رنّ الهاتف الأرضيّ فردّ شقيقه الذي يكبره بعامين: "ألو، معك حسن نصر الله!". أوصته يومها الخالة ألّا يصرّح عن اسمه خشية أن تقصف "إسرائيل" البيت. 

كان ذلك خلال عدوان "الأيام السبعة" في تموز ١٩٩٣ حين حلّ الجريح خليل نصرالله وأهله ضيوفًا عند خالة أبيه في قرية معركة في قضاء صور الواقعة خارج دائرة الاستهداف الصهيوني حينها. 

رسخ الموقف في ذاكرة الصغير. "بعد سنوات، فكّرت طويلًا بالخوف الذي يزرعه الاحتلال في نفوسنا حتى صار طفل يخاف أن ينطق باسمه"، يقول خليل.

اختبر مع عائلته شظف التهجير إلى بيروت للمرة الأولى أثناء عدوان ١٩٩٦. في تلك الأيام، رأى وجه الصهاينة الحقيقي على التلفاز، تتبدّى ملامحه مع كل مجزرة من المنصوري إلى قانا. شكّلت هذه الحرب فهمه الأوّل لطبيعة الصراع وحدّدت له موقعه فيه.

"نشأتُ في أسرة مقاومة محافظة في قرية البازورية. تحمّل أبي مسؤوليات عسكريّة في حركة أمل من الثمانينات حتى منتصف التسعينات. وكانت أمي تحضّر الطعام والمؤونة للمقاومين". نمّت نقاشات الأهل وتعليقاتهم على النشرات الإخباريّة وعيًا سياسيًا أوليًا عند أطفالهم الثلاثة. 

"تعلّق جيلي من أبناء بيئة المقاومة بخطابات السيد حسن نصر الله. وشكّلت لنا مصدرًا أساسيًا لفهم الوقائع السياسيّة، وأضفَت صلة القرابة والجوار عمقًا خاصًا على علاقتي بشخصية السيد القيادية".

تعلو الابتسامة ثغره عند استعادته يومَ التحرير والجولة العائليّة على قرى الشريط الحدوديّ. "أذكر احتفالات الأهالي في كل بلدة وحلقات الدبكة والزغاريد وصواني الحلويات... فرحة ما كانت لتكون بدون المقاومة". 

صمد مع أهله في القرية خلال الأسابيع الأولى من حرب عام ٢٠٠٦. "طلبتُ من شباب المقاومة المشاركة معهم في القتال، لكنهم لم يأذنوا لي، فلم أكن أملك خبرة عسكرية".

تسابق الإخوة على الجهاد، فكان البكر حسن أول الواصلين. "عَشِق أخي المقاومة منذ أن كان مراهقًا وانضم إلى كشافة المهدي ثم تدرّب في معسكرات حزب الله الصيفية قبل انتقاله إلى التنظيم العسكري. سلكتُ طريقَه ولحق بنا مهدي". نصحه حسن بالانضمام إلى الحزب، وهذا ما حصل فور انتهائه من الدراسة الثانوية في العام ٢٠٠٧، ليكون واحدًا من آلاف الشبان الذين انخرطوا في العمل المقاوم بعد حرب تموز.

سنة ٢٠١٤، استشهد أخوه الأكبر في العراق. ومنذ ذلك الحين، تحول بيت العائلة إلى مضافة للزائرين المواسين، وصار خليل يعرّف الفعاليات في القرية كالتشييعات ومجالس العزاء فألف الناسُ وجهه. "أصرّ رفاقي في القرية أن أشارك في العمل البلدي. قبلتُ انطلاقًا من إيماني بضرورة خدمة المجتمع. حاليًا، أتابع شؤون كتلة الحزب في المجلس البلدي، وأمضي وقتي بين التخطيط لمشاريع تنموية تلبي حاجات سكان القرية والاستماع لشكواهم بين العصر والمغرب".

صورة لرجل مبتسم أمام خلفية سوداء. لديه لحية، ويرتدي ملابس سوداء ونظارات شمسية، وتوجد ندوب على وجهه.

خليل نصر الله في استوديو التصوير. صور، لبنان. ٧ آب، ٢٠٢٥. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

في ٢٠ كانون الثاني ٢٠٢٤، استشهد صديقه علي حدرج، مهندس الاتصالات الذي اغتالته قوات الاحتلال بطائرة دون طيار على طريق البازورية. "هو واحد من أولئك الذين أنعم عليهم الله بالعلم والمال، ولكن الشهادة في سبيله بقيت أسمى مطالبه"، يقول خليل. كان علي متفوّقًا في مجاله وله إسهامات مهمّة في بناء شبكة اتصالات تنظيمات المقاومة من حزب الله إلى حماس والجهاد الإسلامي، وتولّى بعضًا من مهام القيادي حسّان اللقيس، عقل الحزب التقني الذي اغتاله الصهاينة تحت بيته عام ٢٠١٣. يضيف: "سعت 'إسرائيل' لتجنيده، وكان علي يدرك أنه هدف مشخّص ومرصود والشهادة مصيره العاجل مما دفعه لمواصلة البناء والإعداد بكل ما أوتي من همّة". 

تعود صداقتهما إلى نحو عقدين من الزمن والسهرات في المكتبة عند أهل حدرج في القرية، وهي عادة محبّبة إليهما حافظوا عليها حتى الأسابيع الأخيرة قبل استشهاده.

