تسألُ المصوّرة الجريح محمد عابد عن الإضاءة لتتأكّد من عدم انزعاجه منها، بينما يشربُ قهوته ويدخّن منتظرًا انتهاء فريق التصوير من التحضير.

"لا بأس، أحسّ بحرارة الضوء دون أن أراه". 

يستشعرُ محمد صمتَ الإحراج الذي يعمّ الاستوديو، فيكسره مستأذِنًا الردَّ على رسالةٍ مكتوبةٍ وصلته عبر "واتساب". يضحكُ ساخرًا، فلا يمكنه قراءتها بأيّ حال. 

"عشتُ سنواتٍ دون أن أستعمل الهاتف الذكي، ولكن منذ عودتي إلى الحياة المدنية عقب الإصابة، صرت أحمل واحدًا".

بعد البسملة والتعريف، يقول: "في هذه الأيام، تحلّ الذكرى الخامسة والعشرون لرحيل عمي وصديقي محمد عابد، فقيد الجهاد والمقاومة". يتذكّر عندما وقفَ يراقب عمَّه باستغراب، وهو يقوم بإجلاء عائلة مسيحيّة من المبنى المجاور أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان في العام ١٩٩٦.

"لماذا يساعد الجيرانَ قبلنا؟ نحن عائلته"، تساءل الطفل محمد ذو الأعوام السبعة. حينذاك، تعلّم أوّل دروس الإيثار وفهم أنّ "خدمة الآخرين عبادة يتشرّف بها الإنسان".

يجلس رجل أمام خلفية سوداء؛ له لحية ويرتدي ملابس سوداء، وينظر إلى الأسفل ضاحكاً بخجل.

أبو شريف في استوديو التصوير. صور، لبنان. ٧ آب، ٢٠٢٥. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

كان عمّه مجاهدًا في حركة أمل وكان ذكرُهُ طيّبًا بين أهل صور مدينته التي دافع عنها ببسالة. خطفته قوات الاحتلال الإسرائيلي مرّةً، إلى سجن عتليت في شمال فلسطين المحتلة. ولاحقًا، اعتقله عملاء الاحتلال في معتقل الخيام في جنوب لبنان. تحرّر وباقي الأسرى مطلع عام ٢٠٠٠ وكأنما "كُتِبَ له أن تُقَرَّ عيناه بتحرير الجنوب قبل أن يتوفّاه الله في الشهر التالي بعد صراع مع المرض".

ترك محمد مقاعد الدراسة باكرًا ليعيل أسرته ويتابعَ تعليمَ إخوتِه. في سنّ الرابعة عشرة، عمل فرّانًا وفوّالًا مع جدّه وأعمامه كلَّ يومٍ من منتصف الليل حتى الواحدة ظهرًا. يقول: "جاهدت أمي معنا. عملت في متجر للألبسة وربّت أربعة شبّان".

لم يعوّض أحدٌ غيابَ أبيه في طفولته. بقي البحر ملجأه عند كلِّ كرب، تجمعهما علاقة يحلو له تسميتها "علاقة ربانية". "كيف أشرحها؟ في كل مرّة قعدتُ فيها وحيدًا على الشاطئ شاكيًا همّي، حمل الموج جوابًا شافيًا من الأفق البعيد".

في العام ٢٠٠٥، انضمّ محمد إلى الدفاع المدني. وفي جلسةِ سمر مع رفاقه المتطوّعين، راح كلٌّ يختار لنفسه لقبًا، فكان "أبو شريف" نصيبه.

 بعد ساعات من وقوع مجزرة قانا في قضاء صور فجر ٣٠ تموز ٢٠٠٦، وصل محمد مع فريق الدفاع المدني إلى المكان: "منعنا العدو من الاقتراب لإنقاذ الجرحى وانتشال جثامين الشهداء ولم تكن بحوزتنا معدات ثقيلة لرفع الركام". أُوكلت إليه مهمة دخول المبنى المدمّر لإنقاذ العائلة العالقة بسبب بنيته الجسدية الصغيرة: "لم أرَ خدوشًا على أجسادهم فقد استشهدوا جميعهم خنقًا".

كما شارك محمّد في المهمّة الطارئة إلى بلدة معروب حيث وقعت مجزرة مبرّة الإمام علي يوم السابع من آب في العام نفسه. "قدّرتُ عمر الطفل الشهيد [حيدر خليل موسى] بالنظر إلى شكل يده، ثم رحت أجمع أشلاءه المتطايرة. لازمني المشهد، فقرّرت، بعد الحرب، أن أنتظم عسكريًا".

