Inside a large arched greenhouse with overhead irrigation nozzles, one woman walks toward the back carrying two yellow watering cans while another woman uses a yellow can to water trays of green seedlings on a raised metal table.

مشروع بذور صور في الحوش. صور، جنوب لبنان. ١٢ شباط ٢٠٢٦. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

"الحرب الصامتة على الحياة": النضال من أجل أرض لبنان وبذوره

ينحدر الشقيقان زينب وعلي مهدي من سلالة طويلة من المزارعين في الناقورة. تعلّما منذ طفولتهما الاعتناء بالأرض ورعاية أشجار الزيتون المعمّرة وبساتين الفاكهة وحقول الخضروات وقفران النحل في مزرعتهما. كانا يبيعان الفاكهة والخضروات على الطريق الساحلي، تحت شجرة صنوبر غرسها والدهما. في البيت، كانا يجففان الأعشاب، ويقطّران ماء الورد وغيره من النباتات العطرية — كالبابونج وإكليل الجبل وإبرة الراعي — ويحضّران المونة، مثل مربى البندورة ودبس الرمان.

تقول زينب، البالغة من العمر ٥١ عامًا: "ورثتُ هذا الدرب عن أبي، الذي ورثَه بدوره عن أبيه. منذ أن بدأت أعي العالم، عرفتُ والديّ كمزارعين يعملان في الأرض ويعتنيان ببساتيننا. وأنا أعمل معهما منذ كنت صغيرة".

اليوم، تكافح عائلة مهدي لحماية مزرعتها من عدوَّين: الأول هو حرب الأرض المحروقة التي تشنّها إسرائيل على أرض الجنوب اللبناني وسكّانه. أما الثاني فهو هجوم بيروقراطي أكثر خفاءً يستهدف ممارستهم التقليدية في حفظ البذور. وهذه الحرب متعددة الجبهات تهدّد وجود مجتمعات بأكملها، وصحة أنظمة بيئية كاملة، والأمن الغذائي في لبنان، وسبل عيش مزارعين مثل آل مهدي.

A woman wearing a floral hijab, sun visor, and gloves uses pruning shears to tend to leafy green plants in a lush garden. Tall pine trees frame the background under a clear blue sky.

المزارعة زينب مهدي تقف في قطعة الأرض التابعة لمشروع بذور صور في الحوش. صور، جنوب لبنان. ١٢ شباط ٢٠٢٦. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

تقول زينب: "إذا لم نزرع، سنموت. علينا أن نواصل الزراعة. علينا أن نستمر في الإنتاج من هذه الأرض، وإلا فلن نستطيع مواصلة الحياة".

في نيسان ٢٠٢٤، وبعد سبعة أشهر على بدء الحرب الإسرائيلية على لبنان، أجبر القصف الإسرائيلي المتواصل معظم أفراد عائلة مهدي على مغادرة أرضهم. نزحت زينب وعلي شمالًا على امتداد الساحل إلى مدينة صور. في البداية، كانت زينب تعود إلى الناقورة يوميًا لتعتني بالمحاصيل التي كانت لا تزال مزروعة وتحصدها: الخس والملفوف والقرنبيط والبازلاء والفول والبروكلي والبصل والأعشاب. وفي صور، كانت تبيع ما تستطيع من الخضروات، وتهدي ما تبقى منها إلى العائلات النازحة الأخرى.

بحلول أيار من ذلك العام، كانت القوات الإسرائيلية تستهدف كل من يظهر في القرية. والدها أحمد يوسف مهدي الذي سيبلغ التسعين من عمره في آب، توسّل إليها ألا تعود، قائلًا: "لا أريد الناقورة بعد الآن. كل يوم، أضع يدي على قلبي وأنتظر عودتك. خلص، إبقِ هنا".

بقيَت. وفي ١١ حزيران ٢٠٢٤، استشهد شقيقها الآخر صالح، في غارة نفذتها طائرة إسرائيلية مسيّرة. كان صالح يعمل في مؤسسة المياه العامة في الناقورة، لكنه رفض مغادرة البلدة، إذ كان يوزّع المياه على من تبقى من سكانها مستخدمًا دراجته النارية حين استهدفه الإسرائيليون.

A man standing outdoors in a garden area holds a long green plant stem in one hand and red-handled pruning shears in the other, closely inspecting the plant. A bamboo trellis stands behind him.

المزارع علي مهدي يشذّب النباتات في الحوش. صور، جنوب لبنان. ١٢ شباط ٢٠٢٦. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

نجت أرض عائلة مهدي من الحرب، لكنها لم تنجُ من اتفاق "وقف إطلاق النار". فبين تشرين الثاني ٢٠٢٤ وشباط ٢٠٢٦، ارتكبت إسرائيل أكثر من ١٥٤٠٠ خرق للاتفاق، وفقًا لبيانات جمعتها قوات اليونيفيل والحكومة اللبنانية، ما حال دون عودة زينب وعلي وعشرات آلاف الجنوبيين الآخرين إلى أراضيهم. ثم أدى الاجتياح البري الإسرائيلي للبنان في آذار الماضي إلى تهجير أكثر من مليون شخص، بالتزامن مع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران.

وقد نصّ ما سُمّي باتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤، على فترة انسحاب تمتد ستين يومًا. خلال تلك الفترة دخل الجنود الإسرائيليون إلى الناقورة وجرّفوا كل شيء: مئات أشجار الزيتون والأفوكادو والأشجار المثمرة والمنازل والأسوار والمحاصيل وجميع معدات الري والزراعة التي أمضى والدهم عمرًا كاملًا في جمعها.

تقول زينب: "لم تنجُ حتى شجرة واحدة. كانت لدينا أشجار زيتون يزيد عمرها على مائة عام". (أما شقيقها علي فيقول أنها تبلغ نحو ثلاثمئة عام). ولم يكتف الإسرائيليون بذلك، بل جرفوا حتى التربة نفسها، "ليس إلى أرض الجيران فقط، بل إلى أرض جيران الجيران أيضًا"، كما يقول علي.

بذور الصمود

من بين الخسائر الكثيرة التي خلّفتها هذه الحرب القاسية: البذور المؤصلة التي حافظت عليها أجيال من عائلة مهدي بمحبة، وتوارثتها حتى وصلت إلى زينب وعلي.

لكن زينب وجدت بعض التعويض عن هذه الخسارة في مبادرة "بذور صور" التي أطلقها اتحاد بلديات صور، والذي يستضيف العديد من العائلات النازحة، ومنها عائلتها.

صُمّمت مبادرة "بذور صور" لمساعدة النساء النازحات على تأمين مصدر رزق. لكنها تسعى أيضًا إلى مواجهة مشكلة بنيوية تتمثل في اندثار البذور البلدية. ويمكن لكلمة "بلدي" أن تعني أمورًا عديدة، مثل: الأصيل أو المحلي من الأرض. غير أنّ المزارعين يستخدمونها غالبًا للتمييز بين البذور المفتوحة التلقيح وبين نظيراتها الهجينة، التي تُنتَج عبر تهجين مقصود للحصول على سماتٍ محددة، غالبًا ما تلبي اعتبارات السوق، مثل سهولة النقل وتوحيد حجم الثمار.

A woman wearing a floral hijab and a wide-brimmed sun visor pulls a glass jar of seeds from a refrigerator neatly stocked with numerous jars of preserved seeds, beans, and grains.
A close-up of a person's hands holding and sorting through multiple small, clear plastic zip-lock bags filled with different seed varieties, taken from a larger plastic storage tub.

ولأنّ البذور الهجينة لا تُنتِج نسلًا مطابقًا للمحصول الأصلي، لا يستطيع المزارعون الاحتفاظ ببذورها لإعادة زراعتها في الموسم التالي. وبدلًا من ذلك، يضطرون إلى شراء بذور جديدة مع كل موسم زراعي، غالبًا من شركات تحتكر تسعيرها، وتمارس نفوذًا متزايدًا على المزارعين أنفسهم.

