The photo of Milad Daqqa, captured by Sanaa Salameh, Baqa al-Gharbiyyeh, 2022. (Artistic collage by The Public source).

في واحدة من رسماته، يستعيد الأسير الشهيد وليد دقّة تفاصيل الشباك الحديدي المطلّ على الواجهة الغربية لبلدته باقة متخيّلًا ما قد طرأ عليه من تغيّرات. يلفت عبد الرحيم الشيخ في دراسته "المكان الموازي" معلقًا على صور ميلاد في مشهد مشابه: "أما ابنته ميلاد، فتجمع بين الزمنين وهي تقف على "حماية" الشِّباك الجديدة التي صنعها رشدي أبو مخ، رفيق دقّة في النضال والأسر بعد تحرره من السجن الذي أمضى فيه ٣٥ عاماً". الصورة لميلاد دقّة بعدسة سناء سلامة، باقة الغربية، ٢٠٢٢. (مصدر عام)


 

"هم يصنعون الموت، وأنا صنيعة الحياة": تهريب السجناء الفلسطينيين للنطف كتأكيد على الحياة

ما يلي خلاصة النصّ الأصلي معدّل لصالح مصدر عام. للاطلاع على النسخة الأكاديمية الكاملة بعنوان "هم يصنعون الموت، وأنا صنيعة الحياة: تهريب السجناء الفلسطينيين للنطف كتأكيد على إرادة الحياة" يمكن  زيارة عدد نيسان ٢٠٢٤ من "كريتيكال تايمز" (٢٠٢٤) ٧ (٢): ٩٤-١٠٩.
 

ملاحظة الكاتبة:
إنّ هذا المقال مهدى إلى الأسير الثوري الراحل وليد دقة، السلام لروحه، وزوجته ورفيقة نضاله سناء سلامة وابنتهما الجميلة ميلاد، وإلى جميع الأطفال الفلسطينيين المولودين من نُطَفٍ مُهرَّبة من السجون الإسرائيلية. لقد قدّمت نسخة مطوّلة من هذا المقال مطلع تشرين الأول ٢٠٢٣، قبل العدوان الإسرائيلي الإبادي على غزة، واشتداد الهجمات الوحشية على التناسل وكل سبل الحياة في القطاع. منذ ذلك الحين، قتلت وجرحت آلة الموت الإسرائيلية عشرات الآلاف من الفلسطينيين دون رحمة، حيث يُقدّر عدد الضحايا بـ١٨٦٠٠٠، نصفهم تقريبًا من الأطفال. منذ كتابة هذا المقال، والسؤال حول مستقبل الأطفال والشباب الفلسطينيين يطرح نفسه بإلحاح، سؤال طاردنا لعقودٍ مضت، فيما باتت الإجابة عليه أكثر صعوبة. أيُّ نفعٍ ستأتي به الكتابة والأعمال الفكريّة لأطرافٍ مبتورة، لأجسادٍ مخلّعة، لأرواحٍ مأسورة ومعذّبة، لأحياءٍ مدمّرة، ولمعاناة الفقدان والتشريد؟ ومع ذلك، نكتب، لأنّه لا يسعنا الصمتَ. نكتب كواجب وممارسة للشهود على النضال الفلسطيني من أجل الحرية الذي هو أولًا وأخيرًا تشبّث بالحياة بوجه الإحتلال القاتل وعلى الرغم منه.

عنوان المقال: "هُم يصنعون الموت وأنا صنيعة الحياة" مقتبس من رسالة كتبها دقّة بصوت طفلته ميلاد التي لم تكن قد وُلدَت بعد. لم ينجح دقة في تهريب النطف وحسب، بل هرّب كتاباته أيضًا. ثمانية وثلاثون عامًا في الأسر، قضاها المفكّر الثوريّ خلف القضبان يكافح بالكتابة والتثقيف السياسيّ من أجل فلسطين حرة. بتاريخ ٧ نيسان ٢٠٢٤، استشهد وليد دقّة في الأسر نتيجة الإهمال الطبيّ في السجون الإسرائيلية. حتى اليوم, ما يزال جثمانه محتجزاً من قبل مصلحة السجون الإسرائيلية.

