مصورون صحفيون يضعون كاميراتهم أرضا أمام وزارة الداخلية رفضا للعنف الذي تمارسه القوى الأمنية ضد الصحافيين. بيروت، لبنان. ١٧ كانون الثاني ٢٠٢٠. (تجمّع نقابة الصحافة البديلة)
هل قال أحدٌ عمال؟ (٢/٢)
في اليوم ١٨٥: السبت الواقع في ١٨ نيسان ٢٠٢٠
في ثالث يوم من ثورة تشرين، قصدت صديقتي وزميلتي ريما ماجد. كنا قد بدأنا التخطيط لبحث حول المتظاهرين والمتظاهرات والاحتجاجات التي طالما حلمنا بها. وما أن جلست في غرفة المعيشة لتجهيز الكومبيوتر، سمعتها تتحدّث على الهاتف وتقول: "ما نحتاجه اليوم هو النقابات. لقد حان الوقت. لنبدأ بالتحدّث مع آخرين." "هل قلت نقابات؟" سألتها. "نعم"، جاوبتني مع ابتسامة كبيرة واثقة. اعتقدت أن الحماس يطغى على نظرتها.
كنت قد اعتدت درس التنظيم النقابي "الماضي"، ولم أتخيل أنني سأرى بداية تأسيس تنظيمات عمّالية جديدة في "المستقبل القريب"، فما بالكم في لبنان "الحاضر". لم يخطر لي أنني سأشهد قيام دينامية نقابية جديدة واللحظة التأسيسية لـ"تجمع مهنيات ومهنيين،" وهي هيئة عمالية جديدة تتكوّن اليوم من ٥ تجمعات لأساتذة الجامعات، والصحافة، والهندسة، والعاملين في الفن والثقافة، والطب، وتسعى لتعزيز النقابات العمالية والمهنية القائمة، وملء الفراغ الذي تركته الحركة العمالية المدجّنة، وترسيخ نتائج ثورة تشرين.
بناء الحركات الاجتماعية
في ٢٢ تشرين الأول/أكتوبر، أُنشئت صفحة "تجمع أساتذة مستقلين في الجامعات" التي دعت "الطلاب والموظفين والاساتذة للمشاركة الكثيفة والفعالة في الحراك الشعبي غدًا الأربعاء في ٢٣ ت١ ٢٠١٩ عند الساعة الثانية عشرة ظهرًا أمام تمثال رياض الصلح".
خلال المظاهرة، صعدت الأستاذة المساعدة في علم الاجتماع في الجامعة الأميركية في بيروت، ريما ماجد، على مكعّب باطون وصرخت برقمها الخلوي: "يرجى من الراغبين في المشاركة في تنظيم أساتذة الجامعات إرسال رسالة نصية." على الفور، انهالت الرسائل من ٨٠ أستاذًا وأستاذة، وفي غضون ساعات انضم المئات منهم إلى مجموعة واتساب مخصصة لتنظيم "تجمع أساتذة مستقلين في الجامعات". وفي اليوم التالي، أصدر أساتذة الجامعات المنظمين حديثًا بيانهم الأول الذي أعلنوا فيه إضرابهم نصرة لاحتجاجات الطلاب والموظفين والأساتذة.
شغف التنظيم
بوحي من تجمع المهنيين السودانيين، تم تنظيم عدّة مجموعات مهنية في نفس الوقت في عدّة مناطق خارج بيروت، التي سرعان ما انضمت إلى المهنيين في بيروت لتشكيل تجمّع مهنيات ومهنيين في ٢٨ تشرين الاول، لإصدار بيان تعريفي يشير إلى مشاركتها في انتفاضة تشرين احتجاجًا على النظام السياسي والاقتصادي القائم، ويرفض كل ما يترتب على ذلك من سياسات اجتماعية واقتصادية ومالية ونقدية، ويدعو إلى التحول الديمقراطي نحو دولة علمانية تقوم على مبادئ العدالة الاجتماعية. وبناء عليه، دعا التجمّع المهنيين كافة إلى توحيد جهودهم على شتّى الجبهات لتحفيز النقابات العمالية وروابط القطاع العام للانضمام إلى الانتفاضة دون تردد.
