"أرى أطفالي بيدي" تقول الجريحة روان الموسوي. كلّ ليلة تتحسّس بأصابعها ملامح زينب وهاني. "أحاول تقدير طولهما وحجمهما وأقارنهما بصورهما المطبوعة في ذاكرتي". تفرح عند رؤيتهما في مناماتها.
تضعُ الصغيرةُ رأسها على حضن أمها التي راحت تلاعب خصلات شعرها: "لم أتعوّد على زينب بشعرٍ قصير. أطلب من محيطي أن يصفوا شكلها كي أتصوّرها".
في بيتها الجديد في النبي شيت ضمن قضاء بعلبك، جلست أمام لوحة كبيرة معلّقة في غرفة القعود وراحت تصفها دون أن تراها. بعد الحرب الأخيرة، طلبت من زوجها إخراج ما يمكن إصلاحه من بين ركام بيتهما الأول في الهرمل، فأنقذ لوحة "سوق السجاد" المفضلة لديها.
أحبّت روان التصوير منذ صغرها وحازت على أوّل كاميرا في سنّ العاشرة. وكانت المصوّرة المعتمدة في اللقاءات العائلية والماهرة في اللقطات العفوية. "يحزنني أنّني لم أعد قادرة على توثيق يوميات صغاري كما كنت أفعل". كانت تحلم أن تصنع لطفليها أرشيفًا بصريًا يعودان إليه بعد سنوات. اليوم، تتمسّك بصورتهما في ذاكرتها خشية أن تتبدّد ملامحهما.
كبرت روان بين ١٦ صبيًّا وكانت محطّ اهتمام الكبار في عائلتها. ميّزها جدّها الذي ورثت عنه ضحكتها ولطافتها وطريقة كلامها. في أيامه الأخيرة، طلب رؤيتها وأوصاها بإنجاب أخ لابنتها زينب الوحيدة. أما جدّتها، فتبكي كلّما رأتها. "وتقول لي: 'ليتني أستطيع منحكِ عيوني يا بنيّتي'. خفنا عليها من أن تُصدم بحقيقة فقداني لبصري نهائيًا، سأستعيده تدريجيًا، أقول لها".
كانت مراهقة عندما انتبه لها رفيق دربها في اليوم الدراسي الأخير من العام الوحيد الذي قضاه في مدرستها. "منذ رأيتها، عرفتُ أنها ستكون زوجتي!" قال أبو هاني في نفسه، ولم يكن قد تعدّى عامه السابع عشر حينذاك. بعد اللقاء العابر، بحث عنها وراسلها لتبدأ بينهما قصة حبّ عن بعد استمرّت خمس سنوات. تعذّر عليها استكمال دراستها في التمريض خلال حملها وانتشار وباء كورونا، فتفرّغت لتربية طفليها. "وجدتُ في الطبخ متعتي الخاصّة. جرّبت أصعب الأكلات اللبنانية في الأيام الأولى لزواجي، وأتقنتها!".
عرفت روان "البيجر" في الأشهر الأخيرة من معركة الإسناد، عندما اضطرّ زوجها لإبقاء الجهاز معه نتيجة التطوّرات الميدانية المتسارعة. يوم الثلاثاء، كانت في المطبخ مع ابنها بينما كانت زينب تلعب عند جدّتها في الطابق الأوّل. راحت تجهّز الملوخية للمرة الأولى، فزوجها الذي لا يحبّ هذه الأكلة، لم يشجعها على طبخها سابقًا.
"رنّ البيجر. وضعت هاني في كرسي الطعام. نظرت إليه ولم أكن أعرف أنّها النظرة الأخيرة، ثم ركضت إلى غرفة القعود. انفجر الجهاز في يدي قبل أن أضغط أّي زر".