لطالما أولَت زينب بذورها عناية خاصة. فهي تفضّل البذور البلدية على البذور الهجينة المستوردة، وتحاول قدر الإمكان تجنّب شرائها من كبار التجار. قبل الحرب، كان نحو ٧٠ في المئة من محاصيلها يأتي من بذور احتفظت بها من مواسم سابقة، فيما كانت تشتري الباقي من مزارعين آخرين، أو من المشاتل، أو من المتاجر الزراعية في المنطقة. ورغم أنها لم تكن تبيع بذورها، فإنها كانت توزّع جزءًا منها على جيرانها من المزارعين. كما كانت تُحضّر بنفسها الأسمدة والكمبوست لتخفيف التكاليف ووفاءً لتعاليم والدها في الزراعة العضوية. 

لكن معظم المزارعين في لبنان لم يتمكنوا من أن يكونوا بالقدر نفسه من انتقائية زينب. في عكار يواجه المزارعون صعوبة في العثور على البذور البلدية، بحسب المتخصصة في الزراعة البيئيّة حنين عبدالله، التي تعمل مع مزارعي الشمال من خلال جمعية "مدى"، وهي جمعية محلية تُعنى بالقضايا الاجتماعية والبيئية.

لمعالجة هذا النقص في البذور البلدية، انطلقت مبادرة "بذور صور" لبناء مكتبة بذور خاصة بها، تمهيدًا لتوزيعها على صغار المزارعين في مختلف أنحاء الجنوب.

"هدفنا هو تعزيز صمودنا في هذه الأرض من خلال سيادتنا الغذائية، عبر امتلاك بذور محفوظة ومحمية من الاندثار"، يقول مرتضى مهنّا، مدير وحدة إدارة مخاطر الكوارث في اتحاد بلديات صور، الذي يشرف على "بذور صور" مع آل مهدي.

هذه الأيام، حتى زينب باتت مضطرة لبذل جهد كبير لإعادة بناء مجموعتها من البذور. قالت لنا في كانون الثاني: "لا أريد أن أقول إن إسرائيل دمّرت كل شيء، لكننا نواجه صعوبة  كبيرة في البحث عن البذور البلدية لإعادة البناء بشكل قوي".

في "بذور صور"، استلمت زينب أول دفعة من البذور من "الحركة الزراعية في لبنان"، التي تعزّز السيادة الغذائية عبر توزيع البذور البلدية على المزارعين. بعد عامين أصبحت زينب تشرف على ما بين ٥ و١٥ مزارعًا، بحسب الموسم، وأصبحت بكل فخر مكتفية ذاتيًا من البذور.

A close-up of hands wearing gardening gloves holding a curved metal sickle alongside several long, dried brown seed pods, some of which are split open to reveal the seeds inside.

زينب مهدي تتفحص بذور الفول. صور، جنوب لبنان. ١٢ شباط ٢٠٢٦. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

كانت "بذور صور" قد أوكلت إلى مزارعين صغار محليين وعمّال بلديين مهمة استصلاح قطعة أرض مهملة. كانت مليئة بإطارات قديمة ومخلفات البناء وأكوام من النفايات — "كأنها مكب نفايات"، تتذكر زينب. لكنهم معًا، حوّلوا عشرة دونمات من الأرض (نحو ٢.٥ فدان) إلى مزرعة عضوية مزدهرة تُنتِج الخس والملفوف الأحمر والأبيض والخيار والبندورة والفليفلة الحلوة والفليفلة الحارة والباذنجان والكوسا والبامية والملوخية والكثير غيرها.

بالنسبة لزينب، أصبحت قطعة الأرض في صور بديلًا عن أرضها. قالت لنا في أوائل نيسان، بينما كانت تمشي في المزرعة تحت مطر الربيع: "بدأت أقول إنّ هذه الأرض أرضي، أحبها كثيرًا. عندما نعمل في الأرض، تمنحنا الأرض القوة، وتمنحنا الصمود، وتقول لنا إننا هنا، وباقون هنا".

الحرب البيروقراطية على المزارعين وبذورهم

بالنسبة إلى زينب وغيرها من المزارعين النازحين، شكّلت البذور شريان حياة ومصدر مقاومة في مواجهة الإبادة البيئية التي تشنّها إسرائيل. لكن في خريف عام ٢٠٢٥، أصدرت وزارة الزراعة اللبنانية مشروع قانون "تنظيم تجارة البذور والشتول ومواد الإكثار".

ينصّ الاقتراح المثير للجدل على أنّ أي شخص يقوم بإنتاج أصناف البذور والشتول أو إكثارها أو حفظها أو توضيبها أو نقلها أو تخزينها أو توزيعها، سيكون ملزمًا بإخضاعها للفحص وتسجيلها لدى الدولة، وإلّا يواجه غرامات تتراوح بين ٦٠٠ مليون و٣.٥ مليار ليرة لبنانية، وأحكامًا بالسجن تتراوح من سنة الى ثلاث سنوات.

قاسم الزعبي مزارعُ خضار وبقوليات في سعدنايل، في البقاع الأوسط. يزرع الفول البلدي والبازلاء والبصل الخاص به، إلى جانب أنواع هجينة مستوردة من الكوسا والفليفلة الحلوة، يشتري بذورها من شركات البذار. كما يشتري أحيانًا بذورًا من مزارعين آخرين لزراعة البندورة البلدية المؤصلة.

خلال مقابلة مصدر عام مع الزعبي في أواخر كانون الأول ٢٠٢٥، مرّ أحد الزبائن إلى منزله لشراء بذور الفول البلدي. كانت سعدنايل قد شهدت للتو أول أمطار الشتاء الفعلية، والمزارعون يستعدون لبدء زراعة الموسم الجديد. ما يعني أن الزعبي كان قادرًا أخيرًا على تحقيق ربح من بذور البقوليات التي حصدها في وقت سابق من العام.

Inside a dimly lit storage room, a man wearing a cap inspects a handful of seeds taken from an open white sack. Several stacked, sealed sacks and a blue weighing scale are visible behind him.

قاسم الزعبي يقف في حقله في سعدنايل، البقاع. ١٦ شباط ٢٠٢٦. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

تشكّل البذور مصدر الربح الأكبر للزعبي. فهو يفضّل بيع بذور مزرعته على بيع البقوليات الطازجة في سوق الحسبة، أي أسواق الجملة التي يديرها الوسطاء في مناطق مختلفة من البلاد، لأن ذلك يدرّ عليه هامش ربح أعلى.

تتعرض أسواق الجملة التسعة في لبنان لانتقادات واسعة من المزارعين الذين يعتبرونها غير عادلة. يعمل تجار الجملة بنظام الأمانة ويتقاضون عمولة على المبيعات، بينما يتحمّل المزارعون كامل تكاليف النقل والبضائع غير المباعة.معظم المزارعين لا يملكون معلومات دقيقة حول الأسعار اليومية في السوق، فيضطرون إلى الاعتماد على ما يبلّغهم به تجار الجملة عن المبيعات، الذين يصرّحون بأرباح أقل من أرباحهم الفعلية من إنتاج المزارعين.

تقول زينب إنها تتجنب أيضًا سوق الحسبة، لأنّ تجّار الجملة بحسب قولها، يحتفظون بـ٨٠ في المئة من الأرباح ويدفعون للمزارعين ٢٠ في المئة فقط من قيمة المبيعات.

يشكّل بيع بذور الفول البلدي المجففة لمزارعين آخرين ولتجار زراعيين محليين ما يقارب ثلاثة أرباع دخل الزعبي. خلال العامين الماضيين، بالكاد باع أيًّا من البقوليات التي حصدها طازجة. يقول: "ما بتوفّي — ما بتستاهل" (لا تدرّ ما يكفي، ولا تستحق العناء). "عندما نبيع البذور لاحقًا، نحافظ على رأس مالنا على الأقل. لا نخسر المال فيها".

لكن إذا أصبح بيع بذوره الخاصة يتطلب تسجيلًا لدى وزارة الزراعة، يشكّ الزعبي في قدرته على الالتزام بذلك. ففي عام ٢٠٢٤ حاول التسجيل لدى الوزارة للاستفادة من برامج المساعدات الطارئة والمنتجات الزراعية منخفضة التكلفة. وبما أنه لا يملك الأرض التي يزرعها، اضطر إلى تعقّب عدد من مالكي الأراضي، ودفع رسوم لا يستطيع تحمّلها، والتعامل مع نزاعات مرتبطة بالإرث والملكية. وفي نهاية المطاف، دفعته الإجراءات البيروقراطية المعقدة إلى التخلي عن محاولة التسجيل.

