبي (جيش لحد)، عام ١٩٩٩. التصريح ممهور بخاتم "اللجنة المدنية" في الطيبة، وكذلك بأختام جهاز أمن كفركلا وأجهزة إسرائيلية أخرى. تبلغ مدة صلاحيته ثلاثة أشهر. من الأرشيف الشخصي للشهيد علي منصور من بلدة الطيبة، والذي استشهد عام ٢٠٢٤. أودعت الوثيقة في أرشيف مجتمع المقاومة "وثاقية" سنة ٢٠٢٢. الطيبة، لبنان. ٩ آب، ١٩٩٩. (أرشيف وثاقية)

توقيت العمل على المعابر

يمتدّ التوقيت المبدئي لعمل المعابر ضمن ساعات الدوام النهاري، من الثامنة أو التاسعة صباحًا حتى الثالثة أو الرابعة عصرًا، طوال أيام الأسبوع من الإثنين إلى الخميس، مع إقفال مبكر يوم الجمعة (بين ١١ و١٢ ظهرًا)، وإقفال تام يوم السبت. إلا أنّ هذا الدوام يبقى نظريًا، ومرتبطًا بالحالة الأمنية خارج المعبر وفي جواره وداخل الشريط المحتل، فضلًا عن خضوعه لضرورات التحركات العسكرية أو المدنية الإسرائيلية، أو حسابات الابتزاز المالي، أو اعتبارات الأمزجة الفردية، أو توازنات قوى الميليشيا المحلية، إضافة إلى المناسبات والأعياد اللبنانية أو ما يقابلها لدى الجانب الإسرائيلي.

وقد يستمر إقفال المعابر لأيام، أو يضطر العابرون إلى الانتظار لساعات طويلة، وسط رواج الإشاعات عن قرب إعادة فتح المعبر في الدقائق القادمة. ومن أكثر ما يربك العابرين تكرار فتح المعبر وإغلاقه مرات عديدة في اليوم الواحد، من دون سابق إنذار أو تدبير أو تبرير.

كذلك قد يُفتح المعبر مرة واحدة خلال النهار، ولمدة دقائق معدودة، قبيل انتهاء الدوام "الرسمي" عند حدود الرابعة عصرًا. وفي جميع الحالات، كان العابرون يمارسون أقصى درجات الصبر والتحمّل في العراء، وسط قلق واضطراب، كثيرًا ما تقطعه أصوات محرّكات المجنزرات وهي تبدّل مواقعها داخل النقاط العسكرية، أو طلقات نارية يُطلقها المسلّحون بشكل عبثي، من دون أن يعني ذلك أنها لن تكون قاتلة أحيانًا.

وقد أصبح الانتظار الطويل أمام البوابات عبئًا يستعدّ له العابرون بما يلزم من زاد، والأهم بما يلزم من قتلٍ للنفس صبرًا واحتمالًا. وهكذا غدا الانتقال من الشريط الحدودي وإليه تجربة مهينة ومذلّة يتقصّدها العدو.

الأمن في المعابر: عملاء وخوّات

لا يعني فتح بوابة المعبر بالضرورة تسهيل عبور العابرين؛ إذ غالبًا ما كان المرور يُيسَّر عبر "الخوّة" المفروضة في كثير من الحالات. وكان دفع هذه الخوّة يتيح تسريع العبور، أو التغاضي عن تاريخ التصريح، أو تفادي إنزال البضائع وتفتيشها بدقة، أو السماح بإدخال سيارة خاصة.

لم تكن هناك حدود واضحة للمبالغ المدفوعة، وقد تُسدَّد أحيانًا مبالغ مسبقة تكفي لعدة تنقّلات. وبدا هذا النمط من "الخوّات"، في نظر كثير من العابرين، الوسيلة الأجدى لـ"حفظ" الكرامة.

كانت المعابر في عهدة "أمناء" القرى الحدودية، المرتبطين مباشرةً بأجهزة الأمن الإسرائيلية. وبالنسبة للإسرائيلي حينها، كان توازن الأمور يقوم على حالة من الصدام الدائم بين هؤلاء الأمناء المحليين، الذين توزّعوا، بإمرة جيش لحد، بين القرى والمعابر.

أصبح الانتظار الطويل أمام البوابات عبئًا يستعدّ له العابرون بما يلزم من زاد، والأهم بما يلزم من قتلٍ للنفس صبرًا واحتمالًا. وهكذا غدا الانتقال من الشريط الحدودي وإليه تجربة مهينة ومذلّة يتقصّدها العدو.

فقد يلجأ "أمين" على أحد المعابر، بعد أن يستشعر غطاءً أو مباركةً إسرائيلية، إلى التضييق على الأهالي العابرين من قرية يكون على خلاف مع مسؤولها الأمني، فيُمعِن في مضايقتهم وتفتيشهم واستجوابهم. في المقابل، قد يُفضي توازن آخر إلى تسهيل عبور أهالي إلى قرية ثانية، فيكون انتقالهم من الشريط وإليه أقل مشقةً وعسرًا، من دون أن يعفيهم من سداد الخوّة، يؤدّونها غالبًا داخل قراهم إما بدائل مادية أو بدائل اجتماعية تتمثل بتزكية هذا المسؤول في مواقفه وقوّته وجرأته.