دقّّة، السجين السياسي الذي أصر على الحياة مع شريكته سناء من خلف القضبان، يُحرم من حقّه في موت كريم ومأتمٍ في أرض فلسطين. عاش دقّة ليشهد على التحرّر من المعتَقَل الأكبر في الهواء الطلق في السابع من تشرين الأول، لكنه لم يعش ليتحرّر جسدياً من معتقله الخاص. ومع ذلك، لا يزال حيًّا. لا يزال حيًّا وحراً من خلال ابنته ميلاد، من خلال كتاباته الثورية، ومن خلال كفاحنا المستمر لتحرير كلّ شبرٍ من أرض فلسطين.

وكما قالت زوجته سناء مؤخرًا: إنّ أسرانا السياسيين مصرّون على "تحويل الأحكام المؤبدة إلى حياة".

في شباط ٢٠٢٥، أتمّت ميلاد وليد دقة الخامسة من عمرها.

كيف تتأكّد الحياة الفلسطينية في ظلّ الموت والدمار والتقويض؟ وأي مشاهد للحياة تتجلّى في خضم العنف الاستيطاني الاستعماري وعلى الرغم منه؟ في إطار يُخضع الفلسطينيين لحالة من الأسر والإبادة المتصاعدة، في مكان يصرّ فيه نظام الاحتلال الاستعماري على شلّ البنى التحتية والأجساد المنتجة للحياة، بيولوجيًا واجتماعيًا، كيف تنتصر الحياة رغم الصعاب؟

تتسرّب من الجسد إلى غلاف حلوى أو إلى داخل قلم بلاستيكيّ، أو زجاجة، لا ترصدها كاميرات المراقبة، متستّرةً تحت طبقات الألبسة الخاضعة للتفتيش الدقيق، متجاوزةً الحرّاس المسلّحين وبوّابات السجن المحصّنة، خارجةً إلى القرى المحتلة عبر الحواجز العسكرية، لتصل أخيرًا إلى عيادة التخصيب، قبل أن تستقبلَها بويضة زوجة السجين عبر تقنيات التلقيح المساعِدة – هذه هي رحلة النطف المهرّبة من السجون الإسرائيلية. رحلة تتخطى فيها المادة اللزجة حواجز دولة الاستعمار الاستيطاني التي تُخضع الفلسطينيين في السجون لحالة من الأسر. حركة السائل من جسد إلى آخر، بواسطة وسائل بشرية ومعدات تقنية مساعدة، وعبر أجهزة أمن الإحتلال، هي رحلة تتشابك فيها الأجساد الهشة مع المادة والبيئة لتؤكد الحياة في ظروف تجعلها غير قابلة للعيش.

في آب ٢٠١٢، سُجِّلَت أول حالة موثّقة لولادة طفل من نطف مهرّبة من سجون الاحتلال الإسرائيلي، وهي للطفل مهند الزبن، ابن دلال الزبن وعمّار الزبن. في وقتٍ كان فيه والده عمّار قيد الإعتقال المؤبد في سجن هداريم (شمالي تل أبيب). شكّلت ولادة مهنّد معجزة تتحدّى الاعتداءات الإسرائيلية اليومية في فلسطين المحتلة. ومنذ ذلك الحين، سُجِّلَت أكثر من ١١٠ حالة لأطفال وُلدوا بهذه الطريقة في مختلف محافظات فلسطين المحتلة، في الضفة الغربية، وقطاع غزة، والقدس الشرقية، والداخل المحتلّ. ما كان يُعتبرُ معجزةً في البداية أصبح ممارسة مُتعارف عليها اجتماعيًا وقانونيًا، ومحلّلة في العديد من الفتاوى الدينيّة. إنّ أحدث حالة موثقة لهذه الممارسة هي ميلاد أربعة توائم لرسميّة الشمّالي، زوجة الأسير أحمد الشمالي، التي تقيم حاليًا مع أطفالها في الشجاعية في مدينة غزة.

إنّ الاستهداف القانوني والاجتماعي والعسكري للأمهات والأطفال الفلسطينيين، وحملات العنف والاحتجاز الجماعي للرجال، والهجوم على البنى التحتيّة والحياتية، هو مخطّط إسرائيلي بيو-سياسي (لإدارة الحياة)، ونيكرو-سياسي (لإدارة الموت) يهدف إلى تعطيل الظروف الضرورية لاستمرارية الحياة في فلسطين.