كما أنّ العديد من المزارعين الذين تحدثنا إليهم فشلوا في التسجيل للحصول على مساعدات الوزارة. تقول زينب: "لا نملك القدرة ولا الوقت".

بموجب مشروع القانون سيتعيّن على المزارعين تجديد تسجيل بذورهم كل ست سنوات. لكن إذا كان المزارعون غير قادرين حتى على التسجيل للحصول على أسمدة مدعومة، فإنّ إلزامهم بتسجيل أصناف البذور سيخلق عبئًا إداريًا مستحيلًا.

تقول زينب وهي تستعرض السيناريو المحتمل: "عليّ أن أذهب إلى الوزارة، وآخذها (البذور) إلى مختبر، وأجري الفحوصات عليها، وأعود إلى الوزارة، وأرى إذا كانت مقبولة أم لا، وأدفع الرسوم". ثم تضيف: "من منّا قادر على إتمام كل هذه الخطوات ونحن لا نعرف أصلًا إن كانوا سيوافقون عليها أم لا؟"

A close-up shot of a farmer's hand touching the soil and base of young green plants in an agricultural field. In the background, a village with a green-domed mosque sits below hazy mountains.
A farmer wearing a black cap and navy jacket stands in a field of young green crops, pointing his right arm toward distant buildings and hazy mountains.

يقول المزارعون إن الصعوبات العملية المرتبطة بتسجيل أصناف البذور قد تشكل تهديدًا خطيرًا طويل الأمد لاستقلاليتهم — ولقدرة البذور البلدية على النجاة.

يقول سيرج حرفوش، الشريك المؤسس لـ"بذورنا جذورنا"، وهي تعاونية تعمل على حفظ البذور البلدية وإكثارها ومشاركتها: "سنبدأ بالاستغناء عن هذه البذور، لأنّ بعض الشركات ستكون قد سجّلت أصنافها التي تملكها أصلًا، وسيصبح بإمكانك ببساطة شراؤها. سنصبح مجرد مستهلكين، ولن نبقى منتجين".

تقول زينب: "هذا القانون الجديد مفيد للتجار الكبار. أما نحن، المزارعين الصغار، فستكون النهاية".

البنية القانونية للسيطرة على البذور

حتى لو امتلك صغار المزارعين الوسائل والوقت اللازمَين لتسجيل بذورهم البلدية، فقد لا يتمكنون من ذلك. يتضمن مشروع القانون تهديدًا يعتبره المحافظون على البذور أكثر خطورة: متطلبات التمايز والتجانس والثبات (DUS).

هذه معايير وراثية يجب أن يستوفيها صنف نباتي جديد لكي يُسجَّل رسميًا ويُحمى بموجب قوانين البذور وغيرها من أنظمة حقوق مربّي الأصناف. لكي يكون الصنف مؤهلًا، يجب أن يكون مختلفًا بوضوح عن الأصناف الموجودة (التمايز)، وأن ينتج نباتات متشابهة بدرجة كافية (التجانس)، وأن يبقى دون تغيير عبر دورات الزراعة أو الأجيال المتعاقبة (الثبات). صُممت متطلبات DUS لحماية الملكية الفكرية لمربّي النباتات التجاريين الذين يعملون مع الأصناف الهجينة.

تقريبًا جميع البذور الموروثة والأصناف التقليدية حول العالم تفشل في تلبية متطلبات DUS. يقول حرفوش: "تلقائيًا، لن تستوفي البذور البلدية هذه المتطلبات. وبصفتنا منتجي غذاء، سنُجبَر على استخدام البذور التي يفرضها الكتالوج [الرسمي]."

في حملتهم ضد مشروع القانون يطالب الناشطون في مجال سيادة البذور مثل حرفوش، الذين يكافحون للحفاظ على تنوع البذور المحلية، بإزالة متطلبات DUS. وبعد اجتماعات مع وزير الزراعة نزار هاني وموظفي الوزارة ومستشاريها، أُزيلت الإشارات إلى DUS من الصفحات الافتتاحية لمسودة القانون، لكنها بقيت مدرجة ضمن المادة ١٢.

A woman in a dark headscarf stands in an outdoor crop field holding a large, freshly harvested bundle of green scallions with their roots exposed.

إحدى المزارعات في مشروع بذور صور، جنوب لبنان. ١٢ شباط ٢٠٢٦. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

ثمة جملة من المشاكل يطرحها انطلاق عصر سوق البذور الهجينة، تتخطّى  مجرد الحاجة إلى شرائها سنويًا. فعلى الرغم من أن البذور الهجينة يمكن أن تنتج بدايةً محصولًا أعلى من البذور البلدية، لكنها غالبًا ما تتطلب اعتمادًا أكبر على الأسمدة الكيميائية والمبيدات الحشرية، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تدهور صحة التربة مع مرور الوقت.

كما أن الاعتماد على البذور المستوردة والأسمدة الكيميائية والمبيدات الحشرية يزيد من هشاشة النظام الغذائي في لبنان، الذي يعتمد على الاستيراد. يحصل المزارعون عمومًا على البذور من قلّة من التجّار الذين يحتكرون سوق مستلزمات الزراعة، الذين بدورهم يستوردون البذور والمبيدات والأسمدة من سوق عالمية تهيمن عليها أربع تكتلات كبرى.

خلال المواسم الزراعية الستة الأخيرة فقط، واجه المزارعون في لبنان أربع صدمات في أسعار البذور والأسمدة: الأزمة المالية عام ٢٠١٩، والتضخم العالمي الذي أعقب جائحة كوفيد-١٩، والحرب في أوكرانيا عام ٢٠٢٢، والحرب الأمريكية-الإسرائيلية الحالية وتعطّل حركة التجارة في ممر مضيق هرمز. وفي ٢٦ آذار الماضي، حذّرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO) من أن إغلاق مضيق هرمز قد يزيد أسعار الأسمدة عالميّا بنسبة تتراوح بين ١٥ و٢٠ في المئة كمعدّل خلال النصف الأول من عام ٢٠٢٦.

ولأنّ البذور المستوردة تجاريًا لا تخضع للاختبار قبل طرحها في السوق اللبنانية، فقد أبلغ المزارعون أيضًا عن مشاكل تتعلق بجودة البذور المستوردة وقدرتها على التكيّف.

تقول زينب: "إذا كانت الحكومة تريد مساعدة المزارعين، فعليها أن توفر لهم البذور البلدية. نحن لا نريد بذورًا هجينة لا يمكننا زراعتها إلا مرة واحدة. وإذا كانت الحكومة لا تستطيع تزويدنا بالبذور والنباتات البلدية، فلتدعنا نقوم بذلك نحن."

يستثني مشروع القانون بالفعل من شرط التسجيل "البذور التي ينتجها المزارعون للتبادل غير التجاري". لكن غموض القانون حول ما يشكّل "تبادلًا غير تجاري" يترك المزارعين عرضة للعقوبات.

المزارعون مثل زينب الذين لا يبيعون البذور، ما زالوا ينخرطون في عمليات تبادل مجتمعية للبذور مع جيرانهم، غالبًا ما تتضمن مقايضةً. حتى لو لم تُدفع أموال نقدية، فإن تبادلًا ذات قيمة قد يُفسَّر على أنه نشاط تجاري.

يقول كنج حمادة، وهو اقتصادي زراعي وعضو في ائتلاف الزراعة البيئية في لبنان (ACL): "لا يوجد شيء اسمه أنشطة بذور 'غير تجارية'. ما لم يُحدَّد بوضوح، فإن الاستثناء غير التجاري مبهم للغاية وغير شفاف، وقد يعرّض المزارعين للعقوبات في أي لحظة."

لم تحدد وزارة الزراعة كيفية تعاملها مع مثل هذه الحالات. يقول حمادة: "عندما نضغط على الوزارة بشأن كيفية تأثير القانون على صغار المزارعين، يكون موقف الوزارة: 'لا تقلقوا، لن يتضرروا'. لكن هذا يتطلب قدرًا كبيرًا من الثقة بأنّ السلطات لن تغيّر مسارها مستقبلًا عندما تخبرها الشركات بأنّه ينبغي لها كبح أنشطة تبادل البذور."

