Main Content

المشهد الأخير

تلقينا جميعًا دعوةً واحدة. كلّنا أصحاب العزاء اليوم، تتشابك نظراتنا، نتشبّث بثوانٍ أخيرةٍ من الشكّ، كما لو أنّنا سمعنا الخبر منذ دقائق فقط، ووجدنا أنفسنا مجتمعين نستمع للسيد يطمئننا أنّه بخير، وأنّه انتصر!

أقول لنفسي، لا بد أنّ الله نظر إلينا في تلك اللحظات.
لا بد أن أرواح شهدائنا تعانقنا وتربّت على أكتافنا.
وأنّ أمٌ سمعت ابنها يقول لها أن السيد بخير، معه.

أستعيد خطبة للشيخ راغب حرب يقول فيها: "لا بد من قلوبنا أن تمر بكل جرح…"
أتساءل، ما لها قلوبنا تنبض وقلب الحبيب توقف! ألم تدري؟ ألم تسمع؟ ربما قلوبنا لم تصدق بعد، أجيب نفسي، لذلك لا بد لها أن ترى.

بعد ساعات كانت أطول من الحرب نفسها، نسمع صوته ونرى النعش يمر بيننا، وكأننا حين لمحناه لم نعد نسمع سواه! اختفت كل الجموع وصرنا فردًا واحدًا. حضر اثنين للعزاء فقط… "نحن" وهو!

لن تصدق قلوبنا أبدًا، وكيف تصدق موت حبيبٍ يسكن فيها؟

نساء معزيات يحملن صورة السيد الشهيد على مدرجات الملعب البلدي في انتظار استقبال النعش. بيروت، لبنان، ٢٣ شباط، ٢٠٢٥. (فاطمة جمعة، مصدر عام)
امرأة تحتضن صورة السيد الشهيد وتبكي بحرقة عند رؤيتها للنعش ظاهرًا. بيروت، لبنان. ٢٣ شباط، ٢٠٢٥. (فاطمة جمعة، مصدر عام)
امرأة تبكي بحرقة بلحظة ظهور نعش السيدين الشهيدين. بيروت، لبنان. ٢٣ شباط ٢٠٢٥. (فاطمة جمعة، مصدر عام)
يد تلوّح لنعش السيد الشهيد بين الجموع الغفيرة التي جاءت لتودعه. بيروت، لبنان. ٢٣ شباط، ٢٠٢٥. (فاطمة جمعة، مصدر عام)
خلال المسيرة باتجاه الضريح، يظهر نعش السيد الشهيد وسط أولاده من نخبة الرضوان. بيروت، لبنان. ٢٣ شباط، ٢٠٢٥. (فاطمة جمعة، مصدر عام)
امرأة تبكي حاملة صورة السيد الشهيد بين جموع المشاية باتجاه الضريح تحت سماء ماطرة. بيروت، لبنان. ٢٣ شباط ٢-٢٥. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

    فاطمة صلاح جمعة

    فاطمة صلاح جمعة هي مصورة وصانعة أفلام لبنانية.

    لماذا أصوّر تشييعًا؟

    الصورة الأبدية
    أكتب عن هذا اليوم قبل مجيئه بأشهر. أكتب عنه كوني لا أجرؤ على أن أكتب "إليه". استشهاد السيد موضوعٌ أحرص على تجنّبه. أحدّث بعض الرفاق فأقول أنّ شعبنا بحاجة لصفعة كهذه، وأنّنا لم نستحقه فعلًا ولم نحسن الإصغاء، فقد أبهرتنا بصورته. لعلّ أكثر ما يخيفني أنّني لا أريد له أن يكون صورة فقط، وعلى الرغم من ذلك، أراه الصورة الأخيرة… التشييع الأخير

    أعود للكلام عن الصورة.
    أكتب وأفكر بعملي، بالصورة التي بحثت عنها طيلة سنة ونيّف.
    خلال هذه المدّة، سُئلتُ كثيرًا عن دوافعي للحاق بكل تلك التشييعات، لماذا أصور تشييعًا؟
    والآن، أجدني مع كل هذه الصور، كأننا تبادلنا الأدوار. صارت كلّ النساء تنظرن إليّ كما كنت أنظر إليهن.

    لماذا أصور تشييعًا؟ لماذا أريد للحظات الموت والدفن أن تبقى إلى الأبد؟
    كنت بحاجة لأن أفعل شيئًا ما! وإن لم أفقد حبيبًا غير السيد في هذه الحرب، أردت القيام بواجبي تجاه هذه العائلة الكبيرة، أن أمنحها كما تمنحني. أعلم أن لتلك الصورة أسباب غير الأنا.
     

    طفل مشارك في تشييع الشهيدين نصر الله وصفي الدين.


    الحلم
    أعود اليوم إلى اللّحظة الأولى. روضة الشهيدَين، زاوية أمام قبر شهيد، طفل صغير اسمه محمد. حينها جلست بقربه وبكيت، ربّما لأنّها المرة الأولى التي أخسر فيها فردًا من عائلتي، من أحبائي المقربين. أذكر ذلك اليوم جيدًا: وجوه حائرة، رجال كثر، كل واحد ينتظر أن يصرخ أحدنا ويكذّب الخبر، من يوقظنا؟ من يشرح لنا ما الذي حدث؟ صرنا نسمي هذا اليوم بأسماء كثيرة، الامتحان، القدر، اللعنة، الأمر الإلهي… مسميات نحتاجها كي لا نورد اسم السيّد والشهادة في جملة واحدة.

    أراقب من جديد هؤلاء الرجال. في تلك اللحظة، كان شهداء الروضة هم الأحياء بيننا، ينبضون بالحياة أكثر من زوارها.
    في تلك اللحظة، عاش الشهداء كلهم، ومُتنا جميعًا.
    حينها أذن الله للسيد أن ينتصر، مرّة وإلى الأبد. 