تهريب النطف ليس مجرّد تحدٍّ عن طريق التناسل فحسب، بل هو يشكّل تأكيدًا على الحياة التي ترفض الخضوع للموت الجسدي والإجتماعي والسياسي. تبرز هذه الممارسة في وقت باتت فيه القيود المجحفة التي تُمارَس على الفلسطينيين لمنعهم من الإنجاب عادة يوميّة في ظلّ الإحتلال الإسرائيلي. إنّ الاستهداف القانوني والاجتماعي والعسكري للأمهات والأطفال الفلسطينيين، وحملات العنف والاحتجاز الجماعي للرجال، والهجوم على البنى التحتيّة والحياتية، هو مخطّط إسرائيلي بيو-سياسي (لإدارة الحياة)، ونيكرو-سياسي (لإدارة الموت) يهدف إلى تعطيل الظروف الضرورية لاستمرارية الحياة في فلسطين.

أن ننجب الأولاد كفلسطينيين

في تموز ٢٠١٤، دعت ممثلة الحزب اليميني المتطرّف في الكنيست اليهودي حينها أيليت شاكيد على وسائل التواصل الاجتماعي إلى إبادة الشعب الفلسطيني. بالنسبة لشاكيد، الشعب الفلسطيني هو العدو، بما في ذلك أمهات الشهداء اللواتي ترسلْنَ أولادهن إلى "جهنم مع الورود والقبلات". وأضافت أنّ أمهات الفلسطينيين يجب أن يلحقن بأبنائهنّ، ولن يكون هناك شيء أكثر عدلاً من ذلك. "يجب أن يذهبن، ومعهن المنازل التي ربّينَ  فيها هذه الأفاعي. وإلّا سيربينَ المزيد منها". نُشرَت هذه التصريحات قبل يومٍ واحد من اختطاف المراهق الفلسطيني محمد أبو خضير وإحراقه حيًّا على يد مجموعة من ستة شبان إسرائيليين، وقبل أيام قليلة على بدء واحدة من أشد الهجمات العسكرية دمويةً وتدميرًا على غزة. أصبحت شاكيد وزيرة العدل في الحكومة الإسرائيلية بعد أقل من عام على تصريحها.

إن تصنيف الأطفال الفلسطينيين كدروع بشرية يكشف تجريد الأطفال من وضعهم كأطفال في المخيّلة العسكرية للكيان الإسرائيلي، "فيُحوّلون إلى معدن، إلى فولاذ ينتمي إلى "آلة القصف".

تسلّط تصريحات شاكيد الضوء على المجتمعات الاستعمارية الاستيطانية كإسرائيل باعتبارها "مجتمعات العداء"، بكلمات أشيل مبيمبي. إنّ الرغبة الدائمة في إنتاج وتثبيت شعب كمصدر رعب، وخيال الإبادة المرتبط بذلك، تشغل المخيّلة السياسية والإجتماعية لسلطات الإحتلال. هذا الخيال –الكامن أحيانًا والظاهر أحيانًا أخرى، كما في تصريح شاكيد– يغذّي دوافع الكيان النيكرو-سياسية، من النواحي القانونية والسياسية والوجودية. يعتبر الفلسطينيون بالجملة، كمجموعة محدّدة عرقيًّا، أعداءًا للدولة الاستيطانية، حيث تصبح نماذج المرأة والطفل رمزًا لقدرة هذا العدو على الإستمرار و إعادة إنتاج الحياة. في حين أنّ دعوة شاكيد لاستهداف القدرة الإنجابية المتجسّدة بصورة كلّ من الأم والطفل كانت فاضحة جدًا، إلا أنّها ليست استثنائية. ففي العام ٢٠٠٩، ارتدى الجنود الإسرائيليون قمصانًا طُبِعَ عليها صورة أطفال داخل مرمى القناصة، مع شعار "من الأفضل استخدام دوركس" و"الأصغر هم الأصعب استهدافاً". كما صُوّر على قميص آخر امرأة حامل في دائرة الاستهداف، مع عبارة: "قتيلان بطلقة واحدة". ظهرت هذه القمصان مباشرةً بعد العدوان الإسرائيلي على غزة في كانون الثاني من ذلك العام، حيث استهدفت قوات الاحتلال دون رحمة منازل المدنيين والمدارس و أماكن اللعب ومراكز الأمم المتحدة التي لجأ إليها الأطفال والمدنيون، بذريعة استخدام الأطفال كـ"دروع بشرية". إن تصنيف الأطفال الفلسطينيين كدروع بشرية يكشف تجريد الأطفال من وضعهم كأطفال في المخيّلة العسكرية للكيان الإسرائيلي، "فيُحوّلون إلى معدن، إلى فولاذ ينتمي إلى "آلة القصف".