من قوانين البذور إلى مراقبة البذور

منذ تسعينيات القرن الماضي، واجهت الحكومات في مختلف أنحاء الجنوب العالمي ضغوطًا من شركات البذور والدول في الشمال العالمي لاعتماد قوانين للبذور تستند إلى نموذج الاتحاد الدولي لحماية الأصناف النباتية الجديدة (UPOV).

أُنشئ الاتحاد عام ١٩٦١ على يد مربّي نباتات أوروبيين، وشهد توسعًا كبيرًا ومكثّفًا عام ١٩٩١، وقد وضع الاتّحاد (UPOV) الإطار القانوني للتعامل مع البذور بوصفها ملكية خاصة. في البلدان التي أقرت مثل هذه القوانين، واجه المزارعون التجريم وتطبيقًا غير متكافئ للقوانين.

بموجب توجيهات UPOV لعام ١٩٩١، يمكن للشركات التي تطوّر صنفًا نباتيًا أو تعدّله أن تطالب بحماية قانونية تمنحها حقوقًا حصرية على البذور لمدة تتراوح بين ٢٠ ،٢٥ عامًا. يقول المنتقدون إنّ هذا الإطار يمنح امتيازات لمربّى النباتات التجاريين ويجرّم ممارسات حفظ البذور التي مارسها صغار المزارعين على مدى أجيال.

في نيسان ٢٠٢٢، صادرت السلطات التونسية نحو ٣٠ صنفًا من البذور من مزارع صغير معروف بمشاركته البذور المحلية، واحتجزته لبضع ساعات، وأُفيد بأنّها أجبرته على توقيع تعهد بعدم توزيع البذور مجددًا. ووفقًا لروايات نقلها أصدقاء المزارع، برّرت السلطات تدخلها بأسباب صحية وتنظيمية. لكنّ المزارع وداعميه فهموا الأمر باعتباره شكلًا من أشكال الترهيب والقمع الذي يستهدف حفظ البذور المحلية وتبادلها. بما أنّه من غير المرجّح أن يبلّغ المزارعون عن حوادث مماثلة، يشتبه الناشطون التونسيون في وقوع حوادث مماثلة لم يُبلَّغ عنها. في العام نفسه ألغت الجمعية التونسية للزراعة المستدامة مهرجان البذور الفلاحية (fête des semences paysannes)، وهو مهرجان سنوي لتبادل البذور، مشيرةً إلى المخاوف المرتبطة بالثغرات القانونية المرتبطة بتبادل أو بيع البذور غير المسجلة.

Two people working outdoors under a clear blue sky to build or repair a tall, diagonal bamboo pole trellis fence in an agricultural field.

زينب مهدي مع إحدى زميلاتها في العمل. صور، جنوب لبنان. ١٢ شباط ٢٠٢٦. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

في السنوات اللاحقة، استأنفت الجمعية تنظيم مهرجان البذور من دون حوادث تُذكر. لكنّ الباحثين والناشطين التونسيين الذين تحدثنا إليهم يقولون إنّ هذه الأحداث علّمتهم أن تطبيق القوانين غير متكافئ، وأنه يتأثر بالمناخ السياسي الأوسع في أي لحظة معينة. فطالما أن القانون موجود، يمكن تفعيله متى اختارت السلطات استخدامه للترهيب أو القمع. يقول ياسر السويلمي، الباحث التونسي المتخصص في السيادة الغذائية: "وهذا تحديدًا هو السبب الذي يجعل كثيرين يرون في القانون ليس فقط أداةً للتطبيق المباشر، بل أيضًا تهديدًا دائمًا معلّقًا فوق هذه الممارسات".

في إندونيسيا، استخدمت الفروع المحلية لشركات البذور متعددة الجنسيات قوانين بذور مماثلة لمقاضاة مزارعين بدعوى انتهاك حقوق الملكية الفكرية، ما أدى إلى إدانتهم وصدور أحكام بالسجن بحقهم.

غالبًا ما يدفع تحرير التجارة نحو اعتماد أنظمة حماية البذور وتطبيقها. فقد انضمت مصر وتونس، على سبيل المثال، إلى UPOV عامي ٢٠١٩ و٢٠٠٣ على التوالي، كجزء من التزامات متعلّقة بإطار التجارة الحرة الأوروبية. كما يدفع الاتحاد الأوروبي لبنان إلى الانضمام إلى UPOV منذ اتفاقية الشراكة الأوروبية-المتوسطية مع لبنان عام ٢٠٠٢، التي دخلت حيّز التنفيذ عام ٢٠٠٦.

خلال فترة ولايته كمقرر خاص للأمم المتحدة حول الحق في الغذاء (٢٠٢٠–٢٠٢٦)، حثّ مايكل فخري الحكومات مرارًا على عدم جعل عضوية UPOV شرطًا في الاتفاقيات التجارية الإقليمية أو الثنائية، وعلى إزالة مثل هذه البنود من الاتفاقيات القائمة. واعتبر فخري أن UPOV يقوّض أنظمة بذور المزارعين التي تعدّ ضرورية للأمن الغذائي وسبل العيش الريفية وحماية التنوع البيولوجي. في تقرير قدّمه إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في كانون الأول ٢٠٢١، كتب فخري أنّ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مارسا ضغوطًا على الدول النامية، عبر الاتفاقيات التجارية، من أجل التصديق على توجيهات UPOV لعام ١٩٩١ واعتماد تشريعات متوافقة معها. وكتب: "هذا النوع من الضغوط لا يقدّم لدول الجنوب العالمي خيارًا حقيقيًا."

الضغوط لاعتماد قواعد UPOV لا تكون دائمًا صريحة. وكما يشير فخري، غالبًا ما تحثّ الدول ذات الدخل المرتفع الدول الأصغر على اعتماد اتفاقيات جاهزة لحماية الأصناف النباتية عبر برامج "بناء القدرات" أو "المساعدة التقنية". ليس واضحًا ما إذا كان هذا هو ما حدث في لبنان. لكن في عام ٢٠٢٣ تلقت وزارة الزراعة اللبنانية دعمًا تقنيًا في صياغة القانون من فرع إيطاليا التابع للمركز الدولي للدراسات الزراعية المتقدمة لمنطقة البحر الأبيض المتوسط (CIHEAM)، وهو منظمة حكومية دولية تضم ١٣ دولة.

A close-up, top-down view of blue-gloved hands using tweezers to sort seeds between two petri dishes on a white lab table, sitting next to a manual titled "Genebank Standards for Plant Genetic Resources."

إحدى موظفات المصلحة الوطنية لنهر الليطاني (LARI) تضع بذرة في طبق بتري داخل البنك الوطني للجينات في لبنان. البقاع، لبنان. ١٦ شباط ٢٠٢٦. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

A woman wearing a white lab coat, maroon hijab, and blue nitrile gloves uses tweezers to meticulously sort seeds in a small petri dish under a magnifying lamp at a white laboratory table.

إحدى موظفات المصلحة الوطنية لنهر الليطاني (LARI) تفحص البذور وتصنفها بعناية في البنك الوطني للجينات في لبنان. البقاع، لبنان. ١٦ شباط ٢٠٢٦. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

بين عامي ٢٠٢٣ و٢٠٢٥، عمل CIHEAM مع وزارة الزراعة اللبنانية والمركز اللبناني للبحوث الزراعية (LARI) من خلال مشروع Seed Lebanon، البالغة قيمته مليون يورو والمموّل من الحكومة الإيطالية، بهدف "تعزيز نظام شهادات البذور في لبنان" ومساعدة المزارعين والقطاع الخاص على اعتماد "بذور خضعت لاختبارات مناسبة". وفي رسالة إلكترونية تعود إلى تشرين الأول ٢٠٢٥ اطلع عليها مصدر عام، قالت وزارة الزراعة إنها أعدّت القانون "بالتعاون مع CIHEAM-Bari."