تنبع اللحظات التأسيسية للجمعيات المهنية على اختلافها من تراكم التعبئة والخبرات في السنوات السابقة. حسب كارول كرباج، إحدى مؤسِسات تجمّع نقابة الصحافة البديلة، في الأسبوع الأول من الثورة اجتمعت مجموعة صغيرة من الصحفيين والصحفيات والكتّاب والكاتبات في مقهى في الحمرا لوضع إطار تنظيمي جديد. لم يكن اللقاء مرتجلًا، بل اعتمد على نقاشات سابقة ومستمرة سلطت الضوء تدريجيًا على الحاجة إلى التنظيم في العامين الماضيين. "لقد جمعنا الأشخاص الذين نعرفهم، والأشخاص الذين نثق بهم، وبدأنا. أردنا أن نكون جزءًا من الثورة، ولكن هذه المرة من خلال تجمّع عمالي."
وبدا أن ثورة تشرين ستخلق الزخم الكافي لإطلاق نمط جديد من التعبئة، ومن ثم تجمّع يجمع بين العمل والتعبئة السياسية ليتمكن من عزل نقابة الصحافة اللبنانية التي تسيطر عليها الدولة. نشرت الجمعية الناشئة بيانها التأسيسي الذي وقّع عليه على الفور ١٨٠ عضوًا وعضوةً جدد. وسرعان ما شُكّلت ست لجان مختلفة، وتم إطلاق عمل التوعية والتواصل والتنظيم، وتعيين عضوين لتمثيل النقابة في اجتماعات "تجمّع مهنيات ومهنيين". بدأت النقابة سريعًا بالدفاع عن الصحفيين الذين تعرضوا لاعتداءات عنيفة خلال الاحتجاجات، في وقت كانت فيه نقابة الصحفيين الرسمية غائبة في الغالب، إن لم تكن تصدر البيانات دفاعًا عن القطاع المصرفي بعد أن تعرض الأخير لهجوم علني بسبب الضوابط غير القانونية على رأس المال و"قصات الشعر" المخفية في بداية الثورة.
وعلى المنوال ذاته، أطلقت مجموعة من ثلاثين فنان وفنانة عملية لتنظيم العمل في المجال وتضافرت جهودهم مع تجمّع مهنيات ومهنيين. ويؤكد العضو المؤسس في نقابة العاملات والعاملين في الفن والثقافة هاشم عدنان أن "الحاجة إلى التنظيم ظهرت قبل ثورة تشرين، وحتى قبل أزمة النفايات عام ٢٠١٥. إنها مسار طويل مبني على جميع عمليات التعبئة السابقة في العقد الماضي. نهدف الآن إلى الجمع بين تنظيم العمال والمشاركة السياسية." ضمّت الجمعية العمومية الأولى للتجمع حوالي ٢٠٠ مشارك.
"يحتاج تنظيم نقابة المهندسين إلى إصلاحات هيكلية كي يصبح أكثر شمولاً وتمثيلاً وديمقراطية وأكثر توفيرًا للمشاركة السياسية. أعطتنا الثورة الزخم المناسب لإنشاء جمعية كإطار جديد للتعبئة يهدف لاستعادة دور نقابة المهندسين على ثلاثة مستويات: المصلحة العامة، ومهنتنا، والنقابة ذاتها،" تقول عبير سقسوق، العضوة المؤسِسة في تجمع المهندسين. تنبع هذه المبادرة من محاولات سابقة للإصلاح، وآخرها حملة نقابتي التي أُطلقت خلال انتخابات النقابة في عام ٢٠١٧. أما اليوم، يريد تجمع المهندسين تجاوز مسألة انتخابات رئيس جديد للنقابة. "نريد نقابة يمكنها لعب دور منصة مشتركة ومجموعة ضغط." وقد اقترح التجمع ١٦٠ مرشحًا للانتخابات نصف السنوية المقبلة لمجلس المندوبين الذي يضم عادة ٥٠٦ مهندسين، يتم انتخاب ٢٥٣ منهم كل عامين. (كان من المفترض أن تجري الانتخابات في آذار ٢٠٢٠، ولكنها أُجّلت بسبب جائحة كورونا). "نعتقد أنه من خلال تكثيف وجودنا كمهندسين ومهندسات من جيل جديد يمكننا تحقيق الإصلاحات الضرورية ببطء ولكن بثبات من أجل نظام أكثر تشاركية وتمثيلًا وديمقراطية." يضم التجمع الناشئ اليوم حوالي ١٢٠ مهندسًا ومهندسة.