"كان علي يجيد تركيب السيناريوهات المحتملة للحرب، وكنت آخذ بقراءته الدقيقة للإعلام العبري. كثيرٌ ممّا استشرَفه في جلسات السمر قد حدث فعلًا. فهو يتميّز بـ"التحليل اليقيني"، أي القدرة على الأخذ بالأسباب الموضوعية ضمن السياق الإلهي للأمور". يتابع خليل أنّ رفيقه الشهيد أبقى في قلبه مكانة خاصّة لغزّة، وفلسطين قضيته المركزيّة. كان يصرّ على أولوية خدمة المقاومة الفلسطينية بكل السبل، فقد رأى فيها تجسيد المظلومية الحسينية وشرارة الثورة.

"لا تحرير بدون مقاومة مسلّحة، وهذا ما تثبته تجارب الشعوب من فيتنام إلى الجزائر ضد الامبرياليات المتغطرسة"، يقول خليل، "قد نحتاج سنينًا طويلة لإعادة بناء الردع، ولكن لا خيار إلا المقاومة، والوقت معيار المستسلم."

طيلة معركة الإسناد، لم ينقطع خليل عن عمله الجهادي وتولّى مسؤوليات عديدة. توقّع توسّع الحرب مع موجة الاغتيالات التي طالت قادة التنظيم وكان يدرك أنّه عرضة للاستهداف مع تركّز نشاطه في منطقة الجنوب.

"استخدمت جهاز البيجر لسنوات طويلة، أذكر أنّني بدلت أحد الأجهزة ذات مرة بسبب تعطّل بطاريته". يوم ١٧ أيلول، رافق زميله في سيارة مستأجرة وسلكا طريقًا فرعيًا. كان يلعب بالجهاز عندما انفجر بيده. أما رفيقه، فقد علّق الجهاز على خصره، ولم يشعر بالانفجار، فظنّ أن مسيرة استهدفتهم. سأله خليل: "هل تحدّثني من السماء أو الأرض؟". "من الأرض" أجابه. 

"حسنًا، انفجرت أجهزة النداء". بعد مرور بعض الوقت، اقترب منهم مدنيّ وقد رآهما مسجّيين بدمهما. يضحك عند استعادة الموقف، فقد راح الشاب يسأل عما هو "البيجر" وكيف يعمل، فما كان من خليل إلا أن قال له: "بالله عليك، أحضر سيارة إسعاف وسأشرح لك لاحقًا!"

في صيدا وبيروت، أجرى عملية ليديه وأخرى لعينيه قبل أن ينتقل إلى إيران لاستكمال رحلته العلاجية. بعد نحو أسبوعين، بدأ يعود بصره إلى عينه اليمنى تدريجيًا، فصار قادرًا على تمييز الأشخاص والأشياء. ومع مرور الشهر الثالث، بات قادرًا على الحركة بحرية أكبر.

يد وساعد مرفوعان وباطن الكف موجه للأعلى أمام خلفية سوداء؛ الأصابع منثنية قليلاً والإبهام ممتد، بينما السبابة والوسطى وطرف الإبهام مبتورة.

يد خليل. صور، لبنان. ٧ آب، ٢٠٢٥. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

"خفت ألا أتمكن من رؤية أبنائي يكبرون أمامي. هم أصحابي الصغار. نذهب إلى البحر سويًا ونلعب كرة القدم وألعاب الفيديو حتى بعد إصابتي! أخبرني ابني البكر عن رغبته بالانضمام إلى المقاومة للثأر لعمّيه الشهيدين وجراحي والدفاع عن بلدتنا".

حاول مرارًا إقناع أخيه الأصغر مهدي بمرافقته إلى إيران، لكن الأخير أصرّ على البقاء في لبنان ترقّبًا للحرب القادمة، فقد كان يدرك استحالة عودته تحت النار. كان مهدي صديق خليل المقرّب منذ مراهقته، يرافقه في مشاويره ويلجأ كل منهما إلى الآخر في كافة الأمور. 

"كان دينمو (محرّك) البيت وصديقي الذي يفهم عليّ بالإشارة دون حاجتي للكلام والشرح. عند إصابتي، راح يبحث عني في المستشفيات حتى أرشده أحد معارفنا إلى مكان تواجدي". 

استشهد مهدي ذو الأعوام الثمانية وعشرون والمعروف بالسيد دانيال في جبال البطم قبل أن يتسنى له لقاء مولودته الثانية أثناء تنقله على دراجة نارية برفقة مجاهد آخر. يستعيد خليل آخر رسالة صوتية وصلته عبر وسيط: "أخبرني في التسجيل أنه سيغيب لبضعة أيام ويتوق لمحادثتي بعد عودته، إن عاد، ولم يعد". يؤمن خليل أنّ لا تحرير بدون مقاومة مسلّحة، وهذا ما تثبته تجارب الشعوب من فيتنام إلى الجزائر ضد الامبرياليات المتغطرسة، "قد نحتاج سنينًا طويلة لإعادة بناء الردع، ولكن لا خيار إلا المقاومة، والوقت معيار المستسلم."

هل هذه القصة قيّمة برأيكم؟ ساعدونا في الاستمرار لإنتاج القصص التي تهمكم من خلال التبرع اليوم! تضمن مساهمتكم استمرارنا كمصدر مُجدٍ ومستقل وجدير بالثقة للصحافة المعنية بالمصلحة العامة.