حتى الآن، لم ينضم لبنان إلى الدول الـ٧٧ الأعضاء في UPOV. لكن مشروع القانون اللبناني يتبنّى قواعد أساسية من قواعد UPOV. كتبت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان (NHRC)، في رأي شديد اللهجة صدر في تشرين الثاني الماضي: "يميل مشروع القانون نحو نموذج زراعي صناعي مستوحى من اتفاقية UPOV، مع التركيز على حماية حقوق مربّي النباتات التجاريين من خلال أنظمة التسجيل والشهادات القائمة على التجانس والثبات، في حين يستبعد البذور التقليدية والمحلية من الإطار القانوني."

وأوصت اللجنة التي تموّلها الدولة لكنها مكلّفة بإجراء تقييمات مستقلة لحقوق الإنسان، بأن "لا ينضم لبنان إلى اتفاقية UPOV أو أي معاهدة مماثلة غير تابعة للأمم المتحدة قبل إجراء تقييم مستقل للأثر على حقوق الإنسان والأثر الاجتماعي والاقتصادي."

سيطرة الشركات على الزراعة

لكن شركاء التجارة الخارجية ليسوا الوحيدين الذين يدفعون نحو قوانين البذور المستوحاة من UPOV. في مصر، دفعت شركات البذور المحلية وجماعات الضغط التصديرية نحو الانضمام إلى UPOV  في عام ٢٠١٩. يقول صقر النور، عالم الاجتماع الريفي الذي يعمل على سيادة الغذاء: "اعتقدت شركات البذور المحلية أنها ستستفيد، كوسطاء للشركات متعددة الجنسيات الكبيرة مثل باير، إذا دخلت السوق المصرية". في لبنان، يُعتبر أنيس حداد، مؤسس ومدير شركة Seed Bound، إحدى الشركات اللبنانية القليلة التي تنتج البذور دوليًا، من أبرز داعمي القانون. 

كان حداد يضغط على وزراء الزراعة لتمرير قانون البذور منذ أواخر التسعينيات. يقول حداد لمصدر عام: "خلال متابعاتي كل عام، يسحبونه من الدرج، ويرسلونه إلى اللجنة القانونية للوزارة، ويعملون عليه قليلاً". تغير ذلك مع وزير الزراعة نزار هاني. "عندما أصبح وزيرًا، اتصل بي فورًا وقال لي، أنيس، هل تتذكر حديثنا عن قانون للبذور؟" يقول حداد. "قلت له، لقد كنت أتحدث عن هذا منذ فترة طويلة." من جانبه، أشاد هاني بحداد خلال طاولة مستديرة وطنية نظمتها الوزارة و CIHEAM-Bari في تشرين الثاني ٢٠٢٥ لمناقشة مشروع قانون البذور.

بدأ حداد مسيرته المهنية في مجال الأعمال الزراعية في عام ١٩٨١. عمل لدى شركات بذور كبرى خلال فترة ازدهارها، بما في ذلك Petoseed و Asgrow. تم شراء كلتا الشركتين لاحقًا من قبل  Seminis، ثم اشترتها Monsanto، وأخيرًا استحوذت عليها Bayer، التي تعد اليوم أكبر شركة بذور تجارية في العالم، حيث تسيطر على حوالي ٢٣ في المئة من السوق. في عام ١٩٩٩ غادر حداد وبعض زملائه شركة Seminis لتأسيس فرع لبناني لشركة US Agriseeds. وبعد عقد من الزمن، عندما أغلقت US Agriseeds عملياتها في لبنان، اشترى حداد الكيان القانوني المحلي وأعاد إطلاقه تحت اسم Seed Bound. 

A dried botanical plant specimen mounted on a white page inside an open herbarium logbook resting on a laboratory counter.

منشأة إيكاردا (ICARDA) في تل عمارة، البقاع. ١٦ شباط ٢٠٢٦. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

وفقًا لحداد، استفادت شركات إنتاج البذور الدولية لفترة طويلة من عدم وجود إطار ناظم للبذور في لبنان. وبدون حماية قانونية، يقول حداد، يمكن للشركات أن تأخذ الأصناف البلدية، وتهجنها، وتبيعها مجددا للمزارعين. 

 "أخبرك ذلك لأنني لعبت دورًا في هذا الأمر"، يقول حداد في الثمانينيات، أرسل عينات من الخيار البلدي إلى Petoseed، وهي لاعب عالمي رئيسي في تربية بذور الخضروات في ذلك الوقت. ذهب إلى دبوس الأصلي في المصيطبة، وحصل على حفنة من البذور مقابل ١٠ ليرات، وأرسلها إلى مكتب Petoseed في الولايات المتحدة. ثم استخدمت الشركة هذه البذور لتطوير بذور هجينة باعتها مجددًا للمزارعين اللبنانيين. 

"الآن الجميع يزرع هذه البذور الهجينة، تسمّى خيار شمسي"، يقول. "إنها مسروقة من خيار الكحال". في مقابلة لاحقة، أوضح حداد أن هذا النوع من الاستيلاء على المواد الجينية المحلية لا يعتبر سرقة فعليًّا، لأنه لم يكن هناك قانون يمنعه آنذاك، أو حتى الآن. وهذا، كما يجادل، هو السبب الذي يدفعه لدعم مشروع قانون البذور المقترح.

 اليوم تعمل Seed Bound مع المزارعين وشركات إنتاج البذور المحلية في ١٨ موقعًا حول العالم لإنتاج بذور هجينة للبيع داخل لبنان. يزرع المزارعون محاصيل البذور في نيوزيلندا (الشمندر الأحمر)، والولايات المتحدة (الفاصوليا)، والهند، وبيرو، والإكوادور، وتايلاند، والصين. 

اعتمادًا على نوع المحصول، يلقح المزارعون المحاصيل في الحقل، إما باستخدام النحل أو يدويًا، وهي عملية تتطلب مهارة وجهدًا كبيرًا. بعد الحصاد، يرسل المزارعون البذور إلى لبنان للتنظيف؛ ثم تقوم Seed Bound بشحنها إلى الولايات المتحدة لإجراء اختبارات جينية، ثم تعيدها إلى لبنان للبيع. وبحسب حداد، لا يمكن لـ Seed Bound العمل مع المزارعين في لبنان، لأنه لا يوجد إطار قانوني يحمي الملكية الفكرية للشركة، أو ما يسميه "الملكية الجينية". كما يشير إلى قيود الأراضي واعتبارات مناخية.

رغم ذلك يتصور حداد إمكانية نقل جزء من إنتاج شركته للبذور إلى لبنان إذا تم تمرير القانون. رؤيته تعتمد على تحويل المزارعين من منتجين مستقلين إلى مزارعين بعقود، وهو ترتيب يوافق فيه المزارعون مسبقًا على إنتاج محصول معين أو تربية مواشي معينة لمشتر محدد وفقًا لشروط متفق عليها. 

 يتخيل حداد مستقبلًا حيث يزرع المزارعون اللبنانيون البذور لشركات عالمية مثل Syngenta، أكبر منتج في العالم للمبيدات الكيميائية وثالث أكبر منتج للبذور. يقول "لماذا يذهبون إلى الهند لتوقيع عقود مع المزارعين لإنتاج بذورهم؟ يمكننا جذبهم للمجيء إلى هنا. إنها زراعة تعاقدية للمزارعين – ذات مدخول مضمون لهم." يجادل مؤيدو الزراعة التعاقدية بأنها تقلل من عدم اليقين في دخل المزارعين. ومع ذلك، في الممارسة العملية، تقدم الترتيبات التعاقدية حالات عدم يقين أخرى (مثل تكاليف الأسمدة)، بينما تحوّل المزارعين إلى مجرد عمال في أراضيهم، وتجبرهم على الخضوع لإملاءات الشركات بشأن خيارات البذور والمدخلات الكيميائية وطرق الإنتاج. 

 في الهند، وجد الباحثون أن العقود بين بيبسيكو والمزارعين الصغار للبطاطا كانت غير عادلة للغاية، مما أعطى المزارعين نفوذًا ضئيلًا في المفاوضات حول التسعير والإنتاج. في ولاية البنغال الغربية، أجبرت الزراعة التعاقدية مع بيبسيكو المزارعين الصغار على اللجوء بشكل متكرر إلى المقرضين المحليين ودفع معدلات فائدة أعلى لشراء المدخلات الكيميائية والآلات. قال المزارعون إن حق بيبسيكو في رفض منتجاتهم بسبب مراقبة الجودة كان أكثر إرهاقًا لهم من تقلبات السوق عندما كانوا يعملون بشكل مستقل.