والمقاومة، بالنسبة إلى أبي شريف، "فلّاحٌ يزرع شتلات التبغ والزيتون في القرى الأمامية وكلُّ إنسان يدافع عن أرضه وعرضه وكرامته حتى آخر نفس. المقاومة هي شاب أفنى زهرة عمره في خدمتها وبنائها".

يصفُ فرحته الغامرة لحظة بداية عملية طوفان الأقصى صباح السبت في السابع من تشرين الأول ٢٠٢٣. استودع أبو شريف زوجتَه وطفله الرضيع علي مرتضى، حامل "السرّ". "أخبرتها أنني لا أعرف متى أعود. فخلال معركة الإسناد، قصدت بيتي مرّاتٍ قليلة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة"، يقولُ مشيرًا بيمناه. 

عند سؤاله عن إصابته، يعودُ إلى مطلع نيسان ليقصّ رؤياه أواخر شهر الصوم. أحيا "ليلة تقدير الأقدار" ثم استلقى على فراشه. نهض مذعورًا بعد ساعة ونصف على غير عادته. كتمَ كابوسه ودفع صدقةً علّه يرفعُ البلاء. في المنام، شاهد نفسه يقود سيارته قبل أن يصيبها صاروخٌ من الجهة الأمامية. هرع إلى الطريق بيده المقطوعة وعينيه المطفأتين ومشى خطوات قليلة قبل أن يقع أرضًا.

عندما وقعت المجزرة، كان لا يزال أبو شريف ينتظرُ إصابته. 

في تموز ٢٠٢٤ اغتالت إسرائيل فؤاد شكر، القائد العسكري رفيع المستوى في حزب الله، عبر غارة جوية على مبنى سكني في الضاحية الجنوبية، التي أدّت أيضًا الى استشهاد ستة مدنيين. تُظهر لقطات الفيديو بعد الضربة دمارًا كبيرًا، حيث تسبّب الحطام والأنقاض بإصابة العشرات من المدنيين. وصفت إسرائيل الهجوم بأنّه "تصفية دقيقة مستندة الى معلومات استخبارية".

صدف وجود أبو شريف في بيته في ذلك الوقت. "كان ابني علي مرتضى يبكي طوال اليوم دون سبب واضح. لكن مجرّد الإعلان عن استشهاد السيد محسن، هدأ الطفل وسكت". لاحظ محمد البكاء ذاته، الذي فهمه على أنه نذير خطر، عند عدّة لحظات مفصلية خلال الحرب. يقول: "ثمّة سرٌّ في هذا الولد". 

فجر ١٧ أيلول، نهض أبو شريف للصلاة في بيته. استيقظ معه طفله باكيًا. كان لا يهدأ إلا في حضن والده. وكلما حمله مسح الصغير على عينيّ أبيه وابتسم. وعندما يتركه، يعود إلى النواح.

"أشعر أنني ذاهب دون عودة، كأنّه اليوم الأخير"، قال لزوجته. "توكّل على الله"، ردّت عليه مودّعة.

"رضيت بي وهي مدركة أنّ مصيري الإصابة أو الأسر أو الاستشهاد". كغيرها من رفيقات درب المقاومين، وطّنت نفسها على الفقد علّها تخفّف من ثقله.

يجلس رجل أمام خلفية سوداء؛ له لحية ويرتدي ملابس سوداء، وينظر إلى اليسار، وتنتشر ندوب صغيرة في أنحاء وجهه.

أبو شريف في استوديو التصوير. صور، لبنان. ٧ آب، ٢٠٢٥. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

في المركز، لاحظ مسؤول أبو شريف اضطرابه، فسأله: "ما الذي ألمّ بك كأنّك في يومك الأخير؟!". أجاب: "ها أنت قلتها!". نصحه بالعودة إلى بيته وأهله عسى يطمئنُّ برفقتهم. وهكذا فعل بعد أن قام بتسليمه كلّ أعماله تحسّبًا.

"سلكتُ الطريق المؤدّي إلى بيت أهلي لآخذ ابني البكر وأعود به إلى البيت، لكنّ حدسًا أو لطفًا إلهيًا قادني إلى تلك الطريق التي حلمت بها حيث مطعم أخي الصغير ساجد".

بعد السلام، أخبره أنّ قلبه وَجِلٌ. طلب ساجد فنجانَي قهوة من جاره في المتجر المجاور واقترب من أخيه القَلِق. فجأةً، رنّ جهاز "البيجر" رنّةً صاخبة غير مألوفة علمًا أنّه كان في وضعية "الصامت". دفع أبو شريف شقيقه بعيدًا ورفع الجهاز عن خصره، فكان جمرةً حارقة. رماه عاليًا فانفجر بوجهه وقذف به أمتارًا بعيدة. نادى "الزهراء" و"صاحب الزمان" مخضّبًا بدمائه وسط الطريق عينها التي رآها في منامه ليلةَ القدر. مرّ شريط الحلم أمامه وكلُّ من حوله في ارتباك.

