"يقولون إنهم بحاجةٍ لربع ساعة ويجعلوني أنتظرهم لساعات. أكره عندما يتأخر فريق التصوير!" يقول حسين دهيني، الطفل ابنُ ١٢ عامًا، عند وصول فريق مصدر عام إلى بيته الجديد في بلدة طير دبّا.
قبل الانطلاق إلى صور لتسجيل المقابلة، يصرُّ على عرض فيديو المصوّر لأنشودة "نداء العقيدة" التي شارك فيها كمؤدٍ رئيسي مع طلاب "دار الامام الحسين للعلوم القرآنية". يسألُ الفريقَ بعد مرور بضعة دقائق: "هل عرفتم أيّهم أنا؟" مقتربًا من شاشة التلفاز.
يحدّث حسين في الطريق إلى الاستوديو ويمزح ويضحك. يخفُّ حماسه عند جلوسه أمام الكاميرا معربًا عن ضيق صدره بالأسئلة المكرّرة في كل المقابلات. يختصر إجاباته بالنفي أو الإيجاب أو الصمت.
يتكلّمُ عن طورا، بلدته الأم، حيث بيت جدّه الذي كان يتردّد عليه نزولًا من منزله أعلى القرية ليجتمعََ شمل العائلة. درس المرحلة الابتدائية في مدرسة الشهيد أحمد قصير. ويعتبرُ نفسه تلميذًا هادئًا ويعترف بميله للشغبِ في بعض الأوقات. لا تستهويه مادّةٌ دراسيّةٌ ولكنه صار يستسيغ اللغة العربية. وما يزال يلتقي بزملائه السابقين، وخصوصًا صديقه الأقرب إليه حسين حمزة من بلدة معروب. "أشعر أنّه أخي منذ كنّا في الصف الخامس!".
بعد المجزرة، لم يعد حسين يتقبّل العودة إلى بيته الأول. خلال فترة علاجه في إيران مع والدته، نقل أبوه سكن العائلة إلى طير دبّا تماشيًا مع رغبة ابنه الذي فقد شعور الأمان في المنزل.
"كلا، لا أشتاق لطورا!"، يقول بنبرة حاسمة كأنّه يحاول إقناع نفسه بضرورة القطيعة مع قريته التي زرع فيها الطماطم والخيار والنعناع وأكل مما حصد.
كانت أمّه تحضّر الغداء في المطبخ، وعاد أبوه من عمله للتوّ. رنّ جهازُ "البيجر"، فحمله حسين ليعطيه إلى والده. "لمحت إشارة على شاشة الجهاز ولكنّني لم أستطع قراءتها في الغرفة المعتمة. قرّبت الجهاز من وجهي فانفجر".
تنقّل بين عدّة مستشفيات عجزت عن استقباله بسبب عدم جهوزيتها لعلاج حالته. ذهب بعد أيامٍ إلى سوريا قبل أن يتوجه إلى إيران. أجرى العملية تلو الأخرى وعانى من أوجاعها المرهقة في عينيه ووجهه. كانت والدته تسكّن ألمه بالدعاء وتذكّره بالقوّة الكامنة فيه.
رجعَ نظره تدريجيًا وبقيت حركته محدودة في المرحلة الأولى. كوّن صداقاتٍ مع أقرانه الجرحى، فـ"هم أكثر من يفهمني". زار بصحبتهم مقام الإمام الرضا في مدينة مشهد ومقام السيدة المعصومة في مدينة قم.
"تلبّدت السماء بالغيوم الماطرة بعد أن كانت صافية". يصفُ حسين لحظةَ معرفته باستشهاد السيّد "الرجل الطيب الحنون الذي كانت عاطفته تسع الجميع".
بعد عودته من إيران، اقترحت عليه أمه أن يتعاون مع إخوته على مشروع لإنتاج دبابيس بصور الشهداء. "أعجبتني الفكرة. جلبنا الأدوات وأنشأنا صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي. يختار الشخصُ صورة الشهيد ونقوم بتصميمها".
يمضي أوقات فراغه في لعب كرة القدم مع إخوته وجيرانهم أو يتسابقون على دراجاتهم الهوائية التي يعمل أبوه على تصليحها في كوخ ملاصق لبيتهم الجديد. يحبّ تشييد القصور الرملية على الشاطئ لكنّه يفضّل السباحة في المسبح.
ورثَ سرعة الغضب عن والديه ويحاول تهدئة نفسه بالرسم أو الألعاب الهاتفية. "أحبّ أن أتعلّم التصوّير لأصوّر الإخوان مع هيئة اللطم الحسيني في صور." له محاولات تصوير سابقة بالكاميرا الاحترافية ويتوق لامتلاك آلته الخاصة حتى يكرّس وقته للتعلّم. يواظب على حفظ القرآن وقراءة مجالس العزاء ويطمح أن يصير عالمًا دينيًا بعد سنوات.
يحلم حسين بزيارة المسجد الأقصى بعد التحرير. وعند سؤاله عن غزة، يجيب "أرى فيها الإمام الحسين. دمّروا كلّ شيء في غزة وأعداد أهلها في انخفاض والمجاعة مستمرة… أقول للذين هم في عمري: اصمدوا! نحن في لبنان لن نترككم وسنكمل هذه المسيرة معًا".
يحبّ حسين المقاومة، فهي "حاميتَنا ومدلّلتنا والعين التي ترعانا". يفهم أنّها شرط الحرية فـ "لولا المقاومة، لبقي الجنوب محتلاً والعدو قاعدًا مكاننا".
بعد استراحة الغداء، يصرّ حسين على اللهو بالألعاب في المطعم، ويقول للكاتبة: "يسمحون لك باللعب مجانًا لأنني جريح وأنت ترافقيني"، ثم يضحك. يعترف أن الإصابة غيّرته وأصبح أكثر حساسية وتأثرًا. بعد نزهة طويلة، أوصله فريق العمل إلى بيته مع حلول المساء. "أمضيتُ وقتًا مسليًا اليوم"، قال مودّعًا.
Share this page