يحاجج إيليا زريق، مستندًا إلى أعمال فوكو حول السياسة-الحيوية، فإن التشريعات الحكومية العنصرية والخطابات العامة الإسرائيلية تُستخدم لفرض أيديولوجية الخوف التي تصوّر أنّ المجتمع الإسرائيلي يجب الدفاع عنه وتأمينه ضد تهديد الديموغرافيا الفلسطينية "الخطرة" داخل إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة. ورغم أن المسألة الديموغرافية في إسرائيل تُطرح كتهديد وجودي وأمني، إلّا أنّ الهوس بالسيطرة على السكان متأصل في سياسة سلطة الاحتلال العرقيّة التوسّعية منذ ما قبل تأسيسها. ويوضح زريق أيضًا مركزية "علم تحسين النسل" في المشروع الصهيوني لفرض نقاء عرقي يهودي منذ أوائل القرن العشرين. لا تزال هذه الأجندة العرقية تشكّل سياسات الهجرة، واستراتيجيات الإنجاب، وقوانين الجنسية. إن تطوير استراتيجيات لاحتواء السكان الفلسطينيين بعنف في مختلف المناطق، مع إثارة ذعر المستوطنين من "انتفاضة ديموغرافية" تحت راية "الأمن" يصبح أمرًا أساسيًا لتنفيذ الكيان "حقّه في الدفاع عن النفس".
إن تطوير استراتيجيات لاحتواء السكان الفلسطينيين بعنف في مختلف المناطق، مع إثارة ذعر المستوطنين من "انتفاضة ديموغرافية" تحت راية "الأمن" يصبح أمرًا أساسيًا لتنفيذ الكيان "حقّه في الدفاع عن النفس".
في ضوء هذه النقاشات، قد يُساء فهم الممارسات الإنجابية في فلسطين على أنها تأكيد للحياة باعتبارها مدفوعة بأيديولوجية "إنجاب الأمة"، وهي الصورة النمطية الجندرية التي تصوّر الإنجاب كواجب وطني للمرأة في مواجهة مشروع الإبادة الإسرائيلي. ومع ذلك، فإن افتراض الالتزام الفلسطيني بالمستقبل الإنجابي كمشروع لبناء الأمة يجعل الإنجاب محصورًا ضمن المشروع الصهيوني. يبالغ الأخير في تضخيم معدلات الإنجاب الفلسطيني ويمحو تعقيد العوامل الاجتماعية والنفسية والسياسية المتعلقة بالممارسات الإنجابية والمضادة للإنجاب على حد سواء. في غزة على سبيل المثال، قد يؤدي العنف الاستعماري الإسرائيلي إلى رغبة النساء في إنجاب المزيد من الأطفال، (نظرًا لأن جميع الأطفال معرضون لخطر الاعتقال أو القتل المباشر)، أو إلى رغبتهن في إنجاب عدد أقل من الأطفال (لتجنّب معاناة فقدان طفل). إن اختزال الإنجاب الفلسطيني في دوافع قومية مؤيدة للإنجاب يغفل عامل الإرادة الفردية بوصفها متشابكة مع أطر أيديولوجية واجتماعية وعاطفية لها مكانة مركزية في الممارسات الإنجابية والمضادة للإنجاب.
المطالبة بـ "الحق في الحياة"
"كما أنني لا أخشى هذه الدولة وغطرستها، لا لأنني لا أخاف، ولا لأن لدي إيمان بأن قدسية الطفولة سيتمّ الاعتراف بها، كما تعلمون، هذه الحكومة العنصرية لم تهتم أبدًا بالطفولة، ولكن ببساطة أتفوق عليهم كصاحبة حقّ من أبسط حقوق الكائنات، وهو الحقّ في الحياة. فهم يصنعون الموت، وأنا صنيعة الحياة. وهنا أسألكم: ما الجنون إذن؟ هل الجنون أن تنطق طفلة بعمري؟ أم أن يفتح لها ملف في الشاباك الإسرائيلي قبل أن تولد؟".