Six white square display cards arranged on a teal background, each showing neatly classified plant seed specimens alongside their printed scientific names.

عرض منسق لبذور وثمار محفوظة في منشأة إيكاردا (ICARDA) في تل عمارة. البقاع، لبنان. ١٦ شباط ٢٠٢٦. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

عدم التوازن هذا في ميزان القوة يجعل المزارعين المستقلين حذرين من الدخول في مثل هذه العقود. في عام ٢٠٢٠، بعد أن أصدرت الحكومة الهندية ثلاثة قوانين زراعية مثيرة للجدل كانت ستوسع الزراعة التعاقدية، من بين أمور أخرى، نظم المزارعون ما أصبح أكبر انتفاضة للمزارعين في التاريخ الحديث. بعد ١٦ شهرًا من الاحتجاج، توفي خلالها ما لا يقل عن تسعة أشخاص، نجح المزارعون في إلغاء القوانين. (في عام ٢٠٢٥، مع الضغط من شركات البذور الكبرى، قدمت حكومة الهند بهدوء مشروع قانون بذور جديد). 

عندما سألنا حداد عن الأضرار التي تلحق بالمزارعين المتعاقدين مع الشركات الكبيرة، وأشرنا إلى مخاوف المزارعين، قال إن المزارعين والمنظمات غير الحكومية والنشطاء يُتَلَاعَب بهم من قبل السياسيين من "الدولة العميقة" الذين لا يريدون نهجًا علميًا. يقول "لا أحد يريد أن تكون الوزارة صاحبة الأمر. إنهم يريدون الفوضى."

في الواقع، المزارعون والنشطاء الذين تحدثنا معهم لا يعارضون التنظيم. هم أيضًا يريدون تعزيز الرقابة على جودة البذور – سواء المحلية أو المستوردة – بالإضافة إلى أدوات لمكافحة الإعلانات الكاذبة. لكنهم تصورهم هو إطار قانونيّ يحمي حقوق المزارعين ويدعم الحفاظ على البذور البلدية – بدلاً من أن يحول المزارعون إلى عمال مؤقتين يزرعون البذور الهجينة للشركات متعددة الجنسيات. 

 يقول حداد إن Seed Bound لن تستفيد بالضرورة من مشروع القانون لأنه يمكنها بالفعل العمل دون إشراف كبير حاليًا. ومع ذلك، يضيف إن سوق إنتاج البذور المنظم في البلاد سيجلب تمويلًا بمليارات الدولارات لأبحاث تطوير البذور الهجينة. 

 يجادل حداد بأن البذور البلدية في حالة من "الفوضى" لأنها "ليست نقية جينيًا"، وأن الطماطم المحلية "زبالة"، وأن مشروع القانون سيساعد المزارعين على زراعة محاصيل أفضل. يقول حداد "هؤلاء المزارعون الصغار الذين تتحدثون عنهم، الرجل العجوز في الجبل، علينا مساعدته. أصناف بذوره تتدهور ولا أحد يساعده. نعلّمه، وندربه، ونساعده على التقدم، ونجعله يعرف أن للعلم دور، حتى مع الأصناف المحلية."

A medium shot of a woman standing between long, tall rows of tomato plants thick with foliage and fruit inside a large, arched plastic hoop greenhouse.

زينب مهدي في مشروع بذور صور في الحوش. صور، جنوب لبنان. ١٢ شباط ٢٠٢٦. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

المزارعون الذين تحدثنا معهم يشعرون بالفعل بالعجز داخل نظام يسيطر فيه الوسطاء على التسعير والأرباح. هم يخشون أن يصبحوا أكثر اعتمادًا عليهم إذا أقرّ هذا القانون. يقول المزارع البقاعي سالم الأزوَق، "خلال عشر سنوات مع هذا القانون، لن يبقى لدينا أي بذور محلية. لن يبقى للمزارع سيطرة على أي شيء. سيصبح مجرد آلة بين العديد من الآلات التي يخترعونها."

 بالنسبة للأزوَق، لا استقلالية للمزارعين بدون البذور البلدية. تسجيل البذور ليس مجرد مسألة تنظيمية. هو يراه جزءًا من تحول أوسع من الوصاية المجتمعية نحو السيطرة المؤسسية على الزراعة. يقول الأزوق "الفرق بين بذورنا المحلية والبذور التي يريدون فرضها علينا لتسجيلها هو أن البذور من المفترض أن تكون ملكية عامة (مشاعًا)، مثل الأوكسجين والهواء والماء. هذه البذور محصورة بهم؛ سيعطونها لنا بالقطارة. إنها سلاح في حرب، إنها حرب تجويع." 

 في جلسة عامة لمناقشة القانون المقترح، نظمتها "الحركة الزراعية" في كانون الأول الماضي، عبّر أحد المتحدثين عن الشعور السائد "إنها حرب صامتة على الحياة، تُشن من خلال البذور."

حرب إسرائيل على السيادة الغذائية

الهجوم التشريعي على المزارعين اللبنانيين وبذورهم يأتي في وقت خطير للغاية بالنسبة لسيادة البلاد الغذائية وأمنها الغذائي. الحرب الشاملة التي تشنها إسرائيل على الحياة - حياة البشر وغير البشر- قد أخضعت المزارعين مثل عائلة المهدي وأراضيهم لدورات متكررة من الإبادة البيئية والاحتلال

 في توثيقها اليومي للهجمات الإسرائيلية على لبنان منذ تشرين الأول ٢٠٢٣،يُظهر "استوديو أشغال عامة" أن إسرائيل جعلت من القطاع الزراعي في لبنان هدفًا مركزيًا. استخدمت القوات الإسرائيلية ذخائر الفوسفور الأبيض على الأراضي الزراعية والماشية والدواجن كتكتيك متعمّد لإضعاف عزيمة الجنوبيين الذين يعتاشون من الأرض. 

A woman navigates through a massive pile of concrete rubble on a grassy hillside while a man watches nearby. An overturned white vehicle is visible in the wreckage.

عائلات تحاول العودة إلى بلدة بليدا، جنوب لبنان. ١٨ شباط ٢٠٢٥. (مروان بو حيدر، مصدر عام)

وفقًا لأحدث البيانات الرسمية اعتبارًا من ٤ أيار، ألحقت إسرائيل أضرارًا بما يقرب من ربع الأراضي الزراعية "الموجودة داخل مناطق النزاع في الجنوب"، ولا يزال ٧٨ في المئة من المزارعين في الجنوب نازحين عن قراهم. "هذا يعادل إبادة زراعية وإبادة بيئية متعمدة"، كما يصرح "استوديو أشغال عامة". 

كما هو الحال في غزة، تسببت الضربات الإسرائيلية مرارًا في إلحاق أضرار بالبنية التحتية المائية الحيوية في لبنان. في فبراير، قامت طائرات إسرائيلية بدون طيار بالتحليق فوق الأراضي الزراعية في جنوب لبنان برش الغليفوسات، وهو مبيد أعشاب يدمر الغطاء النباتي، ويسمم التربة، وقد ارتبط بآثار صحية ضارة، بما في ذلك السرطان

تشكل الزراعة ما يصل إلى ٨٠ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لجنوب لبنان. من خلال تدميرها، يقوم الجيش الإسرائيلي بتخريب قدرة الصمود الاقتصادي للمنطقة بأكملها، كما تصرح "الحركة الزراعية". تقول الجمعية المعنية بالدفاع عن السيادة الغذائية إن القوات الإسرائيلية دمرت أو أحرقت أو سرقت ٤٧٠٠٠ شجرة زيتون، وقتلت ٣٤٠٠٠٠ رأس من الماشية. 

كما أثّرت الحرب الإسرائيلية على المزارعين الذين لم تكن أراضيهم مستهدفة بشكل مباشر. في سهل البقاع، الذي يشكل ٤٢ في المئة من المساحة الزراعية في لبنان، لا يزال المزارعون الذين نجوا من موجة القصف في ٢٠٢٣–٢٠٢٤ يعانون التأثير الاقتصادي للحرب واضطرابات السوق طوال فترة وقف إطلاق النار أحاديّ الجانب، الذي التزم به لبنان فقط، ويواصلون صراعهم حتى اليوم. 

