استعار الجريحُ اسمَ الاستشهادي عاصي زين الدين، ابن منطقة برج البراجنة في بيروت الذي ارتقى عام ١٩٨٣ مع اثنين من رفاقه في "عهد العشرة" وهي مجموعةٌ قادها فؤاد شكر وتعاهدت في مسجد الناصر بمنطقة الأوزاعي على قتال إسرائيل حتى لو استشهدوا جميعًا.

كَبُر على حبّ المقاومة: "علّق أهلي صورة كبيرة في غرفة القعود للإمام الخميني متربّعًا على العشب في باريس. ما تزال حاضرة في ذهني".

لوالده أثرٌ كبيرٌ في تشكيل وعيه السياسي، لكنّ "هذا الأرشيف للمستقبل، يُنشر بعد استشهادي بإذن الله"، يوصى عاصي أثناء المقابلة.

"عرفت فلسطين في المخيم وشغفت بالمقاومة من خلال الاستعراضات العسكرية السنوية بمناسبة يوم القدس وخطابات السيد نصر الله". أولى الأشرطة المسجّلة التي سمعها كانت لفرقة الولاية، وأحبّها إلى قلبه كاسيت "الشعب استيقظ يا عبّاس": "كان غلافه رماديًا عليه خطوط زهرية وصفراء".

درس عاصي الإعلام متخصّصًا في الصحافة المكتوبة وهوى التصوير. يوضح أنّ اهتمامَه بالتاريخ الشفوي وتوثيق سير الشهداء ليسَ مدفوعًا بـ"الحنين إلى ماضٍ جميل بقدر ما هو محاولة لاستلهام العبر وبناء مستقبل المقاومة اقتداءً بالنبي الذي كان يسرد على المؤمنين قصص الأولين لتثبيتهم".

يدٌ مرفوعةٌ أمام خلفيةٍ سوداء. ثلاثةُ أصابعَ مصابةٌ ومبتورة، وتوجدُ ندوبٌ على راحةِ اليد.

يد الجريح. ٣١ تموز، ٢٠٢٥. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

"لاحظت حركةً كثيفة ومريبة للمسيرات في أجواء العاصمة والجنوب. حَدَسْتُ أنّ العدو على وشك تنفيذ ضربة كبيرة". كان منشغلًا بإنجاز مهمّة عندما سمع صوتًا قويًا وغريبًا من جهازه المعلّق على خصره الأيمن: "فحصت الجهاز عند استلامه وراجعت نغماته الست. لم يكن هذا الصوت من بينها". أمسك جهاز النداء بيسراه، فانفجر قبل أن يضغط زرّ "ok". 

وقع على الكرسي صارخًا "يا زهراء" وفهم أنّ المسيرات أشارت للأجهزة بالتفجير. "شممتُ رائحة الحروق ونظرتُ إلى يدي فوجدتها غارقةً بالدم. رحت أبحث عن أصابعي المبتورة. بعضها بقي موصولًا بقطع الجلد". 

لم يدرك حجم الإصابة في وجهه وعينيه. نادى رفاقَه في المركز دون مجيب. "شعرت بسخونة على صدري. كشفت عن بطني وأذهلني ما رأيت. اعتقدت أن أمري انتهى ولا تفصلني عن الشهادة سوى دقائق فانتظرت ملاقاة الله واستقبلت القبلة".

قامَ بعد قليلٍ ليبحث عن إخوانه بين الغرف فوقع أرضًا. انتبه له أحدُهم وقد انتابه الذعر. "حملوني على طاولة إلى أول سيارة متوفرة في محيط المركز. لمسَت يدُ أحدهم أشلاءَ بطني، فارتعب. قلت له إنَّ الأمر سينتهي خلال دقائق وطلبت منه التوكّل على الله". 

يدٌ مرفوعةٌ أمام خلفيةٍ سوداء. ثلاثةُ أصابعَ مصابةٌ ومبتورة، وتوجدُ ندوبٌ على راحةِ اليد.

يد الجريح. ٣١ تموز، ٢٠٢٥. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

كان هادئًا لحظة وقوع الحدث وعند روايته بعد شهور. "كبرت الخسّة في رأسي. ظننتُ أنّي وحديَ المستهدف في هذه المجزرة"، يقول ساخرًا. لم يجدوا مكانًا في أول مستشفيين بسبب اكتظاظ الحالات الطارئة. أخذت تتضح لهم الصورة شيئًا فشيئًا. ظنّ عاصي أنَّ الاعتداء طال شريحةً معيّنةً في الجسم التنظيمي دون سواها.

"سألت رفيقي الذي يقود السيارة إلى المستشفى الثالث: هل بدأ التقدّم البري؟ كان ذلك هاجسي الأول. "لا، لا عليك…"، أجابني وقد بدا عليه التوتر. رحتُ أقرأ من آياتٍ القرآن لأسكّنَ خوفَه وأذكّرَه أنّ الشهادة غاية الأمر". ثَقُل نفس عاصي. تركه صديقه في ممر المستشفى الثالث وهرعَ لإنقاذ من يمكن إنقاذه من المصابين. "تمايلت يمنًى ويسرى لأفهم المشهد، فرأيت الشباب مجزّرين كالأضاحي".