ولكن بدلًا من اعتبار النساء والأطفال مجرد "ضحايا" للاحتلال، علينا النظر في موضوع استهداف حياة الأطفال ومجال الإنجاب بشكل أوسع، بكونها مواقعَ أساسيّة تكشف عن منطق  العنف الاستيطاني الإسرائيلي. إن سيطرة  السياسات الحيوية (biopolitics) والسياسات الموتوية (necropolitics) على القدرات الإنجابية تأخذ أشكالًا متعددة في الأراضي المحتلة، بما في ذلك: الهجمات العسكرية على أجنحة الولادة والمستشفيات في غزة، ورفض منح المواليد الجدد بطاقات هوية، وتقييد الوصول إلى الإمدادات الطبية، وعرقلة الحركة عند الحواجز في الحالات الطارئة، بما في ذلك أثناء الولادة. تشهد كل  هذه الممارسات على كيفية تأثير العنف الاستعماري على الإنجاب، على الصعيدين البنيوي والخليوي.

علاوة على ذلك، فإنّ الاعتقال العنيف والاعتداء الجسدي على الأطفال الفلسطينيين، والذي  زاد بشكل كبير بعد الانتفاضة الأولى، أدّى إلى ما تسميه نادرة شلهوب-كيفوركيان بـ"نزع الطفولة".  يتعرّض الأطفال والشباب إلى مستويات متزايدة من التجريم، نتيجة تنميط الطفل الفلسطيني على أنه "إرهابي محتمل". ناهيك عمّا تتركه عمليات الإخلاء  والتدمير والقتل من آثار في نفوس الأطفال الذين يتعرّضون لها أو يشهدون عليها، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات اضطراب ما بعد الصدمة في غزة، أدى التحكّم في استهلاك السعرات الحرارية، من خلال فرض ما أسمته القيادة العسكرية "نظام التجويع" إلى إعاقة نمو الأطفال. وبحسب جاسبير بوار، "إن استهداف الأطفال والشباب هي استراتيجية سياسية -حيوية تهدف إلى أسر زمن هذا الجيل. استراتيجية هدفها إعاقة أي مقاومة مستقبلية والقدرة على استدامة الحياة الفلسطينية بشروطها الخاصة". وبالتالي، يصبح الأطفال محورًا أساسيًا لجهود الكيان الصهيوني لشل القدرة على إعادة إنتاج الحياة الفلسطينية.

يجب فهم تهريب النطف ضمن هذا السياق، حيث تصبح ممارسات إنجاب وتربية الأطفال محفوفة بالمخاطر. تعبّئ السلطات الإسرائيلية أدوات قانونية وسياسية متنوعة في محاولة لسحق هذه الممارسة. يُعتبر الأطفال المولودون من خلال تهريب النطف غيرَ شرعيين وغير معترف بهم من قبل السلطات الإسرائيلية، ويتمّ حرمانهم من وثائق هوية تثبت وجودهم. وفي معظم الحالات، يُمنع الأطفال المولودين بهذه التقنية من زيارة آبائهم في السجون، وهو حقّ تكفله اتّفاقيات الأمم المتّحدة لحقوق الطفل. علاوة على ذلك، وبحسب مصلحة السجون الإسرائيلية، يتعرّض السجناء السياسيون المُشتبه بتهريبهم للنطف إلى عقوبات إضافية بما فيها السجن الإنفراديّ، وحرمانهم من الزيارات العائلية.

السياسة الحيوية للإنجاب

لا تنفصل الممارسات الجائرة لقمع الإنجاب لدى الفلسطينيين عن الاستراتيجيات السياسية- الحيوية الأوسع نطاقًا التي تتبعها إسرائيل في إدارة السكان والسيطرة عليهم والتي تعمل بلا جدال على أسس عنصرية. إنّ النظير  لهذه الاستراتيجيات السياسية-الحيوية الهادفة إلى تقييد الإنجاب الفلسطيني هي تلك التي تسعى إلى تحسين وإدارة حياة المستوطنين من خلال التشريعات والسياسات الحكومية. ويتجلى ذلك في الحوافز الحكومية المخصصة لتشجيع الإنجاب اليهودي الإسرائيلي مثل مخصصات الميزانية، وتوفير الرعاية الصحية، وتقنيات الإنجاب المساعدة، والتأمين الصحي. كما يتم تعزيز هذه الحوافز عبر الخطابات العلنية التي تصور الإنجاب الفلسطيني على أنه تهديد ديموغرافي وأمني، والرحم الفلسطيني على أنه "تهديد يجب القضاء عليه".

