جاءت زينب إلى استوديو التصوير برفقة خطيبها يقوّي عزمها بنكتة لطيفة من خلف الكاميرا ويخمّن حاجتها قبل أن تنطقها. "لا بالمال ولا بالجمال. الحب بالمواقف"، تقول بثقة العارفة وتنظر إليه ضاحكةً بعين مطفأة وأخرى تستعيد نورها شيئًا فشيئًا.

الحبُّ مركزُ حديثها خلال المقابلة التي أُجريت قبل بضعة أسابيع من عرسها. "أشتاق صحبتها كلمّا فارقتها. وعند عودتي، أحرص على إحضار الحلوى والسكاكر التي تفضّلها"، يقول العريس ويؤكّدُ إجابته الثابتة منذ لقائهما الأول: "أجمل ما فيها عيناها وضحكتها". 

"يؤنسني اهتمامه بي كأنّني ابنته المدللة لا زوجته. أجد في حنانه الأمان".

كبرت زينب في الضاحية الجنوبية وتعلّمت في مدارسها. في سنّ التاسعة عشرة، تعرّفت إلى شريكها ونشأت بينهما محبّة تخطّت الصعاب الاجتماعية والاقتصادية والصحية. عملت في التصميم الداخلي لعدة سنوات. وكان مشروع بيتها الزوجي في بلدة قبريخا الجنوبية أحبّ المشاريع إليها. "اعتنيتُ بأدق تفاصيله واخترتُ طلاء الجدران وأثاث غرف النوم والقعود"، تروي زينب ذكرى غير مكتملة. استهدفت مسيّرات الاحتلال الصهيوني الطابق الأرضي من العمارة بعدما لجأ إليها ثلاثة مقاومين نجحوا في إطلاق صلية صاروخية من ساحة القرية، ثم راحوا يحتمون في البيوت.

صباح يوم المجزرة، خطّطت زينب لنهار عمل طويل خارج البيت، إلا أنّ "التسيير الإلهيّ"، بحسب تعبيرها، دفعها لمباشرة أعمالها من المنزل رفقة صديقتها التي جاءت لتزورها. 

"قمتُ لأبحثَ عن شاحن الحاسوب في الغرفة المجاورة. فجأة، سمعتُ طنينًا قويًا يشبه صوت قنبلة على وشك الانفجار. مسكت جهاز "البيجر"، فقرأت عليه عبارة "error" (خطأ) مع صورة لجمجمة. خفت وحاولت الابتعاد لكنها انفجرت فسقطتُ أرضًا".

امرأة مبتسمة ترتدي حجاباً أسود وتجلس أمام خلفية سوداء. على وجهها ويديها ندوب واضحة.

زينب مستراح في استوديو التصوير في الضاحية الجنوبية. بيروت، لبنان. ١١ آب، ٢٠٢٥. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

هرعت أمها وصديقتها وأخوها نحوها بسرعة، لكنّ الوقت مرَّ طويلًا عليها، فتشوّشت ذاكرتها بشأن الساعات والأيام الأولى. نادت صديقتها بأعلى صوتها وحاولت أن تشرح أن الذي انفجر هو جهاز النداء وليس الشاحن. "كنت أصرخ في داخلي دون أن يسمعوني". تداركت صديقتها الموقف ونقلتها إلى مستشفى الرسول الأعظم حيث كانت ثالثَ الحالات الوافدة. أرعبها مشهد الجرحى وهم يفترشون الأروقة. بعد ساعاتٍ، خرج الطبيب من غرفة العمليات لطمأنة العائلة، فأخبرهم أنّ نجاة إحدى عينيها ما زالت ممكنة. فقدت والدتها الوعي من هول الخبر، وهي التي ظنّت أن إصابة ابنتها مقتصرة على أطراف الأصابع. "هان عليها الأمر عندما فهمت أنّنا نتشارك المصاب مع آلاف العائلات"، تقول زينب. 

وصل خطيبها إلى المستشفى فجر الأربعاء. "شعرت بوجوده قبل أن يحدّثني، فناديته". اقترب منها وهمس في أذنها: "كنت أقول لك دائمًا أنّك مميّزة، والآن أكدّ الله لنا تميزّك، فقد اختارك جريحة من بيننا جميعًا. قومي لنكمل هذه الحياة معًا، وننجب ابنًا يثأر لجراحك". نصحته عائلتها بمراجعة قراره بالارتباط متفهّمةً رغبته بالانفصال إن اختار ذلك، فيما كان هو يغضب ويرفض مناقشة الأمر. "كانت أمي كلما سُئلَت عن حالي تجيب: حبيبها نصف علاجها".

في المستشفى لم تكن زينب قادرة على الرؤية بكلتا عينيها، لكنها حَدَسَت أنّ اليسرى قد انطفأت. سألت أخاها الصغير الذي بقي ملتصقًا بسريرها يقبّل يدها: "هل فقدت النظر بعيني؟"، لم يجبها. "بكى طويلًا في صمت. تركته يفرّغ عن نفسه ثمّ ذكّرته بأننا نحمد الله على كل حال". لاحقًا، سألت خطيبها عن حال عينها اليسرى، فأنكر. بعد قليل، سمعت شجار أخيها وخطيبها خارج الغرفة، إذ أراد كلّ منهما التبرّع بمقلته. علا الصراخ إلى أن جاء الطبيب موضحًا أن الأمر غير ممكن طبيًا، ولا طائل من هذه المشادّة. 