الدروس المستفادة من فشل الاحتجاجات السابقة
إن هذا النمط الجديد من التعبئة ليس ابن اللحظة أو حركة عفوية، فقد كانت الحاجة إلى التنظيم، وعقباته، موضوع نقاشات مستمرة بين الأعضاء المؤسسين لتجمع مهنيات ومهنيين خلال العامين الماضيين. في الواقع، تقف هذه التعبئة العمالية الجديدة على أكتاف الاحتجاجات ومحاولات التعبئة السابقة. في العام ٢٠١٥ كانت التعبئة خلال أزمة النفايات والتي توقفت في نهاية الصيف نقطة تحول مهمة. وجاءت تجربة بيروت مدينتي في الانتخابات البلدية لعام ٢٠١٥ والانقسام الذي أعقبها لتحدد معلمًا بارزًا. وربما تكون هذه التجارب - والانكسارات - قد مهدت الطريق للعودة إلى الحاجة للتنظيم والتغلب على الخوف من التنظيم وأطر التمثيل التقليدية.
سياق واعد وتحديات تنظيمية جديدة
في العقود السابقة، شكّل تدخل النخبة السياسية في التمثيل وصنع القرار داخل المنظمات العمالية مثل النقابات العمالية والمهنية أو روابط القطاع العام (الجزء الأول) أحد الأدوات الرئيسية لسيطرة الدولة على الحركة العمالية. واليوم، أدّت ثورة تشرين والأزمة الاقتصادية المتفاقمة والانهيار المالي وما أعقب ذلك من فقر أغلبية السكان إلى إضعاف سلطة وشرعية النخبة الحاكمة والعلاقات الطائفية التقليدية الزبائنية. ومثل الانتفاضة العربية، كان التحول النموذجي الذي ولّدته ثورة تشرين حتى الآن أحد إنجازاتها الرئيسية. وبعد عقود من الاستسلام للقيادة الطائفية، استولى المواطنون على المجال العام لمعارضة النظام السياسي والتعبير عن مطالبهم، ويبدو أنه لا عودة إلى الوضع السابق. يطرح هذا السياق بيئة وآفاق أفضل لديناميات تعبئة العمال الجديدة وبالتالي الثورة القادرة. في الواقع، كما ردد أعضاء تجمّع مهنيين ومهنيات، كانت الانتفاضة العربية ناجحة في السودان وتونس نظرًا لحركاتها العمالية الراسخة.
ومع ذلك، يواجه تجمّع مهنيات ومهنيين الوليد تحديات تنظيمية تحتاج إلى مناقشات مطوّلة وربما تصّور مقاربات جديدة للتنظيم. على سبيل المثال، أثار بعض المنظمون الذين قابلتهم مسألة معايير القبول والاستبعاد في تجمعهم: هل يمكن للمهنيين الدوليين الانضمام إلى هذه التجمعات؟ أو كيف يمكن للموظفين والعاملين لحسابهم الخاص والمستقلين وأصحاب العمل أن ينتظموا في ظل اتحاد واحد؟ ولمزيد من الدقّة، يمكن القول بأمانة أن احتياجات ومطالب وتطلعات المهندسين والمهندسات الشباب المستخدمين تختلف عن أرباب عملهم.
Share this page