 صورة ثلاثية مع ميلاد والدحنون، لصق فنّي لآيمي شنيارة.

في مقابلة سابقة، تقول رفيقة دقّة المناضلة سناء سلامة: "كان وليد وفيًا لكل وعد يعدني به، لذلك كنت مؤمنة بأن وليد لن يفعلها ويستشهد في السجن (...) لكن، أنا متأكدة، أن وليد حاول الوفاء بوعده، بأن نكون أسرة متكاملة، ولنا صورة ثلاثية مع ميلاد، لكن المؤامرة كانت أكبر، (...) لم يرغبوا في أن يعود وليد على قدميه من السجن". صورة ثلاثية مع ميلاد والدحنون، (آيمي شنيارة، مصدر عام).

يحاجج إيليا زريق، مستندًا إلى أعمال فوكو حول السياسة-الحيوية، فإن التشريعات الحكومية العنصرية والخطابات العامة الإسرائيلية تُستخدم لفرض أيديولوجية الخوف التي تصوّر أنّ المجتمع الإسرائيلي يجب الدفاع عنه وتأمينه ضد تهديد الديموغرافيا الفلسطينية "الخطرة" داخل إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة. ورغم أن المسألة الديموغرافية في إسرائيل تُطرح كتهديد وجودي وأمني، إلّا أنّ الهوس بالسيطرة على السكان متأصل في سياسة سلطة الاحتلال العرقيّة التوسّعية منذ ما قبل تأسيسها. ويوضح زريق أيضًا مركزية "علم تحسين النسل" في المشروع الصهيوني لفرض نقاء عرقي يهودي منذ أوائل القرن العشرين. لا تزال هذه الأجندة العرقية تشكّل سياسات الهجرة، واستراتيجيات الإنجاب، وقوانين الجنسية. إن تطوير استراتيجيات لاحتواء السكان الفلسطينيين بعنف في مختلف المناطق، مع إثارة ذعر المستوطنين من "انتفاضة ديموغرافية" تحت راية "الأمن" يصبح أمرًا أساسيًا لتنفيذ الكيان "حقّه في الدفاع عن النفس".

إن تطوير استراتيجيات لاحتواء السكان الفلسطينيين بعنف في مختلف المناطق، مع إثارة ذعر المستوطنين من "انتفاضة ديموغرافية" تحت راية "الأمن" يصبح أمرًا أساسيًا لتنفيذ الكيان "حقّه في الدفاع عن النفس".

في ضوء هذه النقاشات، قد يُساء فهم الممارسات الإنجابية في فلسطين على أنها تأكيد للحياة باعتبارها مدفوعة بأيديولوجية "إنجاب الأمة"، وهي الصورة النمطية الجندرية التي تصوّر الإنجاب كواجب وطني للمرأة في مواجهة مشروع الإبادة الإسرائيلي. ومع ذلك، فإن افتراض الالتزام الفلسطيني بالمستقبل الإنجابي كمشروع لبناء الأمة يجعل الإنجاب  محصورًا ضمن المشروع الصهيوني. يبالغ الأخير في تضخيم معدلات الإنجاب الفلسطيني ويمحو تعقيد العوامل الاجتماعية والنفسية والسياسية المتعلقة بالممارسات الإنجابية والمضادة للإنجاب على حد سواء. في غزة على سبيل المثال، قد يؤدي العنف الاستعماري الإسرائيلي إلى رغبة النساء في إنجاب المزيد من الأطفال، (نظرًا لأن جميع الأطفال معرضون لخطر الاعتقال أو القتل المباشر)، أو إلى رغبتهن في إنجاب عدد أقل من الأطفال (لتجنّب معاناة فقدان طفل). إن اختزال الإنجاب الفلسطيني في دوافع قومية مؤيدة للإنجاب يغفل عامل الإرادة الفردية بوصفها متشابكة مع أطر أيديولوجية واجتماعية وعاطفية لها مكانة مركزية في الممارسات الإنجابية والمضادة للإنجاب.