    أعود إلى محمد، يعلو صوت البكاء شيئًا فشيئًا. يتوافد الزوار، أنظر حولي، لا أعرف من أرى، ما أرى، أحاول أن أركّز في وجه محمد، هو الآخر ينظر نحوي! أقرّر الخروج، لكنّي أتجمد في مكاني عند سماعي ذلك الصوت، صوت امرأة، دخلت تكلّم أحدهم. تصل إلى منتصف الجبانة، تتوقف أمام قبر، تخاطب صورة الوجه المعلقة، "شو عم تعمل فوق؟" ، ثم تنظر الى وجوه الأحياء وتصرخ "إنتو كلكن شو عم تعملو فوق؟ مش المفروض تكونوا عم تحمّوه؟" ثم تحدّث ابنها من جديد: "دفنتك كرمال ما إحضر دفن الغالي… لما دفنتك هون قلت فداك يا سيد… هلأ شو بقول؟"

    حلمٌ لم نستفق منه بعد.
    أقترب من المرأة، ابنتها تبكي بالقرب منها، ترتجف بصمت. أنظر إلى عينيها، أرى ما كانت تهذي به، إنها تراهم، "اليوم يجتمع الحبيب مع أحبّته كلّهم!"

    محمد مرة أخرى، وأدرك في تلك اللحظة أنني فعلًا أعرفه!
    لقد صورت تشييع هذا الطفل عقب استشهاده متأثرًا بجراحه في مجزرة أجهزة البيجر. 
     

    من تشييع الطفل محمد الذي ارتقى إثر إصابته في مجزرة البيجر. بيروت، لبنان.



    وجه أمي
    أدوّن خواطري قبل رؤية ما التقطته ولم ألتقطه من "لحظات أبدية".
    لم تحضّرني التشييعات المئة لهذه اللحظة… 

    كان لا بد أن ألتقي بكل الشخصيات في هذه الحكايا. نساء حفظت وجوهههنّ وغفلت عن أسمائهنّ. في الملعب، في مكان التشييع، أراها مجدّدًا، السيدة من مركبا، كنت قد صورتها في تشييع أولاد أختها، يومها عمد العدو إلى ترهيب المشيّعيين وقصف في محيط القرية. ثم عدت ورأيتها مرة أخرى في تشييع السيد محسن. كما هي، كانت تعلّق صور أعزّائها على صدرها. كم كانت جميلة! 

    أدخل الملعب، أسعى نحو صورته…
    أفكر بجدران بيوتنا الحائرة، أتخيلها تقول: ما بهم قد أخذوا الصورة الأغلى منّا؟
    أفكر ببيوتنا، تسأل ما الذي حدث؟ أين صورته المعلقة في قلوبنا؟ وأين هو؟
    سؤال غريب، لم يسبق أن طرحته على نفسي قط.

    كنا نشعر به حولنا، لكن أن نعلم اليوم مكان تواجده لهو حقًا شعور موحش! تحمل النساء الصور المعلقة في البيوت، أسمع أحاديثهنّ فيما يخاطبن أولادهنّ: "أنا مبسوطة لك يا حبيبي، مبسوطة لك إنك مع السيد اليوم…" أنظر إلى الوجوه، وأجد بينها وجهًا أعرفه، أم الشهداء الأربعة، كنت قد صورتها في تشييع ابنها الرابع في ضاحية بيروت الجنوبية. تجلس اليوم بحضرة شهيدها الأخير… قبّلت وجهها كثيرًا، لم تعرفني. 
     

    سيدة في تشييع أختها في بلدة مركبا الحدودية. الجنوب، لبنان.
    سيدة في تشييع السيد محسن في الضاحية الجنوبية لبيروت.
    سيدة تحمل علم حزب الله في تشييع الشهيدين نصر الله وصفي الدين.


    ثم أجد رجاء، الشخصية الأولى، كنت قد صورتها في أول عمل جامعي لي سنة ٢٠١٩. رجاء هي بنت شهيد وأخت شهيد وشهيدة! استشهد أخوها خلال هذه الحرب في عيناثا. "أني فاطمة! اشتقتلك…" لقد عرفتني! تعانقنا طويلًا، عناق العزاء، عزاء البيت، عزاء الأخ والسند. حينها ظهرت الطائرات الحربية الإسرائيلية في السماء، في تلك الثواني المعدودات، كانت رجاء أول من هتف "الموت لاسرائيل! الموت لمن دمر بيتي، الموت لمن قتل أخي، الموت لمن ظنّ أنه بوسعه ترويعنا في يوم الثورة!"
    حالي كحال الآلاف، لم أخف خلال التشييع…. شعور جميل، أن تتيقّن من أن الخوف قد اختفى.

    أفتّش عن أمي، عن وجه أمي. أجدها في كل امرأة، أستعيد كلماتها قبل أيام قليلة "ما تزعلي مني يا فاطمة، بس السيد كان أغلى من كل ولادي… السيد كان أحلى حدا يا أمي… "

    أفكر بها، كم هو جميل يا عزيزتي أن أستذكرك في تلك اللحظات، في اللقاء الأول.
    كم هو جميل يا عزيزتي أننا في هذا التشييع!

    لمَ أزعل منك؟
    لمَ لا أرَ إلا جميلًا؟
    لمَ أصور تشييعًا؟ 
     

    سيدة تضع شال حزب الله على كتفيها في التشييع المهيب للشهيدين السيد حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في المدينة الرياضية. ٢٣ شباط ٢٠٢٥.
    سيدة تحمل صورة الشهيد السيد حسن نصر الله في يوم تشييعه المهيب في المدينة الرياضية. ٢٣ شباط ٢٠٢٥.