تصريح عبور صادر عن "معبر بيت ياحون"، عن وحدة الارتباط – الشؤون المدنية – جيش لبنان الجنوبي (جيش لحد)، عام ٢٠٠٠. التصريح ممهور بخاتم جهاز أمن منطقة بنت جبيل، وتبلغ مدة صلاحيته ثلاثة أشهر. من الأرشيف الشخصي للأستاذ حسين علوية، من بلدة مارون الراس، والمودَع في أرشيف مجتمع المقاومة "وثاقية" سنة ٢٠٢٢. مارون الراس، لبنان. ٢٠٠٠. (أرشيف وثاقية)

تصريح عبور صادر عن "معبر بيت ياحون"، عن وحدة الارتباط – الشؤون المدنية – جيش لبنان الجنوبي (جيش لحد)، عام ٢٠٠٠. التصريح ممهور بخاتم جهاز أمن منطقة بنت جبيل، وتبلغ مدة صلاحيته ثلاثة أشهر. من الأرشيف الشخصي للأستاذ حسين علوية، من بلدة مارون الراس، والمودَع في أرشيف مجتمع المقاومة "وثاقية" سنة ٢٠٢٢. مارون الراس، لبنان. ٢٠٠٠. (أرشيف وثاقية)

لم يكن مستغربًا أن يتخذ الاحتلال الإسرائيلي علنًا خطوات متعمّدة نحو بدء الاجتياح البري لجنوب لبنان، بهدف خلق منطقة عازلة حتى الليطاني، على أن تكون قرى "الحافة الأمامية" خالية من السكان، ما يفسّر تدميرها الكلي، الذي بدأ بشكل تصاعدي منذ حرب ٢٠٢٤، مرورًا باتفاق الهدنة المزعوم، وصولًا إلى حرب ٢٠٢٦. وهذا بخلاف ما كان قائمًا بين عامي ١٩٧٨ و٢٠٠٠ في أحوال الشريط الحدودي، إذ كانت هذه المناطق مأهولة ببعض سكانها الذين بقوا في قراهم خلال فترة الاحتلال.

وليست سياسة التدمير الكلي لهذه القرى جديدة؛ فقد أدّت حرب ١٩٤٨ سابقًا إلى تدميرها تدميرًا شاملًا، باستثناء قريتين كانتا قائمتين قبالة قرية علما الشعب الحدودية. حينها طال الدمار القرى الجنوبية جميعها، إلى جانب قرى إصبع الجليل، بدءًا من الحدود اللبنانية وصولًا إلى الحدود السورية شرقًا.

انتهج العدو هذه السياسة بفعل المقاومة التي واجهها في تلك القرى، والتي لم تكن متوقعة بالنسبة له. ففي معركة "كامب يوشع"، مثلًا، فقد الإسرائيليون ٢٨ قتيلًا ثمنًا لاحتلالها، وكانت من المرات النادرة جدًا التي أعلنوا فيها عن حجم خسائرهم.

تتأتى سياسة "المحو" لدى العدو نتيجة فعل المقاومة؛ فكلما علا صوت المقاومة، تصاعدت هذه السياسة، كما نشهد اليوم، مع فارق جوهري في توصيف القتال لدى المقاومين. فاليوم يمتلك المقاومون إرثًا من العزيمة في استمرارية إرادة القتال، متزامنًا مع قدرة عملياتية أكثر تماسكًا. ويظهر هذا القتال المنظّم من تحت ركام هذه القرى، بعد ١٥ شهرًا من الهدنة التي تمادى خلالها العدو في محوها، قصفًا وتفخيخًا، واحتلالًا لمرتفعاتها (تلة الحمامص، بلاط، …).

وعليه، هل سيؤول هذا التهديد إلى واقع؟ وهل سيتحقق استعادة الشريط الحدودي كمنطقة عازلة حتى نهر الليطاني؟ وهل يمكن، في حال تحقق ذلك، أن تصبح هذه المنطقة خالية بالكامل من السكان؟ تبقى هذه الأسئلة رهن الأيام المقبلة.

لكن المؤكّد أن أرض جنوب لبنان كانت، ولا تزال، المختبر الاستعماري المباشر للصهيونية في لبنان. فقد اختبرت فيها إسرائيل مختلف أنماط السيطرة: المباشرة وغير المباشرة، وعبر استخدام الوكلاء المحليين. وربما نشهد اليوم نمطًا استعماريًا جديدًا، في ظلّ حديث الرئيس الأميركي عن "منطقة اقتصادية".

وأخيرًا، ينبغي التذكير بأنّ "الأمن" الذي تتحجّج به إسرائيل ليس سوى ذريعة، وسياق تبريري قائم على مقولة "حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها". غير أنّ أطماعها معروفة، في غزّة، والضفّة الغربية، ووادي الأردن، والجولان، وشبعا، وجنوب لبنان، وما هو أبعد. لكن المحتل لا يخدع أحدًا، وسنواصل المقاومة ضد طموحاته التوسعية.

هل هذه القصة قيّمة برأيكم؟ ساعدونا في الاستمرار لإنتاج القصص التي تهمكم من خلال التبرع اليوم! تضمن مساهمتكم استمرارنا كمصدر مُجدٍ ومستقل وجدير بالثقة للصحافة المعنية بالمصلحة العامة.