المطالبة بـ "الحق في الحياة"

"كما أنني لا أخشى هذه الدولة وغطرستها، لا لأنني لا أخاف، ولا لأن لدي إيمان بأن قدسية الطفولة سيتمّ الاعتراف بها، كما تعلمون، هذه الحكومة العنصرية لم تهتم أبدًا بالطفولة، ولكن ببساطة أتفوق عليهم كصاحبة حقّ من أبسط حقوق الكائنات، وهو الحقّ في الحياة. فهم يصنعون الموت، وأنا صنيعة الحياة. وهنا أسألكم: ما الجنون إذن؟ هل الجنون أن تنطق طفلة بعمري؟ أم أن يفتح لها ملف في الشاباك الإسرائيلي قبل أن تولد؟".

هذه كلمات المناضل والروائي والمؤلف وليد دقة، المكتوبة من خلف القضبان بصوت طفلته ميلاد التي لم تكن قد وُلِدَت بعد. قام وليد دقة وزوجته ورفيقته سناء سلامة بإنجاب ميلاد من خلال تهريب النطف في عام ٢٠١٩، بعد معركة طويلة مع سلطات السجن وحملة تشويه في الإعلام الإسرائيلي. تلقّت سلطات الإحتلال خبر ولادة ميلاد باستياء كبير، لدرجة أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي أصدر تحذيرًا ضد ولادتها. إن كلمات دقة حول ”الحق في الحياة“، و التي تتردد في العديد من المقالات الإخبارية التي تغطي ممارسة تهريب النطف، تعيد توجيه تعاملنا مع مسائل الحقوق والحياة والإنجاب. من خلال الإشارة إلى عبثية الموقف —عبثية فعل الكلام لطفل لم يولد بعد، وعبثية نظام عنصري يفتح ملف مراقبة لجنين— تحاول مقولة دقة أن تبلور ادعاءً أساسيًا لم يتحقق بعد: الحق في الحياة. "هم يصنعون الموت، وأنا صنيعة الحياة."

وليد دقة هو واحد من أكثر من خمسة آلاف أسير سياسي فلسطيني، معظمهم من الرجال، محتجزين في السجون الإسرائيلية بتهمة ارتكاب "جرائم أمنية". وتشمل "الأسباب الأمنية" التي تبرر الاعتقال والسجن: تنظيم والمشاركة في المظاهرات، ورشق الحجارة، وقتل الجنود الإسرائيليين. يُحرم  العديد من المعتقلين والأسرى، الذين تصنّفهم مصلحة السجون الإسرائيلية كسجناء أمنيين، من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك الحق في الرعاية الطبية والمحاكمة العادلة، وغالبًا ما يتعرضون لمعاملة غير إنسانية. بالإضافة إلى ذلك، تحتجز سلطات الإحتلال العديد من الأسرى السياسيين من الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧ في سجون إسرائيلية في انتهاك واضح للقوانين الدولية. يصبح الأمن والحماية تقنيات توسعية وإدارية يتمّ تطبيقها بشكل منهجي للاعتقال والسجن وفرض قيود شديدة، بما في ذلك رفض تصاريح زيارة الأهل.  بالنسبة لأولئك الذين يتم منحهم تصاريح، تقتصر الزيارات على خمس وأربعين دقيقة. غالبًا ما يفصل حاجز بين الأسرى وزائريهم. وعلى الرغم من المطالبات المتكرّرة، تبقى الزيارات الزوجية ممنوعة منعًا باتًا للأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

ما معنى المطالبة بـ "الحق في الحياة" عبر الإنجاب من خلف القضبان؟ ما الذي يجعل المطالبة بالحق في الحياة مطالبة مشروعة؟ وكيف تشير المطالبة في هذا السياق إلى تأكيد للحياة يتجاوز الأطر الأخلاقية المرتبطة بالنقاشات حول وجهات النظر "المؤيدة لاختيار الإنجاب" (pro-choice) ضد تلك "المؤيدة للحياة" (pro-life)؟ كيف يتجاوز هذا الحق في الحياة الإحداثيات السياسية الحيوية والسياسية الموتوية للدولة الاستعمارية؟

المعنى الخارج عن إطار القانون للكلمة العربية "حق" كحقيقة وعدالة يشير إلى رؤية أخلاقية وسياسية متأصلة للحقوق، والتي على الرغم من أنها يمكن أن تكون مركزية في النضال من أجل العدالة من الناحية القانونية، إلا أنها تتجاوز حدود القانون.