هذه كلمات المناضل والروائي والمؤلف وليد دقة، المكتوبة من خلف القضبان بصوت طفلته ميلاد التي لم تكن قد وُلِدَت بعد. قام وليد دقة وزوجته ورفيقته سناء سلامة بإنجاب ميلاد من خلال تهريب النطف في عام ٢٠١٩، بعد معركة طويلة مع سلطات السجن وحملة تشويه في الإعلام الإسرائيلي. تلقّت سلطات الإحتلال خبر ولادة ميلاد باستياء كبير، لدرجة أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي أصدر تحذيرًا ضد ولادتها. إن كلمات دقة حول ”الحق في الحياة“، و التي تتردد في العديد من المقالات الإخبارية التي تغطي ممارسة تهريب النطف، تعيد توجيه تعاملنا مع مسائل الحقوق والحياة والإنجاب. من خلال الإشارة إلى عبثية الموقف —عبثية فعل الكلام لطفل لم يولد بعد، وعبثية نظام عنصري يفتح ملف مراقبة لجنين— تحاول مقولة دقة أن تبلور ادعاءً أساسيًا لم يتحقق بعد: الحق في الحياة. "هم يصنعون الموت، وأنا صنيعة الحياة."
وليد دقة هو واحد من أكثر من خمسة آلاف أسير سياسي فلسطيني، معظمهم من الرجال، محتجزين في السجون الإسرائيلية بتهمة ارتكاب "جرائم أمنية". وتشمل "الأسباب الأمنية" التي تبرر الاعتقال والسجن: تنظيم والمشاركة في المظاهرات، ورشق الحجارة، وقتل الجنود الإسرائيليين. يُحرم العديد من المعتقلين والأسرى، الذين تصنّفهم مصلحة السجون الإسرائيلية كسجناء أمنيين، من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك الحق في الرعاية الطبية والمحاكمة العادلة، وغالبًا ما يتعرضون لمعاملة غير إنسانية. بالإضافة إلى ذلك، تحتجز سلطات الإحتلال العديد من الأسرى السياسيين من الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧ في سجون إسرائيلية في انتهاك واضح للقوانين الدولية. يصبح الأمن والحماية تقنيات توسعية وإدارية يتمّ تطبيقها بشكل منهجي للاعتقال والسجن وفرض قيود شديدة، بما في ذلك رفض تصاريح زيارة الأهل. بالنسبة لأولئك الذين يتم منحهم تصاريح، تقتصر الزيارات على خمس وأربعين دقيقة. غالبًا ما يفصل حاجز بين الأسرى وزائريهم. وعلى الرغم من المطالبات المتكرّرة، تبقى الزيارات الزوجية ممنوعة منعًا باتًا للأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.
ما معنى المطالبة بـ "الحق في الحياة" عبر الإنجاب من خلف القضبان؟ ما الذي يجعل المطالبة بالحق في الحياة مطالبة مشروعة؟ وكيف تشير المطالبة في هذا السياق إلى تأكيد للحياة يتجاوز الأطر الأخلاقية المرتبطة بالنقاشات حول وجهات النظر "المؤيدة لاختيار الإنجاب" (pro-choice) ضد تلك "المؤيدة للحياة" (pro-life)؟ كيف يتجاوز هذا الحق في الحياة الإحداثيات السياسية الحيوية والسياسية الموتوية للدولة الاستعمارية؟
المعنى الخارج عن إطار القانون للكلمة العربية "حق" كحقيقة وعدالة يشير إلى رؤية أخلاقية وسياسية متأصلة للحقوق، والتي على الرغم من أنها يمكن أن تكون مركزية في النضال من أجل العدالة من الناحية القانونية، إلا أنها تتجاوز حدود القانون.