تتذكّر إصابتها بوعكة صحية في منتصف آب ٢٠٢٤ وإقامتها في المستشفى عينها ثلاثة أسابيع. اعتادت الممرضات على صراخها وطلبها المتكرّر للمسكّنات. لكنها نادرًا ما فعلت ذلك بعد المجزرة. حين سألتها إحدى الممرضات عن السبب، أجابت: "هذه المرّة الوجع مختلف".

لقطة مقربة ليدي امرأة تتشبثان ببعضهما بتوتر أمام خلفية من قماش أسود.

يد زينب. بيروت، لبنان. ١١ آب، ٢٠٢٥. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

بعد أيام، جاء أبوها يطلب التحضير للسفر إلى إيران في غضون ساعات. "أثقلني الحزن في تلك اللحظة. رحت أشكو إلى الله فراق البلاد والأهل وأنا في أمس حاجتي إليهم". رافقتها والدتها في رحلتها العلاجية التي استمرت عشرة أسابيع. "في اليوم الخامس، وبينما كانت أمي تسندني لدخول الحمام، لمحت طيفها. صرختُ: أمي، إنّي أراك! إني أراك! ورحت أمسح وجهها بيديّ وأبكي".

تعسّر عليها معرفة الأخبار فور ورودها، لا سيّما أنّ أسرتها في لبنان أخفت عنها توسّع الحرب في الأيّام الأولى. وصل أخوها إلى طهران مع صدور بيان نعي السيد نصر الله. تجنّب دخول غرفة زينب التي خرجت لتوّها من عمليّة دقيقة. "سمعتُ صراخًا وبكاءً جماعيًا، فاستوضحتُ السبب من أحد المترجمين الذي قال إنّ شقيق أحد الجرحى استشهد". 

"ومن هذا الشهيد الذي يبكيه كلُّ الناس؟" سألت زينب قبل أن تشاركهم البكاء. 

قبل أيام من اغتياله، كانت تمازح أهلها قائلة: "بات عندها حجّة للقاء السيد شخصيًا". خلال الحرب، لم تشغلها جراحها عن التواصل مع عائلتها المهجّرة والمشتّتة، "أرعبتني حقيقة أن البلاد كلها تحت النيران الإسرائيلية، لم يعد هناك مكان آمن. كنت أصر على العودة مفضلّة الموت مع عائلتي على فقدها".

تصفُ كيف مرّرت يدها، يومًا، على وجهها تتحسّس التشوهات فقالت في نفسها: "ما همّي بجراحي وأهل غزّة يشهدون إبادةً؟".

تستعيد حزنها العميق على ذلك الجريح وخطيبته عندما أخبرهما الطبيب بأن لا أمل بعودة نظره، وخجلها من إظهار الفرح عند أي تحسن يطرأ على حالتها احترامًا لمشاعر غيرها من الجرحى. علمت بالصدفة أنّ أطراف أصابعها مبتورة عندما كانت الممرضة تغيّر ضمادات الجرح. "شعرت بفرحة غريبة، ربما لأنني وددت أن أحمل شاهدًا معي. ستزيل العمليات الترميمية آثار المجزرة عن وجهي وستبقى يدي علامة على محبة الله".

تفكّر بالعودة إلى مقاعد الدراسة والتخصص في مجال يتناسب مع طبيعة جراحها. تستهويها العلوم الدينية وعلم النفس: "أودّ الإنجاب وتربية أطفالي على نهج المقاومة. لن أستطيع قصّ أظافرهم أو مساعدتهم على الاستحمام لكنني لن أحتاج إلى شرح الصراع مع الاحتلال لهم، سوف يفهمونه عند رؤية جراحي".

امرأة مبتسمة ترتدي حجاباً أسود وتجلس أمام خلفية سوداء. على وجهها ويديها ندوب واضحة.

زينب مستراح في استوديو التصوير في الضاحية الجنوبية. بيروت، لبنان. ١١ آب، ٢٠٢٥. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

تصفُ كيف مرّرت يدها، يومًا، على وجهها تتحسّس التشوهات فقالت في نفسها: "ما همّي بجراحي وأهل غزّة يشهدون إبادةً؟".

كانت زينب ناشطةً في "حملة مقاطعة 'اسرائيل' وكانت مواظبةً على النشر عن غزّة والمقاومة على وسائل التواصل الاجتماعي. صباح السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، استيقظت على صوت رصاص الاحتفال في مخيم برج البراجنة وصراخ الوالدة يملأ البيت: "قوموا انظروا إلى فلسطين!".

خلال معركة الإسناد، كانت تمازح أمّها التي غرست فيها حبّ المقاومة منذ طفولتها: "ألا تخجلين من أنّك لم تقدّمي - طوال هذه السنوات - شهيدًا من أبنائك الثلاثة في مسيرة المقاومة؟ كيف ستقفين بين يديّ الله يا أمي؟" وتضحك. 

هل هذه القصة قيّمة برأيكم؟ ساعدونا في الاستمرار لإنتاج القصص التي تهمكم من خلال التبرع اليوم! تضمن مساهمتكم استمرارنا كمصدر مُجدٍ ومستقل وجدير بالثقة للصحافة المعنية بالمصلحة العامة.