لتجنب فائض من المنتجات التي لا يمكنه بيعها قلّل الزعبي من إنتاجه، ومعه دخله. عادة ما يزرع ويحصد موسمين في الأرض نفسها. يبدأ مبكرًا بدفعة من الفول، مستخدمًا العائدات لتغطية النفقات بما في ذلك العمالة والأسمدة والمازوت والري، نظرًا لعدم كفاية الأمطار، والبذور الهجينة المستوردة للخضروات الأخرى. عادة ما يحقق الربح من الحصاد الثاني. العام الماضي، توقف بعد الدفعة الأولى.

قبل بدء الحرب، كان يبيع بذور البازلاء للمزارعين في الجنوب. بالكاد يفعل ذلك الآن. كما أنه لا يزال يعاني صعوبة نقل المنتجات إلى الأسواق المختلفة. عندما يصل إلى هناك، يقول إن الناس يشترون أقل – فقط الأساسيات. 

من المتوقع أن يواجه حوالي ١.٢٤ مليون شخص – ما يقرب من ربع سكان لبنان – أزمة انعدام الأمن الغذائي، وفقًا للتوقعات الواردة في أحدث تقرير لتصنيف مراحل الأمن الغذائي المتكامل (IPC) الصادر عن وزارة الزراعة ومنظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي. في هذه الحالة، تفقد الأسر قدرتها على تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية بشكل مستمر وقد تضطر إلى تقليل كمية ونوعية الطعام الذي تتناوله، أو فقدان وجبات، أو تحمّل ديون للبقاء على قيد الحياة. الأكثر عرضة للخطر يشملون اللاجئين الفلسطينيين والسوريين، الأشخاص الذين وصلوا من سوريا بعد كانون الأول ٢٠٢٤، وسكان المناطق التي تعرضت للقصف الشديد في بنت جبيل، مرجعيون، صور، والنبطية، يليها بعلبك-الهرمل. 

يحذر الاقتصاديون وخبراء الغذاء من أن انعدام الأمن الغذائي قد يتفاقم بشكل كبير إذا تم قطع الجنوب – الذي ينتج حوالي ربع الإنتاج الزراعي للبلاد -- عن باقي البلاد، إذا وصلت إسرائيل إلى مياه نهر الليطاني، أو إذا فرضت حصارًا مشابهًا لذلك الذي حدث في عام ٢٠٠٦، عندما استهدفت إسرائيل المطار ومنعت السفن من الرسو في ميناء بيروت. في حين أن لبنان ينتج مجموعة واسعة من الفواكه والخضروات، إلا أنه لا يزال يعتمد على استيراد المواد الأساسية مثل القمح، مما يجعله عرضة بشكل خاص للحصارات أو الاضطرابات في الأسواق الغذائية العالمية. عندما غزت روسيا أوكرانيا في عام ٢٠٢٢، كان لبنان يستورد ٨٦ في المئة من قمحه من منطقة البحر الأسود.

A weathered, white arrow-shaped metal sign pointing left, with the words "بنك البذور" and "Seed Bank" printed in bold black text next to a tree-lined driveway.

منشأة إيكاردا (ICARDA) في تل عمارة. البقاع، لبنان. ١٦ شباط، ٢٠٢٦. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

يشكل القصف الإسرائيلي أيضًا تهديدًا لبنوك البذور المركزية في لبنان. في أيلول ٢٠٢٤، تعرض المعهد اللبناني للبحوث الزراعية (LARI)، الواقع في رياق، وهي بلدة في قلب سهل البقاع، لأضرار من ضربات إسرائيلية قريبة. يحافظ LARI على الموارد الوراثية للنباتات المحلية، ويوثقها من خلال البنك الوطني اللبناني للجينات لحمايتها من الانقراض. تودع مجموعات محلية مثل الحركة الزراعية أصناف البذور هناك، حيث تضم المجموعة الآن أكثر من ٢٠٠٠ نوع من البذور المحلية.

حتى الآن، تم تجنيب بنك البذور الدمار. هناك بعض الضمانات المعمول بها: يتم تخزين نسخ من بذوره في منشآت في المملكة المتحدة والنرويج، بينما يتم الاحتفاظ بنسخ من أصناف البذور المسجلة في إيكاردا في لبنان، وهي واحدة من أهم مستودعات البذور في العالم. ومع ذلك، خلال تشرين الأول ٢٠٢٤، سقطت القذائف الجوية الإسرائيلية بالقرب من عدة منشآت لإيكاردا في منطقة البقاع الأوسط. 

لقد عرّضت الحروب في العقدين الماضيين بنوك البذور ومجموعات البذور للخطر بشكل متكرر. في عام ٢٠٠٣، دمّر قصف عسكرية أمريكي بنك البذور الوطني في العراق ومعه العديد من أصناف البذور التي تعود إلى آلاف السنين في البلاد. في عام ٢٠١٢، استولى المسلحون السوريون على إيكاردا، مما أجبرها على الانتقال من حلب إلى بيروت. في يوليو الماضي، جرفت القوات الإسرائيلية وحدة تكاثر البذور في البنك الوحيد للبذور في الضفة الغربية، الذي كان يحمي أكثر من ٧٠ نوعًا من البذور التراثية المحلية، والتي لم تعد موجودة في أماكن أخرى في فلسطين. 

A person wearing a thick, hooded dark blue winter jacket checks rows of white storage bins organized on metal shelving units inside a cold room facility.
A close-up shot of a person in a heavy winter coat retrieving a labeled, silver metallic foil seed pouch from a white perforated storage drawer.

في منطقة حيث تعتبر بنوك البذور أهدافًا عسكرية، تصبح الحاجة لتوزيع حفظ البذور -- الذي طالما دافع عنه نشطاء السيادة الغذائية – قضية وجودية.

تستشهد الحركة الزراعية بتدمير بنوك البذور في العراق وفلسطين لتؤكد أن "مضاعفة المخزونات المحلية أمر حيوي لحماية سيادتنا". 

من أجل نظام غذائي أكثر مرونة في مواجهة الصدمات الجيوسياسية، يجب على كل مزرعة أو مجموعة من المزارع، أو بلدية، أن تخلق مكتبة أو أكثر من مكتبات البذور، وأن تتلقى دعمًا حكوميًا لتكاثر البذور، كما تؤكد كورين جبور، عضوة في ACL وباحثة في جمعية جبال غير الربحية في بيروت. علي مهدي يحافظ على نسخ متعددة في مواقع مختلفة. بعد كل حصاد، يحتفظ بالبذور للسنة التالية، ويقسم المحصول إلى دفعات ويخزنها في أماكن مختلفة. يقول "إذا تعرض مبنى واحد للضرب وفقدت البذور فيه، فربما يحمي الله المبنى الثاني". 

قوانين البذور كممارسة لرأسمالية الكوارث 

إن حرب إسرائيل على السيادة الغذائية تجعل من الضروري تقليل نقاط الضعف في نظام الغذاء اللبناني من خلال دعم المزارعين الصغار وتشجيع حفظ البذور وتكاثرها في جميع أنحاء البلاد.

بدلاً من ذلك، يجادل النقاد بأن حكومة لبنان تتبع نموذج رأسمالية الكوارث – حيث تستغل الأزمة لتعزيز السيطرة المؤسسية على الموارد. في نفس الوقت تقريباً الذي تم فيه تداول مسودة قانون البذور، أعادت الحكومة إحياء مجموعة من التشريعات التي ستؤثر أيضاً على السيادة الغذائية – بما في ذلك قوانين الصيد وتربية النحل والموارد الوراثية النباتية والعمل. 

 بصفتها رئيسة للحركة الزراعية، تابعت سارة سلوم هذه القوانين وحضرت الاجتماعات في وزارة الزراعة. تقول أن أكثر ما يثير قلقها هو جهد الحكومة الحالية لتمرير مجموعة من القوانين المثيرة للجدل. "أعتقد أن تمرير القوانين بهذه العزيمة والسرعة من قبل هذه الحكومة، التي لديها وقت قصير جداً على أي حال، هو أمر خطير جداً بالنسبة لبلد يجب أن تكون أولويته الدفاع عن نفسه"، وتضيف "وليس أن يجعل نفسه يفقد المزيد من الموارد مما لديه بالفعل." 