     

     

      فاطمة صلاح جمعة

      فاطمة صلاح جمعة هي مصورة وصانعة أفلام لبنانية.

      صلاة واجبة

      أجول في قرية عرفتها منذ زمن طويل.

      أعود الى طفولتي، حين زرت مع عائلتي لأول مرة ”بوابة فاطمة“، أذكر سعادتي آنذاك، بوابة باسمي!
      أستذكر شريطًا صورته أمي في ذاك النهار، أسمع صوت أبي يشرح، "من هناك انسحب الإسرائيليون ليلاً من جنوب لبنان الذي احتلوه 22 عاماً، تحت وطأة ضربات المقاومة…" يسأله اخي الصغير " يعني وين الإسرائيلي؟"، أجيب بسرعة: "ما عم يقلك هربوا!"

      إذا تحولت بوابة فاطمة التي تفصل كفركلا اللبنانية عن قرية المطلة في فلسطين المحتلة إلى مَحَجٍّ للناس، أمر لم تحتمله إسرائيل، فبنى جيشها جدارًا بطول خمسة كيلومترات فوق خط الحدود.
      إنّ جل ما يفعله الجدار هو سجن الإسرائيليين أنفسهم!

      بعد ٢٤ سنة من أول مشوار، أزور القرية مع صديقتي، بنت كفركلا، تعود إليها لأول مرة منذ سنة ونيف، نجتاز بصعوبة ساترًا ترابيًا، ونصل الى مدخل القرية، "هاي الضيعة؟" تسأل، أجيبها بعد دقائق: "بعرفش!" نمشي لدقائق معدودات، ننظر من حولنا، لا أدري أين الساحة، وأين الطريق، لم أجرؤ أن أسأل، أين هي القرية؟

      نمشي قليلًا، وكما في كل قرية حدودية، يصادفنا مشهدٌ دائمًا ما يتكرّر: نساء ورجال وأطفال ينكشون في الأرض، يمسكون عدّة الزراعة بحثًا عن أي أثر لشهيد. من بعيد، يبدون للرائي كمن يزرع في الأرض. أفكر … هكذا يزرع أهل الجنوب.

      ندخل إلى ما تبقى من بيتها، "الحمدالله مش مخربشين ع حيطان البيت!"، تتفقد كل غرفة، "هون كان ينام خيي، هيدا الصندوق يلي قلت لأمي تجيبو ونسيت!" نقف على سطيحة المنزل، تغمرها الفرحة وهي تقول لي "بتعرفي، هي أول مرة من سنة ونصّ بصلّي واجب!"

      نصل إلى جبانة القرية، نسمع شيخ القرية ينعى شابًا سعيدًا " فضل يحيى، ما ترك الضيعة… استشهد ببيتو، وما كان بدو يفل من كفركلا، ما كان لازم يضل، بس ضل يساعد هَالشباب، وما ترك البيت!"
      أجيب نفسي، إذا لقد وجدتُ القرية.

      يقف أفراد العائلة فوق ركام بيتهم في بلدة كفر كلا المحررة بسواعد أبنائها، يواجهون موقع المطلة الصهيوني في فلسطين المحتلة. كفر كلا، جنوب لبنان. ٢٠ شباط، ٢٠٢٥. (فاطمة جمعة/مصدر عام)
      كتابات بالعبرية على أحد المنازل في كفر كلا. كفر كلا، لبنان. (فاطمة جمعة/ مصدر عام)
      عائلة تنبش بأدوات الزراعة عما تبقى من أثر للشهداء في ركام بيت في كفر كلا المحررة. كفر كلا، لبنان. ٢٠ شباط، ٢٠٢٥. (فاطمة جمعة/مصدر عام)
      سيدة في مقبرة البلدة المدمرة بفعل العدوان الصهيوني. كفر كلا، لبنان. ٢٠ شباط، ٢٠٢٥. (فاطمة جمعة/مصدر عام)
      أم جالسة بالقرب من ضريح ابنها في مقبرة بلدة كفر كلا الحدودية، والتي استهدفها العدو الصهيوني مراراً خلال معركة الإسناد ومن ثم أولي البأس وخلال المهلة المحددة لانسحاب قواته من الأراضي اللبنانية.
      أهالي بلدة كفر كلا يؤدون صلاة الجماعة على أرواح الشهداء قبالة موقع صهيوني عسكري. كفر كلا، لبنان. ٢٠ شباط، ٢٠٢٥. (فاطمة جمعة/مصدر عام)

       


       

        فاطمة صلاح جمعة

        فاطمة صلاح جمعة هي مصورة وصانعة أفلام لبنانية.

        عودة حمزة إلى الأرض، وعودة أم حمزة الى القرية

        كانت تردد اسمه قائلةً:
        "يا إمي هالإسم
        يا إمي هالإسم "حمزة" يا إمي
        يا إمي أول إسم بالضيعة سميتك ياه يا إمي
        فش حدن مسمّي حمزة يا إمي
        أني أول وحدة سميت يا إمي بالصوانة يا إمي"

        سبق وتعرفت على أم حمزة، أم الشهيد، في مدرسة نزوح في بيروت. هذه هي المرة الأولى التي أصور أماً أعرفها في تشييع ابنها بعد مضي شهر على استشهاده. كانت تخبرني عن جراحه بعد تفجيرات أجهزة ”البيجر“ وإصراره على الالتحاق بالجبهة، ”كان بيعرف، وقال لي أوعك تبكي يا حجة! زلغطي بتشييعي يا أمي." ثم تزغرد:
        "يا حزب الله يا سيفاً يوم الحرب
        يا شمع مكة ويا ضو القمر ع الدرب
        أويها قديش قلت لكن يا قويين القلب
        أويها قتلتوا عدوكم وعلقتوا له مشنقته ع الدرب
        … يا امي هيك بدك ياني زلغط؟
        هو كان يقلي زلغطي يا إمي…"

        بعد أيام من وقف إطلاق النار، زرت أم حمزة لأول مرة في قريتها الصوانة. سألتها عن ابنتها فاطمة، لم أجدها في تشييع أخيها، فقالت لي أن الجنوب يودع اليوم كل أبنائه وصادف أن يتمّ تشييع زوج فاطمة بالتزامن مع أخيها.

