المستوطنات الصهيونية الأولى والانتدابات
على الرغم من ما يقارب الـ١٠٠ سنة من الجهد السياسي والعسكري، فقَدَ الاحتلال قدرته على السيطرة على هذه المنطقة الأمنية العازلة، التي لم توفر الحماية المرجوّة لسكان مستوطنات الشمال. إنّ تعلق أهل الجنوب بأرضهم أنتج مقاومة للاحتلال في كلّ مرة حاول تثبيت وجوده، عبر أشكال عديدة ومتنوعة من المقاومة التي تكلّلت بالانسحاب عام ٢٠٠٠، ثم في عام ٢٠٠٦، وصولًا إلى العودة الشعبية في عام ٢٠٢٤، حتى اليوم، حيث تدور مواجهات بطولية مباشرة على خط قرى الحافة الأمامية.
يعلن العدو مرة جديدة خططه لاستعادة منطقة عازلة مماثلة في الجنوب، وهو، لغاية كتابة هذه السطور، يسعى بكل آلته العسكرية المتفوقة تقنيًا ولوجستيًا عبور بلدتَي الخيام أو كفركلا، الأقرب الى نهر الليطاني، في محاولة لإعادة احتلال كامل المنطقة من الحدود إلى نهر الليطاني.
يقول بن غوريون عن موقع الجليل والشريط اللبناني في استراتيجية الاستيطان الصهيوني:
"لا ينبغي الظنّ أنّ الجليل لنا، بعد الاحتلال العسكري. وليس هناك إمكان لأن يكون في أيدينا جليل خال ومقفر. فإذا لم نسارع إلى استيطان الجليل الأعلى فهذه ستكون هزيمة سياسية. ينبغي إقامة سلسلة من المستوطنات على امتداد شاطئ البحر حتى رأس الناقورة وعلى امتداد حدود لبنان كلها وفي ضواحي صفد أيضًا. وينبغي استقدام مهاجرين جدد لهذا الغرض والطلب من الهيئات الاستيطانية إرسال مرشدين وإذا كان هؤلاء في الجيش فيجب إخراجهم، لأنّ الاستيطان هذا ذو قيمة عسكرية".
لم تكن ولادة الشريط الحدودي بصيغته الأولى نتيجة مباشرة لاجتياح الليطاني في العام ١٩٧٨ فقط، إنما أتت في سياق النتائج الطبيعية لقرابة ٣٠ سنة من الإعتداءات المتكررة على الأراضي اللبنانية ما بين عامي ١٩٤٨ و١٩٧٨، والمحاولات المستمرة لقضم الحدود الجنوبية وضمّها إلى الكيان. لطالما طمح الصهاينة بإقامة شريط عازل في جنوب لبنان، ظهر هذا الطموح الدائم بدايةً مع الخلافات بين الانتدابين البريطاني والفرنسي على الحدود اللبنانية–الفلسطينية، إذ كان ترسيم الحدود يخضع للتوازنات السياسية بين الدولتين المنتدِبتين والتزاماتهما تجاه القوى المحلية في المنطقة: التزام بلفور وعده لليهود الصهاينة البارزين، والالتزام تجاه الشريف حسين وأطراف الثورة العربية، والالتزام تجاه المسيحيون الموارنة في خلق دولة لبنان الكبير.
ساعد الغموض في تأكيد الحدود الجنوبية على قضم مناطق حدودية من منطقة الانتداب الفرنسي، في وقت لم تأخذ فرنسا فيه موقفًا حاسمًا من الأطماع الصهيونية المباشرة، التي رأت في حدود فلسطين حدودًا أولى لكيانها. استمر هذا الغموض مع الدستور اللبناني الصادر عام ١٩٢٦، إذ يقول في مادته الأولى: "إن حدود لبنان الجنوبية هي حدود قضاءي صور ومرجعيون "الحالية". إن كلمة الحالية في ٢٣ أيار ١٩٢٦، أتت في سياق اتفاق حسن الجوار الذي وقّع في ٢ شباط ١٩٢٦، ورسم الحدود بحسب اتفاقية نيوكومب–بوليه، وهذا يعني إخراج منطقة بعرض ٣–٥ كلم من حدود الانتداب الفرنسي للدولة اللبنانية الوليدة.
وفقًا لمصطفى دبّاغ، فقد تمّ إخراج القرى والخِرَب التالية، التي كانت تعدُّ ضمن "أعمال صور": البصّة، خربة معصوب، خربة عين حور، الجردية، خربة سمح، تربيخا، إقرت، خربة الصوانة، حانيتا. كذلك الخرب من ناحية إصبع الجليل الشريط الآهل الممتد من سهل الحولة، وهو شريط يدخله دبّاغ في "أعمال مرجعيون": آبل القمح، السنبرية، الخصاص، الزوق التحتاني، الزوق الفوقاني، الخالصة، لزازة، قيطية، العابسية، الناعمة، الدوارة، الصالحية، الزاوية، صبحة، المالكية، قَدَس، النبي يوشع، هونين، المنارة، المنشية، دفنة، المطلة، خان الدوير، صلحة، جاحولا، الشوكة التحتا، البوزيّة، ميس، كفر برعم.
يقول الدستور في مادته الأولى: "إن حدود لبنان الجنوبية هي حدود قضاءي صور ومرجعيون "الحالية". إن كلمة الحالية في ٢٣ أيار ١٩٢٦، أتت في سياق اتفاق حسن الجوار الذي وقّع في ٢ شباط ١٩٢٦، ورسم الحدود بحسب اتفاقية نيوكومب–بوليه، وهذا يعني إخراج منطقة بعرض ٣–٥ كلم من حدود الانتداب الفرنسي للدولة اللبنانية الوليدة.
Share this page