عند وصول الإسعاف لنقلها، وقفت زينب جانبًا تراقبهم وعيناها مثبتتان على أمها المضرجة بدمها. ظنّت أنّها ماتت. لم تتمكّن العائلة من تحديد سبب الانفجار الكبير حتى لاحظت توافد الحالات المتشابهة إلى المستشفى، كما لم تقدّر حجم الإصابة. كان همّ أفراد العائلة أن تخرج روان حيّةً من غرفة العمليات بعدما رأوا "وجهها مفتوحًا كالكتاب"، بحسب زوجها.
لم يتقبّل شريكها خبر فقدانها بصرها فأصرّ على استشارة كلّ طبيب استطاع الوصول إليه في أصعب الأيام التي مرّت على القطاع الصحي، ليخرجوا بالنتيجة نفسها. يقسم وهو يستعيد الأيام الأولى عقب المجزرة: "لم أكن لأتأثر بهذه القوّة لو أصيب أخي أو أبي، لكن الله اختبرني بأغلى حبيب على قلبي". رغم هول المصاب، بقي صامدًا طيلة الأيام الأولى، حتى كادت تخنقه دموعه. .
رافق حبيبته إلى مدينة مشهد في رحلة علاجية طويلة. هناك، آنسها وجودها قرب الإمام الرضا. بدأت روان تستعيد وعيها شيئًا فشيئًا وأدركت أن تشوّهًا كبيرًا ألمّ بوجهها ويدها قد بترت.
خلال إقامتها في المستشفى، كثيرًا ما كان يحملها الحلم إلى بيتها، "أكونُ واقفة في المطبخ، أعصر أوراق الملوخية بين كفيّ"، تقول روان رافعة يديها.
كانت زينب دقيقة الملاحظة لأي تغيّر يطرأ على حال والدتها خلال مكالماتهما اليومية. تعلّق أحيانًا: "ماما صوتك أعلى اليوم. أيوجد دم في فمك؟ هل تستطيعين المشي؟ أحبك واشتقت إليك". تطلب رؤيتها عبر الفيديو، ولكن "الأم الجديدة" كانت تتهرّب من المواجهة متعذّرة بعطلٍ في الهاتف. "حاولت ابنتي بطريقتها الخاصة استيعاب أنني ما زلت على قيد الحياة"، تقول روان. خلال غيابها، خافت الجدة أن ينسى الطفلان وجه أمهما، فكانت تعرض عليهما صورها باستمرار.
في اللقاء الأول بعد عودتها من إيران، صدمت زينب من شكل أمها، خافت وابتعدت. "كأنّها كبرت فجأة في تلك اللحظة". تصفُ روان التغيّر في شخصية ابنتها القوية وقد صارت أكثر حساسية تجاهها، تحرص على راحتها وتوصي الجميع بالاهتمام بها. أما هاني الذي فُطِم عنوةً عن صدرها بعد أن كان شديد التعلّق بها، فاحتاج إلى وقت أطول لتقبّل "الماما الجديدة". تدرك أنّ صغيرها لن يتذكر الأحداث الواقعة قبل عامه الثالث من العمر.
طيلة شهور، حرمت روان من سماع نداء "ماما". "كنتُ أنهار في غرفتي صارخة: أنا لم أفقد عينيَّ ويدي، بل فقدت أمومتي!"
تحاول الوالدة الجريحة استرجاع أمومتها المسلوبة. تبتكر مع طفليها لغة مشتركة جديدة. "ماما دوسي، ماما دوسي!" (ماما المُسي) عوضًا عن "ماما شوفي، ماما شوفي!" (ماما انظري). يحثّها زوجها على مساعدة الأطفال وإن احتاجت لوقت أطول في ذلك، كأن تحضر كوب ماء لطفلتها مثلًا. "مرّة بعد أخرى، عادت زينب لتستأذنني قبل القيام بأي شيء، كما كانت تفعل سابقًا".
"ماما، وين إيدك؟" يسألها هاني. فتجيب زينب:"كسرتَها إسرائيل مثلما كسرت بيتنا".
Share this page