في سياق فلسطين، لا حاجة إلى مخيلة واسعة لرصد الحالات التي تصبح فيها كل من القوانين المحلية والدولية متواطئة في ممارسة العنف الاستعماري ضد الفلسطينيين من خلال الاحتلال والاستيلاء على الأراضي والتجريد من الهوية والاعتقال والموت وإضعاف الحياة. على الرغم من وفرة الحالات الموثقة لانتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي، تواصل إسرائيل مشروعها الاستيطاني الاستعماري ضد الفلسطينيين مع الإفلات من العقاب الدولي. هذه الانتهاكات، إلى جانب حقيقة أن الفلسطينيين محرومون من وضع قانوني وسياسي معترف به في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧ ويعتبرون مواطنين من الدرجة الثانية داخل الأراضي المحتلة، تجعل النضال من أجل الحقوق أمرًا حتميًا، إن لم يكن من أجل الحق في الحصول على الحقوق. ومع ذلك، إذا فهمنا المطالبة بـ"الحق في الحياة" فقط من حيث القانون أو تعليقه، فإننا نغفل عن الرهانات السياسية والأخلاقية لما يعنيه تأكيد الحياة بخلاف ذلك. كما أننا نغفل عن المطالبة بالعدالة المنصوص عنه في الكلمة العربية "حق". تشير رسالة وليد دقة، التي كُتبت أصلًا باللغة العربية، إلى "حق ميلاد في الحياة"، حيث تشير كلمة "حق" إلى دعوة للحقيقة والعدالة لا يمكن الرد عليها بالضرورة من خلال القانون. المعنى الخارج عن إطار القانون للكلمة العربية "حق" كحقيقة وعدالة يشير إلى رؤية أخلاقية وسياسية متأصلة للحقوق، والتي على الرغم من أنها يمكن أن تكون مركزية في النضال من أجل العدالة من الناحية القانونية، إلا أنها تتجاوز حدود القانون.

عند النظر إلى التناسل عبر تهريب النطف كمطالبة بالـ”حق في الحياة“ يمكننا طرح نقطتين أساسيتين. أولًا، من الخطأ اعتبار ممارسة تهريب النطف مرتبطة بالخطاب المؤيد للحياة (pro-life)، فمطالبة دقة بالحق في الحياة ليست مجرد مطالبة بالإنجاب بحد ذاته، بل هي، في ظل واقع مميت، إصرار على الحياة من داخل السجون وفي المجتمع الفلسطيني الأوسع الذي يدعم الإنجاب رغم محاولة سلطة الاحتلال الاستيطاني قمعه. لقد أدت قصص وأخبار تهريب النطف التي تنتشر عبر غزة والضفة الغربية والأراضي المحتلة إلى تعزيز روابط اجتماعية جديدة، وخلقت ظروفًا لاستمرار هذه الممارسة. فمن مشاركة الأطباء والممرضين في عيادات الخصوبة مثل "الرزان" في نابلس و"البسمة" في غزة، الذين يقدمون علاجات التلقيح الصناعي مجانًا، إلى أشكال التضامن الجماعي حول إنجاب وتربية الأطفال، فقد ظهرت أشكال جديدة من القرابة المجتمعية تتجاوز العلاقات النمطية الإنجابية المتعارف. ثانيًا، إن المطالبة بـ"الحق في الحياة" ليست مجرد مطالبة بالحقوق، بل هي مطالبة بحياة تتجاوز حدَّ الاستحالة، هي حياة فلسطينية متمردة، إن جاز التعبير.  هذه المطالبة تتحدث بلغات متعددة في آن واحد، فهي تخاطب المجتمع الدولي بلغة الحقوق العالمية التي يُستبعد منها الفلسطينيون باستمرار، لكنها في الوقت نفسه ترفض حصر النضال من أجل الحياة ضمن الأطر القانونية والحقوقية فحسب.