في سياق فلسطين، لا حاجة إلى مخيلة واسعة لرصد الحالات التي تصبح فيها كل من القوانين المحلية والدولية متواطئة في ممارسة العنف الاستعماري ضد الفلسطينيين من خلال الاحتلال والاستيلاء على الأراضي والتجريد من الهوية والاعتقال والموت وإضعاف الحياة. على الرغم من وفرة الحالات الموثقة لانتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي، تواصل إسرائيل مشروعها الاستيطاني الاستعماري ضد الفلسطينيين مع الإفلات من العقاب الدولي. هذه الانتهاكات، إلى جانب حقيقة أن الفلسطينيين محرومون من وضع قانوني وسياسي معترف به في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧ ويعتبرون مواطنين من الدرجة الثانية داخل الأراضي المحتلة، تجعل النضال من أجل الحقوق أمرًا حتميًا، إن لم يكن من أجل الحق في الحصول على الحقوق. ومع ذلك، إذا فهمنا المطالبة بـ"الحق في الحياة" فقط من حيث القانون أو تعليقه، فإننا نغفل عن الرهانات السياسية والأخلاقية لما يعنيه تأكيد الحياة بخلاف ذلك. كما أننا نغفل عن المطالبة بالعدالة المنصوص عنه في الكلمة العربية "حق". تشير رسالة وليد دقة، التي كُتبت أصلًا باللغة العربية، إلى "حق ميلاد في الحياة"، حيث تشير كلمة "حق" إلى دعوة للحقيقة والعدالة لا يمكن الرد عليها بالضرورة من خلال القانون. المعنى الخارج عن إطار القانون للكلمة العربية "حق" كحقيقة وعدالة يشير إلى رؤية أخلاقية وسياسية متأصلة للحقوق، والتي على الرغم من أنها يمكن أن تكون مركزية في النضال من أجل العدالة من الناحية القانونية، إلا أنها تتجاوز حدود القانون.
عند النظر إلى التناسل عبر تهريب النطف كمطالبة بالـ”حق في الحياة“ يمكننا طرح نقطتين أساسيتين. أولًا، من الخطأ اعتبار ممارسة تهريب النطف مرتبطة بالخطاب المؤيد للحياة (pro-life)، فمطالبة دقة بالحق في الحياة ليست مجرد مطالبة بالإنجاب بحد ذاته، بل هي، في ظل واقع مميت، إصرار على الحياة من داخل السجون وفي المجتمع الفلسطيني الأوسع الذي يدعم الإنجاب رغم محاولة سلطة الاحتلال الاستيطاني قمعه. لقد أدت قصص وأخبار تهريب النطف التي تنتشر عبر غزة والضفة الغربية والأراضي المحتلة إلى تعزيز روابط اجتماعية جديدة، وخلقت ظروفًا لاستمرار هذه الممارسة. فمن مشاركة الأطباء والممرضين في عيادات الخصوبة مثل "الرزان" في نابلس و"البسمة" في غزة، الذين يقدمون علاجات التلقيح الصناعي مجانًا، إلى أشكال التضامن الجماعي حول إنجاب وتربية الأطفال، فقد ظهرت أشكال جديدة من القرابة المجتمعية تتجاوز العلاقات النمطية الإنجابية المتعارف. ثانيًا، إن المطالبة بـ"الحق في الحياة" ليست مجرد مطالبة بالحقوق، بل هي مطالبة بحياة تتجاوز حدَّ الاستحالة، هي حياة فلسطينية متمردة، إن جاز التعبير. هذه المطالبة تتحدث بلغات متعددة في آن واحد، فهي تخاطب المجتمع الدولي بلغة الحقوق العالمية التي يُستبعد منها الفلسطينيون باستمرار، لكنها في الوقت نفسه ترفض حصر النضال من أجل الحياة ضمن الأطر القانونية والحقوقية فحسب.