ظهرت مسودة قانون البذور لأول مرة في عام ٢٠٢١، في ذروة أزمة أسعار الغذاء التي أعقبت انهيار العملة اللبنانية. المُقترح حينها من قبل النائب أيوب حميد، رئيس لجنة الزراعة والسياحة البرلمانية، وهو صديق حداد من Seed Bound، وفقاً للأخير في مقابلته مع "المفكرة القانونية". 

 إذا تم تبنيه، فلن تكون هذه المرة الأولى التي يتم فيها دفع قانون بذور مثير للجدل في أعقاب الحرب. 

 في عام ٢٠٠٤ خلال الاحتلال الأنغلو-أمريكي للعراق، وبعد أن دمرت الولايات المتحدة بنك البذور في البلاد، أصدرت سلطة الائتلاف المؤقتة بقيادة الولايات المتحدة القرار ٨١، وهو قانون لحماية تنوع النباتات أعطى الأفضلية لأنظمة البذور التجارية، وقيّد ممارسات المزارعين التقليدية في حفظ البذور. تمّ لاحقًا دمج القرار ٨١ في التشريعات العراقية من خلال قانون البذور رقم ٥٠ لعام ٢٠١٢ وقانون البذور رقم ١٥ لعام ٢٠١٣، مما عزّز حقوق منتجي البذور الخاصين، بينما همش أنظمة البذور غير الرسمية للمزارعين. 

 بالنسبة للمزارعين مثل زينب، المتواجدون في الخطوط الأمامية للإبادة البيئية الإسرائيلية، فإن القانون المقترح في لبنان سيزيد من تفاقم وضع صعب أساسًا. "إسرائيل أخذت النصف، والآن ستأخذون النصف الآخر، يا دولة؟" تقول، مخاطبة الدولة اللبنانية بتهكّم. 

سيادة البذور ودورها في الحياة والمقاومة

 في الأول من نيسان ٢٠٢٦، قامت زينب مهدي بجولة لوحدها حول أرض "بذور صور" بعد يوم طويل من العمل. أرسلت لنا صورًا لبراعم الخس ودوار الشمس. في خلفية رسائلها الصوتية، اختلط صوت الطائرات الحربية الإسرائيلية مع زقزقة الطيور.

"اليوم، قطفت ٢٠٠ رأس من الخس و٢٠٠ ربطة من البصل"، تقول. "قريبًا، سأقطف الملفوف الأبيض؛ الملفوف الأحمر انتهيت من قطفه. لا يزال لدينا بعض الفول. لقد نفدت البازلاء مؤخرًا." 

A woman wearing a patterned headscarf and a sun visor holds up a piece of white paper containing Arabic text that reads "بذور صور" (Seeds of Tyre), alongside a small bag of seeds.

زينب مهدي في مشروع بذور صور. الحوش، صور، جنوب لبنان. ١٢ شباط ٢٠٢٦. (فاطمة جمعة مصدر عام)

بعد عامين من بدء مشروع "بذور صور"، لم تعد زينب بحاجة إلى شراء البذور. بمساعدة المزارعين الذين يعملون معها، أطعمت أكثر من ٣٠٠٠ شخص من تلك العشرة دونمات: خلال شهر رمضان، زودوا مطبخًا محليًا بالخضروات الطازجة، وكذلك المدارس والملاجئ في جميع أنحاء المدينة.

تخطط زينب لمشاركة مخزونها من البذور مع المزارعين في الجنوب، حتى يتمكنوا من إعادة زراعة أراضيهم عندما تنتهي الحرب. "نحن نبدأ من الصفر ونجمع البذور البلدية للعودة، وإعادة زراعة لبنان، الجنوب تحديدًا"، تقول. "سنزرع أشجارنا وخضرواتنا من جديد — كلها بلدية، ليست هجينة." 

قبل التصعيد الأخير، كان شقيقها علي يقوم برحلات إلى الناقورة لإعادة بناء منزله؛ وكان قد أوشك على الانتهاء. 

"بمجرد أن أضع سقفًا فوق رأسي، سأعمل على أرضي"، قال لنا في يناير، متحدثًا إلينا من مسقط رأسه. اليوم، هو غير متأكد مما إذا كان ما أعاد بناءه لا يزال قائمًا؛ الآن من الخطير جدًا العودة. القصف الأخير دمر المنازل في شارعهم. "المواجهات تحدث هناك. وهم يدمرّون أراضينا. بالأمس، وصلنا بعض الفيديوهات. كل شيء دمّر، بساتيننا وأراضينا الزراعية، لم تعد صالحة للزراعة الآن"، قال علي في الأول من نيسان. 

ومع ذلك، هو يأمل أن يعود ويحيي الأرض. "الأرض هي كل شيء"، يقول. "الأرض تعطيك، الأرض تبنيك، تعلمك، تجعلك إنسانًا." "إن شاء الله، سنعود إلى الناقورة، ونعيد البناء ونعيد الزراعة ونجعلها جنة، أفضل من قبل"، تقول زينب. 

مع تصاعد الحرب، تحول نشطاء السيادة الغذائية إلى تقديم الإغاثة الفورية، مثل تنظيم مطابخ في الملاجئ ومطابخ مركزية تخدم المجتمعات المهجرة قسريًا. كما أنهم يدعمون المزارعين الصغار، من خلال التوريد من أولئك الذين لا يزالون قادرين على الزراعة، ومن خلال تقديم الدعم المالي المباشر لأولئك الذين انقطعوا عن سبل عيشهم. 

 بدأت زينب بالتحضير لموسم الصيف: الفليفلة الحلوة، الفليفلة الحارة، الطماطم، الكوسا، اللوبيا، البامية، الملوخية، الخيار، المقتي، ونوعان من الباذنجان — المدعبلة والطويلة. معظمها من البذور التي حفظتها من العام الماضي.

"اليوم، كان القصف حولنا كثيفًا. بعض الصبايا من حولي كنّ خائفات. قلت لهن 'أنتن بنات الأرض. لا يمكنكن أن تخفن... نحن أبناء هذه الأرض، نحن أقوياء وصلبون'. بدأن بالضحك، وقلن إنني على حق،" أخبرتنا وضحكتها تُسمع من خلال الرسالة الصوتية. 

 "لا يزال هناك خوف، بالتأكيد"، تضيف، "لا أحد يعرف ما الذي سيحدث، إذا كانت إسرائيل ستقترب ... إن شاء الله شبابنا سيوقفونهم ويدفعونهم للخلف ... لدينا إيمان كبير بهم". 

 "نحن أيضًا مقاومون. بينما نزرع، ننتج الطعام حتى يتمكن الناس من البقاء والاستمرار. هذا يساعدنا كبشر، نحن نفعل شيئًا مهمًا في هذه الحياة. نحن نقاوم، مع المقاومة... الأرض تعطينا القوة لنصمد أمام العدو".



يمكنكم المساعدة في دعم صغار المزارعين في لبنان هنا

— بدعم تحريري من كريستينا كفلكنتي.

A composite image of Fodda El Youssef (left) and her mother Aziza Sattouf (right) manually sorting wheat to be sent to a mill in Saadnayel, Lebanon, against the backdrop of Seed in a Box's vegetable seedling greenhouse in Beddawi, Lebanon.

A composite image of Fodda El Youssef (left) and her mother Aziza Sattouf (right) manually sorting wheat to be sent to a mill in Saadnayel, Lebanon, against the backdrop of Seed in a Box's vegetable seedling greenhouse in Beddawi, Lebanon. Photos taken on May 10, 2022, and May 18, 2022 by Chris Trinh. (The Public Source)

Even before the battle over the newly proposed seed law, farmers and activists were already building seed sovereignty.

هل هذه القصة قيّمة برأيكم؟ ساعدونا في الاستمرار لإنتاج القصص التي تهمكم من خلال التبرع اليوم! تضمن مساهمتكم استمرارنا كمصدر مُجدٍ ومستقل وجدير بالثقة للصحافة المعنية بالمصلحة العامة.