أبعد من المطالبة الأدائية للحقّ في الحياة، إن ممارسة تهريب النطف والعلاقات الإنجابية التي تخترق أَسر الاستعمار والاحتلال هي أفعال مؤكدة منبثقة عن العبث بشروط الإنجاب. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا الإصرار على إنجاب طفل في سياق تُشكّل فيه حالات العنف  الاستعمارية وعوالم الموت ملامح الحياة اليومية تحت الاستعمار الاستيطاني؟ ولكن يمكن أيضًا عكس السؤال والتساؤل: ماذا يصيب مكانًا ونضالًا ما إذا استسلمنا للموت كواقع شامل؟

في مواجهة استثمارات الكيان الصهيوني المتكررة في موت الفلسطينيين، سواء كان سريعًا أو بطيئًا، فإنّ تهريب النطف فعل يؤكد من خلاله الأسرى وزوجاتهم وأطفالهم والعلاقات الاجتماعية المنظمة حولهم الحياة بإصرار, بوسائل غير عادية. يأخذ الأسر أشكالاً مختلفة: الأسر كسجن؛ الأسر كقبضة العنف الاستعماري على أكثر المستويات حميمية وجزيئية؛ الأسر كاعتقال الحركة عبر الجدران الفاصلة وعبر نقاط التفتيش؛ الأسر كالحصار بين الحياة والموت. يتم التحايل عليها من خلال النفاذ خارجًا، من خلال تسرب يُربك أحداث العنف الناتجة عن السجن والاستعمار الاستيطاني، عبر اختراق الحصار، مما يشقُّ فتحة نحو مستقبل تصر سلطات الاحتلال الإسرائيلي على إغلاقه.

إن تهريب النطف هو ممارسة وُلدَت من حالات العنف والتجريح، كما من الصمود الفلسطيني في آنٍ واحد. إنها ممارسة إبداعية تشهد على قوة الأفعال المتمردة الصغيرة التي فشلت السياسة الحيوية و الموتوية الإسرائيلية غير الإنسانية في القضاء عليها.

في تحليلها للهجوم الإسرائيلي على غزة عام ٢٠١٤،  تذكر جاسبير بوار، في كتابها "الحقّ في التشويه"، بأنّ إنهاك الأجساد والبنى التحتية الفلسطينية هو استراتيجية سياسية حيوية للاحتلال الإسرائيلي يهدف من خلالها إلى السيطرة ليس فقط على الحياة، بل على المقاومة أيضًا. ترى بوار أن هذا الإنهاك يحاصر الفلسطينيين في حالة ما بين الحياة و الموت، وهي حالة "مزمنة" تسدّ أفق المستقبل. لكنها تطرح هذا السؤال: "ما هي الآثار المنتجة والمقاوِمة، والإبداعية أيضًا، لمحاولات اسرائيل سحق مشاعر الحيوية والمثابرة والثورة عند الفلسطينيين؟ إن تهريب النطف هو ممارسة وُلدَت من حالات العنف والتجريح، كما من الصمود الفلسطيني في آنٍ واحد. إنها ممارسة إبداعية تشهد على قوة الأفعال المتمردة الصغيرة التي فشلت السياسة الحيوية و الموتوية الإسرائيلية غير الإنسانية في القضاء عليها.

إن الدلالة الرمزية لممارسة تهريب النطف، باعتباره فعلًا مؤكدًا وممارسة أخلاقية وسياسية– وليس إنجاب الأطفال بحدّ ذاته– هي التي تتيح الحرية مستقبلًا في وجه الحاضر الاستعماري. فحياة الطفل، التي تبدو مستحيلة في ظل السجن والاستعمار ترتقي إجتماعيًا إلى مصاف الحياة التي سيكون قد تمّ عيشها بكرامة وحرية. هذا ما تسميه جوديث بتلر "المستقبل التام للحياة"، أي الافتراض بأن هذه ستكون حياة قد عيشت، وبالتالي سيُعتَرف بها على أنها حياة ويُنظر إليها بجدارة. الطفل الذي يولد رغم كل العوائق، ورغم ظروف القمع، ينتمي إلى جيل متنامٍ، جيل يشير للفلسطينيين إلى إمكانية الحرية التي ستكون قد عيشت، حرية هي اليوم تلوح  في الأفق.

هل هذه القصة قيّمة برأيكم؟ ساعدونا في الاستمرار لإنتاج القصص التي تهمكم من خلال التبرع اليوم! تضمن مساهمتكم استمرارنا كمصدر مُجدٍ ومستقل وجدير بالثقة للصحافة المعنية بالمصلحة العامة.