لمسَته لهفةُ الناس الذين انكبوا على مساعدة الجرحى برغم إدراكهم أن هذا قد يضعهم في دائرة الاستهداف. وتأثّر بالجرحى "الذين يؤثرون ولو كان بهم خصاصة". كاد يغمى عليه، فراح يتلو الشهادتين. "شعرت أنّني أنتقل من نشأتي الأولى إلى الثانية. في تلك اللحظات، رأيت الله بعين خرجت من محجرها". سرّ سكينته في تصديقه وعد الحسنيين.

"في السابع من أكتوبر، رأيتُ عبور الجليل ولم أتخيله فحسب. تعلّمت من غزةَ التوحيدَ ورأيت فيها تجلّي معاني الثبات والصبر". يومها ألحّ على رفاقه ومسؤوليه بالسؤال: "ها قد عبر الفلسطينيون، ماذا عنّا، متى نعبر؟"

"احترت بين سورتَي "الفجر" و"المؤمنون". هل أدعو ربي أن "يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربّك راضية مرضية" أم "يا ربّ ارجعونِ لعلّي أعمل صالحًا؟". بالنسبة لعاصي، الشهادة قرار.

همس عندما استيقظ من غيبوبته: "هل استشهدت؟". جاءه الجواب بالنفي من عائلته في غرفة المستشفى. "كدت أفقد عقلي. طلبت العودة إلى العمل على الفور. أحمد الله دون اعتراض على قدره. وأدرك أنه لو قُبضت روحي في ذلك اليوم لكانت معرفتي أقل". يخاف أن تغريه الدنيا فيتعلّق بها، يستعيد كلام السيد نصر الله في مقابلة مع الصحافة الغربية، قال فيها إنّه يغبط الشهداء على العالم الذي ذهبوا إليه "حيث لا قتال ولا حرب ولا جوع ولا شمعون بيريز أو كلينتون".

استقبل قائد فيلق القدس الجرحى عند وصولهم إلى إيران للعلاج، وكان من بينهم عاصي، الذي أُهديَ خاتمًا من المرشد الأعلى بمناسبة عيد ميلاد السيدة زينب تاركًا في نفسه جميل الأثر. فور عودته إلى لبنان، طلب من أخيه الذهاب إلى المنشأة إيّاها: "أردتُ اختبارَ شعوري حيال المكان. كانت رائحة البارود تعمّه بعد تعرّضه للقصف خلال الحرب. وقفت فوق الردم وطلبت صورة تذكارية رافعًا شارة النصر".

سألته المصوّرة عن معنى العودة إلى الضاحية دون السيّد، فقال إنّ "السيد هو المنظومة" والضاحية لم تفقده ثم نظر إلى صديقه ودندنا معًا: "ما همّ أن نموت في دوي صرخات الحرب. ما همّ إذا وجدنا بعدنا من يحمل السلاح، من يواصل الكفاح".

يدٌ مرفوعةٌ أمام خلفيةٍ سوداء. ثلاثةُ أصابعَ مصابةٌ ومبتورة، وتوجدُ ندوبٌ على راحةِ اليد.

يد الجريح. ٣١ تموز، ٢٠٢٥. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

عن جبل عامل يقول: "ارتباط العاملييّن بالجليل راسخٌ منذ قرون في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، من تجارة ومصاهرة وسواها. كان الجنوبيون أول من تلقّف خطر مشروع الإبادة الصهيونية وتهجير أهل الأرض خلال النكبة عام ١٩٤٨ وما تلاها من إسناد واشتباك لمجموعات المقاومة. وبالرغم من العثرات الكثيرة خلال سنوات الثورة، إلّا أنّ القضية الفلسطينية بقيت مركزية في الوجدان الشيعي".

ينهي حديثه بالكلام عن طوفان الأقصى وحرب الإبادة: "في السابع من أكتوبر، رأيتُ عبور الجليل ولم أتخيله فحسب. تعلّمت من غزةَ التوحيدَ ورأيت فيها تجلّي معاني الثبات والصبر". يومها ألحّ على رفاقه ومسؤوليه بالسؤال: "ها قد عبر الفلسطينيون، ماذا عنّا، متى نعبر؟"

يضحك عند سؤاله، ختامًا، عمّا بعد التحرير: "سيكون يوم عمل عادي. زوال الاحتلال ليس إلا محطةً في رحلة طويلة لتحقيق العدل في بلادنا". 

هل هذه القصة قيّمة برأيكم؟ ساعدونا في الاستمرار لإنتاج القصص التي تهمكم من خلال التبرع اليوم! تضمن مساهمتكم استمرارنا كمصدر مُجدٍ ومستقل وجدير بالثقة للصحافة المعنية بالمصلحة العامة.