أبعد من المطالبة الأدائية للحقّ في الحياة، إن ممارسة تهريب النطف والعلاقات الإنجابية التي تخترق أَسر الاستعمار والاحتلال هي أفعال مؤكدة منبثقة عن العبث بشروط الإنجاب. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا الإصرار على إنجاب طفل في سياق تُشكّل فيه حالات العنف الاستعمارية وعوالم الموت ملامح الحياة اليومية تحت الاستعمار الاستيطاني؟ ولكن يمكن أيضًا عكس السؤال والتساؤل: ماذا يصيب مكانًا ونضالًا ما إذا استسلمنا للموت كواقع شامل؟
في مواجهة استثمارات الكيان الصهيوني المتكررة في موت الفلسطينيين، سواء كان سريعًا أو بطيئًا، فإنّ تهريب النطف فعل يؤكد من خلاله الأسرى وزوجاتهم وأطفالهم والعلاقات الاجتماعية المنظمة حولهم الحياة بإصرار, بوسائل غير عادية. يأخذ الأسر أشكالاً مختلفة: الأسر كسجن؛ الأسر كقبضة العنف الاستعماري على أكثر المستويات حميمية وجزيئية؛ الأسر كاعتقال الحركة عبر الجدران الفاصلة وعبر نقاط التفتيش؛ الأسر كالحصار بين الحياة والموت. يتم التحايل عليها من خلال النفاذ خارجًا، من خلال تسرب يُربك أحداث العنف الناتجة عن السجن والاستعمار الاستيطاني، عبر اختراق الحصار، مما يشقُّ فتحة نحو مستقبل تصر سلطات الاحتلال الإسرائيلي على إغلاقه.
إن تهريب النطف هو ممارسة وُلدَت من حالات العنف والتجريح، كما من الصمود الفلسطيني في آنٍ واحد. إنها ممارسة إبداعية تشهد على قوة الأفعال المتمردة الصغيرة التي فشلت السياسة الحيوية و الموتوية الإسرائيلية غير الإنسانية في القضاء عليها.
في تحليلها للهجوم الإسرائيلي على غزة عام ٢٠١٤، تذكر جاسبير بوار، في كتابها "الحقّ في التشويه"، بأنّ إنهاك الأجساد والبنى التحتية الفلسطينية هو استراتيجية سياسية حيوية للاحتلال الإسرائيلي يهدف من خلالها إلى السيطرة ليس فقط على الحياة، بل على المقاومة أيضًا. ترى بوار أن هذا الإنهاك يحاصر الفلسطينيين في حالة ما بين الحياة و الموت، وهي حالة "مزمنة" تسدّ أفق المستقبل. لكنها تطرح هذا السؤال: "ما هي الآثار المنتجة والمقاوِمة، والإبداعية أيضًا، لمحاولات اسرائيل سحق مشاعر الحيوية والمثابرة والثورة عند الفلسطينيين؟ إن تهريب النطف هو ممارسة وُلدَت من حالات العنف والتجريح، كما من الصمود الفلسطيني في آنٍ واحد. إنها ممارسة إبداعية تشهد على قوة الأفعال المتمردة الصغيرة التي فشلت السياسة الحيوية و الموتوية الإسرائيلية غير الإنسانية في القضاء عليها.
إن الدلالة الرمزية لممارسة تهريب النطف، باعتباره فعلًا مؤكدًا وممارسة أخلاقية وسياسية– وليس إنجاب الأطفال بحدّ ذاته– هي التي تتيح الحرية مستقبلًا في وجه الحاضر الاستعماري. فحياة الطفل، التي تبدو مستحيلة في ظل السجن والاستعمار ترتقي إجتماعيًا إلى مصاف الحياة التي سيكون قد تمّ عيشها بكرامة وحرية. هذا ما تسميه جوديث بتلر "المستقبل التام للحياة"، أي الافتراض بأن هذه ستكون حياة قد عيشت، وبالتالي سيُعتَرف بها على أنها حياة ويُنظر إليها بجدارة. الطفل الذي يولد رغم كل العوائق، ورغم ظروف القمع، ينتمي إلى جيل متنامٍ، جيل يشير للفلسطينيين إلى إمكانية الحرية التي ستكون قد عيشت، حرية هي اليوم تلوح في الأفق.
Share this page