        خلال التشييع في بلدة الصوانة العاملية، لم تكن ترى أم حمزة سوى ابنها، سوى صورته. أما نحن، وعلى الرغم من فوضى الأصوات، لم نسمع سوى "زلاغيطها" التي يمتزج فيها الفقد بالفخر.

        النساء والأطفال يتحلقون حول قبور الشهداء في مقبرة الصوانة. جبل عامل، لبنان. (فاطمة جمعة، مصدر عام)
        يد أم الشهيد تمسح على تراب قبره. الصوانة، لبنان. (فاطمة جمعة، مصدر عام)
        نساء يتحلقن حول أم حمزة الجاثية على صورة ابنها وقبره في الصوانة، جنوب لبنان. جبل عامل، لبنان. (فاطمة جمعة، مصدر عام)
        أطفال يتحلقون حول قبر الشهيد في تشييع الصوانة. جبل عامل، لبنان. (فاطمة جمعة، مصدر عام)
        أم حمزة تحمل صورة ابنها الشهيد في تشييعه في قرية الصوانة. الجنوب، لبنان. (فاطمة جمعة، مصدر عام)


         

          فاطمة صلاح جمعة

          فاطمة صلاح جمعة هي مصورة وصانعة أفلام لبنانية.

          زيارة طويلة إلى منزلي

          في ٢٧ تشرين الثاني، ظننتُ أن كابوسًا سينتهي مع وقف إطلاق النار عند حلول الساعة الرابعة فجرًا. في تلك الليلة، لم أميّز بين غارات الحمرا والغربية والضاحية. صادفتُ بيتي في ذلك المربع الأحمر المشؤوم، لعنت كل مرّة مررت عليه بسرعة خوفًا من غارة أقصى ما يمكنها فعله أن تقتلني في بيتي! ولكن كيف ستكون العودة؟ كيف أضمّ الأرض كلها في قلبي؟

          عند الساعة السادسة صباحًا، توجهت صوب الحي الذي أقطنه في الضاحية. تشابكت نظرات من يبحث عن بيته تائهًا مع من يلملم بعض الذكريات ومن بدأ بمرحلة ”التعزيل“... وجدت بيتي، لكن بيوت جيراني قد اختفت. أما المدرسة المجاورة التي شتمتها في كل صباح، تضرّرت صفوفها معلنة انتهاء عام دراسي لم يبدأ قط. ماذا يستبدل أصوات الأطفال غدًا؟ وهل نعتاد صوت ردم البيوت؟

          عندما كنت أدلّ موظّف التوصيل في سناك ”عروسة لبنة“ أو مطعم ”الجواد“ على بيتي، كنت أقول له: ”هني بنايتين حد بعض، مش يلي عليها صورة الشهيد…“ اليوم، عُلّقت صور السعداء على كل الأبواب والبيوت. بتنا نعرّف عن أنفسنا بأسماء الذين غادرونا، نريد من كل العالم أن يمعن النظر في وجوه أغلى شبابنا. أنتظر إعادة افتتاح المطاعم من جديد، لا بد أن أجد طريقة أخرى لأدلّ بها الموظّف على بيتي، لئلا يتوه إلى الأبد بحثًا عن البناية ”يلي ما عليها صورة شهيد.“

          أجول في الضاحية وأستذكر كلمات كريستين، فتاة صغيرة من حي السلم قابلتها في مدرسة تحوّلت إلى مركز للنزوح، تحدّثني عن حيّها: ”بطَّل في ولا بيت عايش“. يا تُرى هل عاش بيتها أم مات بمفرده؟ أفكر بيتي، لا أريد أن تقتله رائحة البراد، أضعه خارجًا مع سائر برادات العمارة، وأبدأ التعزيل ولملمة الزجاج والاطمئنان على من تبقى من جيراني. بعدما طار الشباك من مكانه، صارت جارتي في البناية ”يلي عليها صورة شهيد“ وكأنّها في منزلي. 

          جارتي، مطبخي، مكتبتي… بات لضمير المتكلم وقعٌ مختلف. مع بعضنا، كلّنا نتكلّم بصيغة الجمع، فنقول: ”الحمد لله ع سلامتنا“، ”المهم شبابنا مناح“، ”ضيعتنا فيها ٨٠ شهيد“… فجأةً، يصبح الحيُّ منزلًا كبيرًا يجمعنا كلنا. أشرب أول فنجان قهوة في منزلي ”من دون حرب“ ثم أقصد دوار الكفاءات. لعلّ أكثر ما كنت أحتاج إليه خلال الشهرين الماضيين، كان رؤية مشاعري تتجسد في من حولي، وأن أشعر بأنّني جزء من جماعة. كان تجمعنا العفوي في أماكن مختلفة في الضاحية ما هو بالنسبة لي إلا تعبير عن الاشتياق! لاحقني هوسي بالصورة حتى في هذا اليوم، التقطتُ بعضًا منها، لكنّي رفضتُ أن أبقى خارجها، فالتحقتُ بالناس.

          لفتني شاب يافع يقف في منتصف الطريق ويوزّع صور السيد على المارّين. ارتعبتُ بمجرّد التفكير باليوم المرتقب، بسرعة طردتُ من رأسي تلك الفكرة ورحت أتابع حركات الشاب، وإذ برجل خمسيني يخرج من سيارته، يأخذ صورةً ويقبّلها ويقبّلها ثم ينهار باكيًا في منتصف الطريق كطفل صغير. كان مشهد ذاك الرجل مقبًلا صورة السيّد من أجمل المشاهد التي لم تلتقطها عدستي. خفتُ أن تجتاحني تخيّلات ذاك اليوم من جديد، فعدتُ أدراجي إلى منزلي لأول مرة منذ دهرين.

          في الساعات الأولى لوقف إطلاق النار، رجل يقود باصًا أبيض اللون، يرفع شارة النصر وعلم حزب الله من الشباك، ويظهر خلفه دمار المباني في الضاحية الجنوبية. ٢٧ تشرين الثاني، ٢٠٢٤. الضاحية الجنوبية، لبنان. (فاطمة جمعة، مصدر عام)
          عقب وقف إطلاق النار، رجل ينظّف مدخل العمارة وصورة السيد الشهيد معلّقة على الحائط. ٢٧ تشرين الثاني، ٢٠٢٤. الضاحية الجنوبية، لبنان. (فاطمة جمعة، مصدر عام)عقب وقف إطلاق النار، رجل ينظّف مدخل العمارة وصورة السيد الشهيد معلّقة على الحائط. ٢٧ تشرين الثاني، ٢٠٢٤. الضاحية الجنوبية، لبنان. (فاطمة جمعة، مصدر عام)
          كنبة تمكّن أصحابها من تخليصها من بين ركام البيوت في الضاحية الجنوبية لبيروت. ٢٧ تشرين الثاني، ٢٠٢٤. الضاحية الجنوبية، لبنان. (مصدر عام، فاطمة جمعة)
          رجل يعود مع أطفاله الثلاث إلى حيّهم المدمّر في الضاحية الجنوبية خلال ساعات من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ. ٢٧ تشرين الثاني، ٢٠٢٤. الضاحية الجنوبية، لبنان. (مصدر عام، فاطمة جمعة)
          صورة من شقّة المصوّرة في الضاحية الجنوبية، اختفت العمارة المقابلة جرّاء الاستهداف الصهيوني الوحشي، وتضررت صفوف المدرسة المجاورة. ٢٧ تشرين الثاني، ٢٠٢٤. الضاحية الجنوبية، لبنان. (فاطمة جمعة، مصدر عام)
          امرأة ترفع شارة النصر من شباك باص للعائدين إلى الضاحية الجنوبية. ٢٧ تشرين الثاني، ٢٠٢٤. الضاحية الجنوبية. (مصدر عام، فاطمة جمعة)

            فاطمة صلاح جمعة

            فاطمة صلاح جمعة هي مصورة وصانعة أفلام لبنانية.

            المشهد التاسع: شارع الشرارات الأولى

            ألتصق بالشاشة الصغيرة بحثًا عن أخبار الالتحام، أسافر بذهني إلى القرى القديمة. أغمض عيناي، وأشعر بدفء الأرض يتسرّب إلى جسدي، تتردد نبضات القلب مع كل طلقة! طلقات شبابنا المدبرين، العابرين. أصعد جنوبًا، أحسد جوف الحقول الذي يصغي لهمساتهم، أشمّ رائحة الدم والتراب. أطير فوق سهل الخيام، فأشاهد موقع المطلة يحترق!

            بتمام الساعة الرابعة فجرًا يخترق صوت الغارة خيالي، فأنهض. أتّجه إلى شارع فتح الله، شارع الشرارات الأولى، أحاول العودة لذلك الزمان، لكن رائحة الدمار تجبرني على البقاء مستيقظة. 

            يذكّرني أهل المنطقة بضاحية أشتاقها، تحاوطني وجوه الأحياء المعلقة على الجدران. ها هو العدو يحاول عبثًا أن ينتقم من الأرواح النائمة في منازلها وأماكن نزوحها. أسعى للاحتفاظ بصورة البيوت ووجوه أهلنا وهم يبحثون عن الحياة، لا الموت! أدرك أنّ لا سبيل لالتقاط صور الخيال، أو حتى مشاعر الأجساد، إن عجز آلاتنا وإيماننا بشعورنا يجعلنا ننحني فقط أمام الأحياء فعلا بيننا.

            مغلّف رسالة من أحد المنازل المدمّرة جراء العدوان الصهيوني على شارع فتح الله، هوى على سيارة متضرّرة. بيروت، لبنان. ٢٣ كانون الأول، ٢٠٢٤. (مصدر عام، فاطمة جمعة)
            رجل بقميص أحمر يدخّن سيجارته مارًا أمام بيت بيروتي تراثي مدّمر جرّاء العدوان الصهيوني على منطقة البسطة. بيروت، لبنان. ٢٣ كانون الأول، ٢٠٢٤. (مصدر عام، فاطمة جمعة)
            قطة مقتولة في شارع فتح الله عقب الضربة الإسرائيلية التي استهدفت منطقة البسطة في العاصمة اللبنانية. بيروت، لبنان. ٢٣ كانون الأول، ٢٠٢٤. (مصدر عام، فاطمة جمعة)
            جنود من الجيش اللبناني يقفون أمام صورة للسيد الشهيد نصر الله في شارع فتح الله. بيروت، لبنان. ٢٣ كانون الأول، ٢٠٢٤. بيروت، لبنان. (مصدر عام، فاطمة جمعة)
            صورة مطبوعة للإمام الخميني على أحد الجدران في شارع فتح الله. بيروت، لبنان. ٢٣ كانون الأول، ٢٠٢٤. (مصدر عام، فاطمة جمعة)
            شعارات مكتوبة على مبنى متضرر في شارع فتح الله عقب الاستهداف الصهيوني على منطقة البسطة، "نصر من الله وفتح قريب، لبيك يا نصر الله"، بينهما صورة مطبوعة للشهيد على طريق القدس، المجاهد محمد علي كمال قبلان. بيروت، لبنان، ٢٣ كانون الأول، ٢٠٢٤. (مصدر عام، فاطمة جمعة)
            رجل يتأمل الدمار عقب العدوان الصهيوني على فتح الله، يقف أمام دكان وتظهر صورتين للشهيدين محمد علي كمان قبلان والسيد حسن نصر الله، معلقتين على براد للمشروبات. بيروت، لبنان. ٢٣ كانون الأول، ٢٠٢٤. (مصدر عام، فاطمة جمعة)
            سيارة مدمّرة جراء العدوان الصهيوني على فتح الله، وتظهر خلفها صورة معلقة حديثًا للشهيد السيد حسن نصر الله. بيروت، لبنان. ٢٣ كانون الأول، ٢٠٢٤. (مصدر عام، فاطمة جمعة)
            عنصر من الدفاع المدني يجلس مدخنًا سيجارته، يأخد استراحة من عمله في انقاذ الجرحى وانتشال جثامين الشهداء في العدوان على شارع فتح الله. البسطة، بيروت. ٢٥ كانون الأول، ٢٠٢٤. (مصدر عام، فاطمة جمعة).
            جنود من الجيش اللبناني وعنصر من الدفاع المدني يقفون أمام المبنى المستهدف في شارع فتح الله. بيروت، لبنان. ٢٣ كانون الأول، ٢٠٢٤. (مصدر عام، فاطمة جمعة)

              فاطمة صلاح جمعة

              فاطمة صلاح جمعة هي مصورة وصانعة أفلام لبنانية.

              المشهد الثامن: سماء بيروت

              ظننت لوهلةٍ أنّ الغارة الإسرائيلية قد ضربت حواسي كلّها. يرتجف جسدي، فتطبع أصابعي بشكل تلقائي رسائل اطمئنان لكل اسم يمرّ في خاطري. تُصَمّ أذناي لبعض الوقت، ثم يصدح ضجيج العالم دفعة واحدة: الـmk، سيارات الإسعاف، صوت أمي وأقاربي، ثم صمت مدوٍّ… فألوذ بعينيّ إلى السماء.

              لم تكن السماء الملجأ الذي عهدته في تلك الليلة، كانت حمراء قانية وكأنّها مشهدٌ خياليّ تحذّرنا من إطالة التحديق وتجبرنا ألوانها القاسية على إعادة النظر في الواقع. لعلّ الساعات التي تلت الغارة كانت الأطول، مرّت بطيئًا ما بين انتشال جثامين الضحايا وإنقاذ الجرحى وإعلان أسماء الشهداء والبحث عن بقايا ذكريات… ريثما ترجع السماء التي تعودنا عليها.

              شاحنات فوج الإطفاء في بلدية بيروت تحت سماء الحمراء النارية عقب العدوان الصهيوني الأميركي على منطقة مار الياس. مار الياس، بيروت. ١٧ تشرين الثاني، ٢٠٢٤. (فاطمة جمعة، مصدر عام)
              عناصر من فوج الإطفاء والدفاع المدني أمام المتاجر المدمرة والمحترقة نتيجة الغارة الإسرائيلية على مار الياس في العاصمة اللبنانية. مار الياس، بيروت. ١٧ تشرين الثاني، ٢٠٢٤. (فاطمة جمعة، مصدر عام)
              ثلاثة عناصر من الدفاع المدني أثناء عملهم على إنقاذ الجرحى وجثامين الشهداء بين المحال والطوابق السكنية المدمرة والمحترقة والمتضررة، ينظرون إلى غيمة حمراء من الدخان الكثيف والنيران ممتدّة. مار الياس، بيروت. ١٧ تشرين الثاني، ٢٠٢٤. (فاطمة جمعة، مصدر عام)
              شاحنة فوج الإطفاء في شارع مار الياس التجاري. مار الياس، بيروت. ١٧ تشرين الثاني، ٢٠٢٤. (فاطمة جمعة، مصدر عام)
              رجل من فرق الدفاع المدني يتّكئ لهنيهة على سيارة ويلتقط أنفاسه خلال عملية الإنقاذ للجرحى والشهداء في شارع مار الياس عقب الغارة الصهيونية الهمجية. مار الياس، بيروت. ١٧ تشرين الثاني، ٢٠٢٤. (فاطمة جمعة، مصدر عام)

                فاطمة صلاح جمعة

                فاطمة صلاح جمعة هي مصورة وصانعة أفلام لبنانية.

                المشهد السابع: النزوح

                خلال زيارتي لمراكز النزوح، أشهدُ تحول المباني البيضاء إلى بيوت صغيرة ومؤقتة. في كل غرفة، عائلة نازحة مع قهرها وأحلامها… يجتمع أهل البقاع والجنوب والضاحية في طابق واحد، فتقترب تولين من الناقورة، وتصبح بعلبك المدينة جارة حيّ السلم. تتشارك النساء المونة وأغراض "التعزيل" كما تتشاركن ذاكرة النزوح الأول والثاني، وحشة الحرب، الاشتياق للتراب والحجر، وسجائر السيدرز!

                صورة من مجمّع بير الحسن الذي تحوّل إلى مركز للنزوح، تظهر فيها eثياب المهجّرين المغسولة بأيدي الأمهات معلّقة على مقاعد الدراسة أمام شبّاك داخل أحد الصفوف. بيروت، لبنان. ٣ أكتوبر، ٢٠٢٤. (مصدر عام/ فاطمة جمعة)
                صورة من مركز النزوح في مجمع بير الحسن، تظهر فيها شبابيك الصفوف الدراسية معلّقة عليها ثياب المهجّرين. بيروت، لبنان. ٣ أكتوبر، ٢٠٢٤. (مصدر عام/ فاطمة جمعة)
                امرأة تدخّن سيجارتها في أحد الصفوف الذي تحوّل إلى بيت مؤقت داخل مركز النزوح في مجمّع بير الحسن. بيروت لبنان. ٣ أكتوبر، ٢٠٢٤. (مصدر عام/فاطمة جمعة)

                  فاطمة صلاح جمعة

                  فاطمة صلاح جمعة هي مصورة وصانعة أفلام لبنانية.

                  المشهد السادس: الصراط

                  استهداف مبنى قناة الصراط والخوف من الدعاء.

                  لا تزال الحاجّة والدتي من "مكانها الجديد" الذي تأبى أن تسميه منزلًا، تتابع قناة الصراط. نستيقظ على دعاء الصباح ونغفو على مبارزة صوتية بين المسيّرة من الخارج وصوت الدعاء في الداخل. 

                  كنت أتابع هذه القناة خلال شهر رمضان وأنتظر العد العكسي لموعد الإفطار. أما الآن، فأنتظر سماع دويّ القصف على الضاحية، أحيانًا بعد إعلان العدو وأحيانًا دون ذلك، باتت بيوتنا منشآت حربية يحقّ له تفجيرها!

                  ومع أول قصف لمؤسسة إعلامية لبنانية، دمّرت طائرات الاحتلال في ٢ تشرين الأول، ٢٠٢٤، مبنى قناة الصراط، وهي قناة دينية ثقافية مقرّها في الضاحية الجنوبية. 

                  أمام هذا الدمار، أسأل: هل تسمعنا المسيّرة كما نسمعها نحن؟ هل تسمع أصوات الدعاء من قناة الصراط؟ من هذا العدو الذي يخاف صوت الدعاء حدّ التدمير؟

                  صورة تظهر الصحافيين يصوّرون يافطة رُفعت فوق ركام مبنى قناة الصراط الثقافية في الضاحية الجنوبية عقب الاستهداف الصهيوني الهمجي. يُقرأ على اليافطة: "لن تسقط لنا راية" بجانب صورة السيد الشهيد حسن نصر الله. الضاحية الجنوبية، لبنان. ١ تشرين الأول، ٢٠٢٤. (مصدر عام/ فاطمة جمعة)
                  صورة للفرق الصحفية أثناء الجولة الإعلامية إلى مبنى قناة الصراط الثقافية عقب الاستهداف الصهيوني الهمجي. الضاحية الجنوبية، لبنان. ١ تشرين الأول، ٢٠٢٤. (مصدر عام/ فاطمة جمعة)
                  صورة تظهر يد رجل يحمل مفتاح عقب الاستهداف الصهيوني الأول على مبنى قناة الصراط الثقافية في الضاحية الجنوبية. ١ تشرين الأول، ٢٠٢٤. (مصدر عام/ فاطمة جمعة)

                    فاطمة صلاح جمعة

                    فاطمة صلاح جمعة هي مصورة وصانعة أفلام لبنانية.

                    المشهد الخامس: الضاحية

                    الضاحية، ذكريات و"دوكترين" 

                    صراخ سائقي فان رقم ٤، تمتمات وأحاديث الناس العائدين إلى بيوتهم بعد مجالس عاشوراء في الباحة، خطاب السيد من كل دكان وبيت، ضحكات الأولاد، أناشيد المضائف، والصمت في روضة الشهداء بعد كل تشييع... هذه بعض من إجابات أصدقائي وعائلتي حين أسألهم عن أجمل ذكرياتهم في الضاحية.

                    منذ ٣٠ تموز، يستهدف العدوان الاسرائيلي بوتيرة شبه يومية الضاحية الجنوبية لبيروت، بعد حرب تموز ٢٠٠٦، بات اسم الضاحية مرتبط باستراتيجية إسرائيلية تقوم على توجيه ضربات واسعة النطاق للمناطق التي تعتبر داعمة للمقاومة بهدف خلق ضغط سياسي عبر إلحاق خسائر مادية للبيئة الحاضنة للمقاومة في لبنان.

                    لقد تغيرت ملامح حيّ الطفولة للأبد، تدمّرت الأبنية التي سكنها جيراني ولن تعود كما كانت، وقد لا يبقى منزلي أيضًا! لم تكن العمارات التي رمّدَتها إسرائيل مجرّد حجارة جامدة في حياتنا اليومية، بل كانت نبضًا حيًّا نعيش فيه، ولكنّني أشكّ في قدرة الصواريخ على تدمير الصراخ والهمسات والأحاديث والأناشيد والصمت. 

                    كل تكنولوجيا العالم لا تستطيع اغتيال الأصوات.

                    صورة تظهر يافطة مرفوعة في الضاحية الجنوبية عقب الاستهداف الصهيوني الهمجي، يُقرأ عليها: "فكأن الدنيا لم تكن، وكأن الآخرة لم تزل، والسلام". الضاحية الجنوبية، لبنان. (مصدر عام/ فاطمة جمعة)
                    صورة تظهر شجرة خضراء نضرة وسط الدمار في الضاحية الجنوبية. الضاحية الجنوبية، لبنان. (مصدر عام/ فاطمة جمعة)
                    صورة تظهر المباني المدمّرة في الضاحية الجنوبية. الضاحية الجنوبية، لبنان. (مصدر عام/ لبنان)
                    صورة تظهر يافطة عُلّقت في حي من أحياء الضاحية الجنوبية المدمّرة نتيجة القصف الصهيوني الهمجي، يُقرَأ عليها: "صُنع في أميركا وربيبتها "إسرائيل". الضاحية الجنوبية، لبنان. (فاطمة جمعة/ مصدر عام)

                      فاطمة صلاح جمعة

                      فاطمة صلاح جمعة هي مصورة وصانعة أفلام لبنانية.

                      المشهد الرابع: ميس الجبل

                      رحلة إلى ميس الجبل

                      إنّ الضربة التي ادّعى العدو أنّها استهدفت كبار قادة المقاومة حصرًا في الضاحية الجنوبية لبيروت، يوم العشرين من شهر أيلول المنصرم أدّت إلى تدمير مبنى سكني واستشهاد ما لا يقلّ عن ٥١ مدني وإصابة ٧٧ آخرين.

                      في قرية ميس الجبل، صوّرتُ تشييع سبعة أفراد استشهدوا في مسكنهم في الضاحية، لم أدرك حينها أنّ الحرب التي أعلنت من سنة، قد بدأت الآن، والتشييعات العديدة التي تقام لا سبيل لتوثيقها وإحصائها كلّها. 

                      تنتهي مرحلة البرزخ وقد أصبحت كل القرى ساحةً للمعركة، نأتمن شبابنا على أغلى ما نملك، وننزح قسرًا.

                      أسماء شهداء ميس الجبل: الطفلة فاطمة أحمد حمدان، الطفلة مرام قاسم حمدان، القائدة الكشفية آية حسين حمدان، الكشفي علي محمد حمدان، محمد حسين شقير، جميلة حسن الأخرس.

                      فتيات يحملن صور شهداء ميس الجبل الذين ارتقوا في ضربة الضاحية الجنوبية التي ادّعى العدو استهداف كبار قادة المقاومة الإسلامية ونتج عنها مجزرة مهولة. ميس الجبل، لبنان، ٢١ أيلول، ٢٠٢٤. (فاطمة جمعة/ مصدر عام)
                      فتاة تحمل صورة شهيدة من ميس الجبل من الذين ارتقوا في ضربة الضاحية الجنوبية التي ادّعى العدو استهداف كبار قادة المقاومة الإسلامية ونتج عنها مجزرة مهولة. ميس الجبل، لبنان، ٢١ أيلول، ٢٠٢٤. (فاطمة جمعة/ مصدر عام)
                      شبان من الهيئة الصحية الإسلامية يحملون نعوش رفاقهم الذين ارتقوا في ضربة الضاحية الجنوبية التي ادّعى العدو استهداف كبار قادة المقاومة الإسلامية ونتج عنها مجزرة مهولة. ميس الجبل، لبنان، ٢١ أيلول، ٢٠٢٤. (فاطمة جمعة/ مصدر عام)
                      فتيات يحملن صورة الشهيدة الحاجة جميلة الأخرس من الذين ارتقوا في ضربة الضاحية الجنوبية التي ادّعى العدو استهداف كبار قادة المقاومة الإسلامية ونتج عنها مجزرة مهولة. ميس الجبل، لبنان، ٢١ أيلول، ٢٠٢٤. (فاطمة جمعة/ مصدر عام)
                      نساء في مقبرة ميس الجبل المدمرة عقب استهداف العدو الصهيوني للبلدة، وهي الصورة الأخيرة التي التقطتها عدسة المصورة في الجنوب قبل التهجير الجماعي الكبير. ميس الجبل، لبنان. ٢١ أيلول، ٢٠٢٤. (فاطمة جمعة/ مصدر عام)

                        فاطمة صلاح جمعة

                        فاطمة صلاح جمعة هي مصورة وصانعة أفلام لبنانية.

                        المشهد الثالث: القائم

                        أروي الحكاية كما عشتها ليلة الجمعة، يوم العشرين من شهر أيلول قرابة الساعة الثالثة والنصف، في بيتي الكائن على الطبقة الخامسة بالقرب من مجمّع القائم... يتهيّأ لي أنّي أسمع أصوات الصواريخ، ثم أتأكد أنّي بالفعل قد سمعت أربعة!

                        لقد أغار الطيران الإسرائيلي على مبنى سكني مؤلف من سبعة طوابق، فدمّره بالكامل. ثم أطلق الصاروخ الثاني على الطوابق السفلية لمبنى ملاصق.

                        في تلك الليلة، تجمّدت في مكاني، لم أكن أريد أن أرى ما سمعت.

                        عنصر من الدفاع المدني يرفع شارة النصر عقب مجزرة القائم. الضاحية الجنوبية، لبنان. ٢١ أيلول، ٢٠٢٤. (فاطمة جمعة/مصدر عام)
                        فرق الدفاع المدني تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه عقب مجزرة القائم. الضاحية الجنوبية، لبنان. ٢١ أيلول، ٢٠٢٤. (فاطمة جمعة/ مصدر عام)
                        بدلات الدفاع المدني تظهر على السيارات المتضررة عقب مجزرة القائم. الضاحية الجنوبية، لبنان. ٢١ أيلول، ٢٠٢٤. (فاطمة جمعة/ مصدر عام)
                        لعبة طفلة وُجدَت بين الركام عقب مجزرة القائم. الضاحية الجنوبية، لبنان. ٢١ أيلول، ٢٠٢٤. (فاطمة جمعة/ مصدر عام)

                          فاطمة صلاح جمعة

                          فاطمة صلاح جمعة هي مصورة وصانعة أفلام لبنانية.