كان صديقه حسين فاضل، أبو علي جهاد، أول الواصلين للاطمئنان عليه في مستشفى جبل عامل. واساه مؤكدًا أنّ المحنة ستمرّ. كان محمّد يعلم أنّ الشهادة مصير رفيقه المجاهد "لأنّه عاش حياته شهيدًا وجريحًا مخلصًا للمسيرة المعبدّة بالدماء ومتفانيًا في عمله حتى آخر أيّامه". 

بعد أيام قليلة، انتقل إلى سوريا. هناك، تبادل أطراف حديث أثقل قلبه مع طبيب أخبره، بفظاظةٍ، أنّه فقد نظره نهائيًّا. كانت ليلة جمعة ونام أبو شريف منزعجًا بعد جرعةٍ من المسكّن. زارته في منامه سيّدة وجهها من نور ولم يستطع النظر إليها مباشرةً. 

"حملتني من سرير المستشفى وأوقفتني بين الحرمين. كان المكان دونها خاليًا من الناس. قالت لي: "ابني الإمام الحسين عين وابني أبو الفضل العباس عين ثم مسحت على عينيّ". 

في إيران، لم يقوَ الطبيب على إخباره بنتيجة الفحوصات. قصّ عليه أبو شريف منامَه، فبكى الاثنان.

ذات مرة، زاره صديقه محمود حمتو في منامه. "فوق سطح بيتنا، وقف محمود مبتسمًا خلف عمّي محمد الذي كان متّشحًا بالبياض. سألتُ عمّي: متى دوري؟ أجابني: 'دورك آتٍ، اصبر' ". بعد يومين، وصله خبر استشهاد رفيقه محمود. كان رجلًا طيب القلب ومحبًّا للناس ومقبولًا عندهم. بحكم انشغالهِما العسكري، كانا يفترقان لفترات طويلة، لكنّ حرارة الصداقة لم تخفت يومًا.

في ليلةٍ أخرى، كان شحادة كعور، الذي ترعرع محمد معه ومع إخوته، زائرَ المنام. في الحلم، اقترب أحد أشقاء شحادة من محمد ووضع يده على كتفه وقال: "تفضّل! أصلِح بين أخويك كعادتك". في اليوم التالي، اتصل به شقيق شحادة نفسه ليطمئن على حاله ويزّف له خبر ارتقائه. "حزنت كثيرًا على فراقه. خيرة الأصحاب اختارهم الله فعبروا شهداء. لم أعرف شخصًا أوفى وأخلص منهم في حياتي". 

يجلس رجل أمام خلفية سوداء؛ له لحية ويرتدي ملابس سوداء، وينظر إلى الأسفل ضاحكاً بخجل.

أبو شريف في استوديو التصوير. صور، لبنان. ٧ آب، ٢٠٢٥. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

يختم حديثه بالكلام عن فلسطين: "هي الروح بكلمات الحاج رضوان (عماد مغنية) والجنوبيُّ معلّقٌ قلبه بتراب فلسطين. مظلوميّة شعبها مطبوعة في وجداننا ولن نتخلى عن أي أرض مقاوِمة".

والمقاومة، بالنسبة إلى أبي شريف، "فلّاحٌ يزرع شتلات التبغ والزيتون في القرى الأمامية وكلُّ إنسان يدافع عن أرضه وعرضه وكرامته حتى آخر نفس. المقاومة هي شاب أفنى زهرة عمره في خدمتها وبنائها".

بعد انتهاء التصوير، علّق صديق أبو شريف الذي كان يرافقه، على طلاقته في الكلام، وهو أمرٌ لم يعهده فيه قبل الإصابة حين كان يُعرف بصمته الخجول. صار محمد يجالس الشباب في مقهى الحارة ويسمع مشاكلهم ويحاول المساعدة في حلّها، ويحدّثهم عن المقاومة ويبيّن لهم جدواها. مساء ذلك اليوم، انتشر فيديو من مسيرة عفوية جابت شوارع مدينة صور، وكان أبو شريف على رأسها يهتف دعمًا لحق ناسه في المقاومة المسلحة دفاعًا عن أنفسهم وأرضهم. 

هل هذه القصة قيّمة برأيكم؟ ساعدونا في الاستمرار لإنتاج القصص التي تهمكم من خلال التبرع اليوم! تضمن مساهمتكم استمرارنا كمصدر مُجدٍ ومستقل وجدير بالثقة للصحافة المعنية